أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العالمي















المزيد.....

مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العالمي


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


ثمة مفارقة نادرة في الفكر السياسي المعاصر تتمثل في أن بعض أعظم ناقدي السلطة ينتهون إلى بناء سلطة تفسيرية خاصة بهم. وهذه المفارقة تظهر بوضوح في الحوار الطويل مع نعوم تشومسكي في كتاب الاستياء العالمي الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون . فالرجل الذي أمضى عقوداً يحارب الروايات الرسمية للدول الكبرى، يقدّم في كثير من الأحيان رواية بديلة تمتلك درجة من اليقين لا تقل صلابة عن اليقين الذي ينتقده. إنه يبدأ من شك جذري تجاه المؤسسات السياسية والإعلامية والعسكرية، لكنه ينتهي أحياناً إلى يقين جذري تجاه تفسيراته الخاصة. ولذلك فإن قراءة هذه الحوارات في الكتاب لا تكشف فقط عن نقد للدولة الأمريكية أو لإسرائيل أو للحروب الحديثة، بل تكشف أيضاً عن مأزق فكري أعمق وهو هل يستطيع الناقد أن يظل ناقداً إلى الأبد، أم أنه يتحول مع الزمن إلى سلطة فكرية تنتج عقائدها الخاصة؟ إن تشومسكي في هذه الحوارات لا يقدم مجرد مواقف سياسية، بل يقدم نموذجاً معرفياً متكاملًا يرى العالم من خلاله، والسؤال الذي يجب أن يطرح ليس ما إذا كانت استنتاجاته صحيحة أو خاطئة، بل ما إذا كان هذا النموذج نفسه قادراً على تفسير الواقع دون أن يقع في التبسيط الذي يتهم به خصومه.
أبرز ما يلفت الانتباه في الحوار هو أن القوة تبدو عند تشومسكي وكأنها تمتلك منطقاً واحداً ثابتاً عبر الأزمنة والأماكن. فعندما يتحدث عن أجهزة المراقبة، أو عن التدخلات العسكرية، أو عن العلاقة بين الشركات والدولة، فإن الفرضية الأساسية تكاد تكون جاهزة سلفاً فكل مؤسسة قوية تسعى بطبيعتها إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الأفراد. لا شك أن التاريخ يقدم أمثلة كثيرة تدعم هذا التصور، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التفسير إلى قانون شامل. فليس كل سلوك سياسي يمكن رده إلى إرادة الهيمنة وحدها، وإلا أصبحت السياسة نفسها مجرد مسرحية ذات نهاية معروفة مسبقاً. وبهذا يظهر ضعف منهجي في رؤية تشومسكي، إذ إن التفسير الذي يفسر كل شيء غالباً لا يفسر أي شيء بدقة. فعندما تصبح النتيجة معروفة قبل دراسة الوقائع، يتحول التحليل إلى إعادة تأكيد للمقدمات. ولذلك يبدو أحياناً أن تشومسكي لا يقرأ الأحداث لكي يفهمها، بل يفهمها لأنها تنسجم مع الإطار النظري الذي بناه مسبقاً.

ويتضح هذا الأمر بصورة أكثر حدة في حديثه عن سوريا. فهو يرفض منطق التدخل العسكري الغربي، ويرى أن تسليح المعارضة لن يؤدي إلا إلى تعميق الصراع. هذه الحجة تملك قدراً كبيراًمن القوة، وقد أثبتت تطورات عديدة لاحقاً أن عسكرة النزاعات كثيراً ما تفضي إلى نتائج كارثية. غير أن تشومسكي يقع هنا في مشكلة مختلفة، فهو يمتلك حساسية عالية تجاه مخاطر التدخل الخارجي، لكنه يبدو أقل حساسية تجاه مخاطر ترك المجتمعات لموازين القوة الداخلية القائمة. ففي تحليله يبرز الخوف من الحرب الأهلية ومن صعود الجماعات المتطرفة، لكن يختفي تقريباً السؤال المتعلق بمصير المجتمعات التي تواجه أنظمة مغلقة لا تسمح بالتغيير السلمي. وكأن الخيارات تنحصر بين الفوضى والاستقرار، بينما يغيب البحث في الأسباب البنيوية التي دفعت الناس أصلًا إلى الثورة. هنا يصبح نقده للحلول المطروحة أكثر إقناعاً من بدائله المقترحة، وهذه سمة تتكرر كثيراً في فكره السياسي.

أما في تناوله لإسرائيل والقضية الفلسطينية، فإن تشومسكي يقدم واحدة من أكثر قراءاته تماسكاً، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حدود هذا التماسك. فهو يهاجم فكرة أن الاحتلال ناتج فقط عن اعتبارات أمنية، ويرى أن الوقائع على الأرض تشير إلى مشروع طويل المدى لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. غير أن اللافت هو رفضه لفكرة الدولة الواحدة رغم نقده العنيف للسياسات القائمة. وهنا يواجه معضلة فكرية دقيقة. فإذا كانت الوقائع التي يصفها تؤدي فعلياً إلى تقويض إمكانية الفصل السياسي بين الطرفين، وإذا كان مسار العقود الماضية قد أضعف الحلول التقليدية، فما الذي يجعل البديل الذي يرفضه أكثر وهمية من البديل الذي يدافع عنه؟ إن تشومسكي هنا يبدو أسيراً لواقعية سياسية تدفعه أحياناً إلى الدفاع عن إمكانيات تتراجع على الأرض أكثر مما تدفعه إلى التفكير في احتمالات جديدة. ومن المفارقة أن الرجل الذي بنى شهرته على تحدي المسلمات السياسية يبدو في هذه النقطة محافظاً أكثر مما يتوقع منه كثير من أنصاره.

وتظهر المفارقة نفسها في موقفه من الديمقراطية. فهو يدافع باستمرار عن المشاركة الشعبية والتنظيم المجتمعي والاستقلال الفكري، لكنه في الوقت نفسه يميل إلى تفسير السلوك الجماهيري باعتباره نتيجة للتلاعب الإعلامي أو للتضليل المنظم. وهذا يخلق توتراً داخلياً في رؤيته. فإذا كانت الجماهير عرضة بهذا القدر للتوجيه والتلاعب، فما الأساس الذي يجعلها قادرة على إنتاج بديل سياسي أكثر عقلانية؟ وإذا كانت النخب السياسية والإعلامية تمتلك هذه القدرة الهائلة على تشكيل الوعي، فلماذا يفترض أن الحركات الشعبية ستكون محصنة ضد الآليات نفسها؟ إن تشومسكي لا يجيب بصورة حاسمة عن هذه المعضلة، بل يتركها معلقة بين إيمانه العميق بالقدرة الشعبية وبين تشاؤمه المستمر من البنى المسيطرة على الوعي العام.

وفي حديثه عن تركيا والاحتجاجات الاجتماعية والبيئة، تتجلى إحدى أكثر نقاط قوته الفكرية. فهو ينجح في الربط بين قضايا تبدو متباعدة: العمران، والاقتصاد، والموارد الطبيعية، والهوية المحلية. غير أن هذا الربط نفسه يكشف عن ميل واضح إلى النظر إلى العالم من خلال ثنائية شبه ثابتة وهي قوى الربح من جهة، والمجتمعات المتضررة من جهة أخرى. صحيح أن هذه الثنائية تفسر جانباً مهماً من الصراعات المعاصرة، لكنها لا تفسر كل شيء. فالمجتمعات ليست دائمًا ضحايا بريئة، كما أن الأسواق ليست دائماً أدوات تدمير. أحياناً تكون المجتمعات نفسها شريكة في إنتاج السياسات التي تنتقدها، وأحياناً تساهم المصالح الاقتصادية في تحسين شروط الحياة لا في تدميرها. إن اختزال المشهد إلى صراع بين قوة جشعة وضحية مقاومة يمنح السردية وضوحاً أخلاقياً، لكنه ينتقص من تعقيد الواقع.

والأكثر إثارة للاهتمام أن تشومسكي، رغم شهرته كمفكر راديكالي، يبدو في أعماقه مفكراً أخلاقياً أكثر منه ثورياً. فالحلول التي يطرحها في نهاية المطاف ليست انقلابية ولا جذرية بالمعنى الكلاسيكي، بل تقوم على العمل المدني طويل الأمد، وعلى التثقيف، وعلى التنظيم المحلي، وعلى الضغط التدريجي. إنه لا يدعو إلى هدم العالم بل إلى تصحيحه. وهنا تظهر المسافة بين صورته العامة وبين جوهر فكره. كثيرون يقرأونه بوصفه خصماً للنظام العالمي، بينما تكشف هذه الحوارات أنه أقرب إلى ناقد أخلاقي يحاول إجبار النظام على مواجهة تناقضاته. وربما لهذا السبب ظل تأثيره الفكري واسعاً، لأنه لا يقدم وعداً بالخلاص، بل يقدم تمريناً دائماً على الشك.

لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الحوار لا يتعلق بأمريكا أو سوريا أو إسرائيل أو تركيا. السؤال الحقيقي يتعلق بتشومسكي نفسه. ماذا يحدث حين يقضي مفكر نصف قرن في مواجهة السلطة؟ هل يبقى قادراً على رؤية العالم خارج معركته الأصلية؟ أم أن الصراع الطويل مع بنية معينة يجعله يرى انعكاسها في كل مكان؟ إن القوة الكبرى في فكر تشومسكي تكمن في قدرته الاستثنائية على كشف ما تحاول المؤسسات إخفاءه، لكن نقطة ضعفه تكمن أحياناً في افتراضه أن ما تكشفه هذه المؤسسات هو دائماً جوهر الحقيقة. وبين هاتين النقطتين يتحرك إرثه الفكري كله وهذا إرث يعلّمنا كيف نشك في الروايات الرسمية، لكنه يدفعنا أيضاً إلى التساؤل عمّا إذا كان علينا أن نشك أحياناً حتى في أعظم المشككين أنفسهم. فهل كان تشومسكي يشرح العالم كما هو بالفعل، أم أنه كان يشرح العالم كما يظهر لمن أمضى حياته كلها وهو ينظر إليه من نافذة الصراع مع السلطة؟
طرابلس-لبنان -الجمعة في 5 حزيران 2026 الساعة الثانية عشرة ظهراً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
- التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا ...
- النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
- الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العالمي