أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائه















المزيد.....

التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائه


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 12:10
المحور: الادب والفن
    


ليس التنمّر دائماً ذلك الفعل الفجّ الذي يتجسّد في سخرية مباشرة أو اعتداء لفظي صريح داخل ساحة المدرسة الذي حدث في الحلقات الأولى من المسلسل My Nameالكوري . هناك شكل آخر أكثر خفاءً، أكثر تهذيباً، وأكثر خطورة في الوقت ذاته تنمّر لا يصرخ، بل يتكلّم بنبرة هادئة، عقلانية، تنظيمية، ويبدو وكأنه يسعى إلى الحل، بينما هو في العمق يعيد إنتاج المشكلة داخل نظام مغلق لا يسمح لها بالاختفاء بل فقط بالتحوّل. هذا النوع من التنمّر لا يُمارَس من طالب ضد طالب، بل من بنية كاملة ضد فرد واحد. إنه تنمّر مؤسسي، لغوي، يتسلل عبر الجمل التي تبدو بريئة "إلى متى ستبقى هكذا؟"، "أنت تزعج الآخرين"، "نحن نتلقى شكاوى". في هذه اللغة، لا يتم الاعتداء على الجسد، بل على التعريف ذاته وهو من أنت، وما الذي تمثّله داخل الجماعة. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن ما يُستهدف ليس السلوك فقط، بل الهوية.
حين تقول المؤسسة: "نحن نتلقى شكاوى من أولياء الأمور"، فهي لا تنقل معلومة، بل تستدعي سلطة جماعية غير مرئية لتُحاصر الفرد. لم يعد الخطأ خطأً شخصياً يمكن مناقشته، بل أصبح اضطراباً عاماً خللًا في النظام يجب احتواؤه بسرعة. في هذه اللحظة، يتحول الفرد إلى مشكلة عامة، إلى ملف، إلى حالة يجب إدارتها. وهنا يكمن أحد أكثر أشكال التنمّر قسوة: تحويل الإنسان إلى ظاهرة. فبدل أن يُسأل: "ما الذي يحدث معك؟"، يُقال له ضمنياً "أنت ما يحدث". هذه النقلة الدقيقة من الفعل إلى الكينونة هي جوهر العنف الرمزي الذي تمارسه المؤسسة، لأنها تلغي المسافة بين الشخص وخطئه، وتجعل أي إمكانية للتغيير تبدو مستحيلة، إذ كيف يمكن للإنسان أن يغيّر ذاته إذا كانت ذاته قد اختُزلت بالكامل في سلوكه؟
لكن الأكثر إثارة للقلق ليس هذا الاختزال فقط، بل الحلول التي تقترحها المؤسسة. حين يُقال للفرد: "اتصل من رقم جديد"، فنحن لسنا أمام محاولة لإيقاف السلوك، بل أمام محاولة لإخفائه. فالمؤسسة لا تريد إنهاء المشكلة، بل تريد فقط تقليل ظهورها. إنها لا تسعى إلى العدالة، بل إلى استقرار الصورة. المهم ألا تصل الشكاوى، ألا يتزعزع النظام، ألا يُحرج البناء الإداري أمام المجتمع. بهذا المعنى، يصبح التنمّر المؤسسي أداة لإدارة الفوضى لا لإنهائها، حيث يُسمح بالانحراف طالما أنه غير مرئي، غير مزعج، غير قابل للتداول. وهنا يدخل الفرد في لعبة قاسية إذ ليس مطلوباً منه أن يصبح أفضل، بل أن يصبح أقل إزعاجاً. أي أن يتحوّل إلى نسخة أكثر صمتاً من خطئه.
هذا الشكل من التنمّر يخلق نوعاً خاصاً من الوعي لدى الضحية وهو وعي مشحون بالرقابة. لم يعد يخاف من العقوبة بقدر ما يخاف من الانكشاف. يشعر أنه مراقب، ليس فقط من قبل سلطة مباشرة، بل من قبل جماعة غامضة مثل أولياء الأمور، الإدارة، المجتمع. هذا الشعور يولّد ما يمكن تسميته بـ"الذات المنضبطة قسراً"، حيث يبدأ الفرد بمراقبة نفسه بنفسه، لا لأنه اقتنع بخطئه، بل لأنه يريد تجنّب الإحراج. وهنا يتحقق الهدف الحقيقي للمؤسسة وهوأن يتحول الضبط من خارجي إلى داخلي. لم تعد بحاجة إلى معاقبته، لأنه أصبح يعاقب نفسه عبر القلق المستمر من أن يُكشف.
وإذا قارنا هذا بالتنمّر المدرسي التقليدي، سنلاحظ فرقاً جوهرياً في التنمّر بين الطلاب، هناك وضوح في الأدوار من معتدٍ وضحية. أما في التنمّر المؤسسي، فالأمر أكثر ضبابية. المتحدث لا يرى نفسه كمعتدٍ، بل كمصلح، كمن يحاول احتواء المشكلة. الضحية نفسها قد لا تدرك أنها تتعرض للتنمّر، لأنها لا تسمع إهانات مباشرة، بل نصائح، توجيهات، أسئلة تبدو منطقية. وهذا ما يجعل هذا النوع من التنمّر أكثر خطورة لإنه غير مرئي حتى لمن يتعرض له. إنه يعمل تحت غطاء العقلانية، التنظيم، والمسؤولية الاجتماعية، مما يجعله محصناً ضد النقد، لأن أي اعتراض عليه يمكن أن يُفسَّر على أنه رفض للنظام أو عدم تحمّل للمسؤولية.
لكن ماذا يحدث نفسياً داخل هذا الفرد؟ هنا نصل إلى نقطة الانكسار. حين يُطلب من الإنسان أن يخفي سلوكه بدل أن يفهمه، فإنه يدخل في انقسام داخلي: جزء منه يستمر في الفعل، وجزء آخر يعمل على إخفائه. هذا الانقسام لا يؤدي إلى الإصلاح، بل إلى تعميق الأزمة. لأن المشكلة لم تُحل، بل دُفنت. ومع الوقت، تتحول إلى شيء أكثر تعقيداً، أكثر عدوانية، لأنها لم تجد مساحة للتعبير أو الفهم. وهكذا، بدل أن تقلّ الفوضى، تتراكم في الداخل، في طبقات غير مرئية، إلى أن تنفجر في لحظة ما، غالباً بشكل أكثر عنفاً.
درامياً، هذا النوع من التنمّر يخلق عالماً خانقاً. ليس هناك شرير واضح يمكن مواجهته، ولا ضحية يمكن إنقاذها بسهولة. هناك شبكة من العلاقات، من الأصوات، من الضغوط، كلها تعمل معاً لإنتاج حالة من الاختناق الصامت. المدرسة ليست مكاناً للتعلم فقط، بل فضاء لإعادة إنتاج السلطة، حيث يتعلم الأفراد كيف يخفون أنفسهم، كيف يراقبون سلوكهم، كيف يتجنبون الإحراج. في هذا العالم، لا يُكافأ الصدق، بل يُكافأ الصمت. لا يُشجَّع الاعتراف، بل يُشجَّع الإخفاء. وهنا تتحول العملية التعليمية نفسها إلى عملية ضبط، حيث الهدف ليس تطوير الفرد، بل تكييفه مع النظام.
لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه في نهاية مقالي هذا لماذا تخاف المؤسسات من ظهور الخطأ أكثر من الخطأ نفسه؟ ربما لأن ظهور الخطأ يعني اعترافاً ضمنياً بأن النظام ليس مثالياً، بأن هناك خللًا في البنية، لا في الأفراد فقط. ولهذا، يتم تحويل كل مشكلة إلى مشكلة فردية، يتم احتواؤها، عزلها، إسكاتها، بدل أن تُفهم كعرض لخلل أوسع. وهنا يصبح التنمّر المؤسسي ليس مجرد سلوك خاطئ، بل ضرورة بنيوية للحفاظ على صورة النظام.
وأنا لا أتحدث عن جملة أو موقف عابرمر مرور الكرام في هذا المسلسل ، بل عن طريقة كاملة في التفكير وهي طريقة ترى الإنسان كعنصر يجب ضبطه، لا ككائن يجب فهمه. طريقة تستخدم اللغة كأداة للسيطرة، لا للتواصل. طريقة تفضّل الهدوء الزائف على الحقيقة المزعجة. وفي هذا الصمت المنظّم، ينمو أخطر أشكال العنف وهوذلك الذي لا يُرى، لا يُسمّى، لكنه يغيّر الإنسان من الداخل، ببطء، وبلا أثر واضح… حتى يصبح هو نفسه جزءاً من النظام الذي كان يقمعه. وهذا ما حدث بالفعل في هذا المسلسل مما يفرض تساؤلات لا تنتهي منها إذا كان الطفل الذي يتعرض للتنمر يبدأ بتصديق ما يُقال عنه. فهل التنمر هو إيذاء الآخر، أم إعادة كتابة هويته من الخارج حتى يراها بعينيك أنت؟ ومتى يتحول التنمر في حادثة بين شخصين..إلى بنية كاملة في المدرسة، في العائلة، في التحقيق، في نظرات الآخرين؟ وإذا كان المجتمع لا يتدخل إلا عندما يتحول التنمر إلى عنف ظاهر. فهل يعني ذلك أن العنف غير المرئي مقبول ضمنياً طالما أنه لا يُحرج الصورة العامة؟ والسؤال الأكثر قسوة هناهو إذا نشأ طفل داخل بيئة يتعرض فيها للتنمر باستمرار، هل سيكبر ليكره المتنمرين..أم ليفهمهم..أم ليصبح واحداً منهم دون أن يدرك؟
بيروت-لبنان- الإثنين 27 نيسان 2026 الساعة التاسعة والربع صباحاً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
- الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة
- هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟
- عالم الصيادين الجزء الثاني يُكافىء من ينجو لا من يتزن
- أنت زهرة ميلادي دائما يا بني
- هل أراد صبحي الفحماوي تفكيك التاريخ لا عبر نفيه، بل عبر مساء ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين Solo ...
- مفهوم -اللاهوت الأسود- في الأنيمي الحديث عالم الصيادين
- هل يمكن أن تُختزل الحياة إلى تطبيقات ذكية ومعادلات رأسمالية ...
- البراءة كعدسة لفهم الألم البشري في الأنيمي تاكوبي ومسألة الس ...
- الحاجة الملحّة لإعادة اختراع التاريخ حين يصبح الحاضر خانقاً.


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائه