أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - -سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء















المزيد.....

-سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 04:53
المحور: قضايا ثقافية
    


لا تقتصر اللغة على كونها أداة تواصل مجردة، بل هي سجل حي يوثق التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى في حياة الشعوب. ولعل تجربة اللجوء الفلسطيني، وما رافقها من نشوء المخيمات كفضاءات جغرافية واجتماعية جديدة، قد شكلت "مختبراً لغوياً" أفرز معجماً خاصاً بظروف تلك المرحلة. من بين مفردات هذا المعجم تبرز كلمة "السندكة" أو "السندقة"، وهي المفردة التي أطلقها اللاجئون على طقس استلام المؤن الشهرية من مراكز التوزيع التابعة لوكالة الغوث الدولية (الأونروا).
​يتطلب فهم هذه المفردة تفكيكاً لغوياً وتداولياً يكشف كيف استطاع المجتمع تطويع الجذور اللغوية والتلوينات اللهجية لاحتواء واقعه الجديد وماديته القاسية.
​التأثيل اللغوي: من الكيان المادي إلى الفعل الحركي
​تعود كلمة سندكة في أصلها الاشتقاقي إلى الجذر (ص-ن-د-ق)، وتحديداً إلى كلمة صندوق. في المعمار الشعبي لبلاد الشام، جرى اشتقاق كلمة "صندقة" للإشارة إلى الكشك الخشبي الصغير أو الغرفة المؤقتة المبنية من الأخشاب أو الصفيح. في البدايات الأولى لتأسيس وكالة الغوث، كانت مراكز التوزيع عبارة عن منشآت مؤقتة تشبه هذه "الصنادق"، ومن هنا، ارتبط المكان في الذاكرة البصرية واللغوية بهذا الاسم.
​لكن الكلمة تكتسب عمقاً اشتقاقياً وعملياتياً لافتاً عند النظر في الديناميكية اللوجستية لتوزيع المؤن. لغوياً، تُعد "صَنْدَقَة" مصدراً للفعل الرباعي (صَنْدَقَ - يُصَنْدِقُ)، والذي يعني ترتيب الأشياء وتعبئتها في صناديق.
​في مراكز الوكالة، لم تكن المواد تُصرف للمستفيدين من عبواتها الكبرى مباشرة، بل كان عمال المؤن يستقبلون الحاويات الضخمة والأكياس الكبيرة، ويقومون بإفراغها و"إعادة صندقتها" في كراتين أو صناديق أصغر، بحيث يتسع كل صندوق لحصة العائلة المحددة من غير الطحين والحبوب وفق بطاقة التموين. أمام هذا المشهد اليومي، حيث العمال يفرزون ويعبئون، واللاجئون يراقبون وينتظرون، لم تعد السندكة تشير إلى المكان فحسب، بل أصبحت مرادفاً لـعملية التعبئة والفرز ذاتها. لقد التقط الوجدان الشعبي هذا الجهد الحركي المستمر، واختزله في النطق اللهجي للمصدر.
​التطور الفونولوجي والتلوينات اللهجية
​لم تحتفظ الكلمة بصيغتها المعيارية، بل خضعت لمعالجات صوتية فرضتها البنية الديموغرافية المتنوعة لسكان المخيمات، والتي جمعت شتاتاً من قرى ومدن مختلفة، لتبرز عدة تلوينات لهجية للكلمة ذاتها:
​ظاهرة الترقيق (من صوت الصاد إلى السين): يميل الناطقون في اللهجات الشامية والفلسطينية إلى تبسيط نطق بعض الأصوات المفخمة في الكلمات كثيرة التداول. هكذا، انزلق صوت الصاد المفخم إلى صوت السين المرقق، لتتحول صندقة إلى سندقة، استجابة لقانون السهولة والتيسير (قانون المجهود الأقل) في النطق.
​إبدال صوت القاف كافاً: في اللهجات الفلاحية الفلسطينية، يُعتبر إبدال صوت القاف كافاً سمة صوتية بارزة. ولأن نسبة كبيرة من سكان المخيمات هم من أبناء القرى، فقد صُبغت الكلمة بطابعهم اللهجي، لتصبح سندكة.
​الهمزة المدنية: في المقابل، قد نجد بعض اللاجئين ذوي الأصول المدنية أو ممن تأثروا بلهجات مراكز المدن، ينطقونها سندأة، بإبدال صوت القاف همزة.
​هذا التنوع اللهجي للكلمة الواحدة يعكس كيف أصبح المخيم بوتقة انصهار لغوية تتقاطع فيها الخلفيات الجغرافية السابقة.
​البعد التداولي: الكناية وتجليات الانزياح الدلالي
​من المنظور التداولي والبلاغي، تقف السندكة شاهداً على التفاعل بين الآلية البلاغية والنتيجة اللسانية المستقرة. فالاستخدام الشعبي للكلمة اعتمد بداية على "الكناية" كآلية لغوية، حيث استُخدم اسم المكان (الصندقة) أو الوعاء (الصندوق) كناية عن الحدث المرتبط به.
​لكن النتيجة اللسانية الأعمق تتجلى في الانزياح الدلالي الذي أصاب بنية الكلمة؛ إذ اتسعت بؤرة المعنى في الوعي الجمعي لتشمل "الحدثي والزماني" جنباً إلى جنب مع "المادي والمكاني". ويمكن رصد هذا التطور في مسارات متوازية تعكس ظاهرة التعدد الدلالي:
​التعايش بين المكان والحدث: لم يلغِ الانزياح الدلالي المعنى المكاني الأول للكلمة، بل خلق حالة من التعايش الدلالي. ظلت السندكة معلماً جغرافياً مادياً داخل المخيم، فيُقال: "بيتنا ليس بعيداً عن السندكة" أو "موعدنا عند السندكة" إشارة إلى المبنى ذاته. وفي الوقت نفسه، تجردت الكلمة في سياقات أخرى من حدودها المادية لتشير إلى "حدث" مجرد ومتكامل يضم عملية الاستلام والإجراءات الإدارية.
​الانزياح الزماني: تجاوزت الكلمة الدلالة المكانية لتصبح مؤشراً زمنياً. فعندما يقول اللاجئ: "غداً السندكة" أو "اليوم موعد السندكة"، فإن الكلمة تنزاح لتصبح اسماً لليوم أو الموعد الذي تُوزع فيه المؤن.
​هذا التناوب الوظيفي للكلمة؛ كمعلم جغرافي، وطقس اجتماعي، ومؤشر زمني، والذي تحكمه سياقات الكلام اليومية، يمنح المفردة ثراءً تداولياً فريداً، ويجعلها حجر زاوية في المعجم المكاني والزماني للمخيم.
​تقاطعات التجربة المادية: من سندكة الأونروا إلى كرتونة الزعتري
​إن تتبع علاقة اللاجئ بالمواد العينية يفتح باباً مهماً لمقارنة هذه الحالة السوسيولسانية مع تجارب لجوء أحدث، وتحديداً تجربة المخيمات السورية في الأردن في سنواتها الأولى.
​فرغم اختلاف الزمان والمؤسسات الراعية، تشابهت البنية المادية لطقس الإغاثة. في بدايات اللجوء السوري، اعتمدت المنظمات الدولية على التوزيع العيني المباشر. اصطف اللاجئون في طوابير طويلة لاستلام المساعدات التي شملت الطرود الغذائية الجاهزة. هنا، ورغم غياب كلمة السندكة بتلوينها الفلسطيني، أنتجت الحالة المادية ذاتها معجماً موازياً؛ فتصدرت مفردات مثل الكرتونة والطرد القاموس اليومي.
​ومثلما تحولت الصندقة قديماً إلى حدث شامل، تحولت الكرتونة في المخيمات السورية إلى رمز لعملية الاستلام بأكملها، ولحالة الترقب وتدبير الاحتياجات. تُظهر هذه المقارنة أن المعجم الإغاثي يفرض سطوته على لغة المجتمعات المقتلعة. فالجهد البدني المبذول في التعامل مع المواد التموينية الأساسية لا يسد الرمق فحسب، بل ينحت مفردات جديدة تُوثق ثقل التجربة المادية.
​خلاصة
​لا تقتصر أهمية توثيق مفردات مثل السندكة على القيمة المعجمية البحتة، بل تمتد لتكون "شيفرة سوسيولسانية" شديدة الغنى في السرد الأدبي والمرويات الشعبية. إنها تعكس ببراعة كيفية تعاطي الإنسان البسيط مع الإجراءات البيروقراطية الصارمة، محولاً إياها إلى مفردة دافئة. تقف السندكة شاهداً لغوياً على قدرة الإنسان على اجتراح لغته الخاصة من صميم معاناته، وتحويل الأشياء والأفعال العابرة إلى وثائق تاريخية غير مكتوبة تحفظ تفاصيل يوميات اللجوء.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدلالات المعجمية والبراغماتية لعبارة -تكسي اسكارسا- ​
- عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟
- محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
- قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا ...
- هل اضطر ترامب للاستماع إلى إيران فأوقف إطلاق النار في لبنان؟
- كومونة باريس: فجر الطبقة العاملة وشعلة البروليتاريا
- نحتفي بالاستقلال ونحرس البوصلة
- وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية
- قراءة فايز ابراش النقدية في قصة -آه يا زريفة- لجهاد حمدان
- على هامش زيارة ترامب للصين: المسلمون مسيرة عابرة للتاريخ


المزيد.....




- واشنطن تبدأ الليلة الثالثة عشرة من ضرباتها على إيران، وسماع ...
- واشنطن تفرض رسوما جمركية بنسبة 12.5% على الواردات الروسية بد ...
- ‏إعلام إيراني: تقارير أولية عن سقوط طائرة في جزيرة قشم (فيدي ...
- كوبا: واشنطن تفرض عقابا جماعيا وتثير أزمة إنسانية بعقوباتها ...
- -الحصار البحري غير مقبول-.. المستشار الألماني يدين استهداف ا ...
- مفارقة أمريكية.. الولايات الأكثر رفضا للهجرة هي الأكثر حاجة ...
- لليلة الـ13 توالياً.. الجيش الأمريكي يشن موجة جديدة من الضرب ...
- ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من -الأموال الإيرانية- ال ...
- الرئيس التونسي يعفو عن 2439 سجينا بينهم مرشح سابق للرئاسة وو ...
- للمرة الأولى.. الولايات المتحدة تبدأ استيراد زيت الوقود العر ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - -سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء