عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 02:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة:
عندما يصبح الصديق المقرب أخطر من العدو؛ في تطور غير مسبوق في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، كشفت شبكة "إن بي سي نيوز" عن رفع البنتاغون الامريكي مستوى التهديد من خطر التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة إلى أعلى درجة ممكنة، وهي درجة "حرج" (Critical)، في تقييم سري أصدرته وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) خلال الأسابيع الأخيرة. هذا القرار، الذي لم يسبق له مثيل في العلاقات بين الحليفين الأقوى في الشرق الأوسط، يأتي في وقت تتزايد فيه التوترات بين واشنطن وتل أبيب حول إدارة الحرب مع إيران، وسط انقسامات حادة حول المسار المستقبلي للصراع الذي أشعل المنطقة منذ بداية الحرب في 28 /فبراير/2026، واستمرار العدوان الاسرائيلي-الامريكي مدة 40 يوما.
ما يجعل هذا التطور أكثر إثارة للدهشة هو توقيته، ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً مشتركة ( عدوان) ضد إيران، ويقدمان فيها مئات الضحايا ويستهلكان مليارات الدولارات، كانت الاستخبارات الإسرائيلية، بحسب التقييم الأمريكي،تبذل "جهداً خاصاً" لمراقبة كبار المسؤولين الأميركيين، والتسلل إلى مداولات إدارة ترمب الداخلية حول القرارات المصيرية المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط؛ وثيقة من سبع صفحات، بالإضافة إلى رسم بياني، تحدد وفقاً لمسؤول أميركي حالي أن قدرة إسرائيل على "التجسس البشري وجمع المعلومات التقنية" وصلت إلى مستوى حرج؛ كما حددت الوثيقة سلسلة من الحوادث المحددة التي ساهمت في زيادة مخاوف الولايات المتحدة.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً إشكالياً محورياً، كيف يمكن لدولة تعتبرها أمريكا "حليفها الأقوى والأوثق" في منطقة مضطربة، أن تتحول فجأة إلى "تهديد تجسسي من الدرجة الأولى" يستدعي رفع مستوى التحذير إلى أعلى درجة؛ وإذا كانت إسرائيل تتجسس على أمريكا في خضم حرب مشتركة، فمن هو العدو الحقيقي؛ وهل هذا الكشف هو مجرد "خلاف مؤقت" بين الحليفين؛ أم أنه يعكس أزمة ثقة استراتيجية عميقة الجذور قد تغير طبيعة العلاقة بين البلدين للأبد. هذا المقال يحاول فتح هذا الملف الشائك، مع التوقف عند قضية الجاسوس جوناثان بولارد كنموذج بليغ على نمط التجسس الإسرائيلي المستمر ضد حليفته الكبرى.
أولاً: تقييم البنتاغون الجديد – وثيقة من سبع صفحات ترفع التهديد إلى المستوى "الحرج"
وفقاً لما نقلته "إن بي سي نيوز" عن اثنين من المسؤولين الأميركيين الحاليين ومسؤول أميركي سابق، فإن وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون أصدرت في الأسابيع الأخيرة تقييماً جديداً لتهديدات مكافحة التجسس، رفعت فيه مستوى التهديد المرتبط بإسرائيل إلى "حرج"، وهو أعلى مستوى في سلم التهديدات، مما يعني أن السلوك الاستخباري الإسرائيلي يُعتبر الآن "أكثر عدوانية من المعتاد" ويشكل خطراً فعلياً على الأمن القومي الأمريكي.
هذه الوثيقة، المكونة من سبع صفحات، تتضمن رسمًا بيانيًا وتفصيلاً دقيقاً للأساليب والتقنيات التي تستخدمها إسرائيل لجمع المعلومات عن المسؤولين الأمريكيين، بما في ذلك التجسس البشري (أي زرع عملاء داخل الدوائر الحكومية الأمريكية) وجمع المعلومات التقنية (أي اختراق الشبكات والاتصالات).
ووفقاً لأحد المسؤولين، فإن التقييم يشير إلى أن دولة الاحتلال الاسرائيلي،"تبذل جهداً خاصاً" لمراقبة كبار المسؤولين الأميركيين، بهدف الوصول إلى معلومات حول مداولات إدارة ترمب الداخلية وقراراتها بشأن الصراعات في الشرق الأوسط، وخصوصاً فيما يتعلق بإدارة الحرب مع إيران؛ وهذا يعني أن إسرائيل لم تكن تكتفي بالمعلومات التي تتبادلها مع أمريكا عبر القنوات الرسمية، بل كانت تحاول في الوقت نفسه التسلل إلى القرارات الأمريكية قبل أن تُتخذ، ربما للتأثير عليها أو للتحضير لسيناريوهات لا تتفق مع المصلحة الأمريكية.
1-ماذا يعني مستوى "حرج" في سلم التهديدات الأمريكي.
لدى وكالة الاستخبارات الدفاعية سلم تصنيف للتهديدات يبدأ من "منخفض" وصولاً إلى "حرج". رفع إسرائيل إلى هذا المستوى يعني أن التهديد الذي تشكله أنشطتها التجسسية يُعتبر الآن "خطراً وشيكاً على الأمن القومي الأمريكي"، وهو نفس المستوى الذي تُصنف فيه أنشطة دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
للمفارقة، فإن إيران، العدو اللدود لإسرائيل ،مصنفة في نفس المستوى. وهذا يعني أن البنتاغون يعتبر اليوم أن قدرة إسرائيل على التجسس على أمريكا لا تقل خطورة عن قدرة إيران نفسها، وهو ما يمثل إهانة دبلوماسية واستخبارية كبرى لدولة الاحتلال الاسرائيلي الحليف الاستراتيجي إلى واشنطن.
2-مخاوف البنتاغون- هل تسعى إسرائيل للتأثير على قرارات الحرب لمصلحتها الخاصة.
المصدر الحقيقي للقلق الأمريكي ليس مجرد "وجود أنشطة تجسسية" ؛ فالجميع يعلم أن الحلفاء يتجسسون على بعضهم البعض بشكل روتيني ؛ بل هو "العدوانية غير المعتادة" والجهد الخاص المبذول لاختراق أعلى المستويات.
3- المسؤولون الأميركيون يتساءلون: لماذا تحتاج إسرائيل إلى مراقبة مداولات إدارة ترمب الداخلية حول الحرب مع إيران، وهي التي تتلقى يومياً إحاطات استخباراتية كاملة من واشنطن.
الإجابة المحتملة، إما أن إسرائيل لا تثق في أن أمريكا تخبرها بكل شيء (لا تثق في الرجل البرتقالي )، أو أن لديها نوايا لا تريد أمريكا أن تعرفها، مثل التخطيط لعمليات منفردة قد تضر بالمصالح الأمريكية أو تجر أمريكا إلى حرب أوسع دون موافقتها. وفي كلتا الحالتين، هذا يمثل أزمة ثقة استراتيجية غير مسبوقة بين الطرفين الحليفين.
4-الإجراءات الاحترازية الأمريكية- هواتف "الحرق" وغرف الفنادق.
كشف المسؤولون أن الولايات المتحدة تتخذ بالفعل احتياطات إضافية عند زيارة إسرائيل، حيث يستخدم كبار المسؤولين الأمريكيين "هواتف الحرق" (Burner Phones) وأجهزة كمبيوتر مؤقتة، ويمارسون حذراً شديداً عند التحدث في غرف الفنادق خلال الزيارات الرسمية إلى إسرائيل؛ قال أحد المسؤولين الأمريكيين الحاليين، "من المعروف أنهم نشطون جداً في جمع المعلومات" في إشارة إلى إسرائيل؛ هذه الممارسات، التي كانت مخصصة عادة للتعامل مع أعداء مثل روسيا والصين، أصبحت الآن جزءاً من بروتوكول التعامل مع "الحليف الأوثق ومع الجميع قريب أو بعيد".
ثانياً: قضية جوناثان بولارد – النموذج البليغ على نمط التجسس الإسرائيلي المستمر
لفهم حجم هذه الأزمة، يجب وضعها في سياقها التاريخي. فالتجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة ليس ظاهرة جديدة، بل هو نمط مستمر يعود لعقود، وأبرز تجلياته كانت قضية الجاسوس جوناثان بولارد التي هزت واشنطن في منتصف الثمانينيات. بولارد، المحلل المدني في الاستخبارات البحرية الأمريكية هو يهودي أمريكي حاصل على الجنسية الاسرائيلية، تم تجنيده من قبل جهاز "ليكيم" (Lekem) الإسرائيلي (جهاز الاستخبارات العلمية والتقنية) في عام 1984، وسلّم لإسرائيل كمية هائلة من الوثائق السرية للغاية على مدار 17 شهراً؛ ما سرّبه بولارد لم يكن مجرد معلومات تكتيكية، بل كان كنزاً استخباراتياً حقيقياً شمل:
-دليل من عشرة مجلدات لوكالة الأمن القومي (NSA) يشرح كيفية جمع الولايات المتحدة للمعلومات الاستخباراتية عبر الإشارات.
- أسماء الآلاف من الأشخاص الذين تعاونوا مع الاستخبارات الأمريكية في العالم العربي.
- معلومات عن قدرات الصواريخ السوفيتية وبرامج الأسلحة الكيميائية في دول عربية.
-تفاصيل عن أنظمة الدفاع الجوي في العراق وسوريا ودول عربية أخرى.
عندما كُشف أمر بولارد في نوفمبر 1985 وحاول الحصول على لجوء سياسي seeking asylum في السفارة الإسرائيلية، تسبب ذلك في أزمة دبلوماسية كبرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل. حكم على بولارد بالسجن المؤبد في عام 1987، وقضى 30 عاماً خلف القضبان قبل إطلاق سراحه بكفالة في عام 2015. ولكن المفارقة الأكثر إثارة هي أن إسرائيل لم تعترف رسمياً بمسؤوليتها عن تجنيد بولارد إلا في عام 1998، وكانت واشنطن غاضبة بشكل خاص من أن إسرائيل لم تقدم أي تعاون يذكر في التحقيق، بل على العكس، حاولت التغطية على دورها وانكار تورطها في التجسس.
1-بولارد اليوم: اعتذار متأخر وترشح للكنيست الاسرائيلي في مايو/ 2026، أي قبل أقل من شهر من تسريب تقرير البنتاغون، أجرت الإذاعة الوطنية العامة (NPR) مقابلة مثيرة مع بولارد، الذي قال إنه آسف لجريمته وأعلن عن نيته الترشح لعضوية الكنيست الإسرائيلي. وفي مقابلة أخرى مع صحيفة "الغارديان"، وصف بولارد الحرب على غزة بأنها "تطهير عرقي" ودعا إلى تهجير الفلسطينيين، مما أثار موجة غضب واسعة في واشنطن وأوساط الحلفاء. هذا التوقيت في إعلان (جاسوس أدين بخيانة)، الولايات المتحدة عن نيته دخول برلمان دولة حليفة تسمى اسرائيل ،لم يمر مرور الكرام في أروقة البنتاغون، وزاد من حدة الشكوك حول "ولاء" إسرائيل لعلاقتها مع أمريكا.
2-قضية بولارد كأداة ضغط إسرائيلية.
بولارد لم يكن مجرد عميل منفرد، بل كان جزءاً من نمط واسع من التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة. تقرير لمركز "ميريب" (MERIP) يشير إلى أن أول جاسوس إسرائيلي تم ضبطه في أمريكا يعود إلى عام 1954، عندما قامت السفارة الإسرائيلية في واشنطن بتجنيد عميل داخل البنتاغون. وفي عام 2005، تم الكشف عن شبكة تجسس إسرائيلية أخرى داخل البنتاغون، وفي عام 2018 تم ضبط عميل إسرائيلي آخر؛ الملفت أن إسرائيل كانت تستخدم بولارد كورقة ضغط في المفاوضات الدبلوماسية، حيث كانت تشترط إطلاق سراحه مقابل تنازلات سياسية، وهو ما كان يثير غضب إدارات أمريكية متعاقبة.
3-بولارد والنقاش الأخلاقي في أمريكا.
أثارت قضية بولارد نقاشاً أخلاقياً عميقاً في الولايات المتحدة حول الحدود المسموحة للتجسس بين الحلفاء. فبينما رأى البعض أن إسرائيل كانت تسعى فقط لحماية أمنها القومي في محيط عدائي، رأى آخرون، وهم الغالبية،أن تجنيد عميل داخل البنتاغون وسرقة أسرار عسكرية واستخباراتية حساسة هو تجاوز لكل الخطوط. وقال مسؤول أمريكي سابق في حديث لـ"إن بي سي نيوز"، هذا هو السؤال الذي تطرحه القضية باستمرار؛ما هو الحد الذي لا يمكن للحليف أن يتجاوزه"؛ماهي الخطوط الحمراء في هذه الحالة.
ثالثاً: التكنولوجيا والهواتف الباعثة للقلق – كيف تتجسس إسرائيل على كبار المسؤولين الأمريكيين.
ما يجعل التقييم الجديد للبنتاغون مختلفاً عن حوادث التجسس السابقة هو استخدام إسرائيل لتقنيات متطورة بشكل مذهل، تتجاوز قدرات معظم أجهزة الاستخبارات العالمية. وفقاً للوثيقة المسربة، فإن إسرائيل تمتلك قدرة على تنفيذ "عمليات تجسس بشري وجمع معلومات تقنية بمستوى حرج" . وتشمل هذه القدرات التالي:
- اختراق الاتصالات: استخدام أجهزة تنصت متطورة قادرة على اختراق حتى أكثر أنظمة الاتصالات تشفيراً في العالم.
- التجسس الإلكتروني: زرع برمجيات خبيثة في هواتف وأجهزة كمبيوتر المسؤولين الأمريكيين خلال زياراتهم لإسرائيل.
-التجسس البشري: تجنيد عملاء داخل الدوائر الحكومية الأمريكية، بما في ذلك ربما داخل البنتاغون نفسه.
-استخدام الذكاء الاصطناعي: تحليل كميات هائلة من البيانات المستخرجة لتحديد الأنماط والتنبؤ بالقرارات الأمريكية قبل اتخاذها.
-هواتف الحرق وغرف الفنادق-هل تكفي هذه الاحتياطات.
استخدام كبار المسؤولين الأمريكيين لهواتف مؤقتة (Burner Phones) وأجهزة كمبيوتر غير قابلة للتتبع أثناء زياراتهم لإسرائيل, أصبح إجراءً قياسياً، لكن خبراء الاستخبارات يشككون في فعالية هذه الإجراءات. فإسرائيل تمتلك تاريخاً طويلاً في اختراق الفنادق وغرف الاجتماعات التي يقيم بها كبار المسؤولين، وتستخدم تقنيات تعرف باسم "تقنيات الغرفة النظيفة" لزرع أجهزة تنصت لا يمكن اكتشافها بالوسائل التقليدية.
-التنسيق الاستخباراتي المستمر رغم كل شيء
المفارقة الأكثر إثارة للدهشة هي أنه رفع مستوى التهديد إلى "حرج" لم يؤثر حتى الآن على مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية رفيع المستوى الذي يجري يومياً بين البلدين، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في إيران. هذا يعني أن أمريكا وإسرائيل لا تزالان تتعاونان استخباراتياً بشكل وثيق ضد أعداء مشتركين، بينما في الوقت نفسه تتجسسان على بعضهما البعض بشكل مكثف؛ هذا التناقض يعكس طبيعة العلاقة الغريبة بين الحليفين، "تعاون استراتيجي عميق" في العلن، و"حرب استخباراتية ضارية" في السر، كل ذلك يسر إلى أن اسرائيل لا تثق بأحد حتى مع اقرب المقربين .
رابعاً: التوترات الأمريكية الإسرائيلية بشأن إيران – الخلفية السياسية للتصعيد.
لا يمكن فهم قرار البنتاغون برفع مستوى التهديد بمعزل عن الخلفية السياسية المتوترة بين الرئيس دونالد ترمب، ورئيس وزراء حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي/نتنياهو؛ فمنذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير/ 2026، تباعدت رؤى الرجلين حول كيفية إدارتها؛ الرئيس ترمب، الذي يسعى لاتفاق دبلوماسي لإنهاء الحرب، كان يدفع نحو خفض التصعيد وبدء مفاوضات مع طهران، بينما نتنياهو يصر على ضرورة مواصلة الضربات العسكرية لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية؛ وحسب المصادر، وصل الخلاف بينهما إلى ذروته في مكالمة هاتفية متوترة خلال الأسبوع الماضي، وصفها ترمب للصحفيين بأنه وصف خلالها نتنياهو "بالمجنون وألفاظ نابية اخرى" .
بحسب المصادر، إسرائيل تبدي اهتماماً كبيراً بمعرفة ما إذا كان ترمب سيقرر "استئناف العمليات القتالية ضد إيران أو إنهاء الصراع". والتقييم يشير إلى أن إسرائيل تخشى من أن تسعى إدارة ترمب إلى اتفاق مع طهران لا يأخذ في الاعتبار المصالح الإسرائيلية، ولذلك تحاول الحصول على معلومات استخباراتية حول المداولات الداخلية لواشنطن عبر التجسس.
1-الانقسام حول لبنان أيضاً.
المصادر تشير إلى أن الخلاف لم يقتصر على إيران، بل امتد إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان ضد حزب الله؛ ترمب يضغط على نتنياهو لتقليص الهجمات في لبنان خوفاً من توسع رقعة الحرب، بينما نتنياهو يرى أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة قاسية لحزب الله.
-اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل 2026
منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أوائل أبريل/2026، يسعى ترمب للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران لإنهاء الحرب؛ لكن إسرائيل أعربت علناً عن شكوكها في أن إيران ستحترم أي اتفاق يتم التفاوض عليه، ودفع نتنياهو نحو استئناف الغارات الجوية ضد إيران.
2-خطر انهيار التحالف.
في تصريحات لشبكة "إن بي سي نيوز"، قال مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون إن الخلافات حول إيران وإدارة الحرب تحمل "خطر تقويض الثقة بين البلدين"؛ هذا هو الخطير في الأمر، ليست مجرد عمليات تجسس تقليدية، بل انهيار الثقة الاستراتيجية في لحظة حاسمة من تاريخ الشرق الأوسط، لكن اسرائيل هي التي تحتاج مساعدة ودعم واشنطن لها ضد إيران.
خامساً: الردود الرسمية – إنكار إسرائيلي وأمريكي؛ أم غطاء دبلوماسي.
في رد فعل سريع، أصدرت السفارة الإسرائيلية في واشنطن بياناً وصف فيه المزاعم بأنها "عارية تماماً عن الصحة"، مؤكدة أن إسرائيل "لا تقوم بجمع معلومات استخباراتية عن أي كيانات أميركية، فضلاً عن مسؤولي الحكومة الأميركية"، وأن كل جهودها الاستخبارية موجهة ضد أعدائها وليس حلفائها. كما صرح مسؤول في البيت الأبيض أن "هذه القصة برمتها كاذبة، ومصدرها شخص لا يملك أي علم بما يجري".
لكن النفي الرسمي لا يبدو مقنعاً للمتابعين، لأن التسريبات تأتي من مصادر متعددة داخل البنتاغون نفسه، وليست مجرد إشاعات إعلامية؛ الأهم أن البنتاغون نفسه رفض التعليق على التقرير, مما يزيد من الغموض حول صحة الوثيقة. أما مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) الذي يشرف على جميع الوكالات الاستخباراتية الأمريكية بما فيها وكالة استخبارات الدفاع DIA، فلم يرد على طلب التعليق.
1-لماذا الرفض الأمريكي للتقرير.
رفض البيت الأبيض للتقرير قد يكون مرتبطاً برغبة إدارة ترمب في احتواء الضرر الدبلوماسي ومنع انهيار التحالف في خضم الحرب. فالإقرار بوجود وثيقة ترفع مستوى التهديد الإسرائيلي إلى "حرج" سيكون له تبعات كارثية على التعاون الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل، وهو ما لا تريده واشنطن في هذا التوقيت الحرج وهذا يشير الى خطورة الموقف.
2-هل يمكن أن يكون التقرير "تسريباً موجهاً".
بعض المحللين يتساءلون،هل هذه التسريبات مقصودة؛ ربما أراد البنتاغون توجيه رسالة تحذيرية لتل أبيب دون اللجوء إلى وسائل رسمية، ولذلك قام بتسريب المعلومات لوسائل الإعلام؛ هذه الممارسة معروفة في واشنطن باسم "السياسة بالتسريب" ، وتستخدم لتوجيه رسائل لحلفاء أو أعداء دون التصعيد المباشر.
-التقارير السابقة عن تجسس إسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها اتهامات من هذا القبيل. في مايو/ 2026، أي قبل أسابيع فقط من هذا التقرير، نشرت مجلة "بوليتيكو" تقريراً عن قلق أمريكي من أنشطة تجسس إسرائيلية بالقرب من البيت الأبيض، مما دفع ترمب ونتنياهو إلى نفي هذه التقارير.
سادساً: الانعكاسات القانونية والدبلوماسية – هل يمكن محاكمة إسرائيل على التجسس.
إذا كانت وثيقة البنتاغون صحيحة، فإن أنشطة التجسس الإسرائيلية ترقى إلى مستوى "انتهاك خطير للقانون الدولي" والاتفاقات الثنائية بين البلدين. فاتفاقية التعاون الاستخباراتي بين أمريكا وإسرائيل، التي تم توقيعها في عام 1959 وتم تحديثها عدة مرات، تحظر صراحة أي أنشطة تجسس متبادلة. لكن تطبيق هذه الاتفاقية يظل صعباً، لأن القوانين الأمريكية تحمي معلومات المخابرات بشكل صارم، مما يجعل من الصعب محاكمة دولة حليفة.
1-عقوبات محتملة.
إذا ثبتت صحة التقييم حول عملية التجسس الاسرائيلي، قد تلجأ واشنطن إلى إجراءات عقابية، منها:
-طرد ملحقين عسكريين إسرائيليين من واشنطن.
- تعليق بعض برامج تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة.
-فرض قيود على سفر كبار المسؤولين الأمريكيين إلى إسرائيل.
2-تجميد بعض صفقات الأسلحة المتقدمة.
-الأثر على التحالف طويل الأمد؛ لكن خبراء الاستخبارات يؤكدون أن أي عقوبات ستكون محدودة، لأن التعاون الاستخباراتي بين البلدين حيوي للغاية، خصوصاً في مواجهة التهديدات الإيرانية. قال إميل هاردينج، نائب رئيس مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، في تعليق لشبكة "إن بي سي نيوز"، إسرائيل لديها جهاز استخباراتي "شديد العدوانية" وهم مهتمون للغاية بما تفعله الولايات المتحدة؛ إنها تمثل تحديًا كبيرًا للعلاقات الدبلوماسية ولطبيعة التعاون الأمني والاستخباراتي بين الطرفين.
3-قضية التجسس كرأي عام.
كما أن هناك بعداً آخر, الرأي العام الأمريكي؛بعد قضية الجاسوس/بولارد، ازدادت حساسية الأمريكيين تجاه أي نشاط تجسس إسرائيلي، ومع التقارير المتكررة عن حوادث تجسس، قد يزداد الضغط على الكونغرس لاتخاذ إجراءات ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي على عمليات التجسس التي تقوم بها في الولايات المتحدة.
ختاماً،الخلاصة القاطعة التي يمكن قولها بعد هذا التحليل المتواضع؛هي أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل دخلت مرحلة جديدة وخطيرة، حيث لم تعد الثقة بين الحليفين مضمونة كما كانت، بل أصبحت عرضة للانهيار بسبب أنشطة تجسسية إسرائيلية "عدوانية غير معتادة"، تهدف إلى اختراق أعلى مستويات صنع القرار في واشنطن، منها تقرير وكالة الاستخبارات الدفاعية، في وثيقة من سبع صفحات، رفعت مستوى التهديد الإسرائيلي إلى "حرج" ، وهو أعلى مستوى في سلم التهديدات.
ولكن المفارقة الأعمق أن هذا التصعيد لم يحدث في عزلة، بل في سياق حرب مشتركة ضد إيران، حيث يتبادل الطرفين معلومات استخباراتية حساسة بشكل يومي، ويتعاونان عسكرياً في أكثر من جبهة؛ هذا يعني أن الطرفين، تل ابيب-وواشنطن ،يتعاونان ويتجسسان في الوقت نفسه، وهذه الازدواجية قد تصبح القاعدة في العلاقات الدولية، وليس الاستثناء.
أما قضية جوناثان بولارد، التي تم الكشف عنها في عام 1985، ستبقى أول صدمة كبرى في العلاقة تسببت بضجة إعلامية واسعة، حيث أثبتت أن إسرائيل مستعدة لخيانة أقرب حلفائها للحصول على معلومات قد تعتبرها ضرورية لأمنها القومي. والآن، بعد 41 عاماً، يبدو أن النمط لم يتغير، بل أصبح أكثر تعقيداً وخطورة، بفضل التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي الذي يستخدم لتحليل كميات هائلة من البيانات المستخرجة.
اخيراً،إذا استمرّت دولة الاحتلال الاسرائيلي في هذا الاتجاه القذر؛ بالتجسس والخيانة لحلفائها، فإن العلاقة بين أكبر قوة في العالم وأوثق حلفائها في الشرق الأوسط قد تدخل في دوامة من الشك والاتهام المتبادل، وقد تتحول "المعلومات الاستخباراتية" من سلاح مشترك ضد الأعداء إلى سلاح ذو حدين يهدد الكيان الاسرائيلي نفسه. أعضاء في الكونغرس الأميركي يطالبون اسرائيل اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة سياساتها الاستخباراتية تجاه أمريكا، والتوقف عن اعتبار واشنطن ساحة مفتوحة للتجسس باسم "الأمن القومي". محذرين أن استمرار هذا النمط من "العدوانية الاستخباراتية" لن يؤدي إلا إلى تآكل الثقة، وربما دفع واشنطن إلى إعادة النظر في طبيعة تحالفها مع تل أبيب؛ الخطر ليس في تجسس إسرائيل على أمريكا فقط، بل في أن هذا التجسس قد يتحول في يوم من الأيام إلى السبب الذي ينهي هذا التحالف الاستراتيجي الذي ندعوا الله أن يتحقق في القريب العاجل.
المراجع:
- تقرير "إن بي سي نيوز" الحصري: "Pentagon raised threat of Israeli spying on U.S. to highest level, sources say"، 6 يونيو/حزيران 2026.
-"القدس العربي": "البنتاغون يرفع مستوى التهديد المرتبط بتجسس إسرائيل على أمريكا إلى أعلى مستوى"، 6 يونيو 2026.
- "تايمز أوف إنديا": "Burner phones, spy fears: Pentagon flags Israel s counterintelligence as critical threat"، 6 يونيو 2026.
- "مونت كارلو الدولية": "تقرير للبنتاغون: تجسس إسرائيل على مسؤولين أمريكيين بلغ مستوى حرجا… ما الانعكاسات المحتملة؟"، 6 يونيو 2026.
- "الخنادق": "شبكة NBC الأمريكية: البنتاغون رفع مستوى التهديد من التجسس الإسرائيلي إلى أعلى درجة"، 6 يونيو 2026.
- "موسوعة بريتانيكا": Jonathan Pollard | Biography, Released, Conviction, & Facts.
- ويكيبيديا: Jonathan Pollard (للإطار الزمني الأساسي للقضية).
- "بي بي سي" (2014): "Profile: Israeli spy Jonathan Pollard".
- "الإذاعة الوطنية العامة (NPR)": "Ex-spy who sold U.S. secrets to Israel says he s sorry, and will run for parliament"، مايو 2026.
- "الغارديان": "Ex-US spy for Israel calls for Gaza ethnic cleansing as he seeks Knesset seat"، مايو 2026.
- مذكرة "مركز ميريب للدراسات": "Israeli Spies in the US - MERIP"، يوليو 2025.
- قاعدة بيانات "globalsecurity.org": "Spying for a Friend: Why Jonathan Pollard Spent 30 Years in US Jail for Selling Secrets to Israel".
-"بوليتيكو": "Israel reportedly spying on Trump administration: Pentagon on high alert for serious intelligence threat Israel denies claims as false"، يونيو 2026.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟