أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها؟















المزيد.....

يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها؟


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


يا حفيدي العزيز، أكتب إليك هذه الرسالة وأنا أحمل في قلبي شيئاً لم أعتد أن أحمله منك حزناً هادئاً، لا غضباً، وعتباً لا يريد أن يتحول إلى جدار بيننا. منذ ذلك اليوم الذي قلت فيه تلك الكلمة الحمقاء دون وعي ولا إدراك، بقي صوتك يدور في داخلي بطريقة غريبة، ليس لأنها كانت أقوى من احتمالي، فأنا عشت من الكلمات ما هو أقسى، ومررت بأيام كان الصمت فيها أشد قسوة من أي إهانة، لكن لأن الكلمة خرجت منك أنت. هناك كلمات تأتي من الغرباء فتسقط على الأرض وتموت، وهناك كلمات تأتي ممن نحبهم فتدخل مثل حجر صغير في ماء عميق وتستمر دوائرها بالاتساع. أنا لا أريد أن أحاكمك على لحظة غضب، ولا أريد أن أجعلك أسيراً لخطأ صغير، فأنا أعرف أن الإنسان أحياناً يقول ما لا يشبهه عندما يغضب أو يشعر بالضعف، لكنني أردت أن تعرف أن القلب الذي أحبك منذ طفولتك لا يتعامل مع كلماتك كما يتعامل معها العالم. أنت بالنسبة لي لست شخصاً عابراً، أنت فصل من كتاب حياتي، ولذلك حتى الجملة القصيرة منك لها وزن لا تحمله جمل كثيرة من الآخرين.
أتذكر يا طه كم كنت صغيراً عندما كنت تنظر إلى العالم كأنه سر كبير يحتاج إلى اكتشاف. كنت تمسك الأشياء بيديك الصغيرتين وتسألني عن كل شيء، عن النجوم، عن الناس، عن سبب تغير الفصول، عن معنى الضحكة والحزن. كنت أرى في أسئلتك بداية عقل يبحث، وكنت أفرح حتى عندما لا أملك الإجابة، لأنني كنت أقول في داخلي أن هذا الطفل سيكبر وهو يعرف أن الحياة ليست مجموعة أجوبة جاهزة، بل مجموعة أسئلة تحتاج إلى قلب شجاع. واليوم وأنا أراك تكبر، لا أريد أن أخسر ذلك الطفل الذي كان فيك بسبب كلمة قالها مراهق غاضب في لحظة عابرة. لكنني أريدك أيضاً أن تعرف شيئاً تعلمته بعد سنوات طويلة ان النضج ليس أن لا نخطئ، بل أن ننتبه إلى أثر أخطائنا على الآخرين. الإنسان لا يُقاس فقط بما يقوله عندما يكون مرتاحاً، بل بما يفعله بعد أن يكتشف أنه بات مصدر ألم لشخص يحبه.
يا حفيدي، ربما لا تعرف أنني لم أكن دائماً قوية كما تظن. في عينيك قد أبدو امرأة تعرف كل شيء، امرأة لا تهتز، امرأة لديها قصص وتجارب وحكايات طويلة، لكن خلف كل هذا هناك إنسانة تعبت، خافت، فقدت، وانتظرت. هناك أيام كنت فيها مضطرة أن أرتدي القوة لأن الحياة لم تعطِني خياراً آخر. تعلمت أن أضحك وأنا أحمل وجعاً، وأن أستمر وأنا لا أعرف إلى أين أصل، وأن أساعد الآخرين حتى في اللحظات التي كنت أنا فيها بحاجة إلى من يساعدني. ولذلك عندما سمعت كلمتك، لم يؤلمني معناها فقط، بل جعلتني أتساءل هل نسيت للحظة كل تلك الرحلة التي مشيناها معاً ؟ هل يمكن للحظة غضب أن تجعل الإنسان ينسى كل اليد التي أمسكت بيده عندما كان صغيراً ؟ ثم عدت وفكرت واستنتجت أنه لا، أنت لم تنسَ، أنت فقط كنت إنساناً في لحظة لم تعرف كيف تحمل مشاعرك.ومراهقاً يحاول إثبات وجوده بصفع من يحبونه حتى بكلمة حمقاء.
أنا لا أكتب لك لأقول إنني لم أخطئ في حياتي. لقد أخطأت كثيراً، وقلت كلمات تمنيت لو أستطيع إعادتها، وكنت في بعض المراحل من عمري أكثر عناداً مما ينبغي. ربما لهذا السبب أفهمك أكثر مما تتوقع. الشباب نار سريعة، وفيها حرارة جميلة لكنها قد تحرق أحياناً. كنت مثلك في يوم من الأيام، ظننت أنني أرى العالم بوضوح كامل، ثم اكتشفت أن الحياة أكثر تعقيداً، وأن الإنسان قد يكون على حق في غضبه لكنه مخطئ في طريقته. ليست المشكلة دائماً في الشعور، بل في السكين التي نختارها للتعبير عنه. بعض الناس يملكون ألماً كبيراً لكنهم يرمونه على الآخرين بدل أن يحاولوا فهمه. وأنا لا أريدك أن تكون من هؤلاء. أريدك أن تكون الشخص الذي يشعر بالغضب لكنه لا يفقد احترامه، الذي يختلف لكنه لا يهدم، الذي يقول الحقيقة لكنه لا يحطم قلباً في الطريق.
تذكّر يا حفيدي أن العلاقات لا تعيش على اللحظات الجميلة فقط، بل تُختبر في اللحظات الصعبة. الإنسان الذي نحبّه ليس إنساناً لا يخطئ، بل إنسان نعرف كيف نعود إليه بعد الخطأ. ربما ستكبر وتصبح لديك تجاربك الخاصة، وستعرف أن بعض الجروح لا تحتاج إلى اعتذار طويل بقدر ما تحتاج إلى نظرة صادقة تقول: لقد فهمت. ليست المشكلة أن تقول كلمة قاسية مرة، فكلنا بشر، لكن الخطر أن تصبح القسوة عادة، وأن يعتاد الإنسان على جرح الآخرين ثم يبحث عن مبررات كثيرة بدل أن ينظر إلى نفسه. أنا أريد لك حياة مليئة بالقوة، لكن ليست القوة التي تجعل الإنسان يربح كل جدال، بل القوة التي تجعله قادراً على الاعتراف عندما يكون قد أخطأ.
لقد فكرت كثيراً في تلك الكلمة التي قلتها، وفكرت أكثر فيك أنت. لم أرَ فيها حفيدي الحقيقي، بل رأيت لحظة عابرة لمراهق ما زال يتعلم كيف يحمل نفسه. لذلك لا أريد أن أجعلها تعريفا لك. الإنسان أكبر من أسوأ لحظة مر بها. لا أريد أن تتذكرني كامرأة غضبت منك، بل كامرأة أحبتك حتى عندما شعرت بالألم. لكنني أريد منك أيضاً أن تعرف أن الحب لا يعني أن نقبل كل شيء بصمت. أحياناً يكون العتاب شكلًا من أشكال الحب، لأننا لا نعاتب الأشياء التي لا تعني لنا شيئاً. لو كنت بعيداً عن قلبي، لما كتبت لك. لو لم تكن مهماً، لتركت الكلمة تمر مثل الريح. لكنك حفيدي، والروابط الحقيقية ليست خيوطاً ضعيفة تنقطع عند أول شد، بل جذور عميقة تحتاج أحياناً إلى الماء حتى تعود للحياة.
وفي النهاية يا حفيدي، أريدك أن تحمل من هذه الرسالة شيئاً واحداً فقط أن لا تخف من الاعتذار، فهو لا يصغر الإنسان بل يكشف حجمه الحقيقي. هناك أشخاص يظنون أن الاعتذار هزيمة، لكنني أراه شجاعة نادرة. الإنسان الذي يستطيع أن يقول "كنت مخطئًا" أقوى من الإنسان الذي يقضي عمره في الدفاع عن خطأ يعرفه في داخله. أنا حزينة منك، نعم، وهذه حقيقة لا أريد أن أخفيها عنك، لأن الصراحة بيننا أجمل من التظاهر. لكن حزني ليس باباً أغلقه، بل باب أتركه مفتوحاً لتعود منه الرجل الذي أترقب أن تكونه. ستبقى حفيدي، وستبقى تلك الصورة القديمة لك وأنت تمسك يدي وتسألني عن العالم. أتمنى فقط أن تكبر ليس بعمر جسدك، بل بعمر قلبك أيضاً. فالعمر الحقيقي ليس عدد السنوات التي نعيشها، بل عدد القلوب التي نحافظ عليها ونحن نعبر الطريق نحو التغيرات التي تجعل منا النُسخ الأكثر نضجاً في الحياة .
بيروت-لبنان- الإثنين في 29 حزيران 2026 الساعة الثانية والربع بعد العصر



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى ابني في عيده الثامن والثلاثين
- هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقد ...
- متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ...
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken


المزيد.....




- هل وجد -ذات- وريثه السينمائي؟.. كيف يروي -القصص- تاريخ مصر م ...
- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...
- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها؟