ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 20:03
المحور:
الادب والفن
ليس الرمز العظيم علامةً جامدة، بل هو منطقة عبور بين ما نلمسه وما لا نستطيع احتواءه، بين التجربة المحدودة والأفق المفتوح الذي يتجاوزها. إنه لا يُعطي المعنى الجاهز، بل يفتح إمكانية المعنى، ولا يقدّم إجابة، بل يوقظ سؤالًا. لذلك، حين نتحدث عن الرمز وبراءته الأولى، فنحن في الحقيقة نتحدث عن لحظة شفافية نادرة نشعر فيها أن الرمز ما زال أوسع من كل تفسير، وأنه لم يُختزل بعد داخل استعمال محدد. لكن هل هذه البراءة حالة حقيقية ثابتة، أم أنها مجرد إحساس إنساني مؤقت يتلاشى كلما اقتربنا من محاولة الإمساك بالمعنى؟
عندما يدخل الرمز إلى الواقع، وخصوصاً إلى المجال السياسي، لا يدخل كما هو، بل يُعاد تشكيله وفق منطق الفعل والحاجة كما في رواية جورج أوريل. فالعالم لا يطيق الغموض الذي يسكن الرمز، فيسعى إلى تبسيطه، تحديده، وربطه بما يمكن استخدامه. وهنا تبدأ عملية التحويل من أفق مفتوح إلى موقف محدد، ومن دعوة للتأمل إلى أداة للفعل. لكن هذا التحويل لا يحدث بلا ثمن، إذ يتم اختيار بعض المعاني وترك أخرى، ويتم تضييق ما كان واسعاً ليصبح قابلًا للتطبيق. فهل يمكن لهذه العملية أن تتم دون أن يتحول الرمز من كونه مجالًا للانكشاف إلى كونه وسيلة للتوظيف؟
في هذه اللحظة بالذات يظهر الفرق الدقيق بين أن يتجسد الرمز في الواقع وأن يُختزل داخله. فالتجسد يعني أن يظل الرمز مفتوحاً حتى وهو يُمارَس، أن يلهم دون أن يُغلق، وأن يبقى قادراً على مساءلة نفسه. أما الاختزال، فهو أن يتحول إلى شعار صلب، إلى معنى واحد يُفرض ويُكرَّر حتى يفقد تعدديته. بين هذين الحدّين يتحرك كل استخدام للرمز، وغالباً ما يبدأ كتجسيد وينتهي كشيء دون أن ننتبه. فكيف يمكن للإنسان أن يستخدم الرمز دون أن يسجنه داخل تفسير واحد؟
تتعقّد المسألة أكثر حين يلامس الرمز مجال السلطة، لأن السلطة تحتاج إلى وضوح وحسم، بينما يعيش الرمز في التوتر والاحتمال. إذ تنشأ رغبة خفية في امتلاك المعنى، في تحويل الرمز إلى مصدر شرعية بدل أن يبقى معياراً للمساءلة. في هذه الحالة، لا يعود الرمز مرآة تكشف الواقع، بل يصبح أداة تعكس ما يُراد إظهاره، وتُستخدم قيمه لتثبيت موقف بدل اختبار صحته. لكن أليس في هذه اللحظة بالذات يفقد الرمز قدرته على الإزعاج، وهي القدرة التي تمنحه حياته الأصلية؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الإنسان يحتاج إلى المعنى لكي لا ينهار أمام عبث الألم وتشظي الواقع، ولذلك يعود دائماً إلى الرموز الكبرى بحثاً عن اتجاه. غير أن هذه الحاجة نفسها تحمل خطراً مزدوجاً فالمعنى يمكن أن يحرّر، لكنه قد يُستخدم أيضاً لترويض الوعي وقبول ما ينبغي رفضه. وهكذا يجد الإنسان نفسه بين رغبة في الفهم وخوف من الخداع، بين الحاجة إلى معنى يحمله، والحاجة إلى وعي يحميه منه. فهل نبحث عن الرموز لنكتشف الحقيقة، أم لنجد مبرراً لاحتمال ما لا نستطيع تغييره؟
ربما لا تكمن الحكمة في حماية الرمز من العالم، ولا في إطلاقه داخله بلا حدود، بل في البقاء داخل هذا التوتر دون حسم نهائي. فالرمز لا يبقى حياً لأنه نقي، بل لأنه يُعاد فتحه كلما أُغلق، ويُستعاد كلما تم اختزاله. إن براءته ليست حالة نحافظ عليها، بل أفق نعود إليه كلما ضاقت بنا التفسيرات. لذلك، لا يكون السؤال الحقيقي عمّا إذا كان الرمز يفقد معناه حين يدخل الواقع، بل عمّا إذا كنا نحن نفقد قدرتنا على رؤية اتساعه كلما حاولنا أن نجعله يشبهنا؟
في الرواية، لا تظهر الرموز كزينة لغوية أو كترف جمالي، بل كاستجابة عميقة لعجز اللغة المباشرة عن حمل ثقل التجربة الإنسانية. حين يكتب الروائي، لا يصف الواقع كما هو، بل يعيد خلقه عبر إشارات خفية، ظلال، تكرارات، وصور تتجاوز ظاهرها. الرمزفي الكثير من الروايات ليس بديلًا عن الحقيقة، بل هو الطريق الملتف نحوها، الطريق الذي لا يقدّمها جاهزة بل يجعل القارئ يعاني للوصول إليها. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا في عمق هذه العملية وهو هل نحن نقرأ الرموز لنكشف ما هو مخفي فعلًا، أم لأننا لا نحتمل مواجهة الحقيقة في صورتها العارية فنلجأ إلى وسيط جمالي يخفف وطأتها؟
في كثير من الأحيان، يتحول الرمز في الرواية إلى نوع من المسافة الآمنة بين القارئ والعالم. نحن لا نواجه الألم مباشرة، بل نراه مجسدًا في شخصية، في حدث، في صورة تتكرر حتى تصبح مألوفة. هذه المسافة تمنحنا قدرة على الفهم دون الانهيار، وعلى التأمل دون أن نصبح جزءاً من الجرح نفسه. لكن هذه المسافة قد تكون خادعة أيضاً، لأنها لا تحررنا من الألم بقدر ما تعيد تنظيمه داخل إطار يمكن احتماله. فهل الرمز هنا أداة كشف، أم آلية دفاع نفسية تتيح لنا التعايش مع ما لا نستطيع تغييره؟
لكن لو أردت الكلام عن هذا في الرواية مثلا في جوهرها، ليست بحثاً عن أجوبة نهائية، بل عن تعقيد المعنى. الرموز فيها لا تُغلق الدلالة، بل تفتحها على احتمالات متعددة، وكل قراءة تصبح مشاركة في خلق المعنى لا استهلاكاً له. فالقارئ لا يكتشف الحقيقة كما هي، بل يكتشف طريقته الخاصة في رؤيتها. لكن هذا الانفتاح نفسه يحمل تناقضاً لأنه كلما تعددت التأويلات، تضاءلت إمكانية الوصول إلى يقين واضح. فيصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو هل نريد من الرمز أن يقودنا إلى حقيقة محددة، أم أننا نرتاح أكثر لفكرة أن الحقيقة نفسها غير قابلة للحسم؟
في منحى مختلف، تقدّم رواية الطاعون للكاتب ألبير كاموس نموذجاً لرمز لا يكتفي بالكشف، بل يدفع نحو موقف. الطاعون بأنه ليس مجرد كارثة، بل اختبار أخلاقي يكشف عن ضعف الإنسان وقوته في آن. كما أن الشخصيات لا تفسّر ما يحدث بقدر ما تختار كيف تتصرف حياله، وهنا يتحول الرمز من أداة تأويل إلى أداة التزام. المعنى لا يُعطى، بل يُصنع عبر الفعل. لكن حتى هذا المعنى يبقى قابلا للإنكسار والضعف ، لأنه لا يغيّر العالم بقدر ما يمنح الإنسان قدرة على مواجهته، فهل نحن نصنع المعنى لنغيّر الواقع، أم فقط لنستطيع العيش داخله؟
في لحظات معينة، يبدو الرمز وكأنه يواطئ القارئ على تخفيف قسوة الواقع. حين تتحول المعاناة إلى صورة شعرية، أو حين يُعاد تشكيل الفقد داخل بنية سردية، يشعر القارئ أن الألم أصبح مفهوماً ، بل وربما ضرورياً ضمن منطق الحكاية. لكن هذا الفهم قد ينزلق إلى نوع من التبرير الجمالي، حيث يصبح ما هو مأساوي مقبولًا لأنه جميل أو ذو معنى. وهنا يكمن الخطر الخفي، فهل نستخدم الرموز لنفهم الألم، أم لنمنحه شرعية غير مباشرة تجعله أقل إزعاجاً لضميرنا؟ وهل غابريل غارسيا ماركيز في روايته مئة عام من العزلة استطاع أن يجعل الرمز يذيب الحدود بين الواقع والخيال حتى يفقد القارئ يقينه بأيّهما أكثر حقيقة؟ أم أن . الزمن لا يسير، بل يدور، والأحداث لا تتكرر، بل تعود بأشكال مختلفة، والذاكرة لا تحفظ، بل تعيد خلق ما فقدته.؟ وهل رمز الطاعون في روايته لا يفسّر الواقع، بل يستبدله بنسخة أكثر كثافة منه، كأن الحقيقة لا تُرى إلا عندما تتحول إلى أسطورة؟ وهل هذا التحويل يطرح إشكالًا عميقاً لأننا نقترب من جوهر الحياة حين نرمّزها، أم نبتعد عنها حين نحولها إلى حكاية قابلة للتحمّل؟
ربما أكثرت من الأسئلة في مقالي هذا لكن الرموز في الفن التشكيلي دفعتني لكتابة هذا المقال وللبحث عن معناه أولا في الفن ومن ثم معناه في الأدب الروائي ومع ذلك، لا يمكن اختزال وظيفة الرمز في كونه تبريراً أو هروباً، لأنه في لحظات أخرى يعمل كأداة تفجير للوعي. بعض الرموز لا تُهدّئ، بل تُقلق، لا تُريح، بل تزعزع القارئ وتدفعه إلى إعادة النظر في كل ما كان يظنه ثابتا. في هذه الحالة، لا يكون الرمز وسيلة للهروب، بل دعوة للمواجهة، لا يخفف الألم بل يكشف جذوره ويجعله أكثر حضوراً. لكن هذا النوع من الرموز نادر، لأنه يتطلب قارئاً مستعداً لتحمل القلق بدل البحث عن الطمأنينة كما هي الحال في رواية أغالب مجرى النهر للروائي سعيد خطيبي رغم أنها تمس الواقع الحالي إلا أنها أيضاً لبعض الرموز فيها معنى إنساني محض، فهل نحن فعلًا نبحث عن هذا القلق الذي جعلنا نتعاطف مع بطلته ، أم أننا نفضّل الرموز التي تتركنا كما نحن؟ وهل يمكن أن نستبدل قرنية العالم لنرى الحقائق بشكلها الطبيعي دون التفاف؟
في رواية العمى لساراماغو يتحول الرمز إلى استعارة شاملة لانهيار البنية الأخلاقية حين يغيب النظام. لكن المفارقة أن العمى يكشف أكثر مما يخفي؛ إذ تتعرّى الشخصيات من أقنعتها، وتظهر حقيقتها في أقسى أشكالها. فالرمز لا يخفف الألم، بل يضاعفه عبر تعريته. ومع ذلك، يفتح في الوقت نفسه إمكانية جديدة للرؤية وهي رؤية لا تعتمد على البصر، بل على الوعي. فهل نحن بحاجة إلى فقدان ما نملكه لنفهم قيمته، أم أن الرمز يبالغ في قسوته ليجبرنا على التعلم؟
لا يمكن أن أنهي مقالي هذا دون التحدث عن رواية 1984 للكاتب جورج أوريل، إذ يبلغ الرمز فيها ذروة خطورته حين يتحول إلى أداة للسيطرة. اللغة نفسها تُعاد صياغتها لتقليص القدرة على التفكير، والحقيقة تُصنع لا تُكتشف.إذ لا يعود الرمز وسيلة لفهم العالم، بل يصبح جزءاً من آلية تزويره. وبعض الشخصيات فيها ليست مجرد شخصية عابرة خلقها روائي، بل نظام رمزي يعيد تعريف الواقع وفق إرادته. في هذه الحالة، لا يكون الخطر في غياب المعنى، بل في حضوره الزائف، فهل يمكن للإنسان أن يميّز بين الرمز الذي يكشف الحقيقة، والرمز الذي يصنع وهمها؟
في ختام مقالي هذا لا أعرف إذا يمكنني القول أن العلاقة بيننا وبين الرموز في الأدب الروائي ليست علاقة بريئة أو بسيطة، بل علاقة مركّبة تتداخل فيها الرغبة في المعرفة مع الحاجة إلى الاحتمال. نحن نقترب من الرمز لأننا نريد أن نفهم، لكننا نبقى معه لأننا نجد فيه طريقة للعيش مع ما فهمناه. وبهذا لا يكون الرمز مجرد أداة لاكتشاف الحقيقة أو لتبرير الواقع، بل مساحة يتفاوض فيها الإنسان مع ذاته، بين ما يستطيع تغييره وما يُجبر على قبوله. لذلك، يبقى السؤال مفتوحاً بلا حسم هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو، أم لنخلق لأنفسنا عالماً يمكننا احتماله؟
بيروت-لبنان- الجمعة 3 نيسان 2026 الساعة الخامسة عصراً
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟