أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود















المزيد.....

نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 15:39
المحور: الادب والفن
    


نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود في قصيدة للشاعر د.مصطفى عبدالفتاح
يحوّل الشاعر دكتور مصطفى عبدالفتاح قصيدته من مفهوم سياسي أو تاريخي إلى كيان نابض، إلى جسد حيّ تتوزع فيه الوظائف كما تتوزع في الكائن العضوي: "أَلْحَقُّ في نَبْضِ الْأمَمْ، / قَلْبٌ، وَشِريانٌ، وَدَمْ." إذ تتأسس البنية العميقة للقصيدة على استعارة مركزية كبرى، ليست عابرة أو زخرفية، بل بنيوية الأمة تساوي جسد. وهذه الاستعارة لا تعمل فقط على مستوى الصورة، بل على مستوى الإيقاع أيضاً، إذ إن تكرار المقاطع القصيرة والنبرات الحادة يمنح القصيدة إيقاعاً يشبه النبض نفسه أي منتظم، متوتر، متدفق. من الناحية العروضية، ويحمل النبرة الملحمية، من "لامية العرب" إلى "الشاهنامة" في ترجمتها العربية. اختيار هذا الإيقاع ليس بريء، بل ينسجم مع رغبة القصيدة في أن تكون نشيداً، أو ما يشبه الهتاف الجماعي الذي يمكن أن يُتداول شفهياً، ثم تنتقل القصيدة من هذا التأسيس الجسدي إلى أفق جمالي مشرق، حيث يتخذ النبض هيئة ضوء وصوت في آن: "فَجْرٌ، وأَنوارٌ تَرِفُّ، / كَأنَّها أحلى نَغَمْ." هنا يتكثف التداخل الحسي، حيث تتحول الأنوار إلى نغم، أي أن البصر يُسمع، والضوء يُغنّى. هذه النقلة من الفيزيولوجي إلى الجمالي تُظهر أن النبض ليس مجرد وظيفة حيوية، بل تجربة جمالية أيضاً، وأن الحياة في جوهرها ليست فقط بقاءً بل تذوّقاً. إن استخدام للفعل "ترٍفّ" يمنح الصورة خفةً، كأن الضوء كائن حيّ يرفرف، لا مجرد إشعاع جامد. وهذه الرهافة تتجاور مع الصلابة في القافية (ـمْ)، ما يخلق توتراًدلالياً بين الرقة والقوة، بين الجمال والانضباط.
وفي امتداد هذا الأفق، نرى كيف يتحول الضوء إلى قوة كونية تُعيد تشكيل الوجود: "مِنْ وَهْجِهِ يحلو الوجودُ، / وتزدهي غِيدُ الْقِمَمْ." إذ تدخل القصيدة في مستوى أكثر تركيباً من الصورة، حيث لا يكتفي الشاعر بوصف الجمال، بل يجعله سبباً في "حلاوة الوجود". الوجود نفسه، كمفهوم فلسفي، يصبح تابعاً لهذا الوهج. أما "غيد القمم" فهي صورة مركبة تمزج بين الأنثوي (الغيد) والطبيعي (القمم)، في استعارة تأنيس للطبيعة، تجعل الجبال كائنات أنثوية تتزين وتزدهر.( أخذني هنا إلى لوحات الفنان مارون الحكيم ) هذه الصورة تعيدنا إلى تقاليد الشعر العربي القديم في تشبيه الطبيعة بالمرأة، لكنها هنا لا تأتي بوصفها موضوع غزل، بل بوصفها انعكاساً لحيوية الأمة. كأن القمم نفسها تتزين لأن النبض حيّ.
غير أن القصيدة لا تبقى في هذا المستوى التأملي، بل تبدأ في إدخال عنصر الحركة والانتشار: "يختالُ في الأُفْقِ الْعبيرُ، / وفي الفيافي، والأَكَمْ." الفعل "يختال" يُضفي على العبير صفة إنسانية، بل أرستقراطية، إذ إن الاختيال يدل على الفخر والزهو. والعبير هنا ليس مجرد رائحة، بل أثر غير مرئي لهذا النبض. إذ يبني شبكة من التأثيرات: النبض → وهج → نور → عبير. كل مستوى يولد مستوى آخر، في سلسلة تكاد تكون سببية، لكنها في الحقيقة شعرية. هذا التدرج يمنح القصيدة تماسكاً داخلياً، حيث لا تبدو الصور مفككة، بل متولدة من بعضها البعض.
ثم تبلغ القصيدة منعطفاَ حاسماً حين تتحول من الطبيعة إلى الإنسان، ومن الجمال إلى الفعل: "والنَبْضُ فُرسانٌ تجولُ، / وفي مَآقيها الْحُلُمْ." هنا تتجسد الأمة في هيئة فرسان، وهي صورة تقليدية في الشعر العربي، لكنها تُعاد صياغتها عبر ربطها بـ"المآقي" (العيون) و"الحلم". الفارس هنا لا يحمل سيفاً فقط، بل يحمل رؤية. إذ يدمج الشاعر مصطفى عبدالفتاح بين القوة (الفرسان) والرؤية (الحلم)، في معادلة تقول إن الفعل بلا حلم أعمى، والحلم بلا فعل عاجز. هذه الثنائية تُستكمل في البيت التالي: "وفي مراميها الحياةُ، / وفي مناصيها الْقِيَمْ." حيث تصبح "المرامي" (الأهداف) حاملة للحياة، و"المناصي" (النواصي، أو البدايات) حاملة للقيم. إذ نلاحظ بنية توازٍ دقيقة، تعكس توازناً فكرياً: الحياة والقيم، الهدف والبداية، الداخل والخارج.
ومن هذا التوازن، تنطلق القصيدة نحو حركة زمنية مستمرة: "تمضي كما يمضي الضِّياءُ، / وَيَبْرُقُ النَّجْمُ الْأَشَمْ." الفعل "تمضي" يتكرر، ليؤكد على الاستمرارية، وعلى أن النبض ليس لحظة بل مسار. تشبيه المضي بالضياء يمنح الحركة بعداً طبيعياً حتمياً: كما أن الضوء يمضي بلا توقف، كذلك الأمة الحية. أما "النجم الأشم" فهو صورة تجمع بين العلو والكبرياء، حيث يُضفي وصف "الأشم" (المرتفع المتعالي) على النجم بعداً أخلاقياً، لا فلكياً فقط. إذ يصف الشاعر ظاهرة، بل قيمة متجسدة في ظاهرة.
وتصل القصيدة إلى ذروتها الإيقاعية والدلالية في هذا التكرار المقصود: "تمضي بِفَخرٍ،واعتزازٍ، / مِثْلَ ترديدِ الْقَسَمْ." هنا يتحول المضي إلى فعل واعٍ، مصحوب بالفخر والاعتزاز، ويُشبَّه بترديد القسم، أي بالفعل الطقسي الذي يؤسس للالتزام الجماعي. هذه واحدة من أقوى صور القصيدة، لأنها تربط بين الحركة والزمن والهوية. فالقسم ليس مجرد كلمات، بل عقد رمزي بين الفرد والجماعة. حين يصبح المضي نفسه "ترديداً للقسم"، فإن كل خطوة تتحول إلى تجديد للعهد.
وأخيراً، تبلغ القصيدة ذروتها الفلسفية في مواجهة العدم: "كَيْ تَصنَعَ النَّصرَ الذي، / إنْ حَلَّ ينهزِمُ الْعَدَمْ." إذ يغادر الشاعر اللغة الوصفية إلى لغة شبه ميتافيزيقية. العدم ليس عدواً سياسياً أو عسكرياً، بل مفهوم وجودي. والانتصار عليه ليس نصراً عادياً، بل خلق للمعنى في وجه الفراغ. هذه الفكرة تُعيد تأويل كل ما سبق: النبض، الضوء، الفرسان، القيم… كلها أدوات في معركة ضد العدم. وتُختتم القصيدة بعودة إلى الرمز الأعلى: "رَغْمَ الْعوادي لَمْ يَزَلْ، / في نَبْضِها يعلو الْعَلَمْ." العلم هنا ليس قطعة قماش، بل ذروة هذا النبض، العلامة المرئية لحياة غير مرئية.
بهذا، تكون القصيدة قد أنجزت مساراً دائرياً: من النبض إلى العلم، من الداخل إلى الخارج، من الجسد إلى الرمز. لكنها تتركنا أمام سؤال لا يمكن حسمه بسهولة: هل هذا النبض الذي يصفه الشاعر هو واقع قائم فعلًا في الأمم، أم هو بناء شعري ضروري، نوع من "الأسطورة الجميلة" التي نحتاجها كي نستمر في مواجهة العدم؟

نَبْضُ الْأمَمْ

أَلْحَقُّ في نَبْضِ الْأمَمْ،
قَلْبٌ، وَشِريانٌ، وَدَمْ.

فَجْرٌ، وأَنوارٌ تَرِفُّ،
كَأنَّها أحلى نَغَمْ.

مِنْ وَهْجِهِ يحلو الوجودُ،
وتزدهي غِيدُ الْقِمَمْ.

يختالُ في الأُفْقِ الْعبيرُ،
وفي الفيافي، والأَكَمْ.

والنَبْضُ فُرسانٌ تجولُ،
وفي مَآقيها الْحُلُمْ.

وفي مراميها الحياةُ،
وفي مناصيها الْقِيَمْ.

تمضي كما يمضي الضِّياءُ،
وَيَبْرُقُ النَّجْمُ الْأَشَمْ.

تمضي بِفَخرٍ،واعتزازٍ،
مِثْلَ ترديدِ الْقَسَمْ.

كَيْ تَصنَعَ النَّصرَ الذي،
إنْ حَلَّ ينهزِمُ الْعَدَمْ.

رَغْمَ الْعوادي لَمْ يَزَلْ،
في نَبْضِها يعلو الْعَلَمْ.

مصطفى عبد الفتاح
12/4/2026
طرابلس- لبنان-الخميس 16 نيسان 2026 الساعة الواحدة والنصف ظهراً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
- الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة
- هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟
- عالم الصيادين الجزء الثاني يُكافىء من ينجو لا من يتزن
- أنت زهرة ميلادي دائما يا بني
- هل أراد صبحي الفحماوي تفكيك التاريخ لا عبر نفيه، بل عبر مساء ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين Solo ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين
- هل يمكن أن تُختزل الحياة إلى تطبيقات ذكية ومعادلات رأسمالية ...
- البراءة كعدسة لفهم الألم البشري في الأنيمي تاكوبي ومسألة الس ...
- الحاجة الملحّة لإعادة اختراع التاريخ حين يصبح الحاضر خانقاً.
- صراع الأبعاد المقلوبة في مسلسل أشياء غريبة (الجزء الأول)


المزيد.....




- رئيس -شؤون الأتراك بالخارج-: برامج المنح التركية يربطنا بـ17 ...
- عالم -صراع العروش- يقتحم السينما رسميا بملحمة -غزو إيغون-
- -ورود يوم القيامة-.. حسين جلعاد يحرس بالشعر نوافذ غزة
- أمسية ثقافية عن الروائي المصري الراحل بهاء طاهر …
- نص سيريالى (سُقُوط يَكتُب اَلْهَواء ويمْحو الأرْض)الشاعرمحمد ...
- -مشهد سينمائي-.. ماجار وأوربان على شرفة القصر الرئاسي بالمجر ...
- بين القطيعة والتكامل: جدل قراءة التراث عند محمد عابد الجابري ...
- بيت المدى يحتفي بالشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي بمناسبة مئ ...
- عواطف نعيم: المسرح العراقي يمتلك هوية تضاهي المسارح الكبرى
- حملة “خلّينا نزرع” تُحيي فضاء مدرسة الموسيقى والباليه بالتشج ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود