ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 14:01
المحور:
الادب والفن
صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
قد يسأل القارىء لماذا أقارن النسيج بالرسم في هذا المقال؟ وقد تبدو المقارنة الأولى غريبة للقارىء من نول وحلقات، خيوط تعمل وفقاً لقانونٍ ميكانيكي، مقابل فرشاة وألوان وعقل يخطّ طريقه على سطحٍ بصري مثقل بالجمال. لكن هذا الانطباع يخفي حقيقة أعمق وهي كل من النسيج والرسم يَنْشأان من محاولةٍ لبناء نظامٍ بصري أي من هندسةٍ تُنظم حركة البصر والزمن داخل سطح. النسّاجة الألمانية والأصح الفنانة أني ألبِرزAnni Albers ليست مصادفةً وجودها في موضوع هذه المقالة فحسب، بل مفهومٌ يروي تاريخاً فنياً في إعادة تعريف المادة بوصفها فاعلاً فكرياً ومقارنة أعمالها بأعمال الفنان جبران طرزي Gebran Tarazi، ولوحاته العقلانية هندسياً، يقدم مقارنة مثيرة رسمٌ يتعامل على نحوٍ ما بصرامة وحزم وجمال كنسيج أني ألبرز، ويطرح سؤالًا مهماًعن العلاقة بين اليد والفكر، بين الحرفة والنظرية، بين النوع والجنس. أردت من خلال مقالي هذا قراءةٌ تفحّص بنية كلا العملين أولًا على مستوى المادة والتقنية، ثانياً على مستوى الشكل والإيقاع، وثالثاً على مستوى السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومن ثم محاولة الخروج بإطارٍ مفاهيمي يوضّح التلاقح والتباين بين الحِرْف والفن الذي كشفته أنشطة ألبِرز والتقاليد التجريدية الهندسية. فهل النسيج آلة فكرية أم ريشة طرزي تدفعك إلى لب التفكير بكل هذا العمق؟ وماذا عن رسومات كل منهما ؟
النسيج بقانونه البسيط هو التلاقي المنتظم للخيوط الطولية والعرضية، وهو في جوهره آلة بصرية. ما يميّز آني ألبِرز هو أنها فهمت هذه البنية كمنطقٍ للتأليف البصري.إذ ليست الخيوط وسيلةً فحسب بل عناصر دلالية لها وزنها وإيقاعها ولونها، وخاصية امتصاص الضوء أو عكسه. فعند ألبِرز يصبح النول مختبراً،, التجربة ليست هدفاً وظيفياً (مثل صناعة الستائر أو البطانيات)، بل بحثاً أساسياً في خصائص المادة ، لمعانها، شفافيتها، ردة فعلها للضوء، طاقتها الصوتية، قدرتها على خلق عمق بصري داخل مسطح مسطّح. فالتقنيات التي طوَّرتها أو وظّفتها وهي المزج بين الألياف الطبيعية والصناعية، إدخال خيوط السيلوفان والمعادن، العمل على سماكات مختلفة، اللعب بدرجات التوتر على النول! كلها ليست تجميلًا عرضياً إنها طرائق منتجة للمعنى. إذ يتبدى التحول من حرفة تُمارَس وفقاً لقوالب إنتاجٍ تقليدية إلى فن يُعيد تعريف المادة، ويمنح الخيط صوتاً وصفة استدلالية. هذه الآلية الجمالية في النسيج تجعل منه طريقة تفكيرٍ لا مجرد فن زخرفيًّ فقط. فهل الرسم الهندسي هوالنولُ في اليد، أم اليد على النول؟
في لوحات الفنان جبران طرزي نرى شبكة من الأشكال مربعات مثلثات مستطيلات الخ ... إيقاع متكرر، لون أخضر باهت مع درجات رمادية أو برتقالي مع رمادي، أو تقسيمات تُذكّر بالفصل الطولي والعرضي في النسيج تُظهِر بوضوح رغبةً في السيطرة على البنية وتفكيكها في آن. إذا عدنا إلى فكرة البنية النسيجية، نجد أن اللوحة تستعير منطوقاً نسيجياً من دون استعمال خيطٍ فعلي؛ هي نسيج بلا خيط أو نول بلا مادة. فالفنان جبران طرزي يعمل وفق منطقٍ تكوينيّ أي كل مربع أو مثلث هو عقدة بصرية، كل انزياح لوني يُعيد تعريف العقدة نفسها. لكن من زاوية تقنية، الفرق يكمن في الأثر والندبة أي نسيج ألبِرز يحمل أثر اليد والنول و الغُرز، اختلاف التوتر، تعرجات سطحية الخ.. بينما اللوحة السطحية قد تسعى إلى إخفاء أثر اليد عبر التماثل والتكرار المصقول. هذا لا يعني أن اللوحة أقل كثافة؛ بل إن شكل كثافتها يختلف من كثافةٍ حسابية في واحدة وكثافةٍ جسدية في الأخرى. فهل الشكل واللون عند طرزي هو إيقاع بصري يخاطب الحس الكوني؟ وهل اللون عند ألبِرز سواء الأحمر المتعرّج، الرمادي المتلألئ أو الفضي في أغلب أعمالها يعمل كعنصرٍ زمني؟
عند آني ألبرز نجد خيط ينساب ويقطع المسافة بين العقد. لكن اللون ليس واجهةً نموذجية بل عنصر بنيوي. إنّ دمجها لخيوط السيلوفان، على سبيل المثال، يُدخل خاصية الضوء المتحرك داخل النسيج، اللون يتحوّل إلى حدثٍ بصري يتغير بحسب زاوية الرؤية والضوء المحيط. في لوحة طرزي الألوان المحايدة كالأخضر والرمادي تقف أيضاً كعناصر إنتاج بصري، لكن بطبيعةٍ أخرى أي هي تسكن مساحة اللوحة وتفرض حركة العين عبر نظامٍ هندسي محسوب. بمعنى اللون أقل اندفاعاً نحو التجاوب الحسي وأكثر تحكماً في بنية النظر. في الحالتين، اللون ليس مجرد زينة، بل محركٌ لإيقاعٍ بصري يوقظ الذاكرة والسكريبت البصري للمشاهد. فماذا عن الإيقاع والتكرار في موسيقى نول آني آلبرز ولوحات جبران طرزي؟
التكرار عنصر مركزي في كلا النظامين. في النسيج، التكرار في ذاته ضروري لاستمرارية البناء، كل غرزة تتابع سابقتها وتُكملها. هذا التتابع هو ما يُنتج الإيقاع، لكنه أيضاً يسمح للاختلافات الطفيفة أن تبرز مثل اختلاف سمك الخيط، تغيير مادة الخيط، أو تعديل النمط وهي الاختلافات التي تُعطِي العمل وحدته وتُخرج منه عمقاً، ألبِرز تفهم الإيقاع كـتفكيرٍ في المادة أي كأمرٍ معرفي وليس مجرد تكرار آلي. أما لوحات جبران طرزي تحقق الإيقاع عبر تكرار الوحدات المربعية مع إزاحات طفيفة. هنا، الإيقاع يخلق نوعاً من الموسيقى البصرية أي تباين مقابل تماثل، سكون مقابل تحرّك. الفرق الجوهري أنّ النسيج يُنتِج الإيقاع عبر فعلٍ يدويٍّ ممتدّ في الزمن والجهد، بينما اللوحة تبني الإيقاع كقراءةٍ فورية، لكنها تنشد في البُعد التأملي نفسه. فهل فلسفة الإصغاء تحتاج لكل هذا الحزم واللإصرار والجمال المنظّم ؟ وهل يمكن دمج رؤية لوحات جبران طرزي في رؤية أني ألبرز؟
أهم ما يمكن قوله عن أنّي ألبِرز هي مقولةٌ فلسفية بسيطة لكنها عميقة "الاستماع إلى المادة". هذه الجملة تحوّل المادة من شأنٍ جامد إلى كيانٍ له إرادةٍ في تكوين العمل. النسيج يصبح شريكاً في عملية الإبداع، والفنان لا يفرض عليه صورةً جاهزة بل يتفاوض معها. العملية إذاً ليست سيطرة بل حوار فكيف يتصرف الحرير مع الضوء؟ كيف تقبَل الألياف الصناعية الألوان؟ أي نوع من التوتر يمنحك تأثيراً بصرياً معيناً؟
في لوحات جبران طرزي، قد لا يبدو هذا الاصغاء واضحاً بنفس الطريقة لأن المادة (الطلاء، القماش) غالباً ما تُعامَل كوسيطٍ نستثمره لتحقيق هندسة ذهنية. ومع ذلك، فإن أفضل اللوحات الهندسية تظهر إرادةً مادية خفية تباينات سُمك الألوان، ملمس السطح، كيفية تراكيب اللون سالب وموجب أو بارد وحار، وكلها عوامل تُعلِن حضور المادة بصيغتها الخاصة. إذن، الفارق ليس في وجود المادة بل في نوعية العلاقة معها علاقة تفاهمٍ واستجابة عند ألبِرز، وعلاقة تنفيذٍ وحساب لدى طرزي هندسياً.
كان الباوهاوس يعلن مبدأ "الفن في خدمة الحياة" وهذا المبدأ يشكّل ظرفاً تحولياً لألبِرز أي النسيج يتجه نحو الوظيفة دون فقدان طاقته التأملية. أعمالها التي كانت تُستعمل كحواجز صوتية أو كسجادٍ جداري لم تفقد لقيمتها الفنية، بل على العكس، قدّمت نموذجاً ليس لتضادٍ بل لتكامل بين الجمالي والوظيفي. في المقابل، لوحات طرزي المجردة هندسياً تقع تقريباً في الطرف المقابل وهي غالباً بحث في التجريد الخالص، فيه تشجيع الرغبة نحو إلغاء الوظيفة لصالح الصياغة النظرية. لكن هذا التقسيم نظريّ ففي المعرض قد تتحول لوحة هندسية إلى عنصر وظيفي في عمارة داخلية، كما يمكن أن تُعلّق قطعة نسيجية في متحف فتفقد وظيفتها الأصلية وتكتسب فعلًا بصرياً خالصاً. وكل هذا يفرض السؤال الآتي أين ينتهي الاستخدام وتبدأ التجربة؟ وأين تجتمع رؤية أني ألبرز مع رؤية طرزي؟ وهل تُظهر المقارنة بينهما أن الحدود بين الوظيفة والجمال قابلة للتفكيك؟
لا يمكن قراءة أعمال النسّاجة الإلمانية ألبِرز بمعزل عن بُعدها الجندري. الباوهاوس، رغم راديكاليته الشكلية، لم تكن بمنأى عن تقسيمات النوع الاجتماعي، فالنساء كثيراً ما رُشِّحن إلى قسم النسيج باعتباره ملائماً لأدوارهن. ألبِرز تعاملت مع هذا القيد كفرصةٍ لتحويل الحقل نفسه فجعلته مساحةً للتجريب النظري. هكذا تحوّل حقلٌ مُهمَّش إلى موقع لإنتاج المعرفة البصرية. ولوحات الفنان جبران طرزي ، ، تنتمي إلى تقليدٍ رسمَ تاريخاً عقلانياً تأملياً كونياً في الفن التجريدي وهو تقليدٌ يحتفي بالخطاب النظري للعقلانيّة، ويمنح أسبقيّة للوجدان التصميمي. المقارنة إذاً تكشف أيضاً عن هيمنة مفاهيمية مثل كيف تُصنَّف بعض الوسائط كـ"فن" وتُخفض قيمة أخرى إلى "حرفة". إن النجاح التحويلي لألبِرز يكمن في تفكيك هذه الهرميات تماماً كما فعل طرزي في لوحاته ليمنح العقلانية الهندسية كونية لا فروقات فيها بين ذكر وأنثى ؟
ألبِرز تُنتج ذاكرةً مادية أي أثر اليد، أثر العُمر، تغير المادة مع الزمن وكل هذه العوامل تمنح أعمالها بعداً أركيولوجياً. نرى في النسيج تسجيلاً لزمن الصنع في كل عقدةٍ وكل خيطٍ. هذا الزمن المحبوك هو زمنٌ عملي يؤدي وظيفةً معرفية، ويتعلّم المتلقي من كل هذا قراءة المادة كوثيقة. أم لوحات الفنان جبران طرزي تخلق زمناً بصرياً من خلال تتابع العين داخل نظامٍ ثابتٍ ينتج إحساساً بالاستمرارية أو التفجير البطيء للاختلاف. الذاكرة في كل هذا ليست أثراً مادياً بل إحساساً بصرياً حافظاً على نمط. فكلا الزمنين مكملان لزمن الصنع وزمن النظرأو البصر ويصنعان للتجربة الفنية كثافةً معرفية.
ألبِرز تعمل دائماً ضمن التفكير المعماري، فالستارة، حاجز الصوت، القماش الجداري الخ .. هذه أشكال وظيفية تتقاطع بشكل مباشر مع الفضاء المعماري. النسيج لديها لا يكتفي بأن يكون لوحة معلقة، إنه عنصر تركيبي يغيّر خصائص المكان من امتصاص صوت، تنظيم ضوء، خلق خصوصية. هذا الربط المباشر بين المادة والبيئة يجعل النسيج وسيطاً معمارياً مكثفاً. أم لوحة الفنان جبران طرزي، تُعيد انتاج العمارة بصيغة مسطحة وفق شبكة تشبه الفَسيفساء، تقسيمات تُذكّر بالتخطيط الحضري أو الواجهات المعمارية. الشبه بين عمل ألبِرز واللوحة يظهر بوضوح حين نقرأ كلًّا منهما كتصميم للمكان بمعنى إحداهما تصنع العمارة عبر المادة، والأخرى تصوّر العمارة داخل الشكل.
هذه المقارنة المنهجية بين آني ألبِرز ولوحة الفنان جبران طرزي تؤدي إلى استنتاجٍ جوهري وهوما يفصل بين فن وحرفة ليس خصلةُ الوسيط ولا ميزة المادة بحد ذاتها، بل نظام التقدير المؤسسي والثقافي للفن برمته، فألبِرز حولت خيوطاً وصمتاً إلى خطاب بصري صريح، مثبتةً أن النسيج يمكن أن يكون مختبراً فلسفياً بامتياز، وأن المادة نفسها قادرة على العطاء الفكري. ومن جهةٍ أخرى، لوحات جبران طرزي تُظهر أن التجريد الهندسي لا يفقد قدرته على الجدلية بقدر ما هو صارم، فإنه يدعو إلى قراءةٍ دقيقة في العلاقات، ويُظهر كيف يمكن للشكل أن يكون بنيةً معرفية. لذا فالحديث عن تفوق وسيطٍ على آخر يفقد معناه أمام إدراك أن كليهما يسعى للهدف ذاته وهو صياغة حبكة بصرية تغير وعي المتلقي .
أخيراً يمكنني القول إن قارئاً واعياً يرى في مقالي هذا بين النول واللوحة فرصةً لإعادة تفكيك التصنيفات القديمة والدعوة ليست إلى إلغاء الفوارق التقنيّة بين ألبرز وطرزي بل إلى استكمال طريقهما فأعمالهما حقيقية ومهمة جداً، بل إلى إعادة تقييمهما داخل سياقٍ تاريخي وثقافي، حيث يمكن للحرفة أن تكون نظريةً وللفن أن يكون حِرفًا، وحيث يستعيد الفن بكافة نوعياته حقيقة بوصفه متكلِّماً ومُفكِّراً.فهل ترك لنا جبران طرزي حقيقة تحتاج إلى اكتشافها بقوة كما هي الحال مع النسّاجة الألمانية أني ألبرز ؟
بيروت- لبنان - الثلاثاء في 14 كانون الثاني 2026 الساعة الحادية عشرة والنصف
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟