أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقدها















المزيد.....

هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقدها


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 00:16
المحور: الادب والفن
    


البارحة ذهبت لزيارة صديقتي فوزية. أقول "ذهبت" وكأنها زيارة عادية، بينما الحقيقة أنها كانت رحلة طويلة جداً، أطول من المسافة التي قطعتها السيارة، وأطول من السنوات التي مرت بين طفولتنا وهذا العمر الذي أصبحنا نسميه بخجل عمر الستين. كنت أظن أنني ذاهبة إلى بيت صديقة قديمة، لكنني اكتشفت أنني كنت ذاهبة إلى نسخة قديمة مني، نسخة بقيت تنتظرني في مكان ما من الزمن ولم تمت كما كنت أعتقد. ما إن فتحت فوزية الباب حتى شعرت أنني لم أغادرها يوماً. كانت تنظر إليّ بنفس النظرة التي رأيتها في عينيها أول مرة داخل مدرسة الغربا. النظرة نفسها، ذلك المزيج الغريب من المحبة والاطمئنان، كأن السنوات لم تمر بين النظرتين، وكأن الزمن نفسه وقف احتراماً لشيء لا أعرف اسمه. فهل كانت مدرسة الغربا تدرّسنا الدروس أم كانت تدرّبنا سرّاً على احتمال الغربة التي ستأتينا من أقرب الناس إلينا؟.


ولطالما حيّرني اسم تلك المدرسة. الغربا. من الذي أطلق عليها هذا الاسم؟ وهل كان يعرف ما يفعل؟ أم أن الأسماء أحياناً تعرف مصائرنا أكثر مما نعرفها نحن؟ كلما تقدمت في العمر عدت إلى هذا الاسم. الغربا. كلمة تبدو كأنها خرجت من قلب امرأة تجلس وحدها في آخر النهار. كلمة تشبه الريح عندما تمر فوق الحقول المهجورة. كلمة تحمل في داخلها شعوراً لا يكتمل. يوم كنا تلميذات لم نفكر بالأمر. كنا نركض ونضحك ونختلف ونتصالح ونخطط للمستقبل كما لو أن المستقبل لعبة صغيرة يمكن وضعها في الجيب. أما الآن فأشعر أن المدرسة لم تكن مجرد مدرسة، بل كانت نبوءة معلقة فوق رؤوسنا دون أن نراها.

كنا فريقين من البنات. هن من جهة ونحن من جهة أخرى. فوزية مع مجموعتها، وأنا مع هدى وعايدة ونهى. كانت الانقسامات يومها بسيطة وبريئة، تشبه خطوطاً مرسومة بالعصا على التراب. لم نكن نعرف أن الحياة سترسم لاحقاً خطوطاً أعقد بكثير. لم نكن نعرف أن الغربة الحقيقية ليست بين القرى ولا بين الصفوف ولا بين المجموعات الصغيرة، بل بين الإنسان ونفسه أحياناً. وبين الإنسان وأقرب الناس إليه أحياناً أخرى. لذلك حين رأيت فوزية البارحة شعرت أنني أمام شاهدة من زمن البراءة. شخص ما زال يتذكرني قبل أن تتراكم فوقي طبقات العمر كلها.

وأدهشني أن نظرتها لم تتغير. كأنها لم تراجع حساباتها نحوي. كأنها لم تضعني في ميزان الأرباح والخسائر الذي يضع فيه الناس بعضهم بعضاً بعد عقود من الزمن. كانت تنظر إليّ كما كانت تنظر إليّ وأنا فتاة صغيرة أحمل حقيبتي المدرسية. وعندها فقط أدركت أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى تحديثات. لا يحتاج إلى صيانة دورية. إنه يبقى كما هو أو يختفي. أما أنصاف المشاعر فهي التي تتغير كل يوم. لذلك شعرت بشيء يشبه الامتنان. الامتنان لأن هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقدها.

ومن أغرب ما يحدث لي هذه الأيام أن بصيرتي أصبحت أكثر حدة من بصري. أرى أشياء لم أكن أراها من قبل. ألتقط الإشارات الصغيرة. أفهم الصمت أكثر من الكلام. وأشعر أحياناً أن الستين لم تمنحني الحكمة بقدر ما منحتني القدرة على رؤية ما كنت أتجنبه. لذلك أسأل نفسي كثيراً، هل أصبحت أقوى أم أصبحت أقسى؟ وهل القوة والقسوة شقيقتان حقاً كما يظن الناس؟ أم أن الإنسان عندما يطول به العمر تتصلب بعض مناطق روحه كما تتصلب مفاصل الجسد؟ أخاف أحياناً من هذا التحجر الداخلي. أخاف أن أفقد تلك النزعة الإنسانية التي كانت تجعلني أبكي بسهولة وأصدق بسهولة وأسامح بسهولة.

فالإنسان في النهاية ليس حجراً. نحن لا نبنى من الصخور. نحن مبنيون من خلايا صغيرة تتنفس وتخاف وتحلم وتتألم. لكنني أشعر أحياناً أن بعض خلاياي بدأت تفقد مرونتها. كأنها تعبت من كثرة ما حملت. وكأنها تريد أن تتحول إلى شيء أكثر صلابة حتى لا تتأذى. ومع ذلك أرفض هذا التحول. أقاومه. لأنني أعرف أن القلب الذي يتحجر لا يتألم فقط، بل يتوقف أيضاً عن الدهشة، وأنا لا أريد أن أفقد دهشتي الأخيرة.

وربما لهذا السبب ذهبت إلى بيت فوزية. لم أذهب لزيارتها وحدها. ذهبت أبحث عن نفسي القديمة المختبئة في مدرسة الغربا. ذهبت لأتأكد أن تلك الفتاة ما زالت موجودة في مكان ما داخلي. تلك التي كانت تؤمن أن الناس أبسط مما هم عليه. والتي كانت ترى العالم بعينين مفتوحتين لا بعينين حذرتين. أردت أن أعود قليلاً إلى زمن لم تكن فيه الأسئلة معقدة إلى هذا الحد. زمن لم أكن أفكر فيه بالنطف والبويضات والوراثة والصفات والجينات التي تسرق منا أبناءنا وتعيد تشكيلهم على صورتها الخاصة.

أحياناً أشعر بغربة عجيبة من كل تلك التفسيرات البيولوجية. كيف يمكن لشيء صغير لا يرى بالعين أن يقرر كل هذه التفاصيل؟ كيف يمكن لخليتين التقتا في لحظة ما أن تنتجا حياة كاملة مليئة بالأسرار؟ وأي مفارقة تجعل الإنسان يشعر بالقرب المطلق من أبنائه ثم يشعر بالغربة منهم في اللحظة نفسها؟ ربما لهذا عدت البارحة إلى المدرسة القديمة في مخيلتي. لأنني كنت أبحث عن زمن لم تكن فيه الأسئلة الوراثية موجودة. زمن كنا فيه مجرد بنات يضحكن تحت شجرة ولا يفكرن في مصير الجينات.

ثم اتصلت فوزية بأختها الكبرى روعة . تكبرنا بسنتين فقط. دخلت علينا مبتسمة، ففوجئت بها. لم تكن أجمل لأنها صارت أصغر، بل لأنها صارت أكثر امتلاءً بالحياة. بعض الناس يمنحهم العمر جمالاً إضافياً. يضيف إلى وجوههم معنى لا تستطيع المرايا تسجيله. كانت حركتها مليئة بالديناميكية. ووجهها مشرقاً بطريقة لا علاقة لها بمقاييس الشباب القديمة. عندها فكرت أن الجمال الحقيقي ليس ما نملكه في العشرين، بل ما يبقى معنا بعد أن تغادر العشرون.

ثم جاءت صديقتي الأخرى، تلك التي جمعتني بها سنوات العمل الطويلة. ما يقارب خمسة عشر عاماً من الرحلات والصفوف والدفاتر والطلاب والقصص الصغيرة. أحببت صحبتها دائماً، وما زلت. لكنني اكتشفت البارحة شيئاً غريباً. اكتشفت أن العلاقات ليست متساوية في عمقها حتى عندما تكون متساوية في مدتها. هناك أشخاص يعيشون معنا سنوات طويلة ويبقون أعزاء. وهناك أشخاص يشاركوننا مقاعد الدراسة في عمر مبكر فيسكنوننا إلى الأبد. لذلك بقيت فوزية الأقوى حضوراً في شعوري. ليس لأنها الأفضل، بل لأنها تنتمي إلى الطبقة الجيولوجية الأعمق في ذاكرتي.

ومن هنا عاد إليّ اسم المدرسة مرة أخرى. الغربا. ووجدت نفسي أضحك من الفكرة وأبكي منها في الوقت نفسه. هل يعقل أن مدرسة اسمها الغربا خرّجت نساء لم يشعرن بالغربة من صديقاتهن، بل شعرن بها أحياناً من أبنائهن ومن حيواتهن ومن النسخ الجديدة التي صرن إليها؟ هل كانت المدرسة تعرف ما لا نعرفه؟ أم أن الحياة هي التي تعشق السخرية إلى هذا الحد؟ لقد بقيت المحبة القديمة سليمة بيننا، بينما أصابت الشقوق أموراً ظنناها أكثر ثباتاً.

وأنا أكتب هذه الذكرى الآن، لا أفكر بفوزية وحدها، ولا بالمدرسة وحدها، ولا حتى بالستين وحدها. أفكر في تلك الحقيقة الغريبة التي لا نفهمها إلا متأخرين وهي أن الإنسان يقضي نصف عمره وهو يبني مستقبله، ثم يقضي النصف الآخر وهو يبحث عن ماضيه. وأننا كلما تقدمنا في السن لم نعد نفتش عن الأماكن الجميلة، بل عن الأشخاص الذين يجعلوننا نتذكر من كنا. ولهذا كانت زيارة الأمس أكبر من زيارة. كانت استراحة قصيرة من قسوة الزمن. وكانت دليلاً صغيراً على أن بعض المحبة لا تشيخ أبداً، وأن بعض الأبواب عندما تفتح لا تؤدي إلى بيت صديق، بل إلى غرفة قديمة في القلب ظلّت مضاءة طوال هذه السنين دون أن ننتبه.
طرابلس- لبنان الأحد في 21 حزيران 2026 الساعة التاسعة والنصف مساء



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ...
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً


المزيد.....




- معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
- بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل ...
- في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر ...
- نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته ...
- سوريا.. الإفراج عن الناشط والمخرج حسان العقاد بعد إسقاط الإع ...
- تفاعل واسع مع تغريدة تركي آل الشيخ حول إسلام الممثل الأمريكي ...
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثالث.. -اختطاف أوروبا.. وا ...
- نجم مسلسل -بريكينغ باد- الأمريكي يشهر إسلامه في السعودية
- القائم بأعمال السفارة الأميركية يزور بيت المدى للثقافة والفن ...
- نائب ترامب: المفاوضات الفنية مع إيران لن تحل كل نقاط الخلاف ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقدها