أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود














المزيد.....

حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"لو اصطاد توم .. جيري يوما لانتهى المسلسل منذ عقود!"

قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد طرفة مستوحاة من مسلسل كرتوني عاش في ذاكرة أجيال متعاقبة لكنها في حقيقتها تحمل فكرة فلسفية عميقة تتجاوز عالم الكرتون إلى فهم الإنسان و المجتمع و السياسة.
فالقصة لم تستمر لأن القط كان ضعيفا و لا لأن الفأر كان أقوى منه و إنما لأن استمرار المطاردة هو الذي منح القصة معناها، و لو انتهت المطاردة بانتصار أحد الطرفين لانتهت الحكاية نفسها.
هذه الفكرة لا تخص توم و جيري وحدهما بل تكشف عن حقيقة تتكرر في ميادين الحياة كلها بأن ليس كل صراع يراد له أن ينتهي فبعض الصراعات تستمد قيمتها من استمرارها أكثر مما تستمدها من نتائجها.
إن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصور الحياة بوصفها سلسلة من الانتصارات و الهزائم لكنه يغفل أحيانا أن هناك صراعات لا يكون فيها الانتصار هو الهدف الحقيقي إنما يكون استمرار الصراع هو الغاية ذاتها.
ففي كثير من الأحيان يصبح الخصم جزء من هوية خصمه و يصبح وجود أحدهما مشروطا بوجود الآخر.
و لو تأملنا التاريخ لوجدنا أن كثيرا من القوى السياسية بنت وجودها على فكرة العدو، فالعدو ليس مجرد طرف مقابل لكن هو أداة تمنح الخطاب السياسي شرعيته، تمنح الجماهير سببا للالتفاف حول القيادة، و توفر تفسيرا جاهزا للأزمات و الإخفاقات.
لذلك نرى أن بعض الأنظمة أو الأحزاب أو الجماعات لا تتحدث عن برامجها بقدر ما تتحدث عن خصومها لأن الخصم يمنحها سببا للاستمرار.
و لا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة دائمة بل إن طبيعة السلطة نفسها كثيرا ما تجعلها بحاجة إلى وجود منافس أو تهديد سواء كان حقيقيا أو مبالغا في تصويره.
فالإنسان، سواء كان فردا أو جماعة يميل إلى تعريف نفسه بما يعارضه و ليس فقط بما يؤمن به.
هذا الموضوع لا يقتصر على السياسة فقط، ففي الحياة الاجتماعية نجد أن بعض الخلافات تستمر سنوات طويلة رغم إمكانية حلها لأن استمرارها أصبح جزءً من العلاقة نفسها.
قد تجد أفرادا لا يعرفون كيف يتواصلون إلا من خلال الجدل أو جماعات لا تشعر بوحدتها إلا عندما تواجه جماعة أخرى.
هنا يتحول الصراع من وسيلة إلى غاية و من حالة استثنائية إلى أسلوب حياة.
لكن تكشف لنا المقولة عن معنى فلسفي يتعلق بفكرة الوظيفة، فكل شخصية في قصة توم و جيري تؤدي وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها.
توم ليس مجرد قط إنما هو المطارد و جيري ليس مجرد فأر بل هو الهارب الذكي.
و لو فقد أحدهما وظيفته لفقد الآخر دوره أيضا و لذلك فإن القضاء على الخصم قد يعني من حيث لا يشعر المنتصر القضاء على جزء من نفسه.
هذه الفكرة نجدها في كثير من العلاقات الإنسانية كذلك، فالمنافس في العمل يدفعنا إلى تطوير قدراتنا و الاختلاف الفكري يدفعنا إلى مراجعة أفكارنا و حتى النقد مهما كان قاسيا قد يكون سببا في تحسين الأداء.
لذلك فإن غياب كل أشكال التحدي لا يصنع مجتمعا أفضل انما قد يصنع حالة من الركود و الجمود.
لكن ينبغي التمييز بين الصراع الذي يحفز على التطور و الصراع الذي يتحول إلى غاية في ذاته.
فالأول يخلق الإبداع و يقود إلى التقدم أما الثاني فيستهلك الطاقات و يجعل الجميع أسرى دائرة لا تنتهي.
و هنا تكمن الحكمة فليس المطلوب إلغاء الاختلاف و إنما منع تحوله إلى حالة دائمة يستحيل الخروج منها.
يبدو هذا الموضوع في عصر الإعلام الرقمي أكثر وضوحا، فالجدل يجذب الانتباه، الخلاف يولد التفاعل، و الصراع يحقق الانتشار.
و لهذا أصبحت كثير من المنصات تعيش على استدامة النزاعات أكثر من اهتمامها بحلها، فكلما استمرت المواجهة استمرت المتابعة و استمرت معها المصالح الاقتصادية و الإعلامية.
و كأن العالم الرقمي اكتشف أن المطاردة نفسها أكثر ربحا من الوصول إلى النهاية.
لعل أجمل ما في هذه المقولة أنها تدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم النصر، فليس كل انتصار مكسبا و ليس كل هزيمة خسارة.
قد يربح الإنسان معركة و يخسر بعدها المعنى الذي كان يمنحه الحافز للاستمرار و قد يكتشف أن الوصول إلى النهاية لم يكن أجمل من الطريق إليها.
إن الإنسان بحاجة إلى أهداف يسعى إليها لكنه يحتاج أيضا إلى الحكمة التي تميز بين الهدف الذي يستحق المطاردة و الصراع الذي لا ينتج إلا مزيدا من الدوران في الحلقة نفسها. فالحياة ليست سباقا نحو القضاء على كل خصم لكن هي بحث مستمر عن التوازن بين المنافسة و التعاون و بين الاختلاف و التعايش.

إن مقولة توم وجيري رغم بساطتها تذكرنا بأن كثيرا من القصص لا تستمر بسبب قوة أبطالها و إنما بسبب استمرار العلاقة بينهم حتى و إن كانت علاقة صراع.
و هذا ما يجعلها استعارة فلسفية عميقة عن الإنسان نفسه، فهو كثيرا ما يصنع خصومه أو يبالغ في تضخيمهم لأنه يخشى الفراغ الذي قد يعقب اختفاءهم.
و لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يستطع توم الإمساك بجيري؟! بل السؤال يكون هل كان توم يريد حقا أن تنتهي المطاردة؟!
و هل كان جيري يرغب في نهاية اللعبة؟! أم أن كليهما كان يدرك بطريقة رمزية أن نهاية الصراع ليست دائما بداية النصر لكن قد تكون بداية النهاية؟!



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية


المزيد.....




- ترامب يكشف عن -بادرة حسن نية من جانب إيران-.. ويهاجم بايدن
- دول الاتحاد الأوروبي تختلف حول الحزمة الـ21 من العقوبات ضد ر ...
- أحمدي نجاد والموساد.. ما وراء رواية -استقطاب- الرئيس الإيران ...
- من يتحكم في مضيق هرمز؟.. عبارة غامضة تحول الهدنة إلى بوابة ح ...
- انتهاء مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل
- روسيا تحذر.. سنضرب أي قوة دولية بأوكرانيا
- الجيش الأمريكي يستهدف ناقلة نفط بصواريخ -هيلفاير- أثناء محاو ...
- -سي بي إس-: البنتاغون يدرس خيارات عسكرية محتملة ضد كوبا
- دميترييف: أزمة طاقة ستضرب الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بقوة ب ...
- لافروف: موسكو وبكين ترفضان التدخل لتغيير الأنظمة والمعايير ا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود