أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي















المزيد.....

نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:24
المحور: المجتمع المدني
    


يعد الامريكي إرفينغ جانيس من أبرز علماء النفس الاجتماعي و قد اشتهر بنظريته في "التفكير الجمعي" التي وضعها 1972 و تفسر كيف يمكن لجماعة من الأشخاص الأكفاء أن تتخذ قرارات خاطئة عندما تطغى الرغبة في الإجماع على التفكير النقدي وحرية إبداء الرأي.
حين يجتمع عدد من الأشخاص لاتخاذ قرار مهم فإن المنطق يفترض أن تكون النتيجة أفضل من قرار الفرد الواحد لأن تعدد العقول يعني تعدد وجهات النظر و الخبرات و بالتالي زيادة فرص الوصول إلى الخيار الأكثر صوابا.
لكن الواقع لا يسير دائما بهذه الصورة المثالية فقد تتحول المجموعة نفسها إلى سبب في إنتاج قرارات خاطئة ليس بسبب نقص الذكاء أو الخبرة بل لأن أعضاءها يصبحون أسرى لرغبة خفية في الاتفاق و الانسجام.
هذه الفكرة كانت محور النظرية التي قدمها عالم النفس الاجتماعي إرفينغ جانيس و التي عرفت باسم نظرية التفكير الجمعي و هي من أكثر النظريات تأثيرا في فهم كيفية اتخاذ القرارات داخل الحكومات، المؤسسات، الشركات، و حتى داخل الأسر و الجماعات الصغيرة.
انطلق جانيس من ملاحظة أن كثيرا من الكوارث السياسية و العسكرية لم تكن نتيجة جهل أو قلة معلومات و إنما نتيجة وجود مجموعات من الأشخاص الأكفاء الذين أخطأوا جميعا بالطريقة نفسها.
لقد وجد أن المشكلة لا تكمن دائما في نقص البيانات إنما في الطريقة التي يفكر بها أفراد المجموعة عندما يصبح الحفاظ على وحدة الفريق أهم من البحث عن الحقيقة.
ففي مثل هذه الأجواء يتراجع التفكير النقدي و يصبح الاعتراض أمرا غير مرغوب فيه و يشعر الفرد بأن مخالفة رأي الأغلبية قد تجعله يبدو متمردا أو غير مخلص للمجموعة.
يرى جانيس أن التفكير الجمعي لا يعني أن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها منذ البداية بل يعني أن المجموعة تدفع أفرادها تدريجيا إلى تبني رأي واحد حتى لو كانت هناك مؤشرات واضحة على وجود أخطاء فيه.
و يحدث ذلك غالبا عندما تكون المجموعة شديدة التماسك أو عندما تتمتع بقيادة قوية لا تشجع على النقاش أو عندما تواجه ضغوطا كبيرة تجعلها تبحث عن قرار سريع بدلا من قرار صحيح.
في مثل هذه الظروف تصبح الرغبة في الإجماع أقوى من الرغبة في التحليل فيميل الجميع إلى تأكيد الأفكار المتداولة بدل اختبارها.
و لعل أخطر ما في التفكير الجمعي أنه يمنح أصحابه شعورا زائفا بالثقة فكلما ازداد عدد المؤيدين لفكرة معينة ازداد الاعتقاد بأنها صحيحة مع أن كثرة المؤيدين لا تعني بالضرورة صحة الفكرة.
فالتاريخ مليء بأمثلة كانت فيها الأغلبية مقتنعة بقرارات ثبت لاحقا أنها كانت كارثية و لذلك فإن الإجماع قد يكون أحيانا علامة على ضعف النقاش لا على قوة القرار.
من السمات التي ترافق التفكير الجمعي أن الأفراد يبدأون في تجاهل المعلومات التي تتعارض مع الرأي السائد بينما يمنحون اهتماما أكبر لكل معلومة تؤيده.
و هكذا تنشأ بيئة مغلقة لا تسمح إلا للأفكار المتوافقة بالدخول أما الآراء المختلفة فتهمل أو تسخر منها أو ينظر إلى أصحابها باعتبارهم يعرقلون العمل.
و مع مرور الوقت يقتنع الجميع بأنهم توصلوا إلى أفضل قرار ممكن رغم أنهم لم يختبروا البدائل بصورة حقيقية.
قد يحدث هذا في المؤسسات الحكومية عندما يخشى الموظفون معارضة المدير و في الشركات عندما يخاف العاملون من انتقاد الإدارة العليا كما يحدث داخل الأحزاب السياسية عندما يصبح الولاء للتنظيم أهم من تقييم السياسات بل إنه قد يظهر داخل الأسرة عندما يتردد الأبناء في إبداء رأي مختلف عن رأي الأب أو الأم خوفا من إثارة الخلاف.
لذلك فإن التفكير الجمعي ليس ظاهرة سياسية فقط و إنما هو سلوك إنساني يمكن أن يظهر في أي جماعة تربطها علاقة قوية أو سلطة مؤثرة.
من أبرز الأمثلة التي استند إليها جانيس في تطوير نظريته فشل عملية غزو خليج الخنازير 1961 حين وافقت مجموعة من كبار المسؤولين الأمريكيين على خطة عسكرية انتهت إلى إخفاق كبير رغم أن بعض المؤشرات كانت تنذر منذ البداية بضعف فرص نجاحها.
و قد رأى جانيس أن أعضاء الفريق لم يناقشوا الخطة بالنقد الكافي لأنهم كانوا منشغلين بالحفاظ على وحدة القرار أكثر من انشغالهم باختبار صحة الافتراضات.
من هنا أصبحت هذه الحادثة مثالا كلاسيكيا على الكيفية التي يمكن أن يقود بها التفكير الجمعي نخبة من الخبراء إلى قرار خاطئ.
لكن أهمية نظرية التفكير الجمعي لا تقتصر على تفسير أحداث تاريخية بعينها انما تمتد إلى الحياة اليومية التي يعيشها الناس في مختلف المجالات.
فكثيرا ما نجد فريقا في مؤسسة يرفض فكرة جديدة لأنها لا تنسجم مع ما اعتاد عليه أو مجلسا إداريا يتخذ قرارا متسرعا لأن أحدا لم يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة أو مجموعة من الأصدقاء تتبنى رأيا معينا لمجرد أن الجميع يردده.
و في هذه الحالات لا يكون القرار نتاج اقتناع حقيقي إنما نتيجة ضغط نفسي غير معلن يدفع الفرد إلى مسايرة الآخرين حتى لا يشعر بالعزلة أو الاتهام أو فقدان القبول الاجتماعي.
و لا يعني ذلك أن الاتفاق بين أفراد المجموعة أمر سلبي في حد ذاته فالتوافق قد يكون ثمرة نقاش عميق و دراسة متأنية لكنه يصبح خطرا عندما يتحول إلى غاية بحد ذاته و عندما ينظر إلى الاختلاف على أنه تهديد يجب التخلص منه لا فرصة لتصحيح الأخطاء.
فالمجتمعات التي تمنح مساحة للنقد البناء تكون أكثر قدرة على تصحيح مسارها بينما تميل المجتمعات التي تجرم الاختلاف إلى تكرار أخطائها لأنها تحرم نفسها من الأصوات التي تكشف مواطن الخلل قبل أن تتفاقم.
من هنا يكتسب الرأي المخالف قيمة كبيرة ليس لأنه صحيح دائما و إنما لأنه يجبر الآخرين على إعادة التفكير في مسلماتهم فوجود شخص واحد يطرح أسئلة مختلفة قد يمنع وقوع مؤسسة كاملة في خطأ جسيم.
و لهذا أصبحت كثير من المؤسسات الحديثة تعتمد أساليب تشجع على النقد المنظم مثل تكليف أحد أعضاء الفريق بلعب دور محامي الشيطان أي الشخص الذي يناقش القرار من زاوية معارضة حتى وإن كان مقتنعا به و ذلك بهدف اختبار قوة الحجج و كشف نقاط الضعف قبل اعتماد القرار النهائي.
كما تؤكد هذه النظرية أن القيادة الحكيمة ليست تلك التي يوافقها الجميع بل التي تهيئ بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان عند التعبير عن آرائهم حتى و إن كانت مخالفة لرأي القائد نفسه.
فالقائد الذي يحتكر الحقيقة قد يكسب الصمت لكنه يخسر المعرفة أما القائد الذي يرحب بالنقد فإنه يفتح الباب أمام قرارات أكثر نضجا و واقعية.
لذلك فإن قوة المؤسسة لا تقاس بعدد المؤيدين لرئيسها و إنما بقدرتها على سماع الأصوات المختلفة دون خوف أو إقصاء.
و في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت نظرية التفكير الجمعي أكثر حضورا من أي وقت مضى. فالخوارزميات كثيرا ما تعرض للإنسان الآراء التي تشبه رأيه فيشعر أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها بينما تختفي الآراء المخالفة من أمامه تدريجيا.
هكذا تتشكل ما يعرف بغرف الصدى حيث يسمع الفرد صدى أفكاره فقط فيزداد اقتناعا بها مهما كانت بعيدة عن الواقع.
و عندما تتكرر الفكرة آلاف المرات داخل المجموعة نفسها تتحول في نظر أعضائها إلى حقيقة لا تحتاج إلى دليل مع أنها قد تكون مجرد رأي انتشر بفعل التكرار.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه نظرية إرفينغ جانيس هو أن العقل لا يفقد حريته فقط تحت ضغط السلطة بل قد يفقدها أيضا تحت ضغط الجماعة.
فالإنسان قد يتخلى عن شكوكه و أسئلته و رأيه الشخصي من أجل أن يشعر بالانتماء غير أن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تمنع الاختلاف لكن تلك التي تجعل الحوار و النقد جزءً من ثقافتها.
فالحقيقة لا تولد من الصمت و لا تنمو في بيئة يخشى فيها الناس التعبير عن آرائهم و إنما تزدهر عندما تتلاقى الأفكار المختلفة في نقاش حر يحترم العقل قبل أن يبحث عن الإجماع.
من هذا المنطلق تبقى نظرية التفكير الجمعي تذكيرا دائما بأن أخطر القرارات ليست تلك التي يتخذها الجاهلون لكن تلك التي يتخذها الأذكياء عندما يتوقفون عن التفكير بصورة مستقلة و يستبدلون صوت العقل بصوت الجماعة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي


المزيد.....




- سوريا: توقيف ثلاثة متهمين بجرائم تعذيب ممنهجة داخل المشافي ا ...
- بعد عامين على قرار لاهاي بـ-عدم شرعية الاحتلال-: الأمم المتح ...
- الأمم المتحدة تحذر من انفجار عنف المستوطنين وتواطؤ أمني إسرا ...
- بينهم طبيب برتبة عميد.. 3 متهمين بتعذيب معتقلين في مشافٍ عسك ...
- منظمة العفو الدولية تطالب بتحقيق مستقل في إعدام جنود في مالي ...
- 60% من إنسان.. -الدحيح- يروي الكواليس العنصرية لتأسيس الولاي ...
- تقدم الجيش السوداني.. ينعش آمال النازحين بالعودة إلى مدنهم ب ...
- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يحذر من تفاقم عنف المستوطني ...
- وجوه التضامن لمواجهة حرائق جيروند... منشطون ومزارعون ومتطوعو ...
- استشهاد شخص إثر إطلاق نار بمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطيني ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي