|
|
آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلال وإمكانيات المستقبل
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 14:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
تشكل مسألة حماية الحقوق والحريات في فلسطين واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً على الساحة الدولية، إذ تتقاطع فيها إشكاليات السيادة المفقودة أصلاً مع تحديات بناء المؤسسات الفلسطينية في ظل احتلال اسرائيلي دائم، وتناقضات بين التشريعات النظرية والتطبيق العملي المتعثر. فمنذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عام 1994، جرى إنشاء هيئات حكامة متعددة، بعضها تشريعي وبعضها قضائي وبعضها رقابي مستقل، نظرياً كان هدفها حماية حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية. لكن واقع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسيطر على الحدود والموارد الطبيعية والمساحات الحيوية من الأرض الفلسطينية، يجعل هذه الهيئات تعمل تحت ضغوط استثنائية لا تعرفها أي دولة أخرى في العالم؛ لذلك فإن تحليل أداء هيئات الحكامة في فلسطين لا يمكن أن يكون منفصلاً عن تحليل الاحتلال نفسه، ولا يمكن فهم الإخفاقات والنجاحات دون وضعها في سياقها السياسي والأمني القاسي.
لذلك قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من التوقف عند مفهوم "الحكامة" نفسه الذي سيتردد كثيراً في هذا المقال المتواضع للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، لأنه ليس مفهوماً جامداً أو محايداً، بل هو مفهوم يحمل في طياته معايير ومبادئ محددة.
-الحكامة (Governance) تعني في أبسط تعريفاتها طريقة إدارة السلطة والمؤسسات والموارد في أي مجتمع، وهي تختلف عن مفهوم "الحكومة" لأنها أوسع وأشمل، فهي لا تشمل فقط المؤسسات الرسمية كالبرلمان والقضاء والوزارات، بل تشمل أيضاً آليات الرقابة والمساءلة والشفافية والمشاركة الشعبية وحق الوصول إلى المعلومة.
أيضا في سياق حقوق الإنسان، ترتبط الحكامة الجيدة بخمسة مبادئ أساسية هي،( المساءلة، والشفافية، وسيادة القانون، والمشاركة، والاستجابة لحاجات المواطنين) ؛وحين نتحدث عن فلسطين، فإن غياب أي من هذه المبادئ لا يعود فقط إلى قصور داخلي فلسطيني، بل إلى أن الاحتلال الاسرائيلي يخلق بيئة مستحيلة لتطبيق أي نموذج سليم للحكامة في فلسطين. هذا المقال يحاول القيام بمهمة تحليلية صعبة، تحليل تفتيشي لواقع هيئات الحكامة الفلسطينية وفق هذه المعايير، ومساءلاً إياها عن مدى قدرتها على حماية الحقوق في غياب السيادة الفلسطينية، ثم النظر إلى آفاق المستقبل وما يمكن أن يتحقق إذا توافرت الإرادة السياسية والدعم الدولي الحقيقي إلى دولة فلسطين لتكون مستقلة وانهاء الاحتلال الاسرائيلي فوق أراضيها.
سؤال إشكالي
في ضوء مفهوم الحكامة الذي يعني الشفافية والمساءلة والمشاركة وسيادة القانون، هل يمكن لهيئات الحكامة في فلسطين، رغم كل المعيقات الناجمة عن الاحتلال الاسرائيلي والانقسام الداخلي الفلسطيني بين فتح وحماس، أن تؤدي دوراً فعلياً في حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين؛ أم أنها مجرد واجهات شكلية عاجزة عن مواجهة انتهاكات الاحتلال من جهة، وتعاني من قصور في التشريعات والرقابة الفلسطينية من جهة أخرى، بما يجعل مفهوم الحكامة نفسه مجرد كلمة براقة دون مضمون؛ وبعبارة أعم، كيف يمكن تصور آفاق مستقبلية لهذه الهيئات في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي وتعمق الانقسام السياسي الفلسطيني، وأي من مبادئ الحكامة الخمسة يمكن تطبيقه اليوم وأيها يبقى حلماً صعب التطبيق في ظل وجود الاحتلال الاسرائيلي.
أولا: إشكالية الحكامة في ظل غياب السيادة الكاملة لفلسطين
إذا بدأنا بالحديث عن هيئات الحكامة في فلسطين، فلا بد من الإقرار بأنها تعمل في إطار سياسي وقانوني مشوه بسبب الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عام 1948. فالسلطة الوطنية الفلسطينية، التي أنشئت بموجب اتفاقيات أوسلو عام 1994، هي كيان ذو سيادة محدودة ومنقوصة، لا يسيطر على حدوده الجوية والبحرية والبرية، ولا يتحكم بموارده الطبيعية بالكامل، ولا يملك جيشاً نظامياً أو قدرة على حماية حدوده الخارجية. وفي هذا السياق، فإن مبدأ "سيادة القانون" كأحد مبادئ الحكامة الأساسية يصبح شبه مستحيل التطبيق، لأن هناك قانونين متنافسين هما؛ القانون الفلسطيني والقانون العسكري الإسرائيلي. فالمواطن الفلسطيني في الضفة الغربية داخل المنطقة (ج) مثلاً قد يُحاكم أمام محكمة عسكرية إسرائيلية بتهمة البناء دون ترخيص على أرض يملكها، بينما نفس الفعل لو وقع في المنطقة (أ) لكان خاضعاً للقانون الفلسطيني. هذا الازدواج ينهي أي إمكانية لتطبيق سيادة القانون بشكل عادل ومتساوٍ. كما أن مبدأ "المشاركة" الشعبي في الحكامة يتعطل بسبب الظروف الأمنية، فكثير من المناطق يصعب الوصول إليها بسبب حواجز جيش الاحتلال الاسرائيلي العسكرية في الضفة، مما يحرم المواطنين من حقهم في حضور جلسات المجلس التشريعي، أو المحاكم، أو المشاركة في الاستشارات العامة. ومبدأ "الشفافية" يصطدم بحقيقة أن الكثير من المعلومات المتعلقة بالأراضي والموارد والمياه الفلسطينية هي تحت سيطرة سلطات الاحتلال الاسرائيلي، والمواطن الفلسطيني لا يستطيع الوصول إليها. وأما مبدأ "المساءلة" فإنه يصبح أقرب إلى الخيال، لأن من يرتكب الانتهاكات الأكبر هو الاحتلال نفسه الذي لا تخضع قراراته لأي مساءلة فلسطينية. وعليه، فإن الحديث عن حكامة جيدة في فلسطين لا بد أن يكون واقعياً ويعترف بأن الاحتلال هو العائق الهيكلي الأول أمام تحقيق أي من هذه المبادئ رغم أن السلطة الفلسطينية تتحمل أيضا جزءا كبيراً من هذه المسؤولية ولا يمكن تبرئتها بزعم وجود الاحتلال.
ثانيا: واقع المجلس التشريعي والقضاء بين الانقسام والتعطيل.
يمثل المجلس التشريعي الفلسطيني، المنتخب آخر مرة عام 2006، الهيئة التشريعية الرسمية التي من المفترض أن تسن القوانين لحماية الحقوق والحريات، وتمارس الرقابة على أداء السلطة التنفيذية ( الحكومة الفلسطينية) ؛ومن منظور الحكامة، فإن المجلس التشريعي هو الأداة الأساسية لتحقيق مبدأي "المشاركة" و"المساءلة". لكن الحقيقة أن هذا المجلس تعطل عن العمل لأكثر من عقد ونصف بسبب الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس منذ عام 2007، حيث اجتمع المجلس مرات قليلة ومتقطعة، وانتهت معظم محاولات المصالحة إلى طريق مسدود. والنتيجة أن قوانين كثيرة باتت قديمة وغير قادرة على مواكبة التطورات التشريعية الحديثة، وأن حقوق المواطنين في التشريع الجديد أصبحت رهينة الخلاف السياسي.
الأسوأ من ذلك، أن غياب المجلس التشريعي يعني غياب الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية أي الحكومة الفلسطينية، مما يخلق بيئة خصبة للفساد والهدر واتخاذ القرارات المنفردة دون تشاور مع ممثلي الشعب. أما بالنسبة للقضاء الفلسطيني، فهو يمثل ركن "سيادة القانون" في الحكامة، لكنه يعاني من أزمات بنيوية متعددة، أبرزها عدم استقلاله الكامل عن السلطة التنفيذية في الضفة الغربية، وتدخل الحكومة الفلسطينية في شؤون التعيينات القضائية والعزل، إضافة إلى ضعف الموارد المالية والبشرية في المحاكم. أما في قطاع غزة، يخضع القضاء لسلطة حركة حماس التي تسيطر على القطاع منذ الانقلاب، او عملية الحسم عام 2007، مما خلق ازدواجية مؤسسية خطيرة، حيث توجد محاكم ونيابات عامة موالية للحكومتين المختلفتين، ولا توجد آلية للتنسيق بينهما. وفي ظل هذا الانقسام الفلسطيني بين الضفة وغزة، أصبح المواطن الفلسطيني ضحية لنظام قضائي مشلول، غير قادر على إنصافه في قضايا كثيرة تتعلق بحقوقه الأساسية، كما أصبحت الهيئات الرقابية المستقلة غير قادرة على أداء دورها في محاسبة المسؤولين الفلسطينيين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
ثالثا: الهيئات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان بين الإنجاز الرمزي والضعف التنفيذي.
أنشئت في فلسطين عدة هيئات مستقلة معنية بحماية حقوق الإنسان، أبرزها "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" (ديوان المظالم) التي تأسست عام 1993، و"هيئة مكافحة الفساد" التي تأسست عام 2010، و"لجنة شؤون الأسرى" و"هيئة شؤون المرأة". وهذه الهيئات تمثل في أي نموذج حكامة سليم أدوات رقابية لتعزيز "المساءلة" و"الشفافية". استطاعت هذه الهيئات خلال سنوات عملها أن تنجز إنجازات مهمة على المستوى الرمزي، من خلال إصدار تقارير دورية عن أوضاع حقوق الإنسان في فلسطين، والتقدم بشكاوى للمحاكم الدولية، والتوعية العامة بحقوق المواطنين.
لكن عندما ننتقل إلى الجانب التنفيذي والرقابي، نجد إشكاليات كثيرة تعود إلى ضعف مبدأ "المساءلة" في الثقافة السياسية الفلسطينية. فهذه الهيئات تعاني من ضعف التمويل، ومن عدم وجود آليات إلزام فعالة تجعل السلطة التنفيذية تستجيب لتوصياتها، كما أن بعض هذه الهيئات وُجهت لها انتقادات من منظمات المجتمع المدني لأنها أصبحت أقرب إلى (أدوات التجميل المؤسسي)، منها إلى هيئات حقيقية للمساءلة؛ والأخطر من ذلك أن المواطن العادي غالباً لا يعرف بوجود هذه الهيئات، أو لا يثق في قدرتها على تحقيق أي تغيير ملموس في واقعه اليومي، مما يعني أن مبدأ "المشاركة" بين المواطن وهذه الهيئات شبه منعدم؛ وهذا يقودنا إلى التساؤل الصعب؛ هل أنشئت هذه الهيئات لتكون صورة براقة للمجتمع الدولي؛ أم لتكون أدوات حقيقية لحماية الحقوق؛ وما الذي يمكن فعله لتجديد دمائها واستعادة ثقة المواطنين بها، وتحويلها من هيئات شكلية إلى هيئات تفعل مبدأ المساءلة بجدية.
رابعا: الاحتلال كمعيق أساسي لأي حكامة فعالة
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نناقش هيئات الحكامة في فلسطين دون أن نخصص مساحة للحديث عن الاحتلال بصفته العائق الهيكلي الأول أمام أي حماية حقيقية للحقوق والحريات. فدولة الاحتلال الاسرائيلي، باعتبارها "القوة القائمة بالاحتلال"، هي المسؤولة قانونياً وأخلاقياً عن حماية حقوق السكان في الأراضي المحتلة وفق اتفاقيات جنيف الرابعة 1949.
لكن واقع الميدان يقول عكس ذلك تماماً، حيث تشهد الأراضي الفلسطينية يومياً انتهاكات جسيمة تطال الحق في الحياة والحرية والتنقل والملكية وحرية التعبير؛ والاحتلال الاسرائيلي لا يعطل فقط مبدأ "سيادة القانون"، بل إنه يفرض واقعاً يعطل كامل منظومة الحكامة الفلسطينية. فالمواطن الفلسطيني الذي يقف في حاجز عسكري لساعات طويلة، أو تُهدم منزله بحجة البناء دون ترخيص في المنطقة (ج)، أو يُعتقل إدارياً دون تهمة أو محاكمة، لا يمكن لأي هيئة حكامة فلسطينية أن تحميه.
هذه الهيئات لا تستطيع إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي، ولا تستطيع فتح الطرق المغلقة، ولا تستطيع إعادة البيوت الفلسطينية المهدمة؛ وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى، هيئات الحكامة الفلسطينية تحاسب نفسها على هامش الخطأ، بينما الانتهاكات الأكبر ترتكب يومياً من قبل الاحتلال الاسرائيلي ولا تجد أي رادع له؛ وعندما تحاول هذه الهيئات التقدم بشكاوى دولية، تواجه عراقيل سياسية مثال ذلك ،في المحكمة الجنائية الدولية التي تخضع لضغوط كبرى، أو تواجه بطء الإجراءات الذي يصل إلى حد الفكاهة السوداء في محكمة العدل الدولية ؛ ولذلك، فإن أي حديث جاد عن تحسين الحكامة في فلسطين لا بد أن يبدأ بمطلب إنهاء الاحتلال، لأن الحكامة لا يمكن أن تزدهر تحت دولة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين المحتلة، تماماً كما لا يمكن أن تزدهر زهرة في تربة مسمومة.
خامسا: آفاق المستقبل بين سيناريوهات التطوير والتبعية.
عند الحديث عن الآفاق المستقبلية لهيئات الحكامة في فلسطين، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة هي:
- السيناريو الأول والأكثر تشاؤماً هو استمرار الوضع الحالي، حيث تبقى الهيئات ضعيفة ومشتتة والاحتلال الاسرائيلي مستمراً والانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس متوغلاً، وفي هذه الحالة ستظل حقوق المواطنين الفلسطينيين ضائعة بين (سلطة بلا أسنان واحتلال بلا رحمة)، وستبقى مبادئ الحكامة الخمسة مجرد شعارات على ورق.
-السيناريو الثاني والأكثر تفاؤلاً هو أن تنجح جهود المصالحة الداخلية بين فتح وحماس، في إعادة توحيد المؤسسات التشريعية والقضائية والرقابية، بحيث تصبح هناك هيئات حكامة موحدة تمثل كل الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس المحتلة، وهذا سيزيد من قوتها التفاوضية وفعاليتها الرقابية، ويمكن أن يحقق تقدماً حقيقياً في مبادئ المشاركة والمساءلة.
-السيناريو الثالث، وهو واقعي على المدى المتوسط، فيتمثل في تطوير أدوات جديدة للحماية تتجاوز المؤسسات التقليدية الفلسطينية، من خلال الاعتماد بشكل أكبر على المنظمات الأهلية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة والتقنيات الحديثة مثل التوثيق الرقمي للانتهاكات ونشرها عالمياً، وهذه الأدوات يمكن أن تعوض جزئياً عن ضعف المساءلة الرسمية. ويمكن أيضاً أن تلعب الهيئات الفلسطينية دوراً أكبر في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان الفلسطيني من خلال التعليم والتدريب، وإعداد جيل جديد من القضاة والمحامين والحقوقيين القادرين على العمل داخل المؤسسات الدولية بفعالية أكبر؛ وفي كل الأحوال، لا يمكن تحقيق حكامة حقيقية دون معالجة جذرية لمسألة الاحتلال، فهي الحجر الأساس الذي يعطل كل شيء.
-اقتراحات:
1. الإسراع في إنهاء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة عبر حوار وطني شامل، لأن ازدواجية المؤسسات التشريعية والقضائية تلحق ضرراً كبيراً بحقوق المواطنين وتضعف قدرة هيئات الحكامة على تطبيق مبادئ المساءلة والمشاركة.
2. أقترح تعديل القوانين الفلسطينية المتعلقة باستقلال القضاء وهيئات حقوق الإنسان، بحيث تصبح التعيينات والعزل خاضعة لمعايير مهنية واضحة وليست سياسية، بحيث تمتلك هذه الهيئات آليات إلزام فعالة تجاه السلطة التنفيذية (الحكومة الفلسطينية)، لتعزيز مبدأ سيادة القانون الفلسطيني في كل فلسطين.
3. أقترح إنشاء وحدة خاصة في هيئات حقوق الإنسان الفلسطينية للتوثيق الرقمي والرفع الدولي، تستخدم التقنيات الحديثة مثل التحقق من الفيديو والصور عبر (تقنيات البلوك تشين)، للحفاظ على الأدلة، وتعمل على رفع قضايا فردية للهيئات الدولية المعنية، لتعويض ضعف المساءلة المحلية.
4. أقترح عقد مؤتمر دولي لتفعيل آليات المساءلة تجاه الاحتلال الاسرائيلي، يشارك فيه ممثلو هيئات الحكامة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية الدولية والدول المانحة، للضغط على إسرائيل لتحمل مسؤولياتها القانونية كقوة احتلال بموجب القانون الدولي الإنساني، لأن الاحتلال هو المعيق الأساسي لأي حكامة.
5. أقترح إطلاق برنامج وطني واسع للتوعية بحقوق الإنسان يستهدف المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية الفلسطينية، بهدف ترسيخ ثقافة الحقوق والحريات في المجتمع الفلسطيني، وتعزيز مبدأ المشاركة الشعبية في الحكامة، لأن الحماية الحقيقية تبدأ عندما يعرف المواطن حقوقه ويطالب بها.
6. أقترح إنشاء صندوق دعم مالي مستقل لهيئات الحكامة الفلسطينية، يموله الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والدول المانحة، على أن يكون إدارته تحت إشراف منظمات المجتمع المدني لضمان عدم تأثر الهيئات بالضغوط السياسية المحلية، ولتعزيز استقلاليتها.
7. أقترح إدراج مادة في المناهج الدراسية الفلسطينية عن هيئات الحكامة وآليات حماية الحقوق، تشرح للأطفال بطريقة مبسطة كيفية اللجوء إلى هذه الهيئات والدفاع عن حقوقهم دون خوف، وترسخ مبادئ الشفافية والمساءلة منذ الصغر.
8. أقترح توقيع اتفاقيات تعاون فني بين هيئات الحكامة الفلسطينية ونظيراتها في دول عربية ودولية متقدمة في مجال حقوق الإنسان، لنقل الخبرات وبناء القدرات وتدريب الكوادر البشرية على أعلى المستويات، لا سيما في مجالات الرقابة المستقلة ومكافحة الفساد.
9. أقترح إنشاء منصة إلكترونية تفاعلية موحدة تشمل كل هيئات الحكامة الفلسطينية، يقدم من خلالها المواطنون شكاواهم ويتابعونها بشكل شفاف، مع توفير إحصاءات دورية عن أداء كل هيئة ومعدلات استجابتها للشكاوى، لتعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة أمام الجمهور.
في ختام هذا التحليل، نعود إلى الحقيقة المركزية التي لا يمكن الهروب منها، (هيئات الحكامة في فلسطين تحاول السباحة ضد تيار الاحتلال القوي)، ومعاناتها ليست فقط نتاج قصور داخلي أو فساد إداري، بل هي قبل كل شيء نتاج لسيادة قوة خارجية ترفض الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة.
رغم ذلك، لا يعني هذا إعفاء هذه الهيئات من المسؤولية، فهناك إخفاقات داخلية كثيرة يمكن معالجتها الآن، دون انتظار إنهاء الاحتلال الاسرائيلي، مثل استقلال القضاء الفلسطيني، وتوحيد المؤسسات بين الضفة وغزة وفي القدس المحتلة حتى لو الكترونياً بسبب قوانين المنع للاحتلال، وتعزيز آليات الرقابة، وبناء ثقافة حقوق الإنسان الفلسطيني، كلها أهداف قابلة للتحقيق إذا توافرت الإرادة السياسية والضغط الشعبي، وكلها تندرج تحت مبادئ الحكامة الخمسة التي سبق أن ذكرناها وهي، (المساءلة، والشفافية، وسيادة القانون، والمشاركة، والاستجابة لحاجات المواطنين).
في النهاية، تبقى الحقيقة أن حماية الحقوق والحريات في فلسطين المحتلة، تتطلب جبهتين متوازيتين؛ "جبهة داخلية لإصلاح الخلل المؤسسي والتشريعي وتعزيز الحكامة، وجبهة خارجية لمواجهة الاحتلال ومحاسبته" ,ولا يمكن إحداهما أن تحل محل الأخرى، فالتنازلات في الداخل تعطي ذرائع للعدو الاسرائيلي، كما أن التركيز فقط على العدو الخارجي يسمح بتآكل الحقوق من الداخل؛ الرهان الأكبر يبقى على الشعب الفلسطيني نفسه، القادر رغم كل الظروف على إعادة بناء مؤسساته وهياكل حكمه، لأن الشعوب التي تريد الحياة لا تقهر، ولأن الحكامة الجيدة ليست رفاهية، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان فالتالي الشعب الفلسطيني قادر على التغير والانتصار بإذن الله.
المراجع:
· اتفاقيات أوسلو، 1993-1995. · القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، 2003 وما بعده. · تقارير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم)، سنوات 2010-2024. · تقارير هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، 2015-2024. · منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، تقارير سنوية عن أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. · اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط، تقارير حول أداء السلطة الفلسطينية. · أحكام المحكمة الجنائية الدولية بشأن فلسطين، 2021-2024. · اتفاقيات جنيف الرابعة، المادة 49 وما بعدها بشأن مسؤوليات القوة المحتلة. · برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير حول الحوكمة وسيادة القانون في فلسطين، 2020-2024. · البنك الدولي، تقييم أداء المؤسسات الفلسطينية في مجال الحكامة، 2023.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات
...
-
الذكاء الاصطناعي -الببغائي- يموت.. والذكاء -التوليفي- يولد م
...
-
التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي – غزة بين الأكاذيب وإعادة
...
-
مواجهة عصر -القتل الخوارزمي- وتجارة الموت الرقمية وتورط الشر
...
-
كتاب المافيا اليهودية في الأرجنتين-مؤلفه اليهودي فابيان سبول
...
-
غزة بعد الإبادة- آليات تعويض غير تقليدية- وحجز أموال الشركات
...
-
مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدال
...
-
جزيرة سازان هي عنق الزجاجة الأوروبي للسيطرة على مضيق أوترانت
...
-
ألمانيا تفشل دبلوماسيا وتخسر مقعدها في مجلس الأمن بسبب سوء ت
...
-
التجسس الإسرائيلي على البنتاغون تسبب بإعلان المستوى الحرج بي
...
-
غزة تهزم ألمانيا دبلوماسيا وتحرمها عضوية مجلس الأمن في الأمم
...
-
تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدو
...
-
لماذا بقيت فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي بينما تحررت واستقل
...
-
خرافة رقم 6 والمهدي المنتظر بين التنجيم الشعبي والعقيدة الإس
...
-
فن الجدال بين الأوغاد-ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان بألفاظ ن
...
-
العنصرية والفلسفة الأوروبية مهدت الطريق لإبادة غزة
-
نزيف وجودي يقتل المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج للعلاج
-
رئيس Google وأنا وصديقي الخوارزمي
-
عمليات العلم الزائف تكشف المخطط الاسرائيلي في الخليج العربي
-
كيف تحول -مجلس سلام غزة- إلى غطاء لاستكمال القتل التكتيكي ال
...
المزيد.....
-
اتفاق إنهاء الحرب بين أمريكا وإيران.. إليكم أحدث التطورات وم
...
-
صور تكشف عن قاعدة -بربرة- في صومالي لاند.. وتقرير: مصر تتأهب
...
-
أوكرانيا: كييف تتعرض لقصف روسي جديد وسكان يلوذون بالملاجئ
-
تقرير حصري من النبطية وبيروت: هل تضعف أثمان الحرب قبضة حزب ا
...
-
-لن يؤدي اتفاق ترامب مع إيران إلى سلام دائم- – التلغراف
-
غياب التفاصيل يعمّق الغموض.. هل حقق ترامب إنجازاً تاريخياً ب
...
-
تصعيد استيطاني في الضفة الغربية.. إحراق مركبات ومحاولة استهد
...
-
سيناريوهات ما بعد الاتفاق: ماذا ينتظر المنطقة عقب تفاهم واشن
...
-
ترحيب دولي بالاتفاق الأمريكي-الإيراني وميرتس يصفه بـ -إنجاز
...
-
تركيا.. أنباء عن ترتيبات لتأسيس حزب معارض جديد
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|