أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك















المزيد.....

ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الإنسان عينيه على هذا العالم، يبدأ سباق لا يعرف له بداية لأنه يبدو وكأنه وُلد في منتصفه. الجميع يركض، ولذلك يتعلم الركض قبل أن يتعلم الوقوف. الجميع يبحث، ولذلك يظن أن البحث قدره الأبدي. الجميع يضيف شيئاً إلى حياته، شهادة أو مالًا أو شهرة أو علاقة أو تجربة أو صورة أو ذكرى، حتى تصبح الحياة أشبه بمخزن هائل تتراكم فيه الممتلكات المادية والمعنوية، بينما يظل القلب، على نحو غريب، فارغاً كما لو أنه لم يتلق شيئاً قط. ويبرز السؤال الذي يخشاه الإنسان أكثر من أي سؤال آخروهوماذا لو كان هذا الفراغ لا ينتج عن قلة ما نملك، بل عن كثرة ما نحمله؟ ماذا لو كانت النفس لا تجوع لأنها محرومة، بل لأنها مثقلة؟ إن الحضارة الحديثة علمتنا كيف نضيف إلى حياتنا كل يوم شيئاً جديداً، لكنها لم تعلمنا كيف نحذف منها ما لم نعد بحاجة إليه. لقد صرنا خبراء في التراكم، وجهلاء في التخلي. وكلما ازدادت الأشياء التي نقتنيها، ازداد شعورنا بأن شيئاً ما لا يزال ينقصنا. ليست المشكلة في أن الإنسان يريد المزيد، بل في أنه نسي أن يسأل نفسه السؤال الأهم وهو المزيد من ماذا؟ وهل كل زيادة تعني اقتراباً من الامتلاء، أم أن بعض الزيادات ليست سوى أشكال متقنة من الفراغ؟ ربما كان أعظم خداع مارسته الحياة علينا أنها أقنعتنا بأن القيمة تقاس بما نضيفه إلى أنفسنا، بينما الحقيقة الأعمق هي أن النبع لا يصبح صافياً بإضافة الماء إليه، بل بإزالة ما يعكر صفوه.

إن الإنسان لا يتعب لأنه يعمل كثيراً فقط، وإنما لأنه يحمل داخله ضجيجاً لا يهدأ. حتى عندما يجلس وحده، لا يكون وحده، تجلس معه مخاوفه، وأحلامه المؤجلة، ومقارناته بالآخرين، وصورته التي يريد أن يبدو عليها، وصورته التي يخاف أن يراها الناس فيه. لقد أصبحت النفس ساحة مزدحمة أكثر من أكثر المدن ازدحاماً. ولذلك لم يعد التعب مرتبطاً بحركة الجسد، بل بحركة الفكر الذي لا يكف عن إنتاج الاحتمالات والأسئلة والندم والتوقعات. إن أخطر أنواع الضوضاء ليست تلك التي تصدرها السيارات أو الأسواق، وإنما تلك التي يصنعها العقل حين يرفض أن يصمت. ولعل الإنسان لا يخاف الصمت لأنه ممل، بل لأنه يكشف له ما كان يهرب منه طوال الوقت. فحين تنطفئ أصوات العالم، يسمع الإنسان لأول مرة صدى نفسه. ويكتشف أن كثير مما كان يسميه حياة لم يكن سوى سلسلة طويلة من وسائل الهروب من هذا اللقاء المؤجل مع ذاته. ولهذا أصبح البعض يفضل الإرهاق المستمر على ساعة هدوء واحدة، لأن الإرهاق يمنحه عذراً لئلا يواجه الأسئلة التي تنتظره في الداخل.

ولعل المأساة الكبرى أن الإنسان أصبح يقيس أيامه بعدد ما أنجزه، لا بعمق ما عاشه. صار يفتخر بأنه لم يجد دقيقة واحدة للراحة، وكأن الامتلاء الحقيقي يقاس بدرجة الانشغال. لكن ماذا لو كانت بعض اللحظات التي لا يحدث فيها شيء هي أكثر لحظات العمر امتلاءً؟ إن البذرة لا تصنع جذورها وهي تصفق، والنجوم لا تحتاج إلى ضجيج كي تضيء، والبحر لا يثبت عظمته بالأمواج وحدها، بل بذلك العمق الصامت الذي لا تراه العين. كذلك الإنسان، ليست قيمته فيما يفعله دائماً، بل فيما يصبح عليه عندما يتوقف عن الفعل. هناك لحظات نادرة لا نربح فيها مالًا، ولا معرفة جديدة، ولا إعجاب الآخرين، لكننا نربح أنفسنا. وهذه أرباح لا تدخل في أي حساب، لأنها لا تُقاس بالأرقام، بل بدرجة السلام الذي يتركه في القلب. وما أكثر الذين يملكون كل شيء إلا أنفسهم، وما أقل الذين يملكون أنفسهم فلا يشعرون بالحاجة إلى شيء كثير.

إن أخطر وهم يعيشه الإنسان هو اعتقاده أن السعادة حدث ينتظره في المستقبل. فهو يؤجلها حتى يحصل على وظيفة أفضل، أو بيت أجمل، أو مكانة أعلى، أو حب أكثر اكتمالًا. وهكذا تتحول السعادة إلى محطة مؤجلة باستمرار، بينما تتحول الحياة إلى وسيلة للوصول إليها، لا إلى موطن لها. لكن ماذا لو كانت السعادة لا تقيم في آخر الطريق، بل في طريقة السير نفسها؟ ماذا لو كانت تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي ندوسها بأقدامنا لأننا منشغلون بالنظر إلى الأفق البعيد؟ ربما لهذا السبب يمر العمر بسرعة، لأننا لا نعيش اللحظة التي نحن فيها، بل اللحظة التي نتمنى أن نصل إليها. فنصبح غرباء عن حاضرنا، وضيوفاً دائمين على مستقبل قد لا يأتي أبداً. والإنسان الذي يعيش مؤجلًا، يموت قبل أن يصل إلى الموعد الذي ظل ينتظره.

هناك نوع من الحرية لا تمنحه الثورات، ولا القوانين، ولا الثروة، ولا السلطة. إنها الحرية التي يولدها الاستغناء الداخلي. حين لا يعود الإنسان أسيراً لنظرات الآخرين، ولا عبدا لرغبة لا تنتهي في إثبات نفسه، ولا محتاجاً إلى تصفيق يطمئنه إلى قيمته، يبدأ لأول مرة في التنفس بحرية. فالعبودية ليست دائماً في القيود المرئية، بل في الاحتياجات التي تتحكم بنا من الداخل. وكل حاجة لا نستطيع الاستغناء عنها تمتلك جزءاً من حريتنا. ولذلك فإن أغنى الناس ليس من يملك أكثر، بل من يحتاج أقل. وليس الزهد في الأشياء احتقاراً لها، وإنما تحريراً للنفس من أن تصبح قيمتها رهينة بما تملك. حينها يكتشف الإنسان أن الكرامة لا تُشترى، وأن الطمأنينة لا تُقتنى، وأن القلب كلما خف حمله، استطاع أن يحلق أبعد.

وليس المقصود أن يتحول الإنسان إلى كائن يعتزل العالم أو ينكر جماله، فالحياة ليست خطيئة، ولا العمل عدواً، ولا الأحلام عبئاً. المقصود هو أن يتغير مركز الثقل في الوجود. أن يصبح الإنسان سيداً لما يملك، لا مملوكاً له. أن يعمل لأنه يحب الإبداع، لا لأنه يخشى أن يتوقف فيسبقه الآخرون. أن يحب لأنه وجد قلباً يشاركه الطريق، لا لأنه يخاف الوحدة. أن ينجح لأن النجاح ثمرة طبيعية لبذله، لا لأنه يريد أن يقنع العالم بأنه يستحق الحياة. عندئذ تتغير العلاقة بكل شيء. يصبح الإنجاز احتفالًا، لا معركة. ويصبح الوقت مساحة للعيش، لا ساحة للمطاردة. وتصبح الأيام أقل ازدحاماً وأكثر امتلاءً، لأن الامتلاء الحقيقي لا تصنعه كثرة الأحداث، وإنما حضور الروح في كل حدث، مهما كان صغيرا. والسؤال الأهم ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك، وأموالك، ونجاحاتك، وصورتك التي يعرفك بها الناس؟ هل يبقى في داخلك شخص يعرف كيف يكون سعيداً لأنه موجود فقط؟ أم أنك ستشعر بأنك فقدت نفسك مع أول شيء فقدته من العالم؟ إن أعظم اكتشاف قد يصل إليه الإنسان ليس أنه قادر على تغيير العالم، بل أنه قادر على مصالحة نفسه. ففي اللحظة التي يكف فيها عن مطاردة اكتماله خارج ذاته، يكتشف أن الكمال لم يكن يوماً هو الغاية، وأن السكينة ليست جائزة يمنحها العالم لمن ينتصر فيه، بل حالة يولدها القلب حين يتوقف عن مقاومة وجوده. وربما تكون الحياة، في نهايتها، أقل تعقيداً مما تصورنا. ليست سؤالًا عن كل ما نستطيع أن نفعله، بل سؤالًا أكثر جرأة وأشد عمقاً. فهل نستطيع أن نكون، بكل بساطة، من دون أن نشعر دائماً بأن علينا أن نصبح شخصاً آخر؟
طرابلس-لبنان السبت في 18حزيران 2026الساعة الخامسة والنصف مساء



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراما الحياة اليومية بين التحديات الداخلية والخارجية
- يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها ...
- إلى ابني في عيده الثامن والثلاثين
- هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقد ...
- متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ...
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...


المزيد.....




- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...
- -الجريمة 101-.. حين تعود هوليوود إلى أفلام الجريمة الهادئة
- -أصوات التراث-.. أول مهرجان روسي للأغنية السوفيتية في موسكو ...
- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...
- بعدما خطفت الأنظار في كأس العالم.. صورة لاعب الرأس الأخضر وح ...
- -الأوديسة- في صالات العرض، ماذا نعرف عن فيلم كريستوفر نولان ...
- شجرة البتولا... الرمز الذي لا تكتمل صورة روسيا من دونه


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك