أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟















المزيد.....

هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 13:10
المحور: الادب والفن
    


تنبثق مقارنة عميقة بين رواية الأدميرال لا يحب الشاي للروائي نزار عبدالستاروبين فيلم Nautilus وهو اقتباس حر لرواية "عشرون ألف فرسخ تحت البحر".إذ ننطلق مع البطل في مغامرة للهروب من شركة الهند الشرقية البريطانية التجارية التي استعبدته ومعظم طاقمه، فضلًا عن ارتكابها سلسلة طويلة من الفظائع.حيث يتجسد Captain Nemo بوصفه ليس مجرد شخصية تشبه لانكسترفأنا لا أقارن بين عملين متوازيين، بل بين نمطين من الوعي هما وعيٍ ينهارعبر الفهم، ووعيٍ يهرب عبر الفعل. في الرواية، يبدأ كل شيء من تفكك المعنى، من تلك اللحظة التي يسأل فيها زيز لانكستر "ماهو الشاي؟"، وكأن السؤال ليس عن مادة، بل عن عالم فقد منطقه. أما في المشهد الدرامي، فإن البداية تأتي من تعريف مضاد ((Nemo… nobody أي أن الهوية تُمحى كي تبدأ الحكاية. بين سؤال يفضح الجهل وتعريف يمحو الذات، تتشكل مفارقة تأسيسية، فالرواية تكتب الانهيار من الداخل، بينما المسلسل يكتب الخروج من الخارج. فهل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟

تُبنى شخصية زيز لانكستر في الرواية بوصفها شظية حية من جسد إمبراطورية متعفنة، كائن لا يدرك أنه جزء من الخراب الذي يمارسه. حين يقول ببرود مرعب "أنا لا أستمتع إلا في قتل الهنود… إنهم يحركون رؤوسهم وأيديهم بكثرة"، فإن هذه الجملة لا تعبّر عن نزعة فردية بقدر ما تكشف عن منطق استعماري يرى في الآخر فائضاً مزعجاً يجب إسكاته. إن زيز لا يبرر، لأنه لا يشعر بالحاجة إلى التبرير، العنف عنده طبيعي، كأنه جزء من النظام الكوني. في المقابل، يظهر نيمو في Nautilus كشخصية خرجت من هذا النظام، لكنها احتفظت بوعيها به، فاختارت أن تعيد تعريف القوة عبر المعرفة. في قوله "لولا نيمو، لما وُجد أيٌّ من هذا... تصميم المحرك، كانت فكرته" يتجلى نيمو كعقل مُبدع، لا كذراع ضاربة. إن الفرق بين الاثنين ليس في الفعل فقط، بل في مصدر الفعل لأن زيز يقتل لأنه لا يعرف، ونيمو يهرب لأنه يعرف. فهل الجهل هو ما يجعل الإنسان أداة مثالية للعنف، بينما المعرفة هي ما تمنحه إمكانية الانفلات؟

تتحول صناديق الشاي في الرواية إلى مركز رمزي كثيف، ليس لأنها تمثل سلعة، بل لأنها تكشف عن فراغ النظام الذي أنتجها. حين يُقال إنها "حمولة زائدة تخلّت عنها الباخرة"، فإننا أمام لحظة انكشاف. فالإمبراطورية لم تعد تعرف ماذا تفعل بمنتجاتها، أو ربما لم تعد تعرف لماذا تنتجها أصلاً. إن سؤال زيز "ماهو الشاي؟" يصبح هنا إعلانًا عن انفصال تام بين الفاعل والبنية، بين الجندي والآلة التي يخدمها. في المقابل، فإن نيمو في Nautilus لا يجهل أداته، بل يصنعها، يتحكم بها، ويستخدمها للهروب "هذا هو جهاز التحكم الخاص بالنوتيلوس" يقول أحدهم، وكأن هذه الجملة هي النقيض الكامل لسؤال زيز. فهناك من يجهل ما يملك، وهناك من يملك لأنه يعرف. وبين الجهل والسيطرة، تتحدد إمكانية الفعل. فهل يمكن للإنسان أن يتمرد على نظام لا يفهم آلياته، أم أن الفهم هو الشرط الأول لأي ثورة؟

العلاقة بين زيز لانكستر وبراين ليس تكشف عن بنية معقدة من التواطؤ، حيث لا تُفرض السلطة بالقوة فقط، بل تُعاد صياغتها لغوياً حتى تبدو مقبولة. حين يقول براين" ثق يا لورد البحر أنك أطلقت عليها النار بحب" ، فإنه لا يخفف من الجريمة، بل يعيد تعريفها، يحوّل العنف إلى تعبير عن العاطفة، وهو ما يعكس جوهر الخطاب الاستعماري. تبرير القتل باسم الرسالة. إن براين ليس مجرد تابع، بل شريك في إنتاج هذا الوهم، وهو ما يجعل العلاقة بينه وبين زيز علاقة تبادلية، حيث يحتاج كل منهما الآخر ليحافظ على وهم المعنى. بالمقابل، لا نجد في عالم نيمو هذا النوع من التزييف؛ طاقمه لا يجمّل الواقع، بل يشاركه مشروعاً واضحاً في لحظة التمرد"أنت قادم معنا... لكن عليك أن تمسك بنا أولاً."لا يوجد خطاب، بل قرار. إن الفعل هنا يسبق المعنى، بينما في الرواية، النية تسبق الفعل وتشوّهه. فهل التبرير هو ما يجعل العنف ممكناً، أم أنه مجرد قناع يخفي عجزاً أعمق؟

من الناحية الجمالية، تشتغل الرواية على تفكيك اللغة من الداخل، حيث تتحول الجملة إلى ساحة صراع، والوصف إلى إدانة. حين يُقال إن المبنى "بيت تنام فيه سمعة التجار الإنكليز الجشعة"، فإن اللغة لا تصف، بل تحاكم، لا تنقل الواقع، بل تعيد تشكيله أخلاقياً. هذه الكثافة تجعل من القراءة تجربة خانقة، حيث لا يمكن للقارئ أن يبقى محايداً. في المقابل، يعتمد Nautilus على الصورة، على الإيقاع، على الحركة، حيث يصبح التمرد مشهداً يمكن رؤيته. لكن الصورة، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة أمام قدرة اللغة على التلاعب بالوعي، على خلق مفارقات لا يمكن تمثيلها بصرياً. إن زيز لانكستر ليس فقط ما يفعله، بل ما يقوله، وكيف يقوله، وهو ما يجعل نقله إلى الشاشة مهمة شبه مستحيلة دون فقدان جوهره. فهل يمكن للصورة أن تنقل تعقيد اللغة، أم أن كل تحويل بصري هو بالضرورة تبسيط؟

في العمق، تكشف المقارنة عن صراع بين هويتين هما هوية مفروضة وهوية مختارة. زيز لانكستر يتمسك بلقب "الأدميرال"، رغم أنه يعلم في قرارة نفسه أنه وهم، لأنه لا يملك بديلًا، لأن هويته كلها مبنية على هذا القناع. إنه يريد أن يكون "أحداً"، حتى لو كان هذا الأ[حد مزيفاً. في المقابل، يختار نيمو أن يكون لا أحدNemo… nobody، وهو اختيار يحمل قوة هائلة، لأنه يحرره من كل انتماء قسري، من كل تعريف خارجي. إن نيمو لا يفقد هويته، بل يعيد تعريفها خارج اللغة الاستعمارية، بينما زيز يفقد نفسه في محاولة التماهي معها. وبين التمسك بالاسم ونفيه، تتجلى مفارقة عميقة لأن أحدهما يسقط لأنه يريد أن يُعرَّف، والآخر ينجو لأنه يرفض التعريف. فهل الهوية قيد يجب التحرر منه، أم ملاذ لا يمكن الاستغناء عنه؟

ربما مقارنتي هذه لا تقدم إجابة نهائية، بل تفتح أفقًا للتفكير في طبيعة الإنسان داخل أنظمة القوة. زيز لانكستر ليس مجرد شخصية، بل تجسيد لانهيار داخلي لا يحتاج إلى عدو خارجي، بينما نيمو هو تمثيل لإمكانية الخروج، لإعادة تشكيل الذات خارج منطق السيطرة. لكن هذا الخروج ليس سهلًا؛ إنه يتطلب وعياً، معرفة، وجرأة على فقدان كل شيء. إن الرواية تكشف كيف يمكن للنظام أن يبتلع أفراده حتى وهم يظنون أنهم يسيطرون عليه، بينما المسلسل يُظهر كيف يمكن لفرد أن يسرق الأداة ويهرب بها. وبين الابتلاع والهروب، تتحدد مصائر الشخصيات، وربما مصائرنا نحن أيضاً. فهل نحن أقرب إلى زيزلانكستر الذي يعيش داخل النظام دون أن يفهمه، أم إلى نيمو الذي فهم فاختار أن يكون لا أحد؟
بيروت-لبنان - الثلثاء 5 أيار 2026 الساعة 11 صباحاً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
- الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة
- هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟
- عالم الصيادين الجزء الثاني يُكافىء من ينجو لا من يتزن
- أنت زهرة ميلادي دائما يا بني
- هل أراد صبحي الفحماوي تفكيك التاريخ لا عبر نفيه، بل عبر مساء ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين Solo ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين
- هل يمكن أن تُختزل الحياة إلى تطبيقات ذكية ومعادلات رأسمالية ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟