أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصطفى الهود - الكاتب لا يحتاج إلى مسؤول... المسؤول هو الذي يحتاج إلى الكاتب














المزيد.....

الكاتب لا يحتاج إلى مسؤول... المسؤول هو الذي يحتاج إلى الكاتب


مصطفى الهود

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 16:14
المحور: قضايا ثقافية
    


حين رحل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، حاول الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان أن يمنح جنازته الطابع الرسمي، فعرض على سيمون دي بوفوار أن تتكفل الدولة بمراسم التشييع. لكن الرد كان حاسماً؛ لقد أوصى سارتر بألا تكون جنازته جنازة دولة، بل جنازة شعب. وهكذا حدث.
خرج عشرات الآلاف إلى شوارع باريس. لم تدفعهم مؤسسة رسمية، ولم تجمعهم دعوة حكومية، بل جاءت بهم الكلمة التي عاش صاحبها من أجلها. كان بينهم طلبة، وعمال، ونقابيون، وكتاب، وفنانون، ومفكرون، ومناضلون من قارات مختلفة. لم يكونوا يشيعون جسداً، بل كانوا يودعون ضميراً إنسانياً ظل طوال حياته منحازاً للحرية والعدالة.
هذا المشهد يضعنا أمام سؤال مؤلم: لماذا يُقاس الكاتب في أوطاننا بقربه من المسؤول، بينما يُقاس في الأمم الحية بقربه من الناس؟
لقد اعتدنا أن يكون افتتاح معرض للكتاب بيد مسؤول حكومي، وأن يقص شريط معرض فني شخص قد لا يعرف أسماء الفنانين المشاركين فيه، وأن يتصدر المنصة من يشغل منصباً مؤقتاً، بينما يقف المبدعون في الصفوف الخلفية، ينتظرون دوراً لا يأتي.
المفارقة أن المسؤول يستمد بريقه من المنصب، أما الكاتب فيستمد مكانته من فكره. المنصب ينتهي بقرار، أما الكلمة فتبقى ما بقيت الذاكرة الإنسانية.
ليست المشكلة في حضور المسؤول، وإنما في غياب المثقف. فحين يصبح السياسي هو واجهة كل نشاط ثقافي، نكون قد أرسلنا رسالة خاطئة إلى المجتمع، مفادها أن السلطة أعلى من المعرفة، وأن المنصب أهم من الفكر، وأن الثقافة لا تكتسب قيمتها إلا إذا مرّت عبر بوابة المسؤول.
والمؤلم أكثر أن كثيراً من الأدباء يعيشون ضيقاً مادياً يدفعهم إلى طرق أبواب المؤسسات والمسؤولين لطباعة كتاب أو إقامة معرض أو إصدار مجلة. إنهم فقراء في المال، لكنهم أغنياء بما يملكونه من تأثير في العقول. إنهم لا يملكون ميزانيات، لكنهم يملكون ما هو أثمن: القدرة على صناعة الوعي.
الإعلام بدوره يتحمل جزءاً من هذه الصورة المختلة. فهو يلاحق أصحاب المناصب لأنهم خبر سريع، ويغفل الكاتب والمفكر والفنان، مع أنهم أكثر بقاءً في ذاكرة الشعوب. كم مسؤولاً كان يملأ الشاشات قبل عشرين عاماً؟ وكم واحداً بقي الناس يذكرونه اليوم؟ في المقابل، ما زلنا نقرأ المتنبي، وابن رشد، والطبري، والرازي، والغزالي، لأن الأفكار تعيش أكثر من أصحاب الكراسي.
ولعل أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو إعادة ترتيب سلم القيم. فليس من المنطقي أن يبقى الكاتب واقفاً على هامش الاحتفال بكتابه، بينما يتصدر المشهد من لم يكتب سطراً واحداً. وليس من الطبيعي أن يكون المثقف آخر المدعوين إلى مناسبة ثقافية، وهو صاحب المناسبة الحقيقي.
إن الأمم لا تُخلَّد بعدد وزرائها، بل بعدد مفكريها. ولا تُقاس عظمتها بما شُيّد فيها من مبانٍ، بل بما أُنتج فيها من كتب وأفكار وفنون.
لهذا لم يكن سارتر بحاجة إلى جنازة رسمية. فقد أدرك أن الشرعية التي يمنحها الناس أعمق من أي وسام تمنحه السلطة. والكلمة التي تنحاز للإنسان تعيش أطول من كل المناصب، لأن الكرسي يورثه الزمن لغير صاحبه، أما الفكرة الصادقة فلا تجد من يرثها إلا الأجيال.
فالكاتب الحقيقي لا يقف في ظل السلطة ليكبر، بل تقف السلطة في ظله عندما تعرف قيمة الثقافة.



#مصطفى_الهود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فائق بيك قائم مقام بعقوبة نموذج إداري في النزاهة والتحديث ال ...
- سعيد أفندي عودة الكلاسيك العراقي إلى شاشة الحاضر
- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الحملات الانتخابية في العر ...
- الحسد والغيرة... وباء اجتماعي ينخر جسد النجاح
- الحرية مفهوم اشكالي
- مجتمع الثكنات... هل فقدنا معنى التعايش؟
- السيناريو
- نشأة وتطور التلفزيون
- مفهوم المونتاج
- ملك الوالد
- العين الساهرة
- المونتاج الذهني عنده ايزنشتاين
- هي فوضى
- الايجاز
- سحر الضوء
- الفن التشكيلي
- الاندماج
- اصحمة ابن ابجر(النجاشي)
- الثورة تأكل ابنائها (ابو مسلم الخراساني)
- المكياج ودوره في الحياة


المزيد.....




- العراق: لم تقدم أي جهة دليلًا على استخدام أرضنا في شن هجمات ...
- ما الذي يجذب الشباب إلى عالم الكوسبلاي؟
- لماذا يكتسب ميناء دمياط أهمية في خريطة الغاز بالمنطقة؟
- وجهات نظر من أنقرة: تداعيات مؤتمر قمة حلف -ناتو- على الأمن و ...
- طالب صيني يحطم الرقم القياسي لحل مكعب روبيك بيد واحدة (فيديو ...
- تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -غيفعاتي- يغ ...
- إسرائيل.. كيف تجسس سائق إسعاف لصالح إيران؟
- -أكسيوس-: خلاف فانس ونتنياهو حول إيران وصل إلى حد الاتهامات ...
- هل يتجه ترامب إلى خيارات عسكرية جديدة ضد إيران؟
- الاتحاد الأوروبي يندد بالضربات الروسية -الكثيفة- على أوكراني ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصطفى الهود - الكاتب لا يحتاج إلى مسؤول... المسؤول هو الذي يحتاج إلى الكاتب