أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية وتصريح زهران ممداني















المزيد.....


قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية وتصريح زهران ممداني


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 19:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة

في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي/ بنيامين نتنياهو ؛ووزير جيشه السابق /يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في قطاع غزة حيث استمرت حرب الابادة من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025؛اسفر عنها قتل اكثر من 73 الف فلسطيني اغلبهم من الأطفال والنساء؛ وإصابة اكثر من 173 الف من المدنيين الفلسطينيين في غزة. جاء هذا القرار بعد سنوات من التحقيقات في الوضع في فلسطين، ليثير موجة من الجدل القانوني والسياسي على المستوى الدولي.

ففي يوليو 2026، أثار عمدة نيويورك زهران ممداني قضية اعتقال نتنياهو مجدداً، حين صرّح بأنه لا يملك السلطة القانونية لاعتقال (رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي نتنياهو) لو زار نيويورك، رغم إيمانه بأنه "مجرم حرب". هذا الموقف يطرح سؤالاً جوهرياً،لماذا لا يستطيع عمدة نيويورك، ولا حتى الولايات المتحدة نفسها، اعتقال نتنياهو رغم صدور مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية؛وما الذي يقوله القانون الدولي حقاً في هذه المسألة.

-السؤال الإشكالي:

كيف يمكن التوفيق بين مذكرة اعتقال صادرة عن أعلى هيئة قضائية جنائية دولية، وبين واقع أن رئيس وزراء دولة غير عضو في المحكمة يمكنه السفر بحرية عبر أجواء دول أعضاء فيها؛بل وحتى زيارة عاصمة الدولة الأقوى في العالم واشنطن دون أن يمسه أحد؛ ولماذا تتعارض نصوص نظام روما الأساسي التي تنفي أي حصانة عن مرتكبي الجرائم الدولية مع قواعد القانون الدبلوماسي التي تمنح حصانة لرؤساء الدول والوزراء؛وهل القانون الدولي متناقض، أم أن هناك آليات معقدة تحكم تطبيقه على أرض الواقع وفق الاتفاقيات الدولية الثنائية.

أولاً: المحكمة الجنائية الدولية ومذكرات الاعتقال – الأسس القانونية.

المحكمة الجنائية الدولية هي هيئة قضائية دائمة أنشئت بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998، وبدأت عملها عام 2002. تختص المحكمة بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم التي تثير ضمير المجتمع الدولي وهي (جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان)، المنصوص عليهم في المادة 5 من النظام الأساسي.

مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة بحق "نتنياهو وغالانت"؛ تستند إلى اختصاص المحكمة الإقليمي، حيث أن فلسطين انضمت إلى نظام روما الأساسي في يناير 2015، مما منح المحكمة ولاية قضائية على الجرائم المرتكبة على الأراضي الفلسطينية. وقد رفضت الدائرة التمهيدية الطعون الإسرائيلية في اختصاص المحكمة، مؤكدة أن قبول إسرائيل باختصاص المحكمة غير مطلوب، إذ يمكن للمحكمة ممارسة اختصاصها على أساس الاختصاص الإقليمي لفلسطين بصفتها عضواً رسمياً في المحكمة من عام 2015.

غير أن المحكمة الجنائية الدولية تختلف جوهرياً عن المحاكم الوطنية,فهي لا تملك قوة شرطة خاصة بها لتنفيذ مذكرات الاعتقال التي تصدرها؛ ولكنها تعتمد بالكامل على تعاون الدول الأعضاء في المحكمة لاعتقال المطلوبين وتسليمهم إليها وفق الباب التاسع من النظام الأساسي للمحكمة. ولكن هذا العجز الهيكلي في عدم توفر قوة خاصة بها تنفذ مذكرات الاعتقال؛ هو جوهر المشكلة التي تواجهها المحكمة منذ نشأتها عام 1998.

ثانياً: التزامات الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.

الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ؛ البالغ عددها 124 دولة ؛هي التي وقعت على نظام روما الأساسي وصادقت عليه، وبالتالي أصبحت ملزمة بأحكامه؛ وتحديدا المادة 86 من النظام الأساسي بنص" تلزم الدول الأطراف بالتعاون الكامل مع المحكمة في تحقيقها وملاحقتها للمتهمين "؛ بارتكاب جرائم خطيرة تمس بحالة السلم والأمن الدوليين المنصوص عليها في المادة 5 من نظام روما. وهذا يعني أنه إذا وضع أي شخص صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة (قدمه على أراضي دولة عضو)، فإن على تلك الدولة واجب قانوني باعتقاله وتسليمه إلى المحكمة بقوة القانون وتنفيذاً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.

الالتزام بالتعاون يشمل الأراضي البرية والمياه الإقليمية، ولكن هناك تساؤلات حول ما إذا كان يشمل عبور المجال الجوي؛ حيث في يوليو 2026، عبرت طائرة المتهم/ نتنياهو ؛المجال الجوي لليونان وإيطاليا وفرنسا ؛وكلها دول أعضاء في المحكمة؛ حيث كان في طريقه إلى واشنطن. وقد ذكّرت المفوضية الأوروبية بأن جميع الدول ملزمة بالتعاون الكامل مع المحكمة، بما في ذلك التنفيذ الفوري لمذكرات الاعتقال الصادرة عنها. ومع ذلك، لم تقم أي من هذه الدول الأعضاء في المحكمة؛باعتقال نتنياهو، مما يبرز الفجوة بين الالتزام القانوني النظري والتنفيذ العملي له بسبب تضارب المصالح السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

ثالثاً: الولايات المتحدة الأمريكية دولة غير عضو في المحكمة الجنائية الدولية.

الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية ولم تصادق على نظام روما الأساسي. وبالتالي، فهي ليست ملزمة قانونياً بتطبيق مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة؛ ولكن الأهم من ذلك أن القانون الأمريكي نفسه يمنع تنفيذ مذكرات المحكمة على الأراضي الأمريكية.

كما يوجد في الولايات المتحدة قانون يُعرف بـ "قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكيين" (American Service-Members Protection Act) الصادر عام 2002، والذي يحظر صراحة على الولايات المتحدة تسليم أي شخص؛ بغض النظر عن جنسيته إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا القانون، الذي أُطلق عليه أحياناً اسم "قانون غزو لاهاي"، يجعل من المستحيل قانونياً على السلطات الأمريكية تنفيذ أي مذكرة اعتقال تصدرها المحكمة الجنائية الدولية.

كما أن رؤساء الحكومات الحاليين مثل نتنياهو يتمتعون عموماً بالحصانة من الاعتقال والمقاضاة في المحاكم الأمريكية؛ وممثلو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يتمتعون بحصانة قانونية أثناء تنقلهم لحضور اجتماعات الأمم المتحدة. وقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح بأن نتنياهو "لن يُعتقل، بأي شكل من الأشكال، وهو في الولايات المتحدة الأمريكية". وهكذا، فإن موقف العمدة ممداني لم يكن مجرد تراجع سياسي، بل كان اعترافاً بحقيقة قانونية راسخة، (الولايات المتحدة )؛ليست ملزمة بمذكرات المحكمة، وقوانينها تمنع تنفيذها، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يتمتع بالحصانة الدبلوماسية على أراضيها.

رابعاً: الحصانة الدبلوماسية ومبدأ المعاملة بالمثل بين الدول.

القانون الدولي الدبلوماسي يقر بأن رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والوزراء والسفراء والمبعوثين الخاصين يتمتعون بحماية وحصانة دبلوماسية. هذه الحصانة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل بين الدول؛ فالدولة (أ) تحترم حصانة مسؤولي الدولة (ب) مقابل أن تحترم الدولة (ب) حصانة مسؤولي الدولة (أ). هذا المبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي، وهو ما تجسده اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

غير أن المادة 27 من نظام روما الأساسي تنص على أن الصفة الرسمية للشخص " سواء كان رئيس دولة أو رئيس وزراء أو وزيراً أو قائداً عسكرياً"؛ لا تعفيه من المسؤولية الجنائية ولا تشكل سبباً لتخفيف العقوبة. تنص المادة 27 صراحة على أن أحكام المحكمة "تسري بالتساوي على جميع الأشخاص دون أي تمييز على أساس الصفة الرسمية"، وأن "الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد تتعلق بالصفة الرسمية للشخص، لا تعفي هذا الشخص بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية".

هنا يبرز التناقض الأساسي، بينما تنفي المادة 27 أي حصانة لمرتكبي الجرائم الدولية أمام المحكمة، فإن المادة 98 من نفس النظام الأساسي تعترف بضرورة احترام قواعد القانون الدولي المتعلقة بالحصانة الدبلوماسية. تنص المادة 98(1) على أن المحكمة لا يجوز لها أن تمضي قدماً في طلب تسليم أو مساعدة من شأنه أن يلزم الدولة المتلقية للطلب باتخاذ إجراء يتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بحصانة دولة أو حصانة دبلوماسية لشخص تابع لدولة ثالثة، إلا إذا حصلت على موافقة الدولة المرسلة.

خامساً: المادة 98 – الطرف الأول والثاني والثالث.

لفهم آلية المادة 98، لا بد من تصور الأطراف الثلاثة المعنية:

- الطرف الأول: المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب باعتقال المتهم.
-الطرف الثاني: الدولة التي ينتمي إليها المتهم نتنياهو (في هذه الحالة، إسرائيل).
-الطرف الثالث: الدولة التي يزورها المتهم (الدولة المضيفة).

المادة 98 تمنع المحكمة من إجبار الطرف الثالث (الدولة المضيفة) على اعتقال المتهم إذا كان ذلك من شأنه انتهاك قواعد الحصانة الدبلوماسية، إلا إذا وافقت الدولة الطرف الثاني (دولة المتهم) على التنازل عن الحصانة. وهذا يعني أن أي دولة عضو في المحكمة تستضيف نتنياهو ؛ إذا كانت تعتبره متمتعاً بحصانة دبلوماسية بصفته رئيس وزراء دولة غير عضو ؛ لا تستطيع قانونياً اعتقاله دون موافقة إسرائيل.

من المنطقي أن نتساءل، هل يمكن لدولة أن توافق على اعتقال قادتها؛ بالطبع الإجابة هي "لا" في الغالب، إلا إذا كان المتهم فاراً من العدالة أو كانت الدولة ترغب في التخلص منه لأسباب سياسية؛ وإسرائيل، بطبيعة الحال، لن توافق أبداً على اعتقال رئيس وزرائها. وهكذا، تصبح المادة 98 عقبة قانونية إضافية أمام تنفيذ مذكرات الاعتقال بحق القادة الحاليين للدول غير الأعضاء في المحكمة.

سادساً: إشكالية الحصانة في مواجهة الجرائم الدولية.

هنا تكمن المعضلة القانونية الأعمق التي شغلت الفقه القانوني الدولي لسنوات،( هل توجد حصانة لرؤساء الدول أمام المحاكم الجنائية الدولية عندما يكونون متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو إبادة جماعية).

هناك العديد من النماذج تخص المحكمة الجنائية الدولية، مثال في قضية عمر البشير، قدّمت إجابة واضحة. في حكمها الصادر في 6 مايو 2019 بشأن عدم تعاون الأردن، أكدت دائرة الاستئناف أن المادة 27(2) من نظام روما الأساسي، التي تنص على أن الحصانات لا تشكل عائقاً أمام ممارسة الاختصاص القضائي، تعكس وضع القانون الدولي العرفي. وخلصت المحكمة إلى أنه "لا توجد حصانة لرئيس دولة بموجب القانون الدولي العرفي تجاه محكمة دولية". وهذا يعني أنه من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن لرئيس دولة أو رئيس وزراء أن يحتج بحصانته للتهرب من الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا كانت الجرائم المنسوبة إليه تدخل في اختصاصها.

غير أن هذا المبدأ القانوني النظري يصطدم بواقع أن المادة 98 تعطي الدول الأعضاء الحق في احترام قواعد القانون الدولي والقانون الدبلوماسي، وعدم اعتقال أي شخص صدرت بحقه مذكرة اعتقال إلا إذا وافقت دولته على ذلك. وهكذا، تجد الدول الأعضاء نفسها أمام تعارض بين التزامها بالمادة 27 (عدم الاعتراف بالحصانة) والتزامها بالمادة 98 (احترام الحصانة). وهذا التعارض هو ما يستغله القادة المطلوبون للمحكمة لمواصلة سفرهم دون خوف من الاعتقال الفعلي؛ اضافة للاتفاقيات الثنائية وتبادل المصالح السياسية والاقتصادية.

سابعاً: النماذج الواقعية – قضية عمر البشير

أفضل مثال على هذا الواقع المعقد هو قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير. أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق البشير في عامي 2009 و2010 بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في إقليم دارفور.

في يونيو 2015، سافر البشير إلى جنوب أفريقيا لحضور قمة الاتحاد الأفريقي. جنوب أفريقيا دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، وكان من المفترض أن تكون ملزمة باعتقاله. أصدرت محكمة محلية في بريتوريا أمراً باعتقال البشير، لكن السلطات الجنوب أفريقية سمحت له بمغادرة البلاد قبل تنفيذ الأمر. بررت جنوب أفريقيا موقفها بأن نظام روما الأساسي لا يلزم السلطات باعتقال رؤساء دول من دول غير أعضاء في المحكمة، مثل السودان. كما أشارت إلى أن اعتقال البشير في قمة الاتحاد الأفريقي كان سيعرقل دورها كوسيط في النزاعات الإقليمية داخل القارة الأفريقية.

الأمر الأكثر دلالة هو قضية الأردن. في 29 مارس 2017، زار البشير الأردن لحضور قمة جامعة الدول العربية. الأردن دولة عضو في المحكمة منذ عام 2002، ومع ذلك لم تقم باعتقاله. أحالت المحكمة قضية عدم تعاون الأردن إلى جمعية الدول الأطراف ومجلس الأمن الدولي. وفي 6 مايو 2019، أكدت دائرة الاستئناف أن الأردن فشل في الوفاء بالتزاماته، لكنها قررت بالأغلبية عدم إحالة الأمر إلى جمعية الدول الأطراف ومجلس الأمن. وقد زار البشير أيضاً دولاً أفريقية أخرى دون أن يتم اعتقاله.

هاتان الحالتان ترسخان واقعاً مؤسفاً، حتى الدول الأعضاء في المحكمة، عندما يتعلق الأمر برؤساء دول وحكومات حاليين، تفضل التغاضي عن التزاماتها القانونية خشية العواقب الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية. وهو ما ينطبق تماماً على حالة نتنياهو، بل إنها أكثر تعقيداً نظراً للعلاقات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بالعديد من الدول الغربية.

ثامناً: المصالح الوطنية مقابل الالتزامات الدولية.

في عالم السياسة الدولية، نادراً ما تكون الاعتبارات القانونية هي العامل الوحيد أو حتى الأهم في اتخاذ القرارات. الدول تبحث عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وهذا ما يفسر لماذا تتردد الدول الأعضاء في المحكمة في اعتقال شخصيات بارزة من دول لها وزن سياسي واقتصادي.

فرنسا، على سبيل المثال، رغم كونها دولة عضو في المحكمة، أثارت جدلاً عندما زعمت أن نتنياهو يتمتع بالحصانة من مذكرة الاعتقال لأن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة. هذا الموقف الفرنسي قوبل بانتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والخبراء القانونيين الذين أكدوا أن المادة 27 من نظام روما الأساسي تلغي أي حصانة في هذا السياق.

كذلك دولة المجر، التي كانت دولة عضواً في المحكمة، انسحبت منها في الوقت المناسب لتستقبل نتنياهو دون أن تكون ملزمة بتنفيذ مذكرة الاعتقال. هذا المثال يظهر كيف يمكن للدول أن تتخذ إجراءات وقائية لتجنب التعارض بين التزاماتها الدولية ومصالحها السياسية والاقتصادية.

أما الولايات المتحدة، فموقفها أوضح، ليست عضواً في المحكمة، ولا تعترف بولايتها، ولديها قوانين تمنع تنفيذ مذكراتها؛ كذلك الصين وروسيا والهند أيضاً ليست أعضاء في المحكمة؛ وهذا يعني أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في دول غير ملزمة بمذكرات المحكمة.

-اقتراحات:

1. تعزيز آليات تنفيذ مذكرات الاعتقال، ينبغي للمجتمع الدولي، وتحديداً جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، العمل على تطوير آليات فعالة لتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة. يمكن ذلك عبر إنشاء وحدة شرطة دولية تابعة للمحكمة، أو عبر تعزيز دور مجلس الأمن في إلزام الدول بتنفيذ المذكرات.

2. معالجة التناقض بين المادتين 27 و98 ،على الدول الأطراف في المحكمة العمل على توضيح العلاقة بين المادتين 27 و98 من نظام روما الأساسي، ووضع تفسير موحد يمنع استغلال المادة 98 كغطاء قانوني لعدم تنفيذ مذكرات الاعتقال بحق كبار المسؤولين.

3. الضغط الدبلوماسي على الدول غير الممتثلة، على منظمات المجتمع المدني والدول الداعمة للعدالة الجنائية الدولية ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية على الدول الأعضاء التي تتهرب من التزاماتها بتطبيق مذكرات الاعتقال، أسوة بما حدث مع جنوب أفريقيا والأردن في قضية البشير.

4. تعزيز الدور الرقابي لمجلس الأمن، ينبغي لمجلس الأمن الدولي أن يضطلع بدور أكثر فعالية في إلزام الدول بتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة، خاصة في الحالات التي أحالتها المحكمة إليه، وذلك اتساقاً مع الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

5. توسيع قاعدة الدول الأعضاء، على المحكمة والدول الداعمة لها العمل على توسيع قاعدة الدول الأعضاء من خلال حملات توعية قانونية وسياسية، لإقناع الدول غير الأعضاء ـ وخاصة الكبرى منها ـ بالانضمام إلى نظام روما الأساسي، مما يعزز الشرعية والفعالية للمحكمة.

ختاماً، إن مذكرة اعتقال نتنياهو التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية تمثل علامة فارقة في تاريخ العدالة الجنائية الدولية، فهي المرة الأولى التي تصدر فيها المحكمة مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء لدولة غربية حليفة للولايات المتحدة. لكن القيمة الرمزية لهذه المذكرة تتعارض مع واقع أن تنفيذها يظل رهناً بإرادة سياسية لا تبدو متوفرة في المشهد الدولي الراهن.

العمدة ممداني لم يتراجع عن موقفه الأخلاقي، بل اعترف بحقيقة قانونية ان الولايات المتحدة ليست ملزمة بمذكرات المحكمة، والقانون الأمريكي يمنع تنفيذها، ورؤساء الحكومات الأجانب يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية. ولكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه القضية هو (هل يمكن للعدالة الجنائية الدولية أن تظل مجرد أداة لمحاكمة الضعفاء، بينما يفلت الأقوياء من العقاب؛ وهل ستبقى المحكمة الجنائية الدولية رهينة التناقض بين مادتيها 27 و98، أم سيجد المجتمع الدولي سبيلاً لتجاوز هذا التناقض).

ما قاله المدعي العام المساعد للمحكمة جيمس ستيوارت في قضية البشير يظل صحيحاً حتى اليوم، "بدون وفاء الدول الأطراف بهذا الالتزام، يستحيل على المحكمة ممارسة أهم وظائفها وسلطاتها". مستقبل العدالة الجنائية الدولية يتوقف على مدى استعداد الدول الأعضاء لتحويل التزاماتها القانونية إلى أفعال على أرض الواقع، والتضحية ببعض مصالحها السياسية والاقتصادية من أجل مبدأ أن لا أحد فوق القانون واولهم المتهم/نتنياهو مجرم الحرب وقاتل الأطفال في غزة.

-المراجع:

· نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المواد 5، 27، 86، 98.
· المحكمة الجنائية الدولية، "Situation in the State of Palestine: ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant"، بيان صحفي، 21 نوفمبر 2024.
· المحكمة الجنائية الدولية، "Al-Bashir Case: ICC Appeals Chamber confirms Jordan’s non-cooperation"، بيان صحفي، 6 مايو 2019.
‏· Reuters, "Explainer: Why New York s Mamdani cannot have Israel s Netanyahu arrested", 22 July 2026.
‏· BBC News, "Mamdani backs off pledge to arrest Netanyahu citing lack of authority", 22 July 2026.
‏· Associated Press, "South Africa says it was not obliged to arrest al-Bashir", 7 April 2017.
‏· Newsweek, "Sudan s President Evades Arrest in South Africa, Highlighting ICC s Weaknesses", 15 June 2015.
‏· Dhumilla, D.S.R. & Ricardo, J., "Assessing The Jurisdictional Legitimacy of International Criminal Court (ICC) in Arresting Head of State from Non-Party States to The Rome Statute (Case Study: The Problematics of Arresting Benjamin Netanyahu)", Law Development Journal, 2026.
‏· Middle East Eye, "Full list of 124 countries that must arrest Netanyahu for the ICC", 21 November 2024.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة -جيش الاحتلال يعيد رسم الحد ...
- اسرائيل المستفيد الاول من الحرب ضد ايران وقصف القواعد الأمري ...
- الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأداء المهني للصحفيين في العال ...
- الطعن بالإلغاء في قرار الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية ا ...
- تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإ ...
- عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي
- مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر ...
- رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
- كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ ...
- كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
- تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات الجنائية في نظام روما الأسا ...
- شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
- تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ ...
- مصر بين مطرقة التوسع الإسرائيلي وسندان الأمن القومي- هل تكون ...
- القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضم ...
- حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد ...
- ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي ...
- -هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية ...
- من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة ...
- التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه


المزيد.....




- بعد شن السعودية وأمريكا ضربات في العراق.. ريناد منصور لـCNN: ...
- من وحدة سرّية إلى قفص الاتهام.. جندي احتياط إسرائيلي متهم با ...
- الحوثيون ينسخون نموذج إيران في هرمز بخطة رسوم عبور البحر الأ ...
- بعد رومانيا وهولندا.. ألمانيا تستأنف الرحلات الجوية المباشرة ...
- مقتل 6 مستشارين إيرانيين في هجوم أمريكي سعودي على العراق
- كيف تفاعل ممثلو المسلمين في ألمانيا مع الهجوم على مسيرة المث ...
- -رويترز-: هجوم بمسيرة على الأقل يستهدف منشأة تخزين غاز طبيعي ...
- عون وبري يبحثان اتفاق الإطار مع إسرائيل
- الجيش الإسرائيلي يلقي القبض على 3 عناصر من -رواد الباشان- في ...
- تركيا تبني لأول مرة جدارا فولاذيا عازلا عند حدودها مع دولة م ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية وتصريح زهران ممداني