عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 19:43
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
مقدمة
في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية قراراً تاريخياً أصابت به أركان النظام السياسي والعسكري الإسرائيلي في الصميم، حين وافقت على طلب المدعي العام كريم خان وأصدرت مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي/ بنيامين نتنياهو ؛ووزير جيشه السابق/ يوآف غالانت. لم تكن (مذكرات الاعتقال) مجرد إجراءات قضائية عابرة، بل مثلت لحظة فارقة في مسيرة العدالة الدولية، إذ اتهمت المحكمة "هؤلاء الشخصين" بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة؛ حيث استمرت الإبادة لمدة عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025، شملت القتل والاضطهاد واستخدام التجويع كسلاح حرب كجزء من هجوم اسرائيلي واسع؛ ومنهجي ضد المدنيين الفلسطينيين الابرياء. غير أن ما جعل هذه القضية أكثر تعقيداً وإثارة للجدل هو المسار القانوني الذي سلكته دولة الاحتلال الإسرائيلي فوراً، متحدية اختصاص المحكمة وساعية بكل السبل القانونية والدبلوماسية إلى إلغاء القرار أو تعليق تنفيذه، في مشهد كشف عن أبعاد قانونية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي وسلطة المحكمة الجنائية الدولية.
-سؤال إشكالي:
كيف يمكن للدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي، كإسرائيل، أن تطعن في قرارات المحكمة الجنائية الدولية وتطلب إلغاءها؛ وما هي الأسس القانونية والإجرائية التي يستند إليها الطعن بالإلغاء؛ ومتى يحق للدولة أو المتهم تقديم مثل هذا الطعن، وما هي المراحل الزمنية التي تمر بها هذه الدعوى القضائية المعقدة؛ وهل يمكن لمذكرات الاعتقال أن تظل سارية المفعول رغم الطعن فيها؛ أم أن تقديم الطعن يوقف تنفيذها تلقائياً.
أولاً: الأسس القانونية للطعن في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
ينص نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 ودخل خيط النفاذ عام 2002، تم فيها الاتفاق على آليات متعددة تتيح للأطراف المعنية الطعن في قرارات المحكمة وإجراءاتها؛ وتكمن أهمية هذه الآليات في أنها تضمن التوازن بين (سلطة المحكمة القضائية وحقوق الدول والأفراد في الدفاع عن أنفسهم). وتستند دولة الاحتلال الإسرائيلي في طعنها على ثلاث ركائز أساسية هي:
1- الطعن في الاختصاص القضائي للمحكمة بموجب المادة 19(2) من النظام الأساسي؛
2-الطعن في مقبولية الدعوى استناداً إلى مبدأ التكامل المنصوص عليه في المادة 17؛
3-الطعن في صحة الإجراءات الشكلية التي اتبعتها المحكمة في إصدار مذكرات الاعتقال.
غير أن إشكالية الطعن "لدولة الاحتلال الإسرائيلي"؛ تنبع من كون إسرائيل ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي. فوفقاً للمادة 12 من النظام الأساسي، تمارس المحكمة اختصاصها تجاه الدول الأطراف، أو تجاه الجرائم المرتكبة على أراضي دولة طرف؛ وبما أن المحكمة قبلت انضمام "دولة فلسطين" لعضويتها رسمياً في عام 2015، فإنها تعتبر أن اختصاصها يمتد إلى كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة. ومن هنا، ترى المحكمة أن موافقة إسرائيل على اختصاصها غير مطلوبة، إذ يمكنها ممارسة اختصاصها على أساس الاختصاص الإقليمي لفلسطين. هذا التباين في الرؤية القانونية شكل جوهر النزاع القضائي بين الطرفين، وأدى إلى سلسلة من الطعون المتتالية التي لم تتوقف منذ صدور مذكرات الاعتقال ضد المتهمين/نتنياهو، وغالانت.
ثانياً: مراحل الطعن بالإلغاء – من الطلب الأول إلى قرار الاستئناف.
بدأت دولة الاحتلال الإسرائيلي تحركها القانوني فور علمها بطلبات المدعي العام/كريم خان؛ لإصدار مذكرات الاعتقال في مايو 2024، إذ تقدمت في 26 سبتمبر من العام نفسه بطلبين إلى الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية؛ تضمن الطلب الأول طعناً في اختصاص المحكمة بشكل عام وفي اختصاصها تجاه المواطنين الإسرائيليين بشكل خاص، بينما طلب الثاني إعادة إخطار إسرائيل ببدء التحقيق بموجب المادة 18(1) من النظام الأساسي، مع طلب إيقاف أي إجراءات في القضية بما في ذلك النظر في طلبات مذكرات الاعتقال؛ غير أن الدائرة التمهيدية رفضت هذين الطلبين unanimously في 21 نوفمبر 2024، معتبرة أن طعن إسرائيل في الاختصاص جاء سابقاً لأوانه، لأن الدول غير مخولة بالطعن في الاختصاص بموجب المادة 19(2) قبل إصدار مذكرة الاعتقال.
غير أن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. ففي أبريل 2025، أصدرت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية قراراً لافتاً، إذ قبلت استئناف إسرائيل ضد قرار الدائرة التمهيدية، وأعادت القضية إلى الدائرة التمهيدية للنظر في جوهر الطعن الإسرائيلي في الاختصاص. هذا القرار مثل انتصاراً إجرائياً مهماً لإسرائيل، إذ اعترفت فيه المحكمة بحق إسرائيل في أن تُسمع، رغم كونها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي. ومع ذلك، ظلت مذكرات الاعتقال سارية المفعول طوال هذه الفترة، إذ رفضت دائرة الاستئناف طلب دولة الاحتلال الإسرائيلي تعليق تنفيذها.
ثالثاً: محاولات إسرائيل المتعددة لإلغاء المذكرات – نموذج واقعي للطعن المستمر.
لم تقتصر الجهود الإسرائيلية على طعن واحد، بل تتابعت الطعون والمطالبات بالإلغاء في مشهد كشف عن إصرار إسرائيلي على تقويض شرعية القرار القضائي الدولي. ففي مايو 2025، تقدمت إسرائيل بطلب رسمي إلى المحكمة لسحب مذكرات الاعتقال بحجة أن المحكمة افتقرت إلى الاختصاص عند إصدارها؛ وجاء هذا الطلب عقب قرار دائرة الاستئناف بإعادة النظر في قضية الاختصاص، مما دفع إسرائيل إلى التأكيد على أن المذكرات باطلة قانونياً وتنتهك سيادتها.
وفي يوليو 2025، رفضت المحكمة طلباً إسرائيلياً آخر لإلغاء المذكرات، معتبرة أنه "لا يوجد أساس قانوني" لإلغائها طالما أن قضية الاختصاص لا تزال معلقة. وبعد أسبوع، طلبت إسرائيل الإذن باستئناف هذا القرار، لكن القضاة رفضوا الطلب بحجة أن "المسألة، كما صاغتها إسرائيل، ليست قابلة للاستئناف". ثم في أكتوبر 2025، رفضت المحكمة الاستئناف الإسرائيلي لإلغاء (مذكرات الاعتقال) بشكل قاطع. ولم تتوقف المطالبات عند هذا الحد، ففي 15 ديسمبر 2025، رفضت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية الأصوات طعناً آخر قدمته إسرائيل لوقف تحقيق المحكمة في طريقة إدارتها الحرب على غزة، وأكدت مرة أخرى استمرار التحقيق وسريان مذكرات الاعتقال ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي/نتنياهو؛ووزير جيشه/يواف غالانت.
رابعاً: متى يصدر قرار الاعتقال ومتى يحق الطعن فيه قانونيا.
يشكل توقيت إصدار قرار الاعتقال وتوقيت الطعن فيه محوراً حاسماً في فهم الإجراءات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية. فوفقاً لنظام روما الأساسي، تصدر مذكرة الاعتقال بقرار من (الدائرة التمهيدية)؛ بعد أن يقدم المدعي العام طلباً مسبباً ترى فيه الدائرة أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بارتكاب الجرائم المزعومة المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي. وفي قضية المتهمين الإسرائيلين/نتنياهو ،وغالانت، صدر القرار في 21 نوفمبر 2024. غير أن حق الطعن في الاختصاص أو المقبولية؛ يختلف توقيته باختلاف الجهة الطاعنة؛ فبالنسبة للدول الأطراف في المحكمة كأعضاء رسمين، يحق لهم الطعن في الاختصاص في أي وقت قبل إصدار مذكرة الاعتقال. أما بالنسبة للدول غير الأطراف، مثل دولة الاحتلال الإسرائيلي، فإن المحكمة تعتبر أن طعنها في الاختصاص لا يصبح ممكناً؛ إلا بعد إصدار مذكرة الاعتقال، وهو ما شكل أحد المحاور الأساسية التي ناقشتها المحكمة في قراراتها حول ملاحقة المتهمين الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وابادة في غزة.
وبعد صدور المذكرة، يحق للمتهم أو للدولة المعنية تقديم طعن في الاختصاص أو المقبولية خلال مهلة محددة. وفي حالة رفض الطعن من قبل الدائرة التمهيدية، يحق للطاعن استئناف القرار أمام دائرة الاستئناف خلال 30 يوماً من تاريخ إخطاره بالقرار. غير أن المادة 19-الفقرة(9) من النظام الأساسي تنص على أن "تقديم الطعن لا يؤثر على صحة أي إجراء يقوم به المدعي العام ؛ أو أية أوامر تصدرها المحكمة قبل تقديم الطعن"، مما يعني أن مذكرة الاعتقال تظل سارية المفعول طوال فترة الطعن والاستئناف، وهو ما حدث بالفعل في قضية المتهمين/ نتنياهو ،وغالانت، حيث ظلت مذكرات الاعتقال نافذة رغم كل الطعون المتتالية من دولة الاحتلال الاسرائيلي.
خامساً: مبدأ التكامل كأساس للطعن في مقبولية الدعوى.
يعد مبدأ التكامل (Complementarity) أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها نظام المحكمة الجنائية الدولية، وينص في الديباجة والمادة الاولى من النظام الأساسي على؛ (أن المحكمة ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، بل هي مكملة لها)، فلا تتدخل المحكمة الجنائية الدولية؛إلا عندما تكون الدولة غير راغبة ؛أو غير قادرة فعلياً على التحقيق والمحاكمة. استندت دولة الاحتلال الإسرائيلي في أحد طعونها الرئيسية إلى هذا المبدأ، مطالبة بإلغاء المذكرات على أساس أن نظامها القضائي المستقل والقوي قادر على التحقيق في المزاعم الموجهة ضد مسؤوليها.
وفي 15 ديسمبر 2025، أصدرت دائرة الاستئناف قرارها النهائي بشأن هذا الطعن، بأغلبية ضيقة بلغت 3 قضاة مقابل 2، رفضت فيها الطعن الإسرائيلي وأبقت على مذكرات الاعتقال سارية المفعول. ورأت الأغلبية أن إسرائيل لم تثبت أنها منحت المدعي العام فرصة كافية للتحقيق في الأفعال المنسوبة إليها، وأن الإخطار الذي قدمته في عام 2018 لم يكن دقيقاً بما يكفي. غير أن وزارة الخارجية الإسرائيلية انتقدت القرار بشدة، واعتبرته "دليلاً آخر على التسييس المستمر للمحكمة الجنائية الدولية" و"سياسة متنكرة في زي القانون الدولي وهذه الحجج والسامعة دائما تستخدمها اسرائيل لتلعب دور الضحية وهي من قتلت اكثر من 73 الف فلسطيني في حرب الابادة في قطاع غزة من اكتوبر 2023 إلى اكتوبر2025".
سادساً: العقوبات الأمريكية وتأثيرها على مسار الطعن.
يمثل التدخل الأمريكي السافر في هذه القضية منعطفاً مهماً، إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات غير قانونية على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بسبب إصدارها مذكرات الاعتقال بحق المتهمين/ نتنياهو ،وغالانت. هذه العقوبات، التي وصفها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بأنها "شنيعة", أثارت تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط السياسية والدبلوماسية على سير الإجراءات القضائية. غير أن المحكمة واصلت نظرها في الطعون الإسرائيلية وأصدرت قراراتها باستقلالية، مما يعكس، على الأقل من الناحية الشكلية، استقلالية القضاء الدولي عن الضغوط السياسية.
كما أن العقوبات الأمريكية أظهرت التناقض في الموقف الدولي من المحكمة، حيث توجد دول تدعم بقوة قراراتها، بينما تسعى دول أخرى إلى تقويض شرعيتها عبر وسائل غير قانونية. وهذا الواقع يطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل العدالة الدولية في عالم تتشابك فيه المصالح السياسية مع الاعتبارات القانونية، وحول قدرة المحكمة على فرض قراراتها في غياب آلية تنفيذ قسرية، إذ تعتمد المحكمة على تعاون أعضائها الـ125 لتنفيذ مذكرات الاعتقال، وليس لديها قوة شرطة خاصة بها.
-اقتراحات:
1. تعزيز آليات الطعن القضائي أمام المحكمة الجنائية الدولية. ينبغي للمحكمة أن تعمل على توضيح الإجراءات المتعلقة بالطعن في الاختصاص والمقبولية بشكل أكثر تفصيلاً، خاصة فيما يتعلق بالدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي حتى لا تتذرع بوجود غموض كما فعلت دولة الاحتلال الاسرائيلي حول متى يحق لهذه الدول الطعن، وحول ما إذا كان طعنها سابقاً لأوانه أم لا. ومن شأن وضع مبادئ واضحة ومعلنة أن يقلل من الجدل القانوني وأن يعزز ثقة الدول في نزاهة الإجراءات.
2. إنشاء آلية مستقلة للبت في الطعون المتعلقة بالاختصاص بشكل سريع. إن استمرار حالة التهرب والطعن؛ والتذرع الإسرائيلي لأكثر من عام دون حسم نهائي لمسألة الاختصاص يبرز الحاجة إلى تسريع إجراءات البت في الطعون الأولية. فكلما طال أمد التقاضي، كلما ترسخ الانطباع بأن المحكمة عاجزة عن حسم النزاعات القانونية الأساسية، وهو ما يقوض مصداقيتها؛ ويمكن تحقيق ذلك عبر تخصيص دوائر قضائية متفرغة للنظر في طعون الاختصاص بشكل فوري ومستقل عن باقي إجراءات القضية.
3. تفعيل دور الدول الأطراف في الضغط على الدول غير الممتثلة لقرارات المحكمة. بما أن المحكمة تفتقر إلى آلية تنفيذ قسرية، فإن تعاون الدول الأطراف في المحكمة؛ يبقى الركيزة الأساسية لتفعيل مذكرات الاعتقال.كما ان على الدول الأطراف أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية بإلقاء القبض على المتهمين الصادر بحقهم مذكرات اعتقال إذا وطأت أقدامهم أراضيها. وفي حالة إسرائيل، فإن استمرار المتهمين/ نتنياهو ،وغالانت ،في السفر إلى بعض الدول دون ملاحقة قانونية واعتقالهم؛ يطرح تساؤلات جدية حول جدية الدول في الالتزام بالتزاماتها بموجب نظام روما الأساسي.
4. تطوير استراتيجية قانونية للدول غير الأطراف للتعامل مع إجراءات المحكمة.
الطعن والتذرع الإسرائيلي يقدم نموذجاً مهماً للدول غير الأطراف في كيفية التفاعل مع المحكمة. فبدلاً من رفض التعامل كلياً، اختارت دولة الاحتلال الإسرائيلي المراوغة والضغط والطعن وكسب الوقت؛ عبر خوض المعركة القانونية بالطعن الكاذب في عدم في الاختصاص والمقبولية، مما أتاح لها فرصة المراوغة أمام أعلى الهيئات القضائية في المحكمة؛ وبهذا يمكن لدول أخرى غير طرف أن تستفيد من هذه التجربة والمراوغة في تطوير استراتيجياتها القانونية للتعامل مع المحكمة بحسن النوايا وعدم المراوغة والتلاعب، سواء بقبول الاختصاص بشكل محدود أو بالطعن فيه وفق القنوات المتاحة بشكل قانوني.
5. تعزيز الشفافية في إصدار مذكرات الاعتقال السرية. أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال المتهمين/ نتنياهو، وغالانت ؛كمذكرات "سرية" بهدف حماية الشهود وسير التحقيقات، لكنها قررت في الوقت نفسه الإعلان عن بعض المعلومات لأن السلوك المماثل مستمر ولصالح الضحايا وعائلاتهم. وعليه يمكن للمحكمة أن تطور معايير أوضح لتحديد متى يتم الإعلان عن المذكرات ومتى تبقى سرية، بما يضمن التوازن بين متطلبات التحقيق وحقوق الضحايا في العدالة والمعرفة.
6. إنشاء صندوق دولي لدعم الدول في تنفيذ مذكرات الاعتقال. تواجه العديد من الدول الأعضاء صعوبات مادية ولوجستية في تنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات رفيعة المستوى. ويمكن إنشاء صندوق دولي يقدم الدعم الفني والمالي للدول التي تسعى إلى تنفيذ المذكرات، مما يعزز من فاعلية المحكمة ويقلل من الفجوة بين الأحكام القضائية والتنفيذ الفعلي.
ختاماً، تُعد قضية مذكرتي اعتقال المتهمين/ نتنياهو وغالانت أمام المحكمة الجنائية الدولية نموذجاً حياً على تعقيد العلاقة بين القضاء الدولي والدول ذات السيادة، وعلى التحديات الجسام التي تواجه العدالة الدولية في عالم تتشابك فيه المصالح السياسية مع الاعتبارات القانونية. فمنذ صدور المذكرات في نوفمبر 2024، حاولت دولة الاحتلال الإسرائيلي كسب الوقت عبر المراوغة والتهرب من الاعتراف بارتكاب جرائم حرب في غزة؛ وكذلك طعنت في اختصاص المحكمة، ونازعت في مقبولية الدعوى، واستأنفت القرارات الصادرة ضدها، مستندة إلى حجج قانونية واهية تتعلق بمبدأ التكامل الذي لم تنفذة في قضائها ولم تحاسب احد من قادتها ومنهم نتنياهو وغالانت على جرائم الحرب في غزة،غير أن المحكمة، وعلى الرغم من الضغوط السياسية والعقوبات الأمريكية، ظلت متمسكة بموقفها، رافضة كل الطعون ومؤكدة استمرار سريان المذكرات. هذا المشهد القضائي الطويل كشف عن ثغرات إجرائية تحتاج إلى معالجة، وعن حاجة ماسة إلى تطوير آليات الطعن وتعزيز الشفافية، كما أبرز الدور الحاسم الذي تلعبه الدول الأطراف في تفعيل قرارات المحكمة. واخيراً، تبقى قضية المتهمين بارتكاب جرائم حرب/نتنياهو وغالانت معلقة بين سندان العدالة الدولية ومطرقة السياسة الأمريكية والعقوبات على موظفي المحكمة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام من تطورات قد تعيد رسم ملامح النظام القضائي الدولي برمته بعد اقالة مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية/كريم خان بزعم ارتكاب جرائم جنسية وتحرش مزعوم بأحد الموظفات في نفس المحكمة التي سرعان ما تراجعت في أقوالها عن هذا الاتهام الكاذب التي تقف خلفه اسرائيل وجهاز الموساد الذي هدد بتندمين حياة مدعي عام المحكمة بعد إصداره مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت.
-المراجع:
1. المحكمة الجنائية الدولية، "Situation in the State of Palestine: ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant"، بيان صحفي، 21 نوفمبر 2024.
2. BBC News عربي، "المحكمة الجنائية الدولية: ما مستقبل مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت؟"، 3 نوفمبر 2025.
3. الجزيرة نت، "للمرة الثالثة.. الجنائية الدولية ترفض إلغاء مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت"، 15 ديسمبر 2025.
4. وزارة الخارجية الإسرائيلية، الموقع الرسمي للطعون المقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
5. موقع أشرف، "مجدداً.. الجنائية الدولية ترفض طلب إسرائيل إلغاء اعتقال نتنياهو وجالانت"، 16 يوليو 2025.
6. Times of Israel، "ICC rejects Israeli appeal against arrest warrants for Netanyahu and Gallant"، أكتوبر 2025.
7. Ynet News، "ICC rejects Israel appeal, arrest warrants for Netanyahu, Gallant remain in force"، 15 ديسمبر 2025.
8. Middle East Eye، "ICC rejects Israel s appeal to cancel Netanyahu s arrest warrant"، 18 أكتوبر 2025.
9. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المواد 12، 17، 18، 19.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟