أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟















المزيد.....

لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 13:07
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظة فارقة في حياة الإنسان لا تأتي مع التقدم في العمر فقط، بل مع تراكم الخبرات والانكسارات، حين يبدأ بمراجعة الوجوه التي مرت في حياته، والأحداث التي تركت ندوبها في روحه، والكلمات التي ما زال صداها يتردد في ذاكرته بعد سنوات طويلة من نطقها. في تلك اللحظة يطرح الإنسان على نفسه سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه من أكثر الأسئلة الإنسانية تعقيداً وهو لماذا يؤذي البشر بعضهم بعضاً؟ ولماذا يصبح الألم جزءاً متكرراً من العلاقات التي يفترض أنها بُنيت على المحبة والثقة والدفء؟ إن الإنسان حين يكون صغيراً يعتقد أن العالم منقسم بوضوح بين أخيار وأشرار، بين من يحبونه ومن يكرهونه، لكنه كلما تقدم في التجربة اكتشف أن الحدود ليست بهذه البساطة. فالذي آذاه قد يكون الشخص نفسه الذي أحبه بصدق يوماً ما، والذي خذله قد يكون الشخص الذي كان يظن أنه سيبقى إلى جواره إلى الأبد. وهنا تبدأ رحلة أكثر عمقاً من مجرد البحث عن المذنب، رحلة البحث عن الطبيعة البشرية نفسها، وعن ذلك الخليط المربك من الحب والخوف والضعف والأنانية والحاجة إلى القبول الذي يسكن كل إنسان.

لقد اعتدنا أن نفسر الأذى بوصفه فعلاً أخلاقياً خالصاً، فنقول إن فلاناً أساء لأنه شرير، أو لأن قلبه قاسٍ، أو لأنه يحمل نية خبيثة. غير أن الواقع الإنساني أكثر تعقيداً من هذه الأحكام السريعة. فالكثير من الناس لا يؤذون لأنهم يريدون الأذى في ذاته، بل لأنهم عاجزون عن إدارة جراحهم الخاصة. الإنسان المجروح لا يحمل جرحه وحده، بل يحمله إلى كل علاقة يدخلها، إلى كل حوار يخوضه، إلى كل موقف يتعرض له. وقد يحدث أن يفسر كلمة عادية على أنها تهديد، أو يرى في اختلاف الرأي إهانة، أو يرد على خوف قديم بغضب جديد. وهكذا يصبح الأذى أحياناً لغة غير واعية يتحدث بها الألم عندما يعجز عن التعبير عن نفسه بطريقة صحية. إننا كثيراً ما نعتقد أننا نواجه الآخرين، بينما نحن في الحقيقة نواجه تاريخهم النفسي كله، طفولتهم، مخاوفهم، خيباتهم، شعورهم بالنقص، ومعاركهم التي لم يحسموها بعد.

ولعل المأساة الكبرى أن الإنسان لا يرى جراحه بالوضوح نفسه الذي يرى به أخطاء الآخرين. فنحن نبرر لأنفسنا ما ندينه عند غيرنا. إذا غضبنا قلنا إن الظروف دفعتنا، وإذا أخطأنا قلنا إن نيتنا كانت حسنة، أما إذا أخطأ غيرنا في حقنا فإننا نميل إلى تفسير فعله باعتباره دليلاً على سوء جوهره. وهذه إحدى أكثر الخدع النفسية رسوخاً في العلاقات البشرية. فالعقل يميل دائماً إلى حماية صورته عن نفسه، ولذلك يمنح ذاته الأعذار ويمنح الآخرين الأحكام. ومن هنا تنشأ معظم النزاعات التي تستمر سنوات طويلة. ليس لأن الخطأ كان كبيراً دائماً، بل لأن كل طرف يرى نفسه ضحية ويرى الآخر مسؤولاً بالكامل. وفي هذه النقطة تحديداً تبدأ الحكمة الإنسانية وهي عندما يدرك المرء أن الحقيقة غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من رواية واحدة، وأن الإنسان ليس ملاكاً حين يتحدث عن نفسه، وليس شيطاناً حين يتحدث عنه خصومه.

غير أن فهم هذه التعقيدات لا يعني السقوط في سذاجة أخلاقية تعتبر كل الأفعال قابلة للتبرير. فهناك فرق جوهري بين الخطأ البشري وبين الأذى المقصود. الخطأ البشري ينتمي إلى منطقة الضعف، أما الأذى المتعمد فينتمي إلى منطقة القرار. الأول قد يصدر عن لحظة انفعال أو جهل أو خوف، أما الثاني فيصدر عن إرادة اختارت أن تتجاهل أثرها في الآخرين. ولذلك فإن النضج لا يعني أن نساوي بين كل أنواع الأذى، بل أن نمتلك القدرة على التمييز بينها. فليس من الحكمة أن نتعامل مع شخص انفعل لحظة كما نتعامل مع شخص خطط طويلاً لإيذائنا. وليس من العدالة أن نحاكم الجميع بالعقوبة نفسها. إن إحدى علامات النضج الأخلاقي هي القدرة على التفريق بين الإنسان الذي تعثر في ضعفه وبين الإنسان الذي استثمر ضعفه ليبرر قسوته.

ومن هنا يظهر المعنى الحقيقي للتسامح، ذلك المفهوم الذي أسيء فهمه كثيراً. فالتسامح ليس إنكاراً للألم، وليس ادعاءً بأن شيئاً لم يحدث، وليس تنازلاً عن الكرامة. التسامح في جوهره عملية تحرير للذات قبل أن يكون هدية للآخر. إنه القرار الذي يتخذه الإنسان حين يرفض أن يبقى أسيراً للحادثة التي جرحته. فالأذى لا ينتهي دائماً عندما ينتهي الحدث، بل يستمر حين نحمله معنا كل يوم، ونعيد استدعاءه في ذاكرتنا، ونسمح له بأن يعيد تشكيل رؤيتنا للعالم. ولهذا فإن بعض الناس يعيشون أسرى لمواقف انتهت منذ عشرين عاماً، لأنهم لم يغادروا مكان الألم نفسياً رغم أنهم غادروه زمنياً. والتسامح بعد كل هذا لا يعني أن المخطئ أصبح بريئاً، بل يعني أن الجريح اختار ألا يبقى سجيناً لخطئه.

لكن التسامح لا يكتمل إلا بوجود الحدود. فالإنسان الذي يسامح بلا حدود يتحول إلى ضحية متكررة، والإنسان الذي يضع حدوداً بلا تسامح يتحول إلى سجين دائم للشك والعداء. الحكمة تكمن في الجمع بين الأمرين وهي أن نفهم الآخرين دون أن نسمح لهم باستنزافنا، وأن نغفر ما يمكن غفرانه دون أن نتخلى عن حقنا في حماية أنفسنا. فليست كل العلاقات مقدسة، وليست كل الروابط قدراً لا يمكن الفكاك منه. بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليمنحونا درساً لا رفقة، وبعضهم يعلمنا قيمة المسافة أكثر مما يعلمنا قيمة القرب. والنضج الحقيقي لا يظهر في قدرتنا على الاحتفاظ بكل الناس، بل في قدرتنا على معرفة من يستحق البقاء ومن يجب أن يصبح جزءاً من الماضي.

وإذا تأملنا المجتمع من حولنا سنجد أن كثيراً من أزماته الكبرى ليست سوى امتداد لهذه المعضلة الإنسانية الأساسية. فالصراعات العائلية، والانقسامات الاجتماعية، والخصومات الطويلة، وحتى أشكال العنف المختلفة، كثيراً ما تنبع من جراح لم تُفهم ومن مخاوف لم تُعالج. إن المجتمعات لا تتكون من أفكار مجردة، بل من أفراد يحملون تاريخهم النفسي معهم إلى الفضاء العام. ولذلك فإن الإنسان الذي لم يتصالح مع نفسه قد يحول أسرته إلى ساحة صراع، والإنسان الذي لم يعالج شعوره بالنقص قد يحول سلطته إلى وسيلة للهيمنة، والإنسان الذي لم يتعلم الحب قد يطالب الآخرين بما لا يعرف كيف يمنحه. ومن هنا تصبح التنمية النفسية والأخلاقية جزءاً من التنمية الاجتماعية نفسها، لأن المجتمعات السليمة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل ببشر أكثر وعياً بأنفسهم.

وربما لهذا السبب تبدو الرحلة الحقيقية في الحياة أقل ارتباطاً بالنجاح الخارجي وأكثر ارتباطاً بفهم الذات. فبعد سنوات طويلة يكتشف الإنسان أن أعظم انتصاراته ليست تلك التي حققها على الآخرين، بل تلك التي حققها على نفسه. الانتصار على الرغبة في الانتقام، على الحاجة الدائمة لإثبات الحق، على الميل إلى تحويل كل جرح إلى هوية دائمة. ففي النهاية لا يتذكر الإنسان عدد المرات التي ربح فيها جدالاً، بقدر ما يتذكر عدد المرات التي حافظ فيها على إنسانيته رغم كل ما دفعه نحو القسوة. إن القيمة الحقيقية للوعي لا تكمن في جعلنا أقل تعرضاً للألم، بل في جعلنا أقل استعداداً لتحويل الألم إلى مشروع حياة.

لهذا فإن السؤال الأعمق ليس من الذي آذاني؟ بل: ماذا فعل بي ذلك الأذى؟ هل جعلني أكثر حكمة أم أكثر مرارة؟ هل وسّع فهمي للبشر أم دفعني إلى احتقارهم؟ هل علمني حماية نفسي أم علمني إغلاق قلبي؟ إن أخطر ما يفعله الألم ليس الجرح نفسه، بل إمكانية أن يعيد تشكيل شخصيتنا على صورته. وحينها لا يصبح انتصار المؤذي في أنه جرحنا مرة، بل في أنه نجح في تغييرنا إلى نسخة مشوهة من ذواتنا. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع من أخطأ في حقنا، بل مع الأثر الذي تركه ذلك الخطأ داخلنا.

ربما لا يُقاس عمق الإنسان بعدد من أحبهم أو بعدد من سامحهم، بل بقدرته على أن يظل إنساناً رغم كل ما رآه من ضعف البشر وتناقضاتهم. فالعالم لم يكن عادلاً تماماً ولن يكون، والناس لن يتوقفوا عن الخطأ، والجراح لن تختفي من التجربة الإنسانية. لكن يبقى أمام كل واحد منا خيار حاسم وهو أن يحمل آلامه بوصفها دليلاً على قسوة العالم، أو أن يحملها بوصفها درساً لفهمه على نحو أعمق. وبين هذين الخيارين تتحدد الطريقة التي سنعيش بها بقية أعمارنا. فهل المشكلة الحقيقية في الأذى الذي نتلقاه من الآخرين، أم في المعنى الذي نختار أن نعطيه لذلك الأذى بعد أن يحدث؟
بيروت - لبنان- الأربعاء في 10 حزيران 2026 الساعة العاشرة والنصف صباحا



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار


المزيد.....




- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...
- مهرجان الفيلم الروسي يُقام في المغرب لأول مرة بتشكيلة سينمائ ...
- افتتاح مهرجان موسكو للجاز بعرض أدبي موسيقي يخلد إرث الموسيقا ...
- وفاة الفنان المصري عبد العزيز مخيون
- معهد بطرس الأكبر يحدد أهداف مؤتمره الدولي التاسع عشر
- غاليري تريتياكوف يفتتح معرضا لأيقوناته النادرة في ذكراه الـ1 ...
- على طريقة فيلم -Catch Me If You Can-.. طيار سابق بطيران كندا ...
- -صاحب تجربة فنية فريدة-.. وفاة الفنان المصري عبدالعزيز مخيون ...
- مروان الغفوري: هذا سر الجدل حول -خمس منازل لله وغرفة لجدتي- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟