عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 12:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
المقدمة
في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان "After Savagery: Gaza, Genocide, and the Illusion of Western Civilization" (بعد الوحشية: غزة والإبادة الجماعية ووهم الحضارة الغربية)، يقدم المفكر الفلسطيني-الأمريكي البارز حميد دباشي (Hamid Dabashi) قراءة صادمة وضرورية في آن واحد. فبينما تنهمر الطائرات الإسرائيلية قنابلها على أحياء غزة المكتظة باللاجئين من الأطفال والنساء والمدنيين، تهدم الجرافات العسكرية الاسرائيلية أنقاضاً فوق أنقاض، ويتحدث الغرب بلغة "الدفاع عن النفس" و"حق إسرائيل في الوجود"، يأتي (الكاتب دباشي)، ليكشف أن ما يحدث في غزة ليس مجرد "تجاوز عرضي" أو "خروج عن المبادئ الغربية"، بل هو تتويج منطقي لعنصرية بنيوية متجذرة في عمق الفلسفة الأوروبية نفسها. الكتاب الذي حظي بتقدير من فرانشيسكا ألبانيز (Francesca Albanese)، مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، يصفه دباشي بأنه "مذهل وأساسي لعصره"، لأنه يجرؤ على طرح سؤال لا يجرؤ أحد على طرحه في الأوساط الأكاديمية الغربية، (هل الحضارة الغربية)، بوعدها بالتنوير والحرية وحقوق الإنسان، مجرد وهم كبير يخفي في جوهره عنصرية استعمارية تجد اليوم ذروتها في دعم الإبادة الجماعية في غزة.
هذا المقال المتواضع، هو محاولة لتحليل ومناقشة الأطروحة المركزية لكتاب دباشي، مستعينين بعنوانه الفرعي الثلاثي، "غزة، الإبادة الجماعية، ووهم الحضارة الغربية". سنتتبع كيف يفكك دباشي مفهوم "الحضارة الغربية" (Western Civilization) ليكشف أنه لم يكن أبداً مشروعاً أخلاقياً عالمياً، بل كان مشروعاً استعمارياً-عنصرياً بني على استثناء "الآخر" (المستعمر، الأسود، العربي، المسلم، الفلسطيني) من دائرة الإنسانية. سنناقش كيف أن الفلسفات الأوروبية الكبرى (من كانط وهيغل إلى ماركس وهيدغر) تحمل في طياتها بذور تمييز عنصرية جرى توظيفها تاريخياً لتبرير الاستعمار والعبودية والهولوكوست، وهي تُوظف اليوم لتبرير الإبادة في غزة. وسنطرح في النهاية سؤالاً مصيرياً، هل يمكن للغرب أن ينقذ نفسه من "وحشيته" بالتخلي عن وهمه الحضاري، أم أن ما يحدث في غزة هو مجرد فصل جديد في مسرحية طويلة من العنف الاستعماري لا نهاية لها.
السؤال الإشكالي المركزي الذي سنحاول الإجابة عليه هو؛ كيف يمكن ربط العنصرية المتجذرة في الفلسفة الأوروبية بدعم الغرب للإبادة الجماعية في غزة، وهل يكشف كتاب دباشي عن "وهم الحضارة الغربية" كضرورة فلسفية لتحرير الفلسطينيين والعالم من الهيمنة الأوروبية-الأمريكية.
أولاً: تفكيك وهم الحضارة الغربية – كيف بنى الغرب "إنسانيته" على جثث "الآخرين".
العنوان الفرعي الأول لكتاب المفكر الفلسطيني/ دباشي ،هو "وهم الحضارة الغربية" (The Illusion of Western Civilization). هذا ليس مجرد استفزاز لفظي، بل هو أطروحة فلسفية متكاملة تقول إن ما يسميه الغرب "حضارة" هو في الحقيقة مشروع قائم على ثلاث ركائز وهمية هي:
أ- وهم العالمية (فالقيم الغربية مثل الحرية والديمقراطية تقدم نفسها على أنها قيم "بشرية" أو "كونية"، بينما هي في الأصل نتاج ظروف تاريخية وأوروبية خاصة، فُرضت على بقية العالم بالقوة).
ب-وهم التقدم الأخلاقي (فالغرب يصور نفسه على أنه تجاوز مراحل الهمجية والتخلف، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاجها بأشكال أكثر تطوراً وتكنولوجية).
ج-وهم الفصل بين النور والظلام (فالغرب يعرّف نفسه من خلال "الآخر" المتخلف، فـ"الحضارة الغربية" لا معنى لها بدون "الهمجية غير الغربية").
يتتبع دباشي هذا الوهم إلى جذوره في عصر التنوير الأوروبي (القرن الثامن عشر)؛ فبينما كان فلاسفة التنوير مثل "كانط وفولتير وروسو" يكتبون عن "الكرامة الإنسانية" و"الحقوق الطبيعية" و"العقد الاجتماعي"، كانوا في نفس الوقت يشاركون أو لا يعترضون على مشروعين استعماريين ضخمين، (استعباد أفريقيا، وإبادة شعوب الأمريكتين الأصلية)، وبدايات الهيمنة على آسيا. كانط نفسه، في كتاباته عن "الأنثروبولوجيا"، صنف البشر إلى أربعة أعراق، وجعل الأوروبي في القمة، ووصف الهنود والعرب بأنهم "غير قادرين على تحقيق التنوير الذاتي"؛ هؤلاء الفلاسفة لم يروا أي تناقض بين حديثهم عن "حرية الإنسان" وإبادة "الإنسان غير الأوروبي"، لأن "الإنسان" في قاموسهم كان يعني حصراً "الأوروبي المتعلم المالك".
هذا الانفصام (Schizophrenia) بين المبادئ المجردة والممارسات الوحشية لم يكن عيباً جانبياً في الفكر الغربي، بل كان شرطاً لوجود هذا الفكر نفسه؛ فالمشروع الاستعماري لم يكن مجرد "خطأ تاريخي" يمكن تجاوزه، بل كان التطبيق العملي الذي جعل التنوير ممكناً؛ فالثروات التي نهبت من المستعمرات هي التي مولت الثورة الصناعية والمؤسسات الأكاديمية التي أنتجت فلاسفة التنوير؛ والدماء التي سفكت في إبادة الهنود الحمر هي التي حررت الأراضي لتأسيس "العالم الجديد" الذي سيصبح لاحقاً نموذجاً للديمقراطية الغربية؛ باختصار، وحشية الاستعمار لم تكن نقيض الحضارة الغربية، بل كانت وجهها الآخر، بل قاعدتها المادية.
ومع انتقال هذه الفلسفات إلى العصر الحديث، لم يتغير الجوهر؛ في القرن التاسع عشر، قدّم هيغل فلسفة التاريخ التي جعلت "الروح المطلق" يرتحل من الشرق إلى الغرب، وينتهي في بروسيا (ألمانيا) كذروة للتطور الإنساني؛ بقية العالم، وخاصة أفريقيا والشرق الأوسط، تعتبر عنده "خارج التاريخ"، أو "مراحل متخلفة يجب تخطيها" بالقوة. في القرن العشرين، قدّم هيدغر فلسفة الوجود التي رفع فيها "الألماني الأصيل" فوق الشعوب الأخرى، وانخرط لاحقاً في الحزب النازي؛ وهذه الفلسفات لم تبق في الكتب، بل انتقلت إلى سياسات الإبادة؛ (الهولوكوست اليهودي)، كان تطبيقاً أقصى لفكرة "العرق الأسيادي" و"التطهير العرقي"؛ لكن المفارقة المؤلمة، التي يركز عليها المفكر الفلسطيني/دباشي، هي أن إسرائيل اليوم (الدولة التي تأسست أصلاً كتعويض عن الهولوكوست) تستخدم نفس الفلسفات العنصرية لتبرير إبادة الفلسطينيين، ولكن هذه المرة بدعم غربي غير مسبوق.
هنا يبرز السؤال الصادم، إذا كانت الحضارة الغربية قد بنيت على عنصرية بنيوية تبرر إبادة "الآخر"؛ فلماذا نتفاجأ اليوم عندما نرى نفس المنطق يُطبق على الفلسطينيين.
الجواب الذي يقدمه (المفكر دباشي)، هو أننا لا ينبغي أن نتفاجأ، بل يجب أن ندرك أن غزة ليست استثناءً في التاريخ الغربي، بل هي القاعدة؛ ما يحدث في غزة هو نفس ما حدث في الأمريكتين، وفي أفريقيا، وفي الهند، وفي الجزائر، وفي فيتنام. الفرق الوحيد هو أن الضحايا هذه المرة هم فلسطينيون، وهم "عرب ومسلمون"، أي "الآخر" المثالي في المخيال الغربي المعاصر (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)؛ لذلك، فإن الدعم الغربي لإسرائيل ليس "خيانة للقيم الغربية"، بل هو تطبيق مخلص لهذه القيم كما فُهمت وفُعلت تاريخياً.
ثانياً: غزة كمرآة – كيف تعكس الإبادة الجماعية جوهر الاستعمار الغربي المعاصر.
العنوان الفرعي الثاني والأهم في كتاب دباشي هو "غزة، الإبادة الجماعية" (Gaza, Genocide). فغزة هنا ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي "حدث" (Event) بالمعنى الفلسفي، أي لحظة تحوّل تكشف كل ما كان خافياً من قبل. ما يجعل إبادة غزة مختلفة عن غيرها من جرائم الحرب الحديثة، وفقاً لدباشي، هو الشفافية الاستثنائية التي تحدث بها. إسرائيل لم تخفِ قصف المستشفيات والمدارس والجامعات في غزة، ولم تنكر قطع الكهرباء والماء والغذاء عن مليوني إنسان، ولم تتردد في تصوير جرائمها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنها "إبادة جماعية في وضح النهار"، ترتكب أمام كاميرات العالم، ويتم بثها على الهواء مباشرة، ثم يقوم الغرب بدعمها وتبريرها؛ هذا المشهد ينهي كل الأعذار عن "عدم المعرفة" أو "عدم وجود أدلة".
بالنسبة لدباشي، تعكس غزة ثلاثة تحولات كبرى في طبيعة الاستعمار الغربي المعاصر هي:
-التحول الأول: من الاستعمار المباشر إلى الاستعمار بالوكالة لم تعد القوى الغربية (خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) تحتاج إلى احتلال مستعمراتها السابقة مباشرة، بل أصبحت تفعل ذلك من خلال "وكلاء" محليين. إسرائيل هي الوكيل الأكثر كفاءة في الشرق الأوسط. هي "دولة استعمارية استيطانية" (Settler Colonial State) بامتياز، تأسست على تهجير الفلسطينيين في 1948، وتواصل توسيع مستوطناتها على أراضيهم في غزة و الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتحظى بأحدث الأسلحة الأمريكية وأغلبية الدعم الدبلوماسي في الأمم المتحدة. في مقابل هذا الدعم، تقدم إسرائيل خدماتها للغرب، (مراقبة المنطقة، قمع المقاومة، حماية المصالح النفطية، وتجريب أحدث تقنيات القتل والمراقبة).
-التحول الثاني: من العنصرية البيولوجية إلى العنصرية الثقافية-الدينية.
في الماضي، كان الاستعمار يبرر نفسه بادعاء تفوق "العرق الأبيض"؛ اليوم، أصبح التبرير أكثر تعقيداً، الفلسطينيون ليسوا أقل "عرقاً"، بل هم أقل "حضارة" أو أقل "ديمقراطية" أو أكثر "إرهاباً"؛ إسرائيل تقدم نفسها كـ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وكـ "دولة القانون"، وكـ "جدار حماية ضد التطرف الإسلامي". هذا الخطاب يخفي استمرارية نفس المنطق الاستعماري، "نحن مستنيرون، وهم همج". الفارق أن "الهمجية" اليوم تُنسب إلى الدين (أي الإسلام) وإلى "الثقافة العربية" بدلاً من الجينات؛ وهذا يجعل العنصرية أكثر قدرة على التسلل إلى الخطاب الليبرالي الغربي، الذي يعتبر نفسه "مناهضاً للعنصرية" بينما يتبنى بسهولة تمييزاً ضد المسلمين والعرب.
-التحول الثالث: من الإبادة المادية إلى الإبادة الرمزية، إبادة غزة ليست فقط قتل الناس وتدمير الحجر، بل هي أيضاً محاولة لقتل الرواية الفلسطينية (السردية)، وتدمير الذاكرة، وإلغاء الوجود الرمزي للفلسطينيي؛ عندما يضرب الاحتلال جامعة غزة أو المكتبة المركزية أو أرشيف البلدية، فهو لا يدمر مبانٍ فقط، بل يحاول أن يقول، "أنتم أمة بلا تاريخ، بلا علم، بلا ثقافة، تستحقون الزوال" ؛ وعندما تحذف منصات التواصل الاجتماعي منشورات الفلسطينيين وتصفها بـ"التحريض على العنف"، أو عندما تمنع الجامعات الغربية التظاهرات المؤيدة لفلسطين، فهي تشارك في نفس الإبادة الرمزية. الهدف هو جعل الفلسطينيين "غير مرئيين" (Invisible)، وجعل قضيتهم "غير قابلة للتصديق" (Unbelievable)؛ بهذا المعنى، فإن الإبادة في غزة هي "إبادة كاملة" (Total Genocide) لا تستهدف الجسد فقط، بل الروح والذاكرة والمستقبل.
في هذا السياق، يصف دباشي الصمت الغربي (بالتواطؤ النشط) تجاه إبادة غزة ،بأنه لحظة الحقيقة (Moment of Truth) بالنسبة للغرب؛ فكل الادعاءات عن "القيم العالمية" و"حقوق الإنسان" و"النظام الدولي القائم على القواعد" تنهار أمام مشاهد الأطفال الفلسطينيين تحت الأنقاض والأمهات يبحثن عن أجزاء أجساد أطفالهن؛ الغرب يختار إسرائيل، وليس من باب الصعوبة في الاختيار، بل من باب الولاء لمنظومته الاستعمارية العنصرية التي لم تتغير جذورها.
ثالثاً: من الفلسفة إلى السياسة – كيف ترجمت النخب الغربية العنصرية الأكاديمية دعمها العملي للإبادة.
لا يمكن فهم دعم الغرب لإسرائيل على أنه مجرد "تواطؤ سياسي" أو "مصالح استراتيجية" عابرة. هذا الدعم، كما يبين دباشي، له جذور فلسفية وأكاديمية عميقة؛ النخب الغربية التي تدير السياسة الخارجية والإعلام والأوساط الأكاديمية هي نفسها التي تربت على فلسفات ترى "الغرب" كمشروع متفوق، و"الشرق" كمشروع متخلف أو هامشي؛ هذه الفلسفات لا تموت، بل تتجدد وتتكيف مع العصر.
دعنا نتتبع بعض هذه الترجمات:
1-الاستشراق كبنيّة معرفية للإبادة, استلهم دباشي كثيراً من سلفه المفكر الفلسطيني/إدوارد سعيد، صاحب كتاب "الاستشراق" (Orientalism) الذي بين كيف أن الأكاديمية الغربية بنت صورة مشوهة عن "الشرق" (العرب والمسلمين) ككيان جامد، متخلف، عنيف، غير عقلاني، ولا يستحق الحياة الحديثة. هذه الصورة لم تبق في الكتب، بل انتقلت إلى السياسات الاستعمارية، وإلى تقارير الاستخبارات، وإلى كاميرات التلفزيون. في حالة غزة، تظهر هذه الصورة الاستشراقية بوضوح؛ الفلسطيني إما "إرهابي" يريد قتل اليهود، أو "ضحية أبدية" لا تستحق الرحمة لأنها "تختار" أن تبقى تحت الحصار بدل أن "ترحل" أو "تستسلم". أي تعقيد، أي تاريخ، أي سياق سياسي يُختزل في صورة نمطية واحدة، "العربي المسلم العنيف غير العقلاني". هذه الصورة تجعل من السهل جداً قبول قتله وتدمير بيته، بل وتجعل من قام بقتله "بطلاً" (الجندي الإسرائيلي) ومن يُقتل "شراً لا بد من دفنه هو العربي الفلسطيني".
2- نظرية "صراع الحضارات" كتبرير فلسفي للحرب الأبدية صموئيل هنتنغتون، في كتابه الشهير "صراع الحضارات" (1996)، قسّم العالم إلى كتل حضارية، وتوقع أن الصراع الأكبر سيكون بين "الغرب" و"بقية العالم" خاصة "الحضارة الإسلامية". هذا الكتاب لم يكن مجرد تنبؤ أكاديمي، بل أصبح دليلاً عملياً لصناع القرار في واشنطن ولندن وباريس؛ في غزة، تُقرأ الحرب من خلال عدسة "صراع الحضارات"؛ إسرائيل تمثل "الغرب" المتقدم والديمقراطي وشعب الله المختار ،هل اختارهم لقتل أطفال غزة، وحماس تمثل "الإسلام" المتطرف والإرهابي. هذا الإطار يمنع أي فهم للسياق السياسي والتاريخي للقضية الفلسطينية (الاحتلال، الاستيطان، اللاجئون، الفصل العنصري) ؛ وبدلاً من ذلك، يحول الصراع إلى معركة أبدية بين "الخير" و"الشر"، حيث لا يمكن للشر أن ينتصر أو يتفاوض معه، بل يجب القضاء عليه تماماً؛ هذه العقلية هي التي تجعل "إبادة حماس" هدفاً مقبولاً، حتى لو كان الثمن هو إبادة غزة بأكملها.
3- "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" كصيغة قانونية تشرعن الإبادة الجماعية في غزة،هي واحدة من أكثر العبارات تكراراً من قبل المسؤولين الغربيين هي؛ "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها". هذه العبارة، التي تبدو محايدة، هي في الحقيقة صيغة قانونية خادعة؛ فهي تفترض أن إسرائيل هي "دولة" طبيعية مثل أي دولة، وأن الفلسطينيين (أو حماس) يشكلون "تهديداً خارجياً" يبرر الرد العسكري؛ لكن هذا يتجاهل حقيقة أن إسرائيل هي "قوة احتلال" (Occupying Power) في غزة والضفة والقدس المحتلة، وأن الفلسطينيين تحت الاحتلال لهم الحق القانوني في المقاومة (وفقاً للقانون الدولي). كما يتجاهل حقيقة أن "الدفاع عن النفس" يجب أن يكون متناسباً، ولا يمكن أن يبرر تجويع مليوني شخص، أو قصف المستشفيات، أو قتل أكثر من 72 ألفاً فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال. العبارة نفسها تستخدم أيضاً لحماية إسرائيل من أي مساءلة؛ إذا كان "حقها" مطلقاً، فلا يمكن انتقاد كيفية ممارسته. هذا هو ذروة الانفصام الغربي؛ نفس الدول التي تطالب أوكرانيا بـ "عدم استهداف المدنيين" تمنح إسرائيل "شيكاً على بياض" لفعل ذلك في غزة، لأن الفلسطينيين ببساطة ليسوا "أوكرانيين".
4-"معاداة السامية" كسلاح لإسكات النقد في تطور ساخر ومأساوي، تم تحويل ذكرى الهولوكوست (التي كانت نتيجة للعنصرية الأوروبية) إلى درع يحمي الدولة العنصرية (إسرائيل) من النقد؛ أي صوت ينتقد سياسات إسرائيل أو يدعم الحقوق الفلسطينية يُتهم فوراً بـ"معاداة السامية". هذا التهميش الفكري يغلق أي نقاش جاد حول ما يحدث في غزة، ويجعل الأكاديميين والسياسيين والصحفيين يخافون من التحدث؛ النخب الغربية تستخدم هذا السلاح ببراعة، فهي نفسها التي صنعت "معاداة السامية" كجريمة فكرية (وهي كذلك فعلاً عندما تستهدف اليهود كعرق أو دين)، ولكنها توسع تعريفها لتشمل أي نقد لدولة إسرائيل، وبالتالي تخلق "تابو" يحمي الاحتلال والإبادة؛ اما الفلسطيني الذي يُقتل في غزة يصبح "ضحية غير مرئية"، بينما الجندي الإسرائيلي الذي يُقتل في غزة يُبكى عليه كضحية لمعاداة السامية.
من خلال هذه الترجمات الأربع، يخلص دباشي إلى أن العنصرية الفلسفية ليست مجرد "أفكار"، بل هي أدوات حقيقية تُستخدم يومياً لتبرير قتل الفلسطينيين وتدمير حياتهم. الأكاديمية الغربية (وخاصة أقسام الفلسفة والعلوم السياسية) ليست بريئة مما يحدث في غزة؛ بل هي التي وفرت "الذخيرة الفكرية" لهذه الإبادة، ولا تزال توفرها من خلال نظرياتها وتصنيفاتها وصمتها المخزي.
رابعاً: بعد الوحشية – هل هناك أمل في "تحرير جماعي" يتجاوز وهم الحضارة الغربية.
الجزء الثالث من عنوان الكتاب، وهو الأكثر إلهاماً وتوجهاً نحو المستقبل، هو "بعد الوحشية" (After Savagery). ما الذي يمكن أن يأتي بعد هذه الوحشية؛ هل يمكن للعالم أن يتعافى من صدمة غزة، وهل يمكن للغرب أن يتخلى عن "وهمه الحضاري" ليعيد بناء علاقاته مع بقية البشرية على أسس جديدة من العدالة والمساواة. المفكر دباشي ليس متفائلاً بسذاجة، لكنه يقدم ما يمكن اعتباره برنامجاً للتحرر الجماعي (Collective Liberation) مستوحى من تجارب التحرر العالمية (من جنوب أفريقيا إلى فيتنام إلى أمريكا اللاتينية)، ومن المقاومة الفلسطينية نفسها يتجلى في الآتي:
1- تفكيك المركزية الغربية الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً هي تفكيك "المركزية الغربية" (Eurocentrism) في الفكر والسياسة. هذا يعني التوقف عن اعتبار الغرب "معيار" الحضارة، والتوقف عن قياس بقية العالم بمدى قربه أو بعده من "النموذج الغربي". كما يعني فتح المجال لنظريات المعرفة البديلة (غير الغربية) التي ظلت مهمشة لقرون؛ الفلسطينيون، في هذه الرؤية، ليسوا "ضحايا" بحاجة إلى "إنقاذ" غربي، بل هم فاعلون سياسيون لديهم نظريتهم الخاصة في التحرر، ومقاومتهم الخاصة (سواء المسلحة أو الثقافية أو الدبلوماسية)، وحقهم في تقرير مصيرهم دون وصاية من أحد؛ بالتالي تفكيك المركزية الغربية هو شرط ضروري لإعادة بناء علاقات دولية تقوم على "التعددية الحقيقية" (Pluralism)، وليس على "العالمية المزيفة" التي تفرض القيم الغربية.
2- استعادة التاريخ من ضحاياه الجزء الثاني من البرنامج هو "استعادة التاريخ" من الرواية الغربية التي صادرته؛ الفلسطينيون، مثل غيرهم من الشعوب المستعمرة، تم حذفهم من التاريخ الغربي، أو تم إدراجهم كـ "عقبات" أمام تقدم الحضارة. استعادة التاريخ تعني أن يكتب الفلسطينيون تاريخهم الخاص، وأن يعترف العالم بأن روايتهم عن النكبة والاحتلال والمقاومة هي رواية صحيحة وشرعية بقدر الرواية الإسرائيلية (الكاذبة ). هذه العملية مستمرة بالفعل من خلال مشاريع "ذاكرة فلسطين" (Palestine Memory)، وشهادات الناجين، والأرشيف الرقمي، والشهادات الأكاديمية؛ وهي ضرورية ليس فقط للعدالة التاريخية، بل أيضاً لبناء "مناعة ثقافية" ضد محاولات الطمس والإبادة الرمزية.
3-بناء تحالفات عالمية تتجاوز القومية والدين (المفكر دباشي)، ليس من دعاة "القومية الفلسطينية" الضيقة، ولا "الأمة الإسلامية" الواحدة. بدلاً من ذلك، يدعو إلى بناء تحالفات عالمية تقوم على "التضامن الأفقي" (Horizontal Solidarity) بين جميع المستضعفين والمهمشين والمضطهدين في العالم؛ فلسطينيون، سود (في أمريكا وأفريقيا)، لاتينيون، عمال مهاجرون، لاجئون، شعوب أصلية؛ هذا التحالف، الذي بدأت بوادره تظهر في المظاهرات الطلابية في الجامعات الغربية وفي حركات المقاطعة (BDS)، يمكن أن يشكل قوة قادرة على منافسة الهيمنة الغربية، ليس بالسلاح فقط، بل بقوة الحقيقة والأخلاق والإصرار. شعار "فلسطين حرة" ليس فقط شعاراً لفلسطين، بل هو شعار لكل من يريد عالماً حراً بعد الاستعمار، وبعد العنصرية، وبعد الإبادة.
4- "المقاومة" كقيمة أخلاقية ووجودية في نهاية المطاف، يرى دباشي أن "المقاومة" (Resistance) هي القيمة الأخلاقية والوجودية التي تواجه "الوحشية" الغربية. المقاومة ليست فقط إطلاق صواريخ أو تنظيم مظاهرات، بل هي موقف وجودي، (رفض الاستسلام لرواية القوي)، رفض قبول الظلم كقدر، رفض كون "الإنسان" الحقيقي هو من يستسلم ويرفع الراية البيضاء، بل علينا اخذ نموذج شعب غزة، الذي يواجه الإبادة بصمود أسطوري، هو تجسيد حي لهذه القيمة الأنسانية. لا أحد يستطيع أن يهزم شعباً لا يريد أن يُهزم؛ وهذا هو الأمل الحقيقي الذي يتجاوز "وهم الحضارة الغربية". فالحضارة الحقيقية، كما يقترح المفكر/ دباشي، ليست تلك التي تنتج أسلحة أكثر دقة، بل تلك التي تنتج بشراً أكثر إنسانية، أي أكثر قدرة على التعاطف مع الآخر، حتى لو كان هذا الآخر "عدواً" في الرواية الرسمية وربما افضل نموذج حالياً هو جيل الشباب اليهود في أمريكا الذين يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني والحقوق الفلسطينية ويقفون ضد العنصرية والإبادة الجماعية في غزة.
5- نقد العنف الغربي بكل أشكاله أخيراً، يدعو المفكر/ دباشي ،إلى نقد "العنف الغربي" (Western Violence) بكل أشكاله؛ العسكري، الاقتصادي، الثقافي، النفسي، السياسي ، الأكاديمي الخ. هذا العنف لا يظهر فقط في القنابل، بل في الديون المفروضة على دول الجنوب، وفي برامج التقشف، وفي سياسات وقوانين اللجوء العنصرية، وفي ثقافة الاستهلاك التي تستنزف موارد الكوكب، وفي الإبادة الصامتة للبيئة. فلسطين هي "عينة" (Sample) أو "نموذج مصغر" (Microcosm) لهذا العنف الغربي. لذلك، تحرير فلسطين ليس قضية خاصة، بل هو قضية الإنسانية جمعاء؛ كل من يريد عالماً أكثر عدلاً وكرامة يجب أن يضع فلسطين في قلب نضاله، وكل من يتجاهل فلسطين يتواطأ مع العنف الغربي فلسطين هي قضية الشرفاء واحرار العالم.
ختاما،هل سيكون هذا الكتاب "مذهلاً وأساسياً لعصره" كما يُوصف.
الكتاب الذي نناقشه، كما ورد في تقديم فرانشيسكا ألبانيز، هو "مذهل وأساسي لعصره". فهل يستحق هذا الوصف؛ الجواب، من وجهة نظري، هو نعم، بشرط أن يُقرأ ويُناقش ويُترجم إلى فعل.
الكتاب مذهل لأنه يجرؤ على كسر التابو الأكبر في الفكر الغربي الحديث، تابو "الحضارة الغربية" كقيمة أخلاقية مقدسة؛ في زمن أصبح فيه النقد الذاتي الغريب نادراً (بسبب الهستيريا الإعلامية حول "معاداة السامية" و"الإرهاب")، يأتي المفكر الرائع والمميز/دباشي ليقول، لا، ليست إسرائيل فقط هي التي ترتكب الإبادة الجماعية في غزة، بل الفلسفة الغربية بأكملها، بتاريخها الاستعماري وحاضرها العنصري، هي التي مهدت الطريق لها؛ (هذه الرسالة صادمة)، لكنها ضرورية. كما أنها تأتي في وقت مثالي؛ فبينما تنهار صورة الغرب الأخلاقية في عيون مليارات البشر في دول الجنوب العالمي (بسبب غزة وأوكرانيا وأفغانستان وغيرها)، يأتي كتاب دباشي ليعطي هذه المشاعر لغةً ونظريةً وتاريخاً ليفضح سياسة الكيل بمكيالين.
الكتاب أساسي لأنه يقدم بديلاً. ليس مجرد نقد، بل مشروع رائع ومميز؛ مشروع "التحرر الجماعي" الذي يتجاوز الحدود القومية والدينية والإثنية، ويؤسس لتضامن إنساني جديد يقوم على الاعتراف بمعاناة الآخر، ومقاومة ظلم القوي، وبناء عوالم ممكنة بعد انهيار وهم "نهاية التاريخ" و"العالمية الغربية" ؛ هذا المشروع طموح جداً، بل قد يبدو طوباوياً في لحظة انتصار الظلام. لكنه ليس أكثر طوباوية من كل مشاريع التحرر السابقة التي بدت مستحيلة قبل أن تتحقق؛ جنوب أفريقيا بدا مستحيلاً قبل تفكيك الأبارتهايد؛ استقلال المستعمرات بدا مستحيلاً قبل موجات التحرر؛ فلسطين الحرة أيضاً ستبدو مستحيلة حتى تصبح حقيقة، وهذه الكتب وهذا النضال هو ما يمهد الطريق للنصر على الجلاد .
أما الانتقاد الوحيد الذي يمكن توجيهه للكتاب (بناءً على ما هو متاح من معلومات)، فهو أنه قد يقع أحياناً في تعميم "الغرب" ككتلة متجانسة (Homogenous Bloc)، بينما هناك تيارات نقدية غربية قوية (من ماركسية، ليبرالية راديكالية، لاسلطوية، ما بعد كولونيالية) تشارك دباشي في نقده للعنصرية والإبادة. كما قد يقلل من أهمية "التناقضات داخل الغرب" (بين أوروبا وأمريكا، بين اليمين واليسار، بين النخب والحركات الشعبية)؛ هذه التناقضات يمكن توظيفها لصالح فلسطين، وليس فقط رفضها كـ "غرب واحد"؛ لكن هذا نقد بسيط، لا ينتقص من القيمة الكبرى للكتاب الرائع والمميز .
الخلاصة النهائية التي نخرج بها من هذا التحليل المتواضع، هي أن "بعد الوحشية" لحميد دباشي ليس مجرد كتاب عن فلسطين، بل هو كتاب عن أزمة الضمير الغربي، وعن ضرورة تفكيك أسطورة الحضارة الغربية، وعن إمكانية بناء عالم جديد بعد الإبادة؛ إنه كتاب لكل من يشعر بالغضب والعجز واليأس مما يحدث في غزة من ابادة جماعية، لأنه يقدم لهم ليس فقط تحليلاً، بل أملاً، وليس فقط أملاً، بل برنامجاً.
غزة تذبح الآن، لكن غزة أيضاً تبعث من جديد كل يوم في عيون أطفالها الذين يصرون على العيش، وفي أصوات ناشطيها الذين يصرون على البث رغم القصف والحذف، وفي كلمات مثقفيها الذين يصرون على الكتابة رغم كل محاولات الإسكات. هذا الكتاب هو واحد من تلك الكلمات. السؤال الآن، هل سنقرؤه؛ وهل سنعمل به، واخيراً شكرا لك أيها الرائع الانسان القدير المفكر الفلسطيني حميد دباشي.
-المراجع:
· Dabashi, Hamid (2025). After Savagery: Gaza, Genocide, and the Illusion of Western Civilization. (الناشر: من المفترض أن يكون موجوداً، لكنه غير محدد من الغلاف).
· Albanese, Francesca (2025). تقديم كتاب "After Savagery" (كما هو مذكور على الغلاف).
· Said, Edward (1978). Orientalism. Pantheon Books.
· Kant, Immanuel (1790s). أعماله الأنثروبولوجية (مثل "Anthropology from a Pragmatic Point of View").
· Hegel, G.W.F. (1830s). The Philosophy of History.
· Huntington, Samuel (1996). The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon & Schuster.
· Fanon, Frantz (1961). The Wretched of the Earth (تأثير واضح على مفهوم "العنف الاستعماري").
· تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حول جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة (2023-2025).
· بيانات فرانشيسكا ألبانيز بصفتها مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية (2022-2025).
· كتابات وأبحاث أخرى لحميد دباشي (مثل "Can Non-Europeans Think?"، "The Arab Revolts"، "Iran: A People Interrupted") لفهم سياق فكره العام.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟