أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - جهاد حمدان - لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد الشيوعي عبد الخالق محجوب















المزيد.....

لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد الشيوعي عبد الخالق محجوب


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:15
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


فجر الثامن والعشرين من تموز 1971، ترجل الرفيق عبد الخالق محجوب، السكرتير العام الأسبق للحزب الشيوعي السوداني عن صهوة النضال منتصب القامة، رافضاً المساومة على حقوق شعبه، تاركاً إرثاً فكرياً وكفاحياً يضيء عتمة التاريخ السياسي الحديث.
وُلد عبد الخالق محجوب في مدينة الرمانة بولاية الجزيرة عام 1927، وتلقى تعليمه في حنتوب الثانوية قبل أن يلتحق بجامعة فؤاد الأول في القاهرة دارساً للتاريخ. وهناك، انخرط في عمق الفكر الماركسي وتفاعل بوعي حاد مع حركة التحرر الوطني المصرية والسودانية.
حين عاد إلى السودان، غدا القلب النابض للحركة اليسارية والوطنية؛ لم يكن سياسياً تقليدياً يسعى خلف المناصب، بل مفكراً عضوياً للطبقة العاملة والفلاحين وجموع الكادحين، ومهندساً لاستراتيجية التغيير الاجتماعي السياسي الجذري، مؤمنًا بأن الثورة الحقّة لا تُستورد من عواصم العالم، بل تنبت من تربة المجتمع وتعبّر عن تطلعات كادحيه في المدن والقرى. عُرف بالنزاهة والزهد والصلابة الفكرية، فبات رمزاً وطنياً عابراً للأطر الضيقة، يحترمه خصومه قبل رفاقه لشجاعته ونظافة كفه.
في مسار النضال الوطني الطويل، جاء تموز 1971 ليحمل المحطة الأكثر دموية وتعقيداً في تاريخ السودان الحديث. ففي التاسع عشر من تموز، أفاق السودان والعالم على الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد هاشم العطا وثلة من الضباط والكوادر اليسارية ضد نظام الرئيس جعفر النميري. غير أن المشهد حمل في طياته تناقضات عميقة؛ إذ تشير الوقائع إلى أن عبد الخالق محجوب لم يكن متحمسًا لتوقيت ذلك التحرك العسكري، بل كان يعارض منطق الانقلابات كوسيلة وحيدة للوصول إلى السلطة، مفضلاً طريق العمل الجماهيري المتراكم. ومع ذلك، وجد نظام النميري، عقب استعادة السيطرة إثر صراع دموي خاطف، في الانقلاب ذريعة كبرى ودموية لتوجيه ضربة قاصمة ومطلقة لوجود الحزب الشيوعي برمته.
وهنا يكمن الجانب المظلم والملتبس من تصفية عبد الخالق؛ فقد جرت الاعتقالات والمحاكمات العسكرية بسرية مطبقة وتحت وطأة انتقام غاشم وضغوط سياسية عصفت ببلاد خارجة للتو من حرب أهلية وصراع شرس على مقاليد السلطة. لم يُمنح عبد الخالق حق الدفاع القانوني العادل، بل حُوّلت أروقة المحاكمة المغلقة إلى محاكم تفتيش، وقف فيها السجين ليحاكم جلاديه ويفضح عوار استبدادهم.
يوم إعدامه، عانق حبلُ المشنقة روحاً وطنية شامخة وقفت تتأمل الموت بازدراء. ففي تلك اللحظات المهيبة، رفض عبد الخالق محجوب أن تُعصب عيناه، مفضلاً أن يحدق في وجوه جلاديه بكبرياء أسطوري سلبهم نشوة الانتصار، نظر إلى الحبل وسأل المكلف بالتنفيذ ببرود وسخرية لاذعة: حبلك ده متين يا زول؟ وبنبل الفرسان، خلع ساعته من معصمه ليهديها لأحد الجنود الحاضرين قائلاً له: دي ليك، بينما سحب خاتم زفافه (دبلته) موصياً بأن تُسلّم أمانةً أخيرةً لرفيقة دربه وزوجته نعمات مالك.
لم يكن عبد الخالق وحيداً في درب التضحية والفداء؛ بل رافقه أبطال حزموا أمرهم لمواجهة الموت بثبات لا يلين، وتضم قائمة الشهداء الذين واجهوا المصير ذاته:
الشفيع أحمد الشيخ: القيادي العمالي البارز وسكرتير اتحاد عمال السودان، والحائز على جائزة لينين للسلام.
الرائد هاشم العطا: قائد تحرك التاسع عشر من تموز.
المقدم بابكر النور والنقيب فاروق أحمد عثمان حمد الله.
دور السادات والقذافي
وامتداداً لتلك المأساة، لعب التدخل الإقليمي دوراً حاسماً ودموياً في حسم مصير القافلة، متواطئاً مع آلة البطش المحلية؛ إذ أقدم العقيد معمر القذافي في ليبيا على إجبار الطائرة القادمة من لندن على الهبوط في مطار طرابلس واحتجاز المقدم بابكر النور والنقيب فاروق أحمد، وتلا ذلك تسليمهما القسري إلى نظام النميري في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية. وعلى الخطى ذاتها، سار نظام الرئيس أنور السادات في مصر، مبدياً دعماً سياسياً واستخباراتياً مكثفاً لتثبيت أركان حكم النميري، ومستشعراً هلعاً استراتيجياً من أي تقارب يساري في السودان قد يخل بميزان القوى الإقليمي.
ولأن الفكرة لا تُمحى بالمشانق، فقد خلّف عبد الخالق إرثاً فكرياً متوهجاً؛ فلم يكن منظراً منعزلاً في برجه العاجي، بل صاغ رؤية وطنية متكاملة أعادت قراءة الفكر التقدمي بأدوات محلية تتصالح مع واقع السودان المركب وتعدده الثقافي والإثني. لقد طرح بوعي عميق مشروع الجبهة الوطنية الديمقراطية كطريق حتمي لتوحيد قوى الشعب من عمال وفلاحين ومثقفين وبرجوازية وطنية، في مواجهة التخلف والتبعية. ولهذا، دافع بشراسة عن التعددية الحزبية وعدّها مكسباً ديمقراطياً أصيلاً، مدركاً أن الديمقراطية العرجاء تبقى أرحم ألف مرة من استبداد الدبابة وطغيان الشمولية.
وكما تنبأت حركة التاريخ، لم تكن نهاية الطغاة سوى مرآة لمنطقهم القائم على القمع؛ فبعد ستة عشر عاماً من القبضة الحديدية، والتقلبات السياسية العاصفة بين اليمين واليسار، انهار نظام جعفر النميري تحت ضربات أزمة اقتصادية خانقة وغضب شعبي عارم توجته انتفاضة نيسان 1985.
أطاح الشعببالنميري وهو غائب في رحلة علاج واستجداء للخارج، ليعود لاحقاً ويشهد بأم عينيه سقوط عرشه البائد تحت أقدام الملايين التي طالما سامها سوء العذاب، تاركاً خلفه تركة ثقيلة من الانقسامات والحروب التي ما زالت البلاد تكابد أوجاعها.
رغم تعاقب الديكتاتوريات وجحيم الحروب الذي يعتصر السودان اليوم، يظل ذكر عبد الخالق محجوب ومسيرته النضالية بريق أمل لا يخبأ. فقد تجاوز إرثه صفحات التاريخ المكتوبة، ليصير عقيدة راسخة بأن إرادة الشعوب أصلب من فولاذ السجون وأقوى من رصاص الطغاة.
وفي كل هبة شعبية جديدة، وفي كل صرخة حر تنادي بالعدالة والسلام في شوارع السودان الجريح، تتجدد روح عبد الخالق، لتؤكد أن الغد الأجمل، والديمقراطية الحقيقية التي مات دونها المناضلون، قادمة لا محالة.
وأختم بمقاطع من "مرثية عبد الخالق محجوب" التي أبدعها الشاعر السوداني محمد الفيتوري:
لا تحفروا لي قبراً..
سأرقد في كل شبر من الأرضْ
أرقد كالماء في جسد النيلْ
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي..
مثلي أنا ليس يسكن قبراً!

لقد وقفوا.. ووقفتَ..
ـ لماذا يظن الطغاة الصغار ـ وتشحب ألوانهم ـ إن موت المناضل موت القضيةْ؟!
أعلم سر احتكام الطغاة إلى البندقيةْ
لا خائفاً.. إن صوتي مشنقة للطغاة جميعاً
ولا نادماً.. إن روحي مثقلة بالغضبْ
كل طاغيةٍ صنمٌ.. دميةٌ من خشب!
.. وتبسّمت..
كل الطغاةِ دمىً.. ربما حسب الصنمْ
الدمية المستبدة.. وهو يعلق أوسمة الموت فوق صدور الرجالْ
إنه بطل.. لا يزالْ!
وخطوت على القيد..
لا تحفروا لي قبراً..
سأصعد مشنقتي.. وسأغلق نافذة العصر خلفي
وأغسل بالدم رأسي.. وأقطع كفي..
وأطبعها نجمةً فوق واجهة العصر.. فوق حوائط تاريخه المائلةْ
وسأبذر قمحي للطير والسابلةْ
قتلوني.. وأنكرني قاتلي.. وهو يلتف برداء في كفني!
وأنا من؟
سوى رجلٍ واقفٍ خارج الزمنْ
كلما زيّفوا بطلاً.. قلت: قلبي على وطني!



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مائة عام على ميلاد القائد الشيوعي البارز فائق ورّاد من البرل ...
- -سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء
- الدلالات المعجمية والبراغماتية لعبارة -تكسي اسكارسا- ​
- عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟
- محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
- قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا ...
- هل اضطر ترامب للاستماع إلى إيران فأوقف إطلاق النار في لبنان؟
- كومونة باريس: فجر الطبقة العاملة وشعلة البروليتاريا
- نحتفي بالاستقلال ونحرس البوصلة
- وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية


المزيد.....




- Where Is Everyone? Freeing Nature and the Subhumans
- أردوغان يحيل مشروع قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني إلى ...
- Washington’s Nuclear Double Standard in West Asia
- Execrable Drivel: The US State Department’s Cuba Report
- العدد 664-665 من جريدة النهج الديمقراطي
- From the Great Basin to Gaza: How Nevada’s Data Centers Powe ...
- بالتزامن مع الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيسه.. حزب التجمع يب ...
- ” الشيوعي العمالي ” و ” الحرية والتغيير ” و ” الجبهة العمالي ...
- رايتس ووتش تدين الملاحقة -الظالمة- لدعاة حماية البيئة وقادة ...
- الشرطة الإسرائيلية تواجه المتظاهرين في تل أبيب أثناء مسيرة ض ...


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - جهاد حمدان - لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد الشيوعي عبد الخالق محجوب