ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 12:03
المحور:
الادب والفن
بين أخلاق الوحي وحدود الهندسة الخطابية
يقدّم "اختبار النحل 90" في كتاب بين الوحي والتأويل للكاتب محمد بن جماعة مشروعاً يبدو في ظاهره تطبيقياً، لكنه في عمقه يحاول القيام بعملية فلسفية ضخمة وهوتحويل آية قرآنية ذات طابع أخلاقي مفتوح إلى ما يشبه "بروتوكول تشغيل للخطاب الإنساني". هذه النقلة ليست مجرد تطوير تربوي أو أخلاقي، بل انتقال من عالم المعنى إلى عالم الإجراء، ومن البلاغة الدينية إلى ما يمكن تسميته بـ"أتمتة الضمير". إذ يصبح النص الديني ليس مصدر إلهام للقيم، بل معيار فرز: يمر أو لا يمر، يُعدّل أو يُرفض. هذا التحول يطرح سؤالًا جوهرياً وهو هل يمكن للمعيار الأخلاقي حين يُحوّل إلى نظام تقييم أن يحتفظ بروحه الأصلية؟ إن الأخلاق في جذورها ليست آلية، بل هي مجال يتطلب تقديراً وحكمةً إنسانية متغيرة، بينما الاختبار يقترح ثباتاً صارماً. وهنا يبدأ التوتر. إذ كلما اقتربنا من تحويل القيم إلى "نظام"، ابتعدنا عن جوهرها كـ"تجربة معيشة" . الاستشهاد المركزي الذي يؤسس له النص هو قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ…﴾ (النحل: 90)
لكن السؤال النقدي ليس في جمال الآية، بل في قابلية تحويلها إلى جهاز ضبط، وكأننا أمام محاولة لإعادة تفسير الوحي بوصفه خوارزمية اجتماعية، لا خطاباً مفتوحاً على التأويل. وهذا ما جعلني أتوقف عند اختبار النحل 90 لأكتب عنه في هذا الكتاب الذي أجبرني على قراءته أكثر من مرة والكتابة عنه في أكثر من مقال لأنه مشروع يستحق الاحترام لأنه يحاول أن ينتزع الوحي من سوق الشتائم، وأن يعيد للخطاب الإسلامي شيئاً من اتزانه المفقود. لكنه في الوقت نفسه يفتح أسئلة أخطر مما يجيب عنه. فإذا كان التاريخ الإسلامي قد علّمنا شيئًاً، فهو أن كل فكرة أخلاقية عظيمة يمكن أن تتحول إلى أداة سلطة حين تدخل المجال المؤسسي، وأن أكثر الشعارات إنسانية قد تُستخدم أحياناً لتكميم النقد أو إعادة إنتاج الهيمنة بشكل أكثر أناقة. لذلك ربما تكون القيمة الحقيقية للمشروع ليست في "الاختبار" نفسه، بل في الأسئلة التي يفرضها علينا وهو كيف نختلف دون أن نتحول إلى قبائل؟ كيف ننتقد دون أن نهدم الإنسان؟ كيف نحمي السلم دون قتل الحقيقة؟ وكيف نعيد للدين وظيفته الأخلاقية دون أن نجعله شرطياً على العقول؟ تلك هي المعضلة التي لم يحسمها التاريخ الإسلامي بعد، وربما لن يحسمها قريباً، لأن الصراع الحقيقي ليس بين السنّي والشيعي، ولا بين الأشعري والسلفي، بل بين نزعتين داخل الإنسان نفسه وهي نزعة تبحث عن العدل حتى مع الخصم، ونزعة تبحث عن هوية تنتصر لها ولو على حساب الحقيقة. والسؤال الذي يبقى معلّقاً فوق كل هذا الركام وهوهل يستطيع المسلم المعاصر أن يبني مستقبلًا يتجاوز ذاكرة القرون، أم أنّ التاريخ الذي لم يُحلّ سيتكرر بأسماء جديدة إلى ما لا نهاية؟
يبني محمد بن جماعة فكرته على فرضية مركزية مفادها أن الانقسام الاجتماعي والسياسي والديني في العالم الإسلامي يمكن فهمه أساساً بوصفه انهياراً في "أخلاق اللغة" كغياب العدل، ضعف الإحسان، وانقطاع صلة القربى في الخطاب. هذه الفرضية رغم قوتها الأخلاقية، تميل إلى اختزال متعدد الطبقات في طبقة واحدة. فالصراع التاريخي ليس مجرد خلل لغوي، بل هو تفاعل معقد بين السلطة، الاقتصاد، البنية الاجتماعية، والخوارزميات الحديثة في زمن المنصات الرقمية. اللغة ليست السبب الأول، بل هي عرضٌ مكثف لبنية أعمق. إن تحويل المشكلة إلى مشكلة كلمات فقط يخلق نوعاً من الراحة التحليلية، لكنه يخاطر بتبسيط ما هو بنيوي إلى ما هو سلوكي. هذا يشبه تفسير العنف السياسي بأنه مجرد "سوء أدب لغوي"، بينما الواقع أن اللغة نفسها تتشكل داخل شبكات من القوة والضغط والتنافس على الشرعية. وبهذا يظهر خطر ما يمكن تسميته بـ"أخْلَقة البنيوي": تحويل التاريخ إلى اختبار أخلاقي بدل قراءته كنظام مصالح وصراعات. فما هي إشكالية تحويل القيم إلى نظام تصنيف؟
أحد أكثر التحولات حساسية في المشروع هو تحويل مفاهيم مثل العدل والإحسان إلى معايير قابلة للقياس. هذا التحويل يُدخل القيم في منطقة جديدة تماماً وهي منطقة التصنيف. فالعدل لم يعد فضيلة تُمارس في سياق، بل معياراً يمكن أن "يسقط" أو "ينجح". والإحسان لم يعد أفقاً جمالياً في الخطاب، بل شرطاً تقنياً للقبول. هنا يحدث انتقال خطير من الأخلاق بوصفها ممارسة إنسانية إلى الأخلاق بوصفها نظام تقييم. لكن المشكلة أن الأخلاق بطبيعتها ليست ثنائية. ليست صحيح/خطأ فقط، بل هي طيف واسع من التقدير والتوازنات. تحويلها إلى نظام فرز قد يؤدي إلى ما يشبه "تجفيف الأخلاق" من بعدها الإنساني، واستبدالها بمنطق إداري. بهذا المعنى، يصبح الخطاب الأخلاقي أقرب إلى لوحة تحكم منه إلى ضمير حي. فمن يحرس الميزان؟
أي نظام أخلاقي يتحول إلى معيار تطبيقي يطرح فوراً سؤال السلطة وهو من يقرر أن هذا الخطاب عادل أو فاحش؟ النص يفترض إمكانية تطبيق جماعي محايد للاختبار في الإعلام والتعليم والمنصات. لكن التاريخ يعلّمنا أن كل معيار أخلاقي حين يتحول إلى مؤسسة، يخلق طبقة من "حراس المعنى". وهؤلاء الحراس لا يملكون فقط تفسير القيم، بل إعادة تعريفها. هنا يكمن التناقض العميق. المشروع يحاول منع البغي في الخطاب، لكنه قد ينتج شكلًا جديداً من البغي الرمزي باسم الأخلاق نفسها. فكل معيار صارم يولّد هامشاً من الإقصاء، وكل فلتر أخلاقي ينتج خطاباً مقبولًا وآخر مستبعداً. والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو هل يمكن للأخلاق حين تتحول إلى سياسة تطبيق أن تبقى غير قمعية؟
في قراءته للتاريخ الإسلامي، يقدم محمد بن جماعة سردية واضحة الخلاف السياسي هو الأصل، والعقيدة جاءت لاحقاً كتأطير له. هذه القراءة لها جذور في علم الاجتماع الديني الحديث، لكنها هنا تُستخدم لتأطير مشروع أخلاقي معاصر. غير أن المشكلة تظهر حين يتحول التاريخ إلى مرآة أخلاقية تُقرأ لتأكيد فكرة مسبقة وهي أن العدل والإحسان يمكنهما تفكيك الانقسام. هذا النوع من القراءة قد يُعيد ترتيب الماضي بطريقة تجعل التعقيد التاريخي يبدو أكثر انتظاماً مما كان عليه. فالتاريخ ليس سلسلة من الانحرافات الأخلاقية في اللغة، بل هو شبكة من القرارات، المصالح، التأويلات، والظروف التي لا يمكن ردّها إلى معيار واحد. الخطر إذاً ليس في الخطأ التاريخي، بل في إعادة بناء الماضي كأنه كان ينتظر اختباراً أخلاقياً ليُفهم.
أحد أهم إنجازات الكتاب أنه يعيد الانتباه إلى خطورة اللغة في إنتاج العنف الرمزي. لكن الإشكال أنه يمنح اللغة دوراً مفرطاً في تفسير الصراع. اللغة ليست بريئة، لكنها أيضاً ليست أصل البنية. إنها وسيط مشحون، يتغير بتغير موازين القوة. حين تتغير السلطة، تتغير اللغة، لا العكس فقط. لذلك فإن محاولة إصلاح المجتمع عبر "تنظيف اللغة" فقط قد تكون مشابهة لمحاولة إصلاح مرض عضوي عبر تغيير الأعراض. اللغة قد تكون موقعاً للصراع، لكنها ليست محركه الوحيد. وهنا يظهر خطر المثالية اللغوية وهي الاعتقاد أن تحسين الخطاب يؤدي تلقائياً إلى تحسين الواقع. فهل ينقلنا محمد بن جماعة من الأخلاق إلى التقنية في خطر الأتمتة القيمية؟
حين تتحول القيم إلى نظام تشغيل، نقترب من منطقة "الأتمتة الأخلاقية". أي أن الحكم الأخلاقي يصبح قابلاً للتطبيق الآلي أو شبه الآلي. هذا النوع من التفكير قد يبدو مفيداً في ضبط المحتوى الرقمي، لكنه يحمل خطراً فلسفياً وهو إلغاء دور الحكم البشري المتأمل. الأخلاق ليست فقط نتيجة، بل هي عملية تفكير بطيئة، تتطلب التردد، والشك، وإعادة النظر. أما النظام الصارم فيميل إلى الحسم. وهنا يحدث التوتر بين "الأخلاق كحكمة" و"الأخلاق كنظام". وكلما اقتربنا من الثانية، ابتعدنا عن الأولى.
لكن لا يمكن إنكار القوة الجمالية في كل هذا فهو يقدم محاولة جادة لربط النص الديني بالفضاء العام المعاصر، ويضع معياراً أخلاقياً واضحاً للخطاب. لكنه في الوقت نفسه يحمل طابعاً يوتوبياً بمعنى الاعتقاد بأن ضبط اللغة يمكن أن يعيد تشكيل المجتمع جذرياً. هذه اليوتوبيا ليست خطيرة لأنها مثالية، بل لأنها قد تتجاهل البنى الصلبة التي تنتج الخطاب نفسه. الإصلاح اللغوي مهم، لكنه ليس كافياً لإصلاح العالم الاجتماعي. وهنا يظهر التوتر بين "النية الأخلاقية"و"الفعالية الاجتماعية" لكن بعد كل هذا هل يمكنني أن أطرح سؤالاً مهما وهو هل يمكن للعدل أن يكون خوارزمية دون أن يفقد إنسانيته؟
إذا كان العدل والإحسان يمكن تحويلهما إلى نظام تشغيل للخطاب، فهل يظلان عدلًا وإحساناً؟ أم يتحولان إلى مجرد قواعد فرز؟ وهل يمكن للأخلاق أن تُبرمج دون أن تفقد بعدها الإنساني القائم على التقدير والرحمة والتردد؟ ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن محاولة حماية الخطاب من الفحش قد تنتج شكلًا جديداً من الفحش المؤسسي، وأن محاولة حماية العدالة اللغوية قد تخلق عدالة بلا إنسان. وهكذا نصل إلى السؤال الذي لا يطلب إجابة بقدر ما يطلب تأملًا وهو إذا كان كل خطاب سيُمرَّر عبر ميزان النحل 90، فمن سيزن الميزان نفسه؟
طرابلس-لبنان الإثنين في 25 أيار 2026 الساعة التاسعة والنصف صباحاً
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟