ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 16:13
المحور:
الادب والفن
في مسلسل بخمس أرواح
ضحى عبدالرؤوف المل
يبدو البحث عن الإخوة في مسلسل بخمس أرواح مجرد حيلة سردية لتجميع الورثة من أجل تقسيم الميراث، بل يتحول إلى رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه. فكل أخ يتم العثور عليه يشبه نافذة تُفتح على عالم مختلف، وكل شخصية جديدة ليست إضافة عددية إلى معادلة الورثة، بل إضافة رمزية إلى خريطة المعنى التي يريد الكاتب رسمها. ومن هنا تأتي أهمية اكتشاف شخصية مروان الخطيب الذي يلعب دوره بجدارة تمثيلية طلال الجردي، الشيخ الذي يملك أتباعاً ومريدين يؤمنون بكلامه، في مقابل أخته التي تعيش في عالم الموسيقى الليلية وتمارس فن الدي جي في البارات. هذا التناقض الظاهري ليس مجرد تنويع درامي لتلوين الشخصيات، بل هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم ما يريد الكاتب قوله عن المجتمع والهوية والأسرة.
في المشهد الذي يصل فيه شمس إلى قبر الشيخ مروان الخطيب ويكتشف أن هناك رجلًا يأتي يومياً بعد صلاة الفجر لزيارة القبر، تبدأ أولى طبقات المعنى بالانكشاف. فزيارة القبر يومياً تشير إلى حضور روحي قوي، وإلى علاقة خاصة بين الشيخ ومجتمعه. الحارس يقول إن "الكل في الحارة يحلف باسمه"، وهذه العبارة ليست عابرة، بل تحمل دلالة واضحة على أن مروان أصبح رمزاً أخلاقياً أو مرجعية روحية في تلك البيئة. الكاتب رسم شخصية لها سلطة غير رسمية لكنها عميقة، سلطة نابعة من الإيمان الشعبي والثقة الاجتماعية. إن هذا النوع من الشخصيات يعكس ظاهرة معروفة في المجتمعات العربية: وجود شخصيات دينية أو روحية تكتسب مكانتها من الاحترام العام لا من منصب رسمي.
لكن المفارقة الدرامية تبدأ عندما نكتشف أن لهذا الشيخ نفسه أختاً تعيش في عالم مختلف تماماً، عالم الموسيقى الليلية والبارات، حيث تعمل كفنانة دي جي. هنا تتشكل فجوة رمزية بين عالمين هما عالم الروح وعالم الجسد، عالم السكون التأملي وعالم الإيقاع الصاخب. هذه المفارقة ليست مصادفة سردية، بل تصميم مقصود من الكاتب ليضع المشاهد أمام سؤال مركزي وهو كيف يمكن لشخصين ينتميان إلى العائلة نفسها أن يعيشا في منظومتين قيميتين مختلفتين إلى هذا الحد؟
إن الكاتب، من خلال هذا التباين، يريد أن يضع فكرة العائلة تحت المجهر. فالدم الواحد، كما توحي الدراما، لا يضمن وحدة القيم أو التشابه في المصائر. إن الأخوة الذين يسعى شمس إلى جمعهم ليسوا نسخة متكررة من بعضهم، بل هم تمثيلات مختلفة لممكنات الحياة الإنسانية. مروان يمثل طريقاً، وأخته تمثل طريقاً آخر، وكلاهما ينحدر من الجذر نفسه. هنا تتحول العائلة إلى استعارة للمجتمع، مجتمع تتجاور فيه التقاليد والحداثة، التدين والانفتاح، الصمت الروحي والضجيج الموسيقي. ولعل الكاتب يتعمد هذا التباين ليجعل مهمة شمس أكثر تعقيداً من مجرد مهمة مالية أو قانونية. فلو كان جميع الإخوة متشابهين، لكانت المهمة إدارية بحتة، فالعثور عليهم ثم تنفيذ الوصية. لكن اختلافهم الجذري يحول الرحلة إلى اختبار نفسي وفلسفي. شمس لا يجمع فقط أسماءً، بل يجمع عوالم متناقضة. إنه يكتشف أن الميراث الحقيقي ليس المال، بل هذا التنوع الإنساني الذي يجب فهمه والتعامل معه. كما يمكن قراءة الحوار الذي يتردد فيه البحث عن الأسماء "هون بالحارة في شي ثلاثة أربعة اسمهم سعيد الخطيب وما بيقربوا بعض". هذه العبارة الصغيرة تكشف شيئاً أعمق مما يبدو. فالاسم هنا يفقد دلالته الواضحة ويتحول إلى متاهة. الاسم الواحد يمكن أن يشير إلى أشخاص مختلفين، والهوية تصبح لغزاً. الكاتب يريد أن يقول إن البحث عن الإخوة ليس مجرد تتبع أسماء، بل بحث عن الحقيقة وسط تشابك الهويات.
ومن خلال شخصية مروان الخطيب تحديداً، يقدم المسلسل نموذجاً للسلطة الرمزية. فالرجل ليس ثرياً ولا سياسياً، لكن الناس "يحلفون باسمه"، أي أن كلمته تمتلك وزناً أخلاقياً في المجتمع. هذه السلطة الرمزية تقف في مقابل سلطة أخرى تمثلها أخته، سلطة الجاذبية الفنية والتأثير الثقافي في عالم مختلف تماماً. هنا يطرح الكاتب فكرة مهمة جداًالنفوذ في المجتمع ليس نوعاً واحداً، بل أشكال متعددة من التأثير ولا يخفي تمثيلياً قدرة قصي الخولي بث نفحة كوميدية من خلال جدية البحث عن الأخوة .فهل من إسقاطات سياسية في هذه الدراما ؟
مروان يؤثر في الناس عبر الخطاب الديني والقيم الأخلاقية، بينما أخته تؤثر عبر الموسيقى والإيقاع والحضور الفني. كلاهما يمتلك جمهوراً، لكن الجمهور مختلف، والوسيلة مختلفة، والرسالة مختلفة. ومع ذلك، كلاهما جزء من العائلة نفسها. وكأن الكاتب يريد أن يقول إن المجتمع الحديث ليس خطاً واحداً من القيم، بل شبكة معقدة من التأثيرات المتجاورة.هذا التباين يصبح أكثر إثارة عندما نضعه في سياق وصية الأمير باديس. فالأمير لم يطلب من أبنائه مجرد الوجود، بل اشترط اجتماعهم ليحصلوا على الميراث. هذا الشرط يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه في العمق يكشف فلسفة كاملة. فالكاتب يوحي بأن المال وحده لا يصنع العائلة. العائلة الحقيقية هي التي تستطيع أن تجمع المختلفين.
وهنا تصبح مهمة شمس رمزية أكثر منها عملية. فهو ليس مجرد ابن يبحث عن إخوته، بل وسيط بين عوالم متناقضة. عليه أن يقنع شيخاً يعيش في فضاء روحي، وأختاً تعيش في فضاء موسيقي صاخب، وأشخاصاً آخرين لم يظهروا بعد، بأن يجتمعوا حول فكرة واحدة. وهذا الاجتماع نفسه قد يكون أصعب من الحصول على المال. في المشهد الذي يتحدث فيه الشيخ عن الصفح والتسامح والعفو، تظهر طبقة أخرى من المعنى. الخطاب الديني الذي يقدمه مروان لا يتحدث فقط عن الأخلاق الفردية، بل عن طريقة لإطفاء الصراعات. حين يقول إن أفضل طريقة لإطفاء نار الخلافات هي الصفح والتسامح، يبدو وكأنه يقدم مفتاحاً درامياً للمشكلة الأساسية في القصة. فالإخوة المختلفون قد لا يجتمعون بالقوة أو القانون، لكن ربما يجتمعون بفكرة التسامح. وهنا تتجلى براعة الكاتب في إدخال الفكرة الأخلاقية داخل السياق الدرامي. فالخطاب الديني لا يأتي كموعظة منفصلة، بل كجزء من بنية الصراع. وكأن النص يقول إن حل الأزمة العائلية قد يكمن في القيمة التي يمثلها مروان نفسه. لكن وجود الأخت في عالم مختلف يعيد فتح السؤال: هل يمكن لهذه القيم أن تصل إلى شخص يعيش في ثقافة مختلفة؟ هل يمكن للتسامح الذي يتحدث عنه الشيخ أن يجد طريقه إلى عالم الموسيقى والبارات؟ أم أن الفجوة بين العالمين أكبر من أن تُردم بسهولة؟
بهذا المعنى، يصبح التباين بين الأخ والأخت تجربة فكرية داخل الدراما. الكاتب لا يطرح الإجابة مباشرة، بل يتركها معلقة بين المشاهد. فربما يكون المقصود أن الإنسان لا يُختزل في بيئته. ربما تستطيع أخت الشيخ أن تفهم أخاها أكثر مما نتوقع، وربما يستطيع الشيخ أن يتفهم عالمها أكثر مما نظن. وهنا يظهر المعنى الأعمق للرحلة التي يقودها شمس. فكل لقاء مع أخ جديد ليس مجرد خطوة نحو الميراث، بل مواجهة مع شكل جديد من أشكال الحياة. شمس يخرج من عالمه الضيق في الحارة ليدخل عوالم متعددة منها عالم الدين، عالم الفن، وربما لاحقًا عوالم السياسة أو التجارة أو الجريمة.
إن الكاتب بنى على فكرة التنوع الإنساني داخل العائلة الواحدة. فالإخوة الخمسة ليسوا مجرد أفراد، بل تمثيلات رمزية لطبقات مختلفة من المجتمع. كل واحد منهم يحمل تجربة مختلفة، وكل تجربة تضيف طبقة جديدة إلى المعنى الكلي للقصة. فهل يمكنني القول إن التباين بين مروان الخطيب وأخته ليس مجرد عنصر تشويق، بل مركز فلسفي في العمل كله؟ وهل أراد كاتب هذا المسلسل كشف أن الهوية ليست ثابتة، وأن الإنسان يمكن أن يتشكل بطرق متباينة حتى داخل العائلة نفسها. كما يكشف أن المجتمع نفسه يعيش هذا التباين يومياً المساجد والبارات، الخطبة الدينية والموسيقى الإلكترونية، السكون الروحي والرقص الليلي. الكاتب لا يدين أياً من العالمين، بل يضعهما جنباً إلى جنب، ويجعل اللقاء بينهما ممكناً عبر رابطة الدم.
وهنا يكمن جمال الفكرة الدرامية التي يظنها البعض أنها عبثية لتسلية المشاهد لكن العائلة تصبح مساحة لقاء بين المختلفين. وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للوصية. فالأمير باديس لم يترك المال فقط، بل ترك اختباراً أخلاقياً لأبنائه. هل يستطيعون أن يتجاوزوا اختلافاتهم ويجتمعوا؟
من الحلقة الأولى حتى العشرين تبدو رحلة شمس وكأنها رحلة لاكتشاف المجتمع عبر أفراد العائلة. كل أخ هو مرآة لجزء من هذا المجتمع. ومروان الخطيب وأخته يمثلان أحد أكثر هذه الانقسامات وضوحاً الانقسام بين الروح والإيقاع، بين السكينة والضجيج، بين الماضي المتجذر والحاضر المتحرك. لكن ربما يريد الكاتب أن يقول إن هذه الانقسامات ليست نهائية. فكما يمكن للروح أن تسمع الموسيقى، يمكن للموسيقى أن تحمل روحاً . وربما عندما يجتمع الإخوة الخمسة، لن يكون الاجتماع مجرد إجراء قانوني، بل لحظة نادرة يلتقي فيها كل هذا التنوع في نقطة واحدة. ويبقى السؤال الذي تطرحه الدراما دون أن تجيب عنه مباشرة وهي هل يستطيع شمس أن يجمع هذه العوالم المختلفة حول طاولة واحدة؟ أم أن التناقض بين الشيخ وأخته، وبين بقية الإخوة، سيجعل الوصية نفسها اختباراً مستحيلًا؟...
طرابلس- لبنان- الأحد 10 أيار 2026 الساعة الواحدة والنصف ظهراً
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟