|
|
خارطة طريق خطيرة لمستقبل غزة بدون آليات تنفيذ
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 16:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
خارطة طريق لمستقبل غزة بدون آليات تنفيذ
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
في تطور لافت، نشر نيكولاي ملادينوف، مدير عام مجلس السلام، خارطة طريق شاملة تتكون من 15 بنداً لتنفيذ الخطة الخاصة بمستقبل قطاع غزة بتاريخ 20-5-2026، مقسمة إلى أربعة محاور رئيسية هي، المبادئ الأساسية، والمحور الأمني والنظام العام، والقوة الدولية للاستقرار وانسحاب الجيش الإسرائيلي، والإعمار والتنمية. هذه الخريطة تأتي في وقت حساس تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطفات خطيرة، وآخرها حرب الإبادة الإسرائيلية المدمرة على غزة التي حولت القطاع إلى ركام واستمرت عامين من اكتوبر2023-إلى اكتوبر2025، أدخلت المنطقة في دوامة من العنف غير المسبوق. غير أن قراءة متأنية للبنود تكشف عن الكثير من الإشكاليات والتحديات التي قد تجعل هذه الخريطة أقرب إلى الطموحات النظرية منها إلى خطط قابلة للتنفيذ على الأرض في غزة، خاصة فيما يتعلق بعلاقة هذه البنود بحركة حماس، ودور القوة الدولية، ومصير السلاح الفلسطيني، ومدى التزام الاحتلال الإسرائيلي ببنود الانسحاب من غزة. هذا المقال يحاول تحليل خارطة طريق ملادينوف بنداً بنداً، واستخلاص نقاط القوة والضعف فيها، واقتراح آليات عملية لتجاوز العقبات المتوقعة.
سؤال إشكالي
هل تمثل خارطة طريق ملادينوف المكونة من 15 بنداً رؤية واقعية قابلة للتطبيق لمستقبل غزة، أم أنها مجرد وثيقة طموحة تفتقر إلى آليات التنفيذ وترتكز على فرضيات غير مضمونة؛ وبعبارة أدق كيف يمكن التوفيق بين مطلب "الفصل التام بين القوى المسلحة والهياكل المدنية" وواقع سيطرة حماس على القطاع منذ عام 2007؛ وما هو الضمان الحقيقي أن إسرائيل ستلتزم بالانسحاب التدريجي من غزة، في ظل تجارب سابقة فشلت فيها كل وعود الانسحاب؛ وكيف يمكن بناء ثقة الفلسطينيين بقوة دولية للاستقرار في ظل مواقف دولية منحازة تاريخياً لإسرائيل؛ ولماذا يصر ملادينوف على الضغط على حماس فقط ويتجاهل انتهاكات الاحتلال المتواصلة.
أولا: قراءة في المحور الأول - المبادئ الأساسية
يحمل المحور الأول من خارطة الطريق خمسة مبادئ أساسية تشكل الإطار العام لأي حل مستقبلي في غزة. البند الأول يتحدث عن "الإطار الدولي والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025, وبخطة السلام الشاملة". وهنا تجدر الإشارة إلى أن قرارات مجلس الأمن وحدها لم تكن كافية في أي وقت مضى لردع إسرائيل أو إجبارها على تنفيذ أي التزامات، فمئات القرارات صدرت من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على مدى عقود ولم تغير شيئاً في واقع الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين المحتلة بشكل عام. البند الثاني "تثبيت التهدئة واستكمال كافة الالتزامات بموجب اتفاقيات وقف إطلاق النار" يبدو منطقياً ولكن عمليات القصف والقتل مستمرة ضد المدنيين في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين في 10-10-2025 برعاية الرئيس الأمريكي ترمب، لكن السؤال؛ من يضمن أن إسرائيل لن تنتهك هذه الاتفاقيات كما فعلت مراراً وتحت أعذار واهية؛ البند الثالث "التحقق المشروط" هو جوهر الخطة، حيث يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى فقط بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات. وهنا مكمن الخطورة، فإذا كان طرف التحقق هو إسرائيل أو جهات موالية لها مثل حكومة ابستين في واشنطن، فسيتم تعطيل أي انتقال تحت ذرائع غير موضوعية. البند الرابع يتعلق بـ "آلية الإدارة وتحديد أدوار واضحة لمجلس (سلام غزة الفاشل برئاسة ترمب)؛والمفوضية العليا؛ واللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)"التي منعها الاحتلال من دخول غزة ، وهنا الغموض سيد الموقف، فمن هي هذه اللجنة الوطنية؛ ومن يعينها؛وما علاقتها بالسلطة الفلسطينية في رام الله؛ البند الخامس والأخطر "حماس والإدارة؛ الفصل التام والكامل بين القوى المسلحة والهياكل والمؤسسات المدنية في قطاع غزة ". هذا البند يطرح إشكالية كبرى، فهل المقصود حل وحدات حماس العسكرية بشكل كامل، أم دمجها في مؤسسات السلطة الأمنية؛ ولماذا يُطلب من حماس وحدها ذلك بينما إسرائيل تمتلك أقوى جيش في المنطقة ولا أحد يطلب منها نزع سلاحها النووي والتقليدي اضافة ان اسرائيل تعمل على تسليح مجموعات من الطابور الخامس لتصبح مثل جيش لحد في لبنان ،تخدم مصالحها في لتخلق (الفتنة والحرب الأهلية).
ثانيا: قراءة في المحور الأمني والنظام العام - بين السيادة الموحدة وتسليم السلاح
المحور الأمني يشمل ستة بنود من البند السادس إلى الحادي عشر، وهي تمثل العمود الفقري للخطة. البند السادس "ترسيخ مبدأ سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد" هو حلم قديم راود الفلسطينيين منذ اتفاقية أوسلو لعام 1994, لكنه ظل بعيد المنال بسبب الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس عام 2007,والصراعات الداخلية بين صناع القرار في السلطة الفلسطينية،وتدخلات الاحتلال الاسرائيلي بدعم من واشنطن لعدم إنهاء الانقسام بين غزة والضفة. البند السابع "إعادة تنظيم جهاز الشرطة الفلسطينية،ودمج قوات أمنية مؤهلة" يمكن تحقيقه إذا توافقت الإرادات السياسية، لكن المشكلة أن أي جهاز شرطة في غزة سيحتاج إلى شرعية شعبية وقبول من كل الفصائل الفلسطينية ، وهذا يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية. البند الثامن "نزع السلاح التدريجي" و البند التاسع "إخضاع كافة الأسلحة الشخصية للقانون الفلسطيني الرسمي" وهما البندان الأكثر إثارة للجدل، لأن نزع السلاح في ثقافة الشعوب المقاومة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو مرتبط بوجود الاحتلال ذاته.
كيف يمكن مطالبة المقاومة الفلسطينية بتسليم سلاحها والاحتلال لا يزال على أرضها؛ البندان العاشر والحادي عشر يتعلقان بـ "آلية التسليم" و "توقيع اتفاق سلام داخلي لمنع العنف الفلسطيني-الفلسطيني". وهنا المفارقة، فالفلسطينيون لم يشهدوا حرباً أهلية منذ سنوات طويلة، ومن يقف خلف العنف الداخلي غالباً ما يكون الاحتلال الذي يزرع الفتن والعملاء ويقوم بتسليح الطابور الخامس من الجواسيس لخلق بيئة مناسبة له في تفكيك وحدة المجتمع الفلسطيني والتفافه حول المقاومة. اتفاق السلام الداخلي مطلوب ومهم، لكن لا يجوز أن يكون شرطاً اسرائيليا مسبقاً لرفع الحصار أو بدء الإعمار في غزة، فهذا يشبه ابتزاز للشعب والناس المهجرة قسرا في غزة، وايضا ابتزاز للمقاومة تحت ضغط الحصار وهندسة التجويع والقصف والقتل المستمر في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار برعاية ترمب.
ثالثا: قراءة في القوة الدولية للاستقرار وانسحاب الجيش الإسرائيلي - الشرط الذي قد يتحول إلى احتلال جديد لغزة
المحور الثالث يتضمن ثلاثة بنود (12-13-14) وهي الأكثر خطورة من حيث العواقب. البند الثاني عشر "نشر قوة استقرار دولية (ISF) في جميع أنحاء القطاع". هنا يبرز سؤال مصيري؛ من سيشكل هذه القوة؛ ومن سيمولها؛ وتحت أي قيادة تعمل؛وما هي صلاحياتها؛هل ستكون قوة حفظ سلام تحت إشراف الأمم المتحدة، أم قوة متعددة الجنسيات على غرار "قوات الطوارئ" في سيناء.
يجدر الإشارة، أن تجارب القوة الدولية في العالم العربي ليست مشجعة، ففي لبنان، قوات "اليونيفيل" لم تمنع الحرب الإسرائيلية عام 2006، ولم تمنع الاغتيالات والاختراقات. وفي فلسطين، قوة "تيم" الأمريكية في الخليل لم تمنع المستوطنين من الاعتداء على الفلسطينيين بحماية الجيش. الخطر الأكبر هو أن تتحول هذه القوة إلى غطاء دولي للاحتلال، أو إلى قوة تكبل يد المقاومة وتترك الاحتلال حراً في أي عملية عسكرية جديدة. البند الثالث عشر "انسحاب تدريجي لقوات الجيش الإسرائيلي من الميدان تماشياً مع التقدم في تحقيق الأهداف" يجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً، وهذا يعني أن إسرائيل ستبقى في أي منطقة تشعر بعدم الرضا عن سير الخطة. ومن قال إن إسرائيل تريد الانسحاب أصلاً؛ لقد انسحبت من غزة عام 2005 لكنها سرعان ما حولت القطاع إلى سجن كبير بأسوار وأسياج وحصار بحري وجوي وبري،ولماذا لا تنسحب بشكل كامل ومرّه واحدة سبب هذا التماطل هو ابتزاز الفلسطينيين في قطاع غزة وزيادة معاناتهم.
البند الرابع عشر "نقل المسؤولية الأمنية إلى الجهات الفلسطينية المؤهلة في المناطق التي تم نزع السلاح منها". الملاحظ أن الخطة تتحدث عن "جهات فلسطينية مؤهلة" وليس عن السلطة الفلسطينية رسمياً، فهل يعني هذا أنهم يبحثون عن بديل غير السلطة الفلسطينية، هذا مؤشر خطير على محاولة تجزئة القضية الفلسطينية وتهميش مؤسساتها الشرعية وإبقاء الانقسام بين غزة والضفة للابد.
رابعا: قراءة في الإعمار والتنمية - شرط الاستقرار الأمني كعقبة تعجيزية
البند الخامس عشر والأخير يتعلق بـ "إعادة البناء والبدء في مشاريع واسعة النطاق لإعادة إعمار وتأهيل قطاع غزة، مشروطة بتحقيق الاستقرار الأمني والتقدم في المراحل السابقة للخطة".
أي ربط مباشر بين الإعمار والتنفيذ الكامل للبنود الأمنية؛ هذا يعني أنه ما لم يتم نزع سلاح المقاومة، وإعادة تنظيم الشرطة، وقبول القوة الدولية، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي الذي لم يذكرهم البند أصلاً، وما لم تنسحب إسرائيل تدريجياً حسب رؤيتها، لن يبدأ الإعمار في غزة.
هذا هو بيت القصيد في (خطة ملادينوف)، باعتبارها وصفة مثالية لتعطيل إعمار غزة لسنوات قادمة. إسرائيل معروفة بمراوغاتها ومماطلاتها، وهي ستدعي دائماً أن الاستقرار الأمني لم يتحقق بعد، وستظل غزة تحت الأنقاض لسنوات طويلة بهدف تنفيذ خطة اسرائيل (التهجير القسري لسكان غزة).
يجب الإشارة هنا أننا نحن أمام سيناريو متكرر؛ وعود دولية كاذبة بالإعمار مشروطة بشروط سياسية تعجيزية، ثم تعطيل الإعمار، ثم انفجار الأوضاع، ثم حرب جديدة، ثم وعود جديدة بالإعمار. الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى إعمار مشروط، بل إلى حقهم في تقرير المصير، والعيش بكرامة، وإلى رفع الحصار فوراً، وإلى السماح بدخول مواد البناء والمعدات الثقيلة دون قيد أو شرط إلى قطاع غزة ووقف (سياسة العقاب الجماعي)، لأكثر من مليونان ونصف من الفلسطينيين في سجن كبير يسمى قطاع غزة.
خامسا: غياب الفاعل الفلسطيني الحقيقي وأسرى الحرب والقدس والمستوطنات
قبل الانتقال إلى انحياز ملادينوف، لا بد من تسجيل ملاحظة خطيرة؛ خارطة طريق ملادينوف تغفل تماماً بشكل متعمد عن قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وخاصة الأسرى الذين تم أسرهم خلال عملية طوفان الأقصى وفي الحرب اللاحقة. أي حديث عن مستقبل غزة لا يتضمن بنداً واضحاً وملزماً للإفراج عن الأسرى هو حديث ناقص وغير أخلاقي وتحديدا الإفراج عن المدنيين الأبرياء المعتقلين بدون محاكمة وتحديدا المسعفين و الأطباء وعلى راسهم الطبيب/حسام أبو صفيه.
كما تغفل الخريطة قضية القدس المحتلة والمستوطنات في الضفة الغربية، وكأن غزة قطعة منعزلة عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا يتوافق مع المخطط الإسرائيلي لفصل غزة عن الضفة، والتعامل مع كل منطقة جغرافية على حدة، وتطبيع احتلال الضفة الغربية والقدس والتلال. أيضاً، الخريطة تخلو من أي ذكر لمصطلح "حق العودة" أو "حل الدولتين" أو "السيادة الفلسطينية الكاملة"، وهو ما يجعلها خالية من البوصلة السياسية. والأخطر أن الخريطة لا تشرك الفلسطينيين أنفسهم في وضعها أو تنفيذها، بل هي خطة "فوقية" تأتي من خارج الصندوق، وتفرض عليهم إما القبول أو الحرمان من الإعمار،(خطة هبطت من الفضاء في الحديقة الخلفية لغزة).
سادسا: انحياز ملادينوف للرواية الإسرائيلية واستمرار سياسة هندسة التجويع في غزة
لا يمكن إنهاء هذا التحليل دون التوقف عند الموقف المريب لنيكولاي ملادينوف نفسه، الرجل الذي يفترض أن يكون وسيطاً محايداً أو منسقاً دولياً، لكن تصريحاته وطلباته تكشف انحيازاً واضحاً للرواية الإسرائيلية على حساب الحقائق الميدانية. فطلب السيد ملادينوف من مجلس الأمن الضغط على حماس بكل السبل لتنفيذ التزاماتها، يُعد استمراراً في تبني الرؤية الإسرائيلية، ومحاولة لإيجاد مبررات لتصعيد الاحتلال ضد أهالي قطاع غزة وتشديد الحصار عليهم.
فلماذا لا يطلب ملادينوف من مجلس الأمن الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها اليومية؟ ولماذا لا يطلب منها فتح المعابر فوراً بدون شروط؟ ولماذا لا يطلب منها وقف الاغتيالات والتوغلات في غزة والضفة والقدس وتحديدا المسجد الأقصى ؟
الجواب بسيط ومؤلم،لأنه يتبنى الرواية الإسرائيلية التي ترى أن حماس هي المشكلة الوحيدة، وأن الاحتلال هو الضحية. بل إن استمرار ملادينوف بالحديث عن "زيادة المساعدات الإنسانية لغزة ودخول الشاحنات الغذائية " يخالف الواقع تماماً، فالواقع الذي نعيشه ونراه كل يوم يؤكد مواصلة الاحتلال تقييد دخول المساعدات، وإعادة هندسة سياسة التجويع، وتحويل الغذاء والدواء إلى سلاح للضغط على سكان غزة وعلى المقاومة.
فمنذ بدء حرب الإبادة على غزة، وإسرائيل تمنع دخول الوقود والكهرباء والمياه والغذاء والدواء، وتستهدف شاحنات المساعدات، وتقتل المواطنين أثناء انتظارهم الطحين، وتستخدم الجوع كسلاح حرب محظور دولياً.
فكيف يأتي ملادينوف ليقول إنه يريد زيادة المساعدات، بينما الاحتلال يغلق المعابر ويضيق الخناق يوماً بعد يوم على غزة؟
هل يقرأ ملادينوف التقارير التي تصدرها وكالات الأمم المتحدة نفسها والتي تتحدث عن مجاعة وشيكة في غزة؟ أم أن ولاءه لإسرائيل يجعله يتجاهل كل هذه الحقائق ويستمر في توجيه أصابع الاتهام نحو الطرف الأضعف هم الفلسطينيين المهجرين قسرا تحت الخيام المهترئة في غزة؟ من المهم جداً أن نكشف هذا الانحياز، لأن استمرار شخصيات دولية مثل ملادينوف في تبني الرواية الإسرائيلية هو جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل ويذكرنا بافعال وجرائم توني بلير في العراق. فبدلاً من أن يكون وسيطاً نزيهاً، أصبح ملادينوف شريكاً في تبرير جرائم الاحتلال، ومفتياً بإلقاء اللوم على المقاومة وشعبها.
اخيراً يمكن القول، ان الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى منصفين وهميين يتحدثون عن المساعدات بينما تغلق المعابر، ولا إلى وسطاء يضغطون عليهم تحت مسمى "تنفيذ الالتزامات" بينما الاحتلال الاسرائيلي لا يلتزم بشيء. إن انحياز ملادينوف للرواية الإسرائيلية ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو موقف منهجي يعكس هيمنة النظرة الغربية التي تبرئ إسرائيل دائماً وتحمّل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الفشل. وهذا الانحياز يجعل خارطة الطريق برمتها غير قابلة للتنفيذ، لأنه لا يمكن الوثوق بوسيط متحيز، ولا يمكن تطبيق خطة وضعها من يرى أن حماس هي العدو وليس الاحتلال.
-اقتراحات:
1. أقترح أن لا يتم التعامل مع خارطة طريق ملادينوف كخطة ناضجة وجاهزة، بل كنقطة انطلاق للحوار، مع إشراك كل الفصائل الفلسطينية دون استثناء في تعديلها وصياغتها بما يتناسب مع مصالح الشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية. 2. أقترح إضافة بند صريح وملزم للإفراج الفوري عن جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وربط أي تقدم في الخطة بخطوات ملموسة ومتزامنة في هذا الملف وتحديدا الإفراج عن الأطباء المعتقلين في السجون الإسرائيلية دون اي ذنب وعلى رأسهم الطبيب حسام أبوصفية . 3. أقترح تعديل آلية التحقق المشروط بحيث تكون تحت إشراف دولي محايد وليس تحت هيمنة إسرائيلية أمريكية، مع منح الفلسطينيين حق الاعتراض على أي حكم تحقق غير موضوعي. 4. أقتراح ربط مسألة نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وليس فقط من غزة، لأن المقاومة الفلسطينية ليست ظاهرة محلية بل هي رد فعل على احتلال شامل لارض فلسطين. 5. أقترح ألا تكون القوة الدولية للاستقرار قوة قتالية مسلحة، بل قوة مراقبة ومرافقة، تكون صلاحياتها محدودة بمراقبة تنفيذ الاتفاقات ومساعدة المدنيين، دون حق التدخل العسكري ضد أي طرف فلسطيني. 6. أقترح فصل ملف الإعمار كلياً عن الملفات السياسية والأمنية، والبدء فوراً في إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة إلى غزة دون أي شروط، لأن التأخير في الإعمار هو عقاب جماعي لسكان غزة الذين لا ذنب لهم في سياسات المقاومة أو الاحتلال. 7. أقترح إدراج بند واضح حول القدس المحتلة والمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، يعلن أن أي حل لمستقبل غزة لا يمكن أن يكون منفصلاً عن حل شامل للقضية الفلسطينية برمتها دون التقسيم الجغرافي للمناطق. 8. أقترح عقد مؤتمر دولي بمشاركة كل الفصائل الفلسطينية والدول العربية والإسلامية والقوى الكبرى، لصياغة خطة متوازنة تضمن حقوق الفلسطينيين أولاً قبل أي التزامات أمنية أو إدارية. 9. أقترح إنشاء صندوق إعمار غزة تحت إشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية مباشرة، مع آلية صرف شفافة تضمن وصول الأموال إلى مستحقيها دون وساطة سياسية، وبعيداً عن أي محاولة لابتزاز الفلسطينيين سياسياً. 10. أقترح عدم قبول أي خطة لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وغير مشروط من قطاع غزة، ورفع الحصار البري والجوي والبحري فوراً، لأن أي انسحاب تدريجي مشروط هو بمثابة استمرار للاحتلال بثوب جديد. 11. أقتراح للدول العربية والإسلامية ومنظمات المجتمع المدني أن ترفع تقارير موثقة إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان حول انحياز ملادينوف وطلبه الضغط على حماس فقط، للمطالبة باستبداله بشخصية محايدة. 12. أقترح تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للوقوف على حقيقة تقييد المساعدات وإعادة هندسة التجويع في غزة، ومحاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الجريمة بموجب قانون روما الأساسي.
في ختام هذا التحليل، يمكن القول إن خارطة طريق ملادينوف تحمل بعض النقاط الإيجابية القابلة للنقاش، مثل الدعوة إلى سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، وتثبيت التهدئة، وإعادة بناء الشرطة، لكنها في مجملها تعاني من عيوب بنيوية تجعلها أقرب إلى الطرح الإسرائيلي منها إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.
المشكلة الأكبر أنها تطلب من الفلسطينيين أن يقدموا كل التنازلات أولاً (نزع السلاح، وقبول القوة الدولية، وإصلاح الشرطة، والفصل بين الذراع العسكرية والمدنية) وفي المقابل تقدم وعوداً غير مضمونة بإعمار مشروط وانسحاب تدريجي قد لا يأتي أبداً. والأسوأ من ذلك، أن صاحب الخطة، نيكولاي ملادينوف، أثبت بانحيازه الواضح للرواية الإسرائيلية وطلبه الضغط على حماس فقط وتجاهله لجرائم الاحتلال واستمرار سياسة التجويع، أنه ليس وسيطاً محايداً بل جزءاً من المشكلة.
الفلسطينيون ليسوا ضد السلام أو الاستقرار أو السلطة الواحدة، لكنهم ضد الصفقات التي تشرعن الاحتلال وتطبيع عدوانه. أي خطة لمستقبل غزة يجب أن تبدأ أولاً بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار، ثم تُترك للفلسطينيين وحدهم أمر تنظيم أوضاعهم الداخلية ومؤسساتهم وحتى مقاومتهم. التدخل الدولي قد يكون مفيداً كضامن ومراقب، لكنه ليس بديلاً عن الإرادة الفلسطينية الحرة، خاصة إذا كان القائمون على هذا التدخل منحازين كما هو حال ملادينوف.
والكرة اليوم في ملعب الفلسطينيين، وكل الفصائل، لقراءة هذه الخريطة بعين ناقدة، والخروج بموقف موحد يحمي ثوابتهم ولا يفرط بحقوقهم، لأن غزة التي صمدت عامين من الابادة (رغم حجم وعمق الجراح) تحت القصف والتجويع قادرة على الصمود أمام خارطة طريق لا تحمل في جعبتها إلا المزيد من الشروط والانتظار، وقادرة أيضاً على فضح من يحاول تبرير جرائم الاحتلال تحت عباءة الوساطة الدولية.
-المراجع:
· خارطة طريق ملادينوف، مجلس السلام، البيان الصادر بتاريخ مايو 2025. · قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشأن غزة، الأمم المتحدة. · اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، 2021-2025. · تقارير لجنة التحقق الدولية حول تنفيذ الاتفاقات السابقة في غزة. · الإطار الدستوري الفلسطيني والقانون الأساسي المعدل. · مذكرات التفاهم السابقة حول نشر قوات دولية في فلسطين. · تقارير وكالة الأونروا حول تقييد دخول المساعدات إلى غزة، 2024-2025. · بيانات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن سياسة التجويع في غزة.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأمن السيبراني في فلسطين بين التحول الرقمي وإكراهات الاحتلا
...
-
أعظم اختراق استخباراتي في تاريخ اسرائيل
-
فشل الردع الإسرائيلي باعتماد المناطق الأمنية العازلة
-
المسؤولية الاجتماعية كسلاح بيئي جديد- الشركات تحاكم نفسها
-
فتح بعد المؤتمر الثامن- تجديد أشخاص أم تجديد سياسات.
-
هل يمكن لصفقة نفط سعودية - إيرانية أن تهمش إسرائيل
-
العدالة المناخية في لاهاي- كيف يمكن لمحكمة العالم أن تغير قو
...
-
الواقع الفلسطيني الكارثي ومقترحات لعقد اجتماعي جديد
-
وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب
-
ثلاث صفعات في أسبوع واحد- السعودية تحرك قطع الشطرنج العالمية
-
لماذا يدعم الغرب إسرائيل
-
نظام قانوني ملزم للأمن السيبراني من أجل مواجهة التهديدات الع
...
-
طوفان الأقصى بين مشروعية المقاومة ورهانات المواجهة
-
تدبير مخاطر الكوارث غير الطبيعية في فلسطين
-
الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإباد
...
-
السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
-
القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و
...
-
تفكيك أسطورة حقوق الإنسان
-
تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في
...
-
عمليات الاغتيال جرائم حرب وإعدام خارج القانون
المزيد.....
-
رضيع يُلقى من نافذة منزل مشتعل.. شاهد رد فعل شرطي
-
سكان من غرينلاند يحتجون ضد -طموح- ترامب أمام القنصلية الأمري
...
-
عقوبات مالية أمريكية تطال للمرة الأولى ضباطاً في أجهزة أمنية
...
-
موجة حر قاسية تضرب الهند وتتسبب بنفوق أسماك في نيودلهي
-
متظاهرون في اليونان يسيرون قرب السفارة الإسرائيلية في أثينا
...
-
مبادرة صينية باكستانية بشأن إيران.. وتقارير تشير إلى تحركات
...
-
إيران تنشر خريطة جديدة لمضيق هرمز تضم مياه الإمارات وعُمان
-
تقرير: أكثر من 2400 بلاغ تحرش واعتداء جنسي داخل الجيش الإسرا
...
-
المفاوضات في مأزق.. استمرار التباين بين واشنطن وطهران بشأن م
...
-
بعد فيديو التنكيل بالنشطاء: إيتمار بن غفير.. حالة مُنفردة أم
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|