عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
لم تكن مهنة الصحافة يوماً بمنأى عن التحولات التكنولوجية، فقد شهدت على مدار العقود الماضية موجات متلاحقة من التغيير بدأت بالمطبعة ثم الحاسوب ثم الإنترنت، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أن ما يحدث الآن مختلف جذرياً، إذ لم تعد التقنية مجرد أداة مساعدة تسرّع إنجاز المهام، بل أصبحت كياناً شبيهاً بالذكاء البشري قادراً على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وترجمة المحتوى، بل وتوليد أفكار كاملة تصلح للنشر. وفي خضم هذا التحول المتسارع، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها أمام مفترق طرق، "إما اغتنام إمكانيات الذكاء الاصطناعي الهائلة، أو التخلف عن ركب التطور الذي يعيد تشكيل المشهد الإعلامي برمته". ومع أن الأرقام تشير إلى أن 97% من الناشرين يستثمرون اليوم في الذكاء الاصطناعي، فإن المفارقة تكمن في أن 1% فقط منهم نجحوا في دمجه على نطاق مؤسسي شامل، مما يعكس فجوة واسعة بين التجريب والتحول الحقيقي، وبين الوعد التقني والأثر المهني الفعلي على أداء الصحفيين.
-سؤال إشكالي:
كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي، بمختلف تطبيقاته وأدواته، على الأداء المهني للصحفيين في العالم من حيث الإنتاجية وجودة المحتوى والاستقلالية التحريرية والهوية المهنية؛ وهل يمكن للصحافة أن تحافظ على جوهرها الإنساني المتمثل في التحقق والمساءلة والرصد الميداني، في عصر تغمر فيه النصوص الآلية الفضاء الإعلامي وتتفوق كمياً على ما ينتجه البشر؛ وما السبيل إلى تحقيق توازن بين كفاءة الآلة وروح المهنة، بحيث لا يُفقد الصحفيون دورهم المحوري في صناعة الأخبار، بل يُعاد تعريفه وتطويره.
أولاً: تحول جذري في طبيعة المهام الصحفية
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً نوعياً في طبيعة المهام التي يقوم بها الصحفيون يومياً، إذ لم تعد التقنية مقتصرة على أتمتة المهام الروتينية، بل أصبحت قادرة على القيام بوظائف كانت تتطلب جهداً بشرياً كبيراً واستهلاكاً للوقت. فوفقاً لموقع "جورناليزم" المتخصص بمواكبة تطورات مهنة الصحافة، يمكن للصحفيين اليوم الاستعانة بنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تلخيص النصوص الطويلة، وتوليد أسئلة المقابلات وزوايا البحث، وصياغة العناوين الرئيسية المتنوعة، وترجمة المحتوى إلى لغات متعددة، وتحسين إمكانية الاكتشاف عبر محركات البحث.
هذه القدرات لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة، وهي تعيد تعريف ما يعنيه أن تكون صحفياً في القرن الحادي والعشرين؛ فبدلاً من قضاء ساعات في قراءة وثائق ضخمة واستخلاص جوهرها، يمكن للصحفي اليوم أن يكلف النموذج الذكي بهذه المهمة في دقائق، متفرغاً بذلك لمهام أكثر تعقيداً تتطلب حكماً إنسانياً.
غير أن هذه المزايا لا تخلو من محاذير، إذ تحذر التقارير من أن النماذج اللغوية يمكن أن تنتج معلومات معقولة لكنها غير دقيقة أو متحيزة، مما يفرض على الصحفي التحقق الدائم من النتائج. وهكذا، فإن الأداء المهني للصحفي لم يعد يُقاس بقدرته على إنجاز المهام بسرعة فحسب، بل بقدرته على توظيف الذكاء الاصطناعي بفعالية مع الحفاظ على عين ناقدة ومسؤولية تحريرية كاملة.
ثانياً: تعزيز الإنتاجية وتسريع وتيرة العمل.
تشير الدراسات الميدانية إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث قفزة نوعية في إنتاجية غرف الأخبار حول العالم، حيث أظهر تقرير صادر عن Arc XP وDigiday شمل 108 ناشر وبثّاع أن 86% منهم سجلوا انخفاضاً في وقت العمل، و85% شهدوا تسارعاً في عملية الإنتاج. هذا التسارع لم يعد مجرد رفاهية، بل أصبح ضرورة تنافسية في سوق إعلامي يتسم بسرعة متزايدة وتدفق هائل للمعلومات. وتؤكد أبحاث WAN-IFRA أن 75% من الناشرين يبلغون اليوم عن مكاسب في الكفاءة بفضل الذكاء الاصطناعي، و64% يرون تحسناً في إنتاج المحتوى، و55% يسجلون أوقات نشر أسرع.
يتجلى هذا التحسن بوضوح في تجارب المؤسسات الكبرى؛ فصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، على سبيل المثال، وظفت الذكاء الاصطناعي في إنتاج الملخصات والترجمات والتفاعل مع القراء، مما أدى إلى زيادة التعليقات بنسبة 3.5%. غير أن الصحيفة واجهت تحدياً مهماً عندما شعر بعض المشتركين أن وجود ملاحظة بإخلاء المسؤولية عن المحتوى المعدّ بالذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة الصحافة، مما دفعهم إلى إلغاء اشتراكاتهم.
هذه الحالة تعكس مفارقة أساسية،"فبينما يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، فإنه يطرح تساؤلات حول الجودة والثقة"، ويذكرنا بأن السرعة وحدها ليست كافية لبناء علاقة مستدامة مع الجمهور. وهكذا، فإن الأداء المهني للصحفي لم يعد مرتبطاً فقط بكمية الإنتاج، بل بجودة العلاقة مع المتلقي وقيمة المحتوى المقدم.
ثالثاً: تحليل البيانات والصحافة الاستقصائية.
ربما يكون المجال الأكثر إثارة لتأثير الذكاء الاصطناعي على (الأداء المهني للصحفيين)؛بشكل عام؛ هو الصحافة الاستقصائية وتحليل البيانات، حيث تتحول التقنية من أداة مساعدة إلى شريك فعلي في كشف الفساد والكشف عن القضايا الخفية. فبحسب سوتيريس سايديريس، محرر البيانات في مركز الصحافة الاستقصائية التعاونية ومنظمة "ري بورترز يونايتد" في اليونان، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والبياناتي تتيح للصحفيين تحليل كميات هائلة من البيانات الحكومية والتجارية في وقت قياسي، وتحديد أنماط مهمة قد تشير إلى تحسينات محتملة أو تكشف عن أنشطة مشبوهة أو غير قانونية.
يضرب سايديريس مثالاً عملياً على ذلك،( كيف ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي فريقه وفريق زملائه على كشف أسطول من السفن اليونانية كانت تنقل النفط الروسي إلى أوروبا سراً في انتهاك للعقوبات)؛ وكيف تمكنوا من إظهار كيف أدى انتشار منصة Airbnb إلى ارتفاع الإيجارات وأسعار بيع المنازل في أثينا، مما تسبب في نزوح واسع للسكان.
هذه النماذج الواقعية تثبت أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة اختصار، بل قوة تمكين حقيقية تتيح للصحفيين إنتاج قصص عالية التأثير كانت تستغرق في السابق أشهراً من العمل اليدوي المضني. غير أن سايديريس يحذر من أن هذه الأدوات تعمل أيضاً كمرآة تعكس تحيزاتنا وقوالبنا النمطية، مما قد يضلل الصحفيين ويقودهم إلى استنتاجات خاطئة؛ ولذلك، يؤكد على أن الصحفيين بحاجة إلى تعلم كيفية استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، وفهم قوتها وقيودها، مع الاستمرار في أداء العمل التقليدي الصعب المتمثل في توثيق المعلومات والتحقق منها.
رابعاً: التحديات الأخلاقية والمهنية.
مع كل هذه الفرص، تبرز تحديات أخلاقية ومهنية جسيمة تهدد جوهر العمل الصحفي؛فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث، صنف الأميركيون الصحفيين ضمن المهن الثلاث الأكثر تعرضاً للخطر من الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الصرافين وعمال المصانع. هذا القلق ليس مبالغاً فيه، إذ تتزايد المخاوف من أن تصبح بعض الأدوار الصحفية زائدة عن الحاجة مع قدرة الأنظمة الذكية على معالجة مجموعات بيانات ضخمة وإنتاج محتوى جاهز.
من أبرز التحديات المطروحة،( مسألة الشفافية)، إذ ينبغي على المؤسسات الإعلامية أن تكون صريحة مع جمهورها بشأن استخدامها للذكاء الاصطناعي، كما تؤكد سوتيريس سايديريس؛ "عندما نطلب من شخص ما أن يكون شفافاً، لا يمكننا أن نطلب ذلك دون أن نكون نحن شفافين منذ البداية بشأن كيفية استخدامنا للأدوات، وعمن يمول عملنا، وأي قرار تحريري نتخذه على طول الطريق".
هناك تحدٍ آخر يتمثل في الاستقلالية التحريرية، إذ يثير الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول مدى تأثيره على القرارات التحريرية. فإذا كانت الخوارزميات هي من تقترح المواضيع وتحدد زوايا التغطية وتقترح العناوين، فأين يبقى دور الصحفي كصانع قرار مستقل؛ وتشير الأبحاث إلى أن التدريب على الذكاء الاصطناعي له تأثير إيجابي على الصحفيين، في حين أن غياب التدريب يعمق الرفض ويولد شعوراً بعدم الارتياح. وهذا يؤكد أن التحدي لا يكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في كيفية إدارة انتقال المؤسسات الإعلامية نحو بيئة عمل جديدة، وفي مدى استعدادها للاستثمار في تطوير كوادرها البشرية لمواكبة هذا التحول الرقمي.
خامساً: إعادة تعريف الهوية المهنية للصحفي.
في خضم هذا التحول العميق، يجد الصحفيون أنفسهم مضطرين إلى إعادة تعريف هويتهم المهنية ودورهم في منظومة إنتاج الأخبار؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة خارجية، بل أصبح عنصراً فاعلاً في غرفة الأخبار، مما يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم "الصحفي" نفسه. وكما توثق دراسة Blanchett وMisri (2025) في "دليل الذكاء الاصطناعي والصحافة"، فإن تنفيذ الذكاء الاصطناعي يشكل كيفية إدراك الصحفيين لأدوارهم والتحديات التي تواجههم عند أداء هذه الأدوار والتفاعل مع الكيانات غير البشرية. فالصحفي اليوم لم يعد كاتباً فقط، بل أصبح مشرفاً على أنظمة ذكية، ومدققاً لمخرجات آلية، ومحللاً للبيانات، وصانعاً للسياق الإنساني الذي لا تستطيع الآلات إنتاجه.
كذلك تؤكد ديفي ألبا، محررة الشؤون التقنية في بلومبيرغ، أن المحتوى المكتوب بواسطة الذكاء الاصطناعي سيغمر الإنترنت وسيتفوق على ما ينتجه البشر كمياً في عام 2026، لكن قوة الصحافة ستبقى في ما لا يمكن للآلة فعله؛ (العمل الميداني، والتحقق، ووضع السياق الصحيح، والمساءلة). وتضيف أن هذه الجوانب ستصبح أثمن كلما زاد صخب المحتوى الآلي.
كما يشير تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 إلى أن المؤسسات الإعلامية تستجيب لهذا التحول من خلال التركيز على ما تجد الآلات صعوبة في تقليده، متجهة نحو صحافة قائمة على الأصالة والعمق والسلطة، ومبتعدة عن المحتوى العام والخدمي. وهذا يعني أن الهوية المهنية للصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون مهددة بالزوال، بل سترتقي نحو أدوار أكثر تعقيداً وقيمة، شريطة أن يتقن الصحفي التعامل مع الأدوات الجديدة ويحافظ على جوهر المهنة الإنساني.
سادساً: الفجوة بين التجريب والتحول المؤسسي.
رغم الحماسة الكبيرة التي يبديها الناشرون تجاه الذكاء الاصطناعي، تبقى هناك فجوة واسعة بين التجريب والتحول المؤسسي الشامل. فبينما يستثمر 97% من الناشرين في الذكاء الاصطناعي، ويركز 88% منهم على تحسين جودة المحتوى وليس فقط الكفاءة، لا يزال 1% فقط من المؤسسات الإعلامية قد نجحت في دمج التقنية على نطاق واسع.
هذه الفجوة تعكس تحديات تنظيمية وثقافية عميقة، إذ يشير تقرير Arc XP-Digiday إلى أن معظم المؤسسات عالقة في المرحلة الأولى، تجرب أتمتة سير العمل بينما تعيد الجهات الرائدة والمبدعون المستقلون تخيل ما يعنيه التحرير في عالم قائم على الذكاء الاصطناعي.
كذلك تكشف الدراسة نفسها أن 93% من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يتم ضمن الفرق التحريرية ومحتوى الفرق، بينما 23% فقط منهم لديهم إشراف تنفيذي مركزي على مبادرات الذكاء الاصطناعي. هذا التشتت في الإدارة يعني أن العديد من المؤسسات تفتقر إلى استراتيجية واضحة ومتماسكة، مما يحد من قدرتها على تحقيق تحول حقيقي. ويخلص التقرير إلى أن التهديد الحقيقي لغرفة الأخبار ليس الأتمتة، بل "الزوال"، أي فقدان الأهمية والقدرة على المنافسة في سوق يتسارع فيه التطور التقني. ولذلك، فإن الأداء المهني للصحفيين في المستقبل لن يعتمد فقط على مهاراتهم الفردية، بل على قدرة مؤسساتهم على بناء نظم متكاملة تجمع بين التحرير والهندسة والمنتج حول هدف مشترك،" تقديم قيمة مستدامة للجمهور".
-اقتراحات:
1. الاستثمار في التدريب المستمر للصحفيين على أدوات الذكاء الاصطناعي. لا يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تجني ثمار الذكاء الاصطناعي دون تجهيز كوادرها البشرية بالمهارات اللازمة، إذ تشير الدراسات إلى أن التدريب له تأثير إيجابي على الصحفيين ويخفف من مشاعر الرفض وعدم الارتياح. وينبغي أن يشمل التدريب ليس فقط الجوانب التقنية، بل أيضاً الجوانب الأخلاقية والنقدية، لتمكين الصحفيين من استخدام الأدوات بفعالية مع الحفاظ على حسهم المهني ومسؤوليتهم التحريرية.
2. تطوير أطر أخلاقية واضحة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار. حثت دراسات عدة على تعزيز آليات مراجعة المحتوى الآلي بواسطة الصحفيين، وتطوير أطر أخلاقية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار. وينبغي أن تتضمن هذه الأطر مبادئ الشفافية والإفصاح عن المحتوى المنتج آلياً، وضمان جودة المعلومات ودقتها، والحفاظ على الاستقلالية التحريرية للصحفيين، وحماية خصوصية المصادر والجمهور.
3. اعتماد نهج "الإنسان في قلب الحلقة" (Human-in-the-Loop) في جميع مراحل الإنتاج. يشدد الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة داعمة وليس بديلاً عن الحكم التحريري البشري. فالصحفيون هم من يمتلكون الغريزة الصحفية والرسالة والارتباط بالجمهور والحكم التحريري، وهي صفات لا تستطيع الآلات محاكاتها. لذلك، ينبغي أن يكون الصحفيون في مقعد القيادة التحريرية، مع استخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت والجهد للتركيز على المهام الأكثر قيمة.
4. تعزيز التعاون بين الفرق التحريرية والهندسية والمنتجية. تشير الأبحاث إلى أن التطبيقات الأكثر فعالية تشمل فرقاً متعددة التخصصات مدمجة في غرفة الأخبار. فالصحفيون وحدهم لا يمتلكون الخبرة التقنية الكافية، والمهندسون وحدهم لا يفهمون الاحتياجات التحريرية، لذا فإن التعاون الوثيق بين هذه التخصصات هو السبيل إلى بناء حلول ذكاء اصطناعي تلبي احتياجات العمل الصحفي الفعلية وتحقق قيمة مستدامة للجمهور والمؤسسة على حد سواء.
5. التركيز على القيمة المضافة التي لا تستطيع الآلات تقديمها. مع تسارع إنتاج المحتوى الآلي، يصبح التمايز عبر القيمة الإنسانية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فعلى المؤسسات الإعلامية أن تستثمر في ما لا تستطيع الآلات تقليده مثل (الصوت الخاص، والسياق العميق، والأصالة، والثقة) ؛وهذا يعني توجيه الموارد نحو الصحافة الاستقصائية، والتقارير الميدانية، والتحليلات المتعمقة، والقصص التي تعكس التجربة الإنسانية، بدلاً من التنافس مع الآلات في سرعة إنتاج المحتوى العام.
6. تبني استراتيجية تدريجية للتحول الرقمي مع رؤية واضحة. بدلاً من التجارب المنعزلة والمبادرات غير المنسقة، تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى استراتيجية شاملة للذكاء الاصطناعي تتضمن رؤية واضحة، وأهدافاً قابلة للقياس، وخطة تنفيذ تدريجية تأخذ في الاعتبار التحديات التنظيمية والثقافية. ومع أن 97% من الناشرين يستثمرون اليوم في الذكاء الاصطناعي، فإن الفجوة بين التجريب والتحول لا تزال واسعة، مما يستدعي قيادة حازمة واستثماراً مستداماً لتحقيق تحول حقيقي وملموس.
في ختام هذا المقال المتواضع للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، يتبين أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية عابرة، بل قوة تحويلية تعيد تشكيل جوهر الأداء المهني للصحفيين في العالم بأسره. فمن جهة، يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتعزيز الإنتاجية، وتحليل البيانات، وكشف الفساد، وتحرير الصحفيين من المهام الروتينية للتركيز على ما يجيدونه حقاً مثل السرد العميق، والتحقق الدقيق، والمساءلة الجريئة.
ومن جهة أخرى، يطرح تحديات جسيمة تتعلق بالأخلاقيات، والشفافية، والاستقلالية، والهوية المهنية، وحتى بقاء بعض الأدوار الصحفية؛ غير أن الرسالة الأوضح التي تخرج من تجارب المؤسسات الرائدة حول العالم هي أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد الصحافة بحد ذاتها، بل يهدد الصحافة التي تقف مكتوفة الأيدي، غير المستعدة للتكيف والتطور. فالمستقبل ليس للآلات وحدها، وليس للبشر وحدهم، بل للصحفيين الذين يتقنون توظيف الآلات لخدمة رسالتهم الإنسانية، والذين يدركون أن جوهر الصحافة لا يزال كما هو، (وعد بأن شخصاً ما ذهب إلى هناك، ورأى بأم عينيه، وتحقق بنفسه، وكتب بقلمه). وفي عصر تغمر فيه النصوص الآلية الفضاء الرقمي، يصبح هذا الوعد الإنساني أثمن من أي وقت مضى، ويصبح الصحفي الذي يحمله ليس مهدداً بالزوال، بل أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
-المراجع:
· الجزيرة نت (2025). "هذه نتائج تجارب 12 وسيلة إعلامية في استخدام الذكاء الاصطناعي".
· الجزيرة نت (2025). "هل يغير الذكاء الاصطناعي بيئة العمل الصحفي؟".
· الجزيرة نت (2025). "15 مهمة يمكن للصحفيين إنجازها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي".
· الجزيرة نت (2025). "الذكاء الاصطناعي يكتب أكثر في 2026 لكن الصحافة البشرية لا تفقد قيمتها".
· DW (2025). "الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي.. فرص ذهبية وتحديات أخلاقية".
· Arc XP & Digiday (2025). "The State of AI in the Newsroom: Framing the Impact of AI Beyond Workflow Automation in 2025".
· WAN-IFRA (2025). "Publishers perspective on the AI value equation".
· Blanchett, N. & Misri, A. (2025). "Rethinking Journalistic Role Conceptions and Role Performance as Artificial Intelligence Integrates Into Newsrooms". In The Handbook of Artificial Intelligence and Journalism. Wiley.
· Fletcher, R. et al. (2025). "AI adoption by UK journalists and their newsrooms: surveying applications, approaches, and attitudes". Reuters Institute for the Study of Journalism, University of Oxford.
· Harvard Gazette (2025). "AI presents challenges to journalism — but also opportunities".
· Nieman Lab (2026). "Journalism in the face of the AI-generated wave".
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟