أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه















المزيد.....

حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


في عيدكَ السادس والثلاثين يا بني، لم أعد أنظر إليك بالطريقة ذاتها التي كنتُ أراك بها وأنتَ طفلٌ يركض خلف ظلِّه في آخر الممر، ولا كما كنتُ أراك مراهقاً يحاول أن يُخفي ارتجاف قلبه خلف صمته الطويل. اليوم أنظر إليك كرجلٍ يحمل فوق كتفيه عمراً كاملًا من الخسارات الصغيرة والانتصارات التي لا يصفّق لها أحد. أنظر إليك وأنتَ تُمسك بيد ابنتك بحذرٍ يشبه حذري عليك يوم كنتَ تخاف عبور الشارع وحدك، فأشعر أن الزمن لم يمضِ كما نظن، بل استدار علينا بهدوءٍ عجيب حتى صرتَ أنتَ النسخة التي كانت يوماً تسكن قلقي. ما أغرب الحياة يا بني… تمنحنا أبناءً لنربيهم، ثم تمنحهم أبناءً ليكتشفوا فجأة لماذا كانت أمهاتهم يتأملن وجوههم وهم نائمون وكأن النوم هاوية قد تخطفهم. واليوم، وأنا أراك تُصلح شعر ابنتك قبل خروجها، وتُخفي تعبك كي لا تشعر هي بثقل العالم، أدرك أن شيئاً مني لا يزال يعيش داخلك رغم كل السنوات التي حاولتَ فيها أن تبدو رجلًا مكتفياً بنفسه.
أتذكرك جيداً في بدايات شغفك الغريب بطاولة البلياردو. لم أفهم في البداية لماذا كنتَ تحدّق طويلًا إلى الكرات المبعثرة فوق الطاولة كأنك تحدّق إلى مصيرك الشخصي. كنتُ أظنها لعبة عابرة، مثل أي شيء يسرق أبناء هذا العمر لبعض الوقت، لكنني لم أكن أعرف أنك وجدتَ هناك صورة خفية للحياة نفسها، ضربةٌ واحدة قد تغيّر اتجاه كل شيء، واصطدامٌ صغير قد يدفع كرةً ساكنة إلى زاوية لم تكن تتوقعها. شيئاً فشيئاً صار ذلك العالم الأخضر يبتلعك من بقية التفاصيل. نسيتَ وجبات كثيرة، تأخرتَ عن أصدقاء، غبتَ عن أحاديث عائلية كاملة لأن عقلك كان معلّقًا هناك، عند زاوية ضيقة بين كرة بيضاء وأخرى سوداء. كنتَ تدخل البيت أحياناً بعينين متعبتين لكنهما تلمعان كأنك عدتَ من حربٍ لا يفهمها أحد سواك. وكنتُ أخاف عليك من ذلك الشغف الذي يأكل الإنسان بهدوء، فبعض الهوايات يا بني لا تتحول إلى متعة فقط، بل تصبح وطناً بديلًا يهرب إليه الإنسان كلما ضاقت به الحياة. لكنني مع الوقت فهمت أن البلياردو لم يكن مجرد طاولة بالنسبة لك، بل مساحة كنتَ ترتّب فيها فوضاك الداخلية دون أن تتكلم.
كبرتَ أكثر، وصرتَ تُخفي تعبك بطريقة الرجال الذين تعلّموا مبكراً أن العالم لا يربّت على أكتاف المنهكين. رأيتُ فيك شيئاً من والدك، ذلك الصمت الذي يبدو للناس قوة بينما هو في الحقيقة طريقة مهذبة للانهيار بعيداً عن العيون. كنتَ تعود من الخارج وكأنك تحمل مدينة كاملة فوق ظهرك، ثم تجلس قرب ابنتك فتتحول فجأة إلى رجل آخر، أكثر خفة، أكثر دفئاً، وأكثر تصديقاً لفكرة الحياة. هناك فقط فهمتُ أن الأبوة لا تجعل الرجال أقوى كما يظن الجميع، بل أكثرضعفاً متماسكاً إن صح لي قول ذلك، لأن قلوبهم تصبح خارج أجسادهم تمشي على قدمين صغيرتين. كنتُ أراك تراقب ابنتك وهي نائمة بالطريقة نفسها التي كنتُ أراقبك بها، وكأنك تخشى أن يوقظها العالم قبل أوانها. أحياناً كنتَ تضحك معها بصوتٍ عالٍ، ثم تصمت فجأة عندما تظن أن أحداً لا يراك، فأشعر أنك عدتَ طفلًا للحظة، طفلًا يريد أن يطمئن أن الحياة لن تأخذ منه هذه المرة ما يحب.
يا بني، لم تكن الحياة رحيمة مع جيلكم كما كانت معنا رغم الحروب التي عشناها. أنتم جيلٌ يعيش سباقات لا تنتهي، حتى الراحة عندكم أصبحت تحتاج إلى موعد مسبق. كل شيء حولكم يدفعكم لأن تتحولوا إلى آلات ناجحة بدل أن تكونوا بشراً يشعرون ويتعثرون ويتباطؤون قليلًا. ولذلك كنتُ أخاف عليك دائماً من أن تصبح نسخة متعبة من رجلٍ يحاول إرضاء الجميع وينسى نفسه. كنتُ أراك تُلقي روحك كاملة في كل مسؤولية، في العمل، في الأبوة، في التفاصيل الصغيرة، حتى في لعبتك التي أحببتها أكثر من كثير من الناس. لكنني كنتُ أعرف أيضاً أن الإنسان حين يُفرط في الركض ينسى أحياناً لماذا بدأ الطريق أصلًا. لهذا أكتب لك اليوم لا لأذكّرك بواجباتك، فأنت تعرفها أكثر مني، بل لأذكّرك بشيء أهم وهو لا تسمح للعالم أن يسرق منك ذلك الطفل الذي كان يرى السماء بعينين مندهشتين. لأن الرجال الذين يفقدون دهشتهم يتحولون ببطء إلى كائنات تؤدي الحياة فقط دون أن تعيشها.
أتعلم ما الذي يوجع الأم أكثر من شيخوختها؟ أن ترى ابنها يتعب بالصمت نفسه الذي كانت تتعب به هي، وأن تدرك أنها لم تستطع حمايته من قوانين الحياة مهما أحبّته. كنتُ أظن وأنا أحملك صغيراً أنني سأستطيع منع الحزن عنك إلى الأبد، ثم اكتشفتُ متأخرة أن الأمومة ليست قدرة على منع الألم، بل قدرة على الوقوف قرب من نحبهم وهم يتألمون دون أن ننهار أمامهم. واليوم، حين تخبرني أنك بخير بينما التعب واضح في عينيك، أعرف أنك تحاول حمايتي أنا أيضاً، كما كنتُ أفعل معك قديماً. وهكذا ندور داخل الحب نفسه دون أن نشعر، أنا أخفي خوفي كي لا تقلق، وأنتَ تخفي تعبك كي لا أحزن. وربما هذه هي العائلة يا بني هي مجموعة قلوب تتقن التظاهر بالقوة من أجل بعضها البعض.
وفي عيد ميلادك هذا، لا أتمنى لك ثراءً كبيراً أبداً رغم أن المال قوة ولا نجاحاً يبهر الناس ولا حياةً بلا خسارات، لأنني عرفتُ مع العمر أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه بل بما يبقى حياً داخله بعد كل ما يفقده. أتمنى فقط أن تبقى روحك قادرة على العودة إلى نفسها مهما ابتعدت، وأن لا تتحول مسؤولياتك إلى سجنٍ تنسى فيه معنى الرحمة مع ذاتك. أتمنى أن تنظر إلى ابنتك دائماً بعين الرجل الذي يعرف كم هو مهم في هذا العالم، لا بعين الرجل الذي يريد أن يصنع منها نسخة مثالية ترضي الآخرين. دعها تخطئ، دعها تتعثر، دعها تعرف أن البيت ليس محكمة، بل المكان الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يعود إليه مكسوراً دون خوف. وأنت أيضاً، يا بني، لا تخجل من ضعفك أبداً، فالرجال الذين يبكون أحياناً أقل قسوة على من يحبون.
أما أنا، فقد صرتُ أنظر إليك اليوم كما ينظر المسافر الأخير إلى نافذة القطار قبل الوصول بقليل، بمزيجٍ من الامتنان والخوف والحنين. أراك تحمل طفلتك، فأرى الطفل الذي حملته يوماً. أراك تنشغل بالحياة، فأرى الشاب الذي كان يظن أن لعبة بلياردو واحدة تستطيع إصلاح العالم كله. أراك تُخفي قلقك خلف ابتسامتك، فأرى أبي يعود للحياة في ملامحك دون أن تدري. وكلما تقدمتَ في العمر، أدركتُ أكثر أن الأم لا تتوقف يوماً عن الولادة، فهي تلد أبناءها مرة من جسدها، ثم تلدهم ألف مرة من خوفها عليهم. لذلك، وفي عيد ميلادك السادس والثلاثين، لا أملك إلا دعاءً صغيراً يشبه قلبي المتعب. هوأن تبقى إنساناً مهما قست الحياة، وأن لا تخسر نفسك وأنت تحاول النجاة، وأن تجد يوماً السلام الذي ظللتَ تبحث عنه طويلًا بين الكرات المتصادمة فوق طاولة خضراء، وبين الطرق الكثيرة التي أخذتك بعيداً عن ذلك الطفل الذي كان ينظر إلى السماء وكأن الله يكلّمه وحده… فهل يكبر الإنسان حقاً يا بني، أم أنه يقضي عمره كله يبحث عن الطريق الذي يعيده أخيراً إلى أول حضن شعر فيه أن العالم آمن؟...أحبك يا بني وكل عام وأنت الأب الحنون واللاعب الذي لا يتعب على طاولة الحياة ...
طرابلس-لبنان- الجمعة في 22أيار 2026 الساعة التاسعة صباحاً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
- الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة
- هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟
- عالم الصيادين الجزء الثاني يُكافىء من ينجو لا من يتزن
- أنت زهرة ميلادي دائما يا بني


المزيد.....




- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...
- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه