أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإبادة في غزة















المزيد.....


الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإبادة في غزة


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان سعيد وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة: صورة لا تموت

في عالم تختزل فيه الصورة ألف خبر، تبقى بعض الصور عالقة في الذاكرة الجمعية للإنسانية ليس لأنها جميلة، بل لأنها موجعة إلى درجة التحول إلى سؤال أخلاقي دائم. من بين هذه الصور، تبرز صورة "النسر والفتاة الصغيرة" ،التي التقطها المصور الجنوب أفريقي كيفن كارتر في جنوب السودان عام 1993.

لكن الصورة الحقيقية التي يبحث عنها وعيك اليوم ليست مجرد قصة قديمة عن مجاعة ونهاية مأساوية لمصور. إنها مرآة تعكس واقعاً متكرراً، يتجسد اليوم بأبشع صوره في قطاع غزة. فما الذي يربط طفلة السودان الجائعة بأطفال غزة المحاصرين؛ وما الذي يربط نسر كارتر المفترس، بطائرات الاحتلال المفترسة لأطفال غزة وصمت العالم.هذا ما سنكشفه في هذا المقال المتواضع على النحو التالي:

أولاً : القصة الكاملة لصورة "النسر والطفلة" – كما حدثت حقيقة

1-من هو الصحفي/ كيفن كارتر، الرجل الأبيض

وُلد كيفن كارتر في 13 سبتمبر 1960 في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، في قلب نظام الفصل العنصري (الأبارتايد). منذ صغره، كان كارتر يشعر باشمئزاز عميق من التمييز العنصري والعنف الذي كان يشهده يوميًا. كان يخطط ليصبح صيدليًا، لكنه اضطر لترك الدراسة بعد تجنيده.

في الجيش الجنوب أفريقي، اكتشف كارتر، أن العنصرية كانت متفشية كما هي في الشارع. وفي حادثة محورية عام 1980، دافع عن موظف من ذوي البشرة السمراء في مطعم عسكري، فتعرض للضرب المبرح من قبل زملائه الجنود رغم انه من العرق الأبيض. هذه الحادثة زرعت فيه بذور التمرد والرغبة في كشف الظلم من طرف الأقلية البيضاء ضد الأغلبية السوداء في دولة جنوب أفريقيا.

بعد انتهاء خدمته، عمل كارتر في متجر لبيع معدات التصوير، ثم بدأ مسيرته الصحفية مصورًا رياضيًا، لكنه سرعان ما انتقل لتوثيق عُنف نظام الأبارتايد العنصري، وانضم إلى مجموعة شهيرة عرفت باسم "نادي بانغ بانغ" (Bang-Bang Club)، ضمت كلاً من؛ كيفن كارتر، وغريغ مارينوفيتش، وكين أوستربرويك، وجواو سيلفا. كانوا أربعة مصورين شبان يخاطرون بحياتهم يوميًا ليوثقوا أبشع مشاهد القمع والعنف في دولة جنوب أفريقيا.

2-الرحلة إلى السودان-مواجهة الجوع بعيون مصور حرب

في مارس 1993، سافر الصحفي/ كارتر مع زميله الصحفي/ جواو سيلفا إلى جنوب السودان، حيث كانت مجاعة مروعة تجتاح البلاد نتيجة حرب أهلية طويلة وانهيار كامل للخدمات. الصور التي خرجت من السودان كانت قليلة، لأن الصحفيين نادرًا ما كانوا يجرؤون على الاقتراب من مناطق المجاعة والنزاع المسلح هناك.

وصل كارتر وسيلفا إلى قرية صغيرة تُدعى "أيود" (Ayod)، حيث كان هناك مركز لتوزيع الطعام تديره الأمم المتحدة. وهناك، شهدا مشهدًا لا يُنسى:

مئات الأطفال والنساء ورجال بأجسام نحيفة منهكة، زحفوا على الأرض نحو أكياس الدقيق والماء؛ بعضهم لم يعد يملك القوة حتى للزحف؛ كانت العيون غائرة، والبطون منتفخة من سوء التغذية، والجلد يغطي عظامًا بارزة.

في هذا الجحيم، رأى الصحفي/ كارتر ،طفلاً صغيرًا (تبين لاحقًا أنه صبي يُدعى كونغ نيونغ، وليس فتاة) يزحف ببطء شديد نحو مركز الطعام. على بعد أمتار قليلة منه، كان نسر ضخم قد حط على الأرض، ينتظر بصبر شديد؛النسر لم يكن جائعًا فقط – بل كان يفهم أن الطفل على وشك الموت، وأنه سيصبح وجبة سهلة له للأكل.

3-اللحظة التي جمدت العالم-ماذا حدث بالضبط في هذه المأساة الأنسانية.

يقول الصحفي/جواو سيلفا، الذي كان مع كارتر في تلك اللحظة، إن كارتر انتظر حوالي 20 دقيقة، وراح يعدل وضع الكاميرا ويغير الزوايا، على أمل أن يفتح النسر جناحيه في مشهد درامي يرمز إلى المواجهة بين الحياة والموت، بين البراءة المفترسة والوحش المنتظر.

ولكن النسر لم يفتح جناحيه؛ لسبب ما، ظل صامتًا، جامدًا، كأنه جزء من الصورة الصامتة للموت.

4-شهادة سيلفا لمجلة "تايم" عام 1994

"بعد حوالي 20 دقيقة، أبعَد كارتر النسر بنفسه عن الطفل. ثم جلس تحت شجرة، وأخرج سيجارة، وبكى. ظل يردد، أريد أن أحتضن ابنتي . كان مدمرًا."

الصحفي/كارتر ،لم يلتقط الطفل، ولم يحمله إلى مركز الطعام، ولم يطلب المساعدة لأحد؛ كان مصور حرب، وقد تعلم أن دوره أن يشهد، لا أن يتدخل. التقط الصورة، ثم غادر المكان؛ هذه التفاصيل ستطارده حتى آخر يوم في حياته.

5-ماذا حدث للطفل كونغ نيونغ

بعد سنوات طويلة من الجدل، كُشف أن الطفل كان صبيًا يُدعى كونغ نيونغ. نجا من المجاعة بفضل وصوله إلى مركز الطعام، لكنه توفي لاحقًا بسبب مرض الحمى عام 2007، عن عمر يناهز 14 عامًا تقريبًا. والد الطفل قال في مقابلة عام 2011 إن ابنه نجا من الجوع، لكنه لم ينجُ من الفقر المدقع والأمراض التي تعيشها المنطقة حتى اليوم.

6-نشر الصورة تسبب بثورة غضب عالمي

في 26 مارس 1993، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الصورة في صفحتها الدولية. لم يضع المحررون عنوانًا مثيرًا، بل تركوا الصورة تتحدث. وفعلت ذلك حيث أشعلت نار الغضب في العالم.

خلال أيام، وصلت مئات الرسائل والاتصالات إلى الصحيفة. الغالبية العظمى كانت غاضبة. السؤال الأكثر تكرارًا:

"أين كان ضمير المصور؛ كيف يصور طفلة (صبيًا) تحتضر بدلًا من إنقاذها، أين الضمير"

البعض ذهب إلى أبعد من ذلك، فوصف كارتر بأنه "النسر الثاني" ؛إنسان يتغذى على موت الأطفال مقابل أضواء الشهرة وجائزة بوليتزر.

كاتبة العمود الشهيرة أ. م. روزنتال، هاجمت الصحفي كارتر، وكتبت في عمودها الإخباري:

"الرجل الذي يضبط العدسة ليحول معاناة إنسان إلى صورة تستهلكها الصحف، هو شريك في الجريمة."

تجدر الإشارة،أن ردود الفعل كانت عنيفة لدرجة أن نيويورك تايمز اضطرت لنشر توضيح خاص في 30 مارس 1993، جاء فيه:

"يذكر المصور أن الطفل استعاد وعيه بما يكفي ليكمل سيره بعد أن تم طرد النسر. ولا يُعرف ما إذا كان قد وصل إلى مركز المساعدات التابع للأمم المتحدة أم لا ."

لكن هذا التوضيح لم يوقف الهجوم بل زاد الغموض لمصير الطفل من شراسة ردود الفعل العنيفة التي انتقدت الصحفي كارتر وكانّه هو من يقف خلف النزاع المسح والمجاعة في جنوب السودان.

7-الجائزة التي قتلت صاحبها

في أبريل 1994، وبعد عام كامل من التقاط الصورة المفجعة، فاز الصحفي/كيفن كارتر، بجائزة بوليتزر للتصوير الفوتوغرافي؛ كان من المفترض أن يكون هذا قمة مسيرته المهنية؛لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.

في الشهر نفسه الذي حصل فيه على الجائزة، تم قُتل صديقه المقرب، وزميله في نادي "بانغ بانغ"، الصحفي/كين أوستربرويك، رميًا بالرصاص أثناء تغطيته اشتباكات في جنوب أفريقيا. الصحفي/كارتر ،كان يُجري مقابلة صحفية عن البوليتزر عندما سمع الخبر؛ شعر بأنه خان زميله المقتول، لأنه لم يكن معه في الميدان. كما شعر بأن الجائزة عبء كبير له؛وكان عليه أن يثبت أنه يستحقها، وعليه أن يلتقط صورًا أعظم منها. لكن الاكتئاب الذي كان يطارده منذ تجربة السودان ازداد سوءًا؛ وأضيف إليه مضاعفات اخرى منها:
- ذنب الناجي لموت صديقةالصحفي كين.
-ذنب الصورة التي اتهم بسببها بأنه لا إنساني.
-ذنب عدم كفايته كصحفي، فهو لم يستطع إنقاذ أي من الأطفال الذين صورهم.

في يوليو 1994، وبعد أن فقد عدة لفات أفلام تحتوي على صور مهمة في مطار جوهانسبرغ (كان يعتبرها فرصته لإثبات نفسه مجددًا)، انهار كارتر تمامًا.

8-الانتحار رسالة أخيرة من كارتر للعالم

في 27 يوليو 1994، عُثر على الصحفي/ كيفن كارتر ،ميتًا في سيارته في مكان منعزل بجوهانسبرغ؛ كان قد أودى بحياته عن طريق توصيل خرطوم عادم السيارة إلى داخل المقصورة؛ كان عمره 33 عامًا فقط؛ ترك وراءه رسالة انتحار قصيرة، بخط يده، وجهها لوالديه كتب فيها:

"تطاردني ذكريات حية عن جرائم القتل والجثث والغضب والألم... عن أطفال يتضورون جوعًا أو جرحى... عن رجال شرطة متهورين يطلقون النار... عن جلادين قتلة. سأذهب للانضمام إلى صديقي/ كين [أوستربرويك] ،إذا كنت محظوظًا إلى هذا الحد"؛ ثم أضاف في سطر منفصل:

"أنا حزين لدرجة أن قلبي لم يعد يتحمل. أرجوكم سامحوني."

من جانب آخر، الكثيرون رأوا في انتحاره اعترافًا مأساويًا بأنه لم يستطع تحمل ثمن الصورة؛ بينما رأى آخرون أنه ضحية لأخلاقيات مهنة تطلب منه أن يكون بلا مشاعر أمام الموت الجماعي.

ثانيا: من النسر في السودان إلى طائرات اسرائيل فوق غزة – قصة تتكرر بأبشع صورة

إذا كانت صورة كارتر قد صدمت العالم عام 1993، فما يحدث في غزة اليوم يفوق أي صورة، لأنه ليس مجرد مشهد عابر، بل إبادة جماعية ممنهجة، وصحفيوها ليسوا مجرد "شهود" محايدين، بل هم ضحايا يُقتلون مع أسرهم بسبب عملهم الصحفي تحت القصف في غزة.

1-الفروق الجوهرية بين المشهدين

لفهم القصة بشكل كامل، لا بد من مقارنة دقيقة بين السياقين:

العنصر الأساسي للغضب الدول كان بسبب صورة في جنوب السودان عام 1993 ،لكن في غزة حرب ابادة لمدة عامين من 2023-2025

في السودان كان السبب مجاعة نتيجة حرب أهلية وانهيار حكم .
لكن في غزة كان هناك حصار كامل لمدة سنوات طويلة منذ عام 2007, وثم ابادة وقصف متعمد للمنشآت المدنية في اكتوبر 2023 استمرّ لعامين متكاملين والجاني هو جيش الاحتلال الاسرائيلي،والظروف طبيعية وسياسية معقدة، لا طرف واحد جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر وممنهج.

في جنوب السودان كانت الضحية طفل واحد في صورة الصحفي/ كارتر، ولكن في غزة هناك أكثر من 17,000 طفل قتلوا حتى أوائل 2025 من اجمالي عدد الضحايا الفلسطينيين الذي بلغ 72 الف شهيد،وعدد اكثر من 175 الف جريح، في جنوب السودان كان الوسيط نسر (طائر غريزي) وفي غزة كانت طائرات F-35، ثم دبابات ميركافا، ثم ذخائر فوسفورية وعنقودية محرمة دوليا، بالطبع دور الصحفي ان يكون شاهد محايد، ولكن الحقيقة في غزة يُقصف بيته، ويُقتل أطفاله، ثم يُقصف هو شخصيا والسبب انه صحفي يكشف جرائم الاحتلال الاسرائيلي.

للمقارنة تجد ردة فعل العالم هي غضب على المصور كارتر أنه الصحفي"الأناني"؛ ولكن بالنسبة لاغتيال الصحفيين الفلسطينيين وقتلهم بدم بارد تجد صمت مطبق، وتبرير للجرائم الاحتلال الاسرائيلي، بل ومقاطعة للمصورين الفلسطينيين،وطردهم احياناً من عملهم في بعض الشركات الاروبية التي تخضع لضغوطات اسرائيل.

2-قطاع غزة يصبح الصحفي هو الخبر نفسه

في السودان، التقط كارتر صورة لطفل ونسر يحاول افتراسه، ثم عاد إلى جنوب أفريقيا ومات منتحرًا تحت وطأة الذنب. في غزة، الصحفيون الفلسطينيون لا يملكون رفاهية الندم والأمثلة عديدة منها:

-حنين أبو عيطة (22 عامًا)، صحفية فلسطينية، قُتلت في قصف اسرائيلي لمنزلها في خان يونس مع كل أفراد أسرتها، كانت صحفية شابة رائعة توثق الحياة يوميًا عبر حسابها على إنستغرام.

-بلال القدرة (32 عامًا)،مصور الجزيرة، استشهد مع عائلته في قصف اسرائيلي لمخيم الشاطئ. كان يلتقط صور الأطفال الجرحى قبل ساعات من موته.

-محمد أبو حطب، صحفي مستقل، قام بتصوير مجزرة مستشفى المعمداني، ثم قُتل هو نفسه بعد أسبوعين في غارة اسرائيلية استهدفته وهو يرتدي سترة الصحافة.

تجدر الإشارة،ان اللجنة الدولية لحماية الصحفيين ذكرت أن عامي2023-2025 كانت الأكثر دموية للصحفيين منذ بدء التوثيق،جيش الاحتلال الاسرائيلي قتل أكثر من 250 صحفي استشهدوا في غزة وحدها. الأغلبية قُتلوا مع أسرهم وهم يمارسون عملهم، أي أنهم لم يموتوا شهداء على الطريقة التقليدية كل فرد بمفرده وفي احداث متفرقة، بل أُبيدوا مع كل من يحمل اسمهم مع عائلاتهم بشكل مخطط له جيدا من قادة جيش الاحتلال.

3-من هو "النسر المفترس" في غزة

سؤال محوري تعجز الصورة عن الإجابة عليه، لكن تحليل الأحداث يكشف لنا التالي:

في صورة الصحفي/ كارتر، النسر المفترس كان طائرًا يتبع غريزة البقاء يريد اكل لحم الطفل الذي في اعتقاده انه ميت؛ وبالطبع من حق المشاهد للصورة التاريخية أن يلوم كارتر ،لأنه لم يطرد النسر باكرًا، لكن لا أحد يستطيع أن يلوم النسر على كونه نسرًا لانه يبحث عن طعام.

لكن الأمر مختلف في غزة، فالنسر ليس طائرًا، بل هو طائرات عسكرية متنوعة جاءت للقتل، هي سلاح غربي الصنع منها (أمريكي، ألماني، بريطاني) جميعها تستخدم لقتل الأطفال الفلسطينيين بشكل متعمد. الطائرات الاسرائيلية (لا تنتظر الأطفال ليموتوا جوعًا)، بل تنتظرهم في مدارسهم، في مستشفياتهم، في غرف نومهم؛ والطيارون الإسرائيليون ليسوا غريزيين مثل النسر الجائع، بل هم ضباط متدربون يعرفون بالضبط ما يفعلونه من عمليات قتل وابادة في غزة، ويشربون القهوة بعد العودة من المهمة ويحتفلون بذلك.

كذلك، المجتمع الدولي يلعب دورًا مرعبًا؛ في حين أن النسر الجائع في السودان يمكن للصحفي أن يبعده بيديه، فإن المجتمع الدولي يصر على تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي والعلامة التجارية للنسر الجديد قاتل الأطفال في غزة.

لذلك، عندما كان السؤال الأخلاقي في التسعينات، "من النسر المفترس؛ هل هو الصحفي الذي صور المشهد؛ أم النسر الجائع الذي تربص بالطفل ليأكله"؛ لكن السؤال اليوم يجب أن يكون مختلفاً ،"من المسؤول؛ إسرائيل التي تقصف المدنيين الأبرياء في قطاع غزة؛ أم الولايات المتحدة الأميركية التي تزودها بالسلاح أم العالم الذي يصمت على جريمة الإبادة الجماعية في غزة" أو الطرفين معًا يتحملون المسؤولية الجنائية عن عمليات القتل.

4-معضلة الصورة في زمن الإبادة الجماعية

الصحفي الفلسطيني في غزة اليوم يواجه معضلة أخلاقية مضاعفة، لأنه:

-ليس محايدًا، لانه فلسطيني يعيش تحت الاحتلال قبل أن يكون صحفيًا. أطفاله يموتون، بيته مدمر، عائلته مشردة. لا يمكنه أن "يشهد فقط"، لأنه اصبح جزء من المشهد.

-لا يستطيع الإنقاذ، ربما في السودان عندما كان الصحفي/ كارتر (في أسوأ الأحوال) كان بمقدورة ويستطيع تقديم المساعدة، أن يحمل الطفل إلى مركز الطعام الأممي؛ لكن في غزة، الصحفي لا يستطيع أن ينقذ طفله المولود لحمه ودمه من القنبلة الموجهة اليه التي تزن طن وأكثر من المتفجرات، ناهيك عن طفل غيره في الشارع او المدرسة او اي مكان في غزة. "الإنقاذ" الوحيد الممكن هو توثيق الجريمة على أمل أن يتحرك العالم لوقفها ولمحاسبة مجرمي الحرب من قادة جيش الاحتلال الاسرائيلي.

-جيش الاحتلال يستهدف عمدا وبشكل مخطط له مسبقا كل من يرتدي سترة "صحافة" ؛وفي غزة لا يحصل الصحفي على أي حصانة، بل يصبح هدفًا مشروعًا في نظر الاحتلال، كما تظهر عشرات الحالات الموثقة لصحفيين فلسطينيين قُتلوا وهم في سيارات تحمل شعار "TV" أو "Press".

هذا يعني أن الصحفي الفلسطيني لا يملك حتى رفاهية البقاء على قيد الحياة؛ حتى يشعر بالذنب مثل الصحفي/ كارتر الذي مات منتحرًا بعد 15 شهرًا من الصورة المأساوية التي أشعلت بركان من الغضب ضدة. لكن الصحفي الفلسطيني في غزة، يُقتل خلال ساعات من التقاط الصورة، أو قد يظل على قيد الحياة ليرى صور جثث أطفاله تنتشر قبل أن يُستشهد هو ليلتحق باطفاله وأسرته.

5-من الذي يحاكم اليوم.

عندما نشر الصحفي/ كارتر صورته، كان القارئ الغربي في نيويورك ولندن وباريس هو من أطلق حملة اتهامات غاضبة ضد كارتر. الجمهور كان يشعر بالصدمة، ثم بالغضب، ثم بالراحة لأنه "أدان" من يتحمل المسؤولية عن الوضع البائس للطفل،طبعا هو (المصور).

للمفارقة اليوم، نفس القارئ الغربي الذي يتغنى بحقوق الإنسان والذي غضب من صورة النسر الجائع والطفل المنهك جوعا،يشاهد صور الأطفال الفلسطينيين الممزقين على شاشته، لكنه لا يدين من يتحمل المسؤولية وهي حكومته التي تمول اسرائيل بالسلاح، أو الرأي العام في الغرب الذي لم يضغط لوقف الحصار؛ وبدلًا من ذلك، يُعاد توجيه السؤال نحو "كيف نضمن ألا تكون الصور مفبركة في غزة"، أو "لماذا يصور الفلسطينيون جثث أطفالهم وهم مقطعين أشلاء بسبب القصف الاسرائيلي".

إنه تحويل متعمد للاتهام، بدلًا من محاكمة الجلاد الاسرائيلي الذي نفذ الجريمة، تُحاكَم الضحية التي تلتقط الصورة. وبدلًا من إدانة صناع القرار، تُدان الكاميرا التي فضحت جرائم حرب الإبادة في غزة.

ثالثاً : ماذا لو عاد الصحفي/كارتر ،اليوم ليرى حرب الإبادة في قطاع غزة.

تخيل لو أن الصحفي الجنوب أفريقي/ كيفن كارتر ،عاد إلى الحياة اليوم، وجلس أمام شاشته لمشاهدة تغطية حرب الإبادة في غزة؛ ماذا سيشعر، مجازا ربما بالتالي:

أ- سيشعر بصدمة بحجم المذبحة وحرب الإبادة الجماعية في غزة. لانه لم يشهد في حياته أبدًا هذا العدد من الأطفال القتلى في فترة زمنية قصيرة على مدار عامين من الابادة من اكتوبر/2023 إلى أكتوبر/2025, تم قتل اكثر من 17 الف طفل فلسطيني من مجموع 72 الف قتيل فلسطيني وإصابة اكثر من 175 الف جريح؛ وبالتأكيد مجاعة السودان كانت وحشية، لكنها كانت بطيئة، عشوائية، نتيجة انهيار دولة السودان بسبب الحرب الاهلية. ولكن حرب الإبادة في غزة هي عملية منظمة، بأهداف واضحة، باستخدام تكنولوجيا متطورة من طرف جيش الاحتلال الاسرائيلي وبمساعدة التكنولوجيا والأسلحة الأمريكية.

ب- سيشعر الصحفي كارتر، بالحسرة على زملائه الصحفيين الفلسطينيين. ربما يتعرف على وجوههم الشابة، ويتذكر نفسه في بداية التسعينات؛ شغوف، شجاع، يؤمن بأن الصورة قد تغير العالم. لكنه سيدرك الفرق؛ هو عاد إلى جنوب أفريقيا وكتب رسالة انتحار؛ وفي غزة هم يموتون في الميدان ولا يعودون إلا أشلاء وجثامين متفحمة من اثر القنابل الاسرائيلية التي مزقتهم أربا.

ج- سيشعر كارتر، بالغضب من ازدواجية المعايير الدولية. لماذا العالم يبكي على صورة طفل في السودان ويغضب على المصور، لكنه لا يبكي على آلاف الأطفال في غزة ولا يغضب على قاتليهم في جيش الاحتلال الاسرائيلي؛ أليس من الأسهل توجيه اللوم إلى (كاميرا واحدة)، بدلًا من توجيه اللوم إلى منظومة عسكرية كاملة مدعومة من أقوى دول العالم.

د-ربما سيشعر الصحفي كارتر، ببعض الراحة المأساوية، أنه مات قبل هذا الزمن الذي يصمت فيه العالم على قتل الأطفال والنساء ؛ وقبل أن يرى كيف يمكن للإبادة الجماعية في قطاع غزة، أن تجري وتنقل على الهواء مباشرة، وألا يتحرك العالم ويبقى صامتا دون التحرك لفرض عقوبات على اسرائيل.

خلاصة القول، بعد 30 عامًا على صورة كارتر التاريخية في معركة البقاء بين النسر الجائع والطفل المنهك جوعا وعطشا وخوفاً وموتا بطيئا، لا تزال المعضلة الأخلاقية دون حل؛ لكن السياق تغير تمامًا كما يلي:

-في السودان، المشكلة الرئيسية كانت محلية: حرب أهلية، مجاعة، فشل إنساني؛ والصحفي كارتر الجنوب أفريقي، كان "ضيفًا" على المأساة وليس مشاركاً فيها من قريب أو بعيد، وعاد إلى بلده متوجعا وضميره .

-في غزة، المشكلة كانت ومازالت دولية؛ حصار اسرائيلي خانق على قطاع غزة استمرّ لأكثر من عشرين عام بغطاء أمريكي، توفير سلاح غربي لاسرائيل من واشنطن وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرهما، صمت أوروبي على جرائم ضد الأنسانية في غزة والضفة والقدس المحتلة، توجه اسرائيلي ممنهج لهندسة التجويع وقتل الأطفال كسياسة في غزة. اما الصحفي الفلسطيني هو ليس ضيفًا في غزة، بل هو فلسطيني صاحب الارض، يصور مذبحة اخوته وجيرانه وأبناء شعبه وفي النهاية يصور الضحايا من عائلته ثم يلتحق بهم شهيدا بعد استهدافه وقتلته بدم بارد من جيش الاحتلال الاسرائيلي.

ربما الدرس الأهم الذي نأخذه من تجربة الصحفي/ كارتر ،اليوم ،ليس عن الصحافة، بل عن ضمير الإنسان. كارتر (بكى تحت الشجرة)، لأنه عجز عن إنقاذ طفل واحد ووحيد من نسر جائع. وثم اصبح مريضا بالاكتئاب وثم انتحر لأنه لم يتحمل عجز الصورة عن تغيير العالم. لكن بعد 30 عامًا من حادثة النسر عام 1993، العالم لم يتغير. بل ازداد قسوة ولم يفعل شيء لإنقاذ الأطفال الأبرياء في غزة.

بينما ننهي هذا المقال، هناك أطفال في غزة تموت جوعًا تحت حصار اسرائيلي متعمد، وهناك أطفال فلسطينيون آخرين تحت الأنقاض، وهناك أطفال تصرخ في مستشفى بلا دواء ولا أكسجين للمولودين حديثا من (الأطفال الخدج)، وعلى الجانب الاخر في دولة الاحتلال الاسرائيلي،هناك من يضحك وهو جالس داخل طائرته العسكرية الاسرائيلية،بعد ان يقصف المدنيين من الأبرياء الأطفال والنساء والشيوخ في قطاع غزة.

اخيراً،ربما السؤال الذي تطرحه صورة الصحفي/ كارتر ،لن ينتهي،أي سيبقى السؤال يطارد ضمائركم جميعا حتى تنتهي جرائم القتل الجماعي باسم السياسة والدين والعرق؛ لأنه في النهاية، كل طفل يموت بسبب إنسان آخر، وكل صحفي يُقتل بسبب خوف الحكومات والأنظمة الاستعمارية من الكاميرا التي يحملها، وكل مشاهد يبتعد عن الشاشة بسبب ثقل الألم لن تنتهي هذه المأساة الأنسانية إلا بانتهاء القتل وهندسة الجوع وانتهاء الاحتلال.

وربما السؤآل الاستشرافي الأصعب إلى كل الذين يقرأون ويشاهدون اليوم جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية وحرب الابادة في غزة؛ هل نحن شهود على هذه الجرائم الخطيرة مثل الصحفي/ كارتر؛ أم نحن جميعا نسور جائعة مفترسة تتربص بمشاهد الموت؛ أم نحن مجرد أرقام لا نملك الضمير أو القدرة أو الإرادة للتغيير.

ربما الإجابة نجدها عند كل واحد منا. لكن السياق التاريخي يقول إن من يقف مكتوف الأيدي أمام الإبادة هو شريك فيها؛ ومن يكتفي بـ "الإدانة" دون فعل مثلما تفعل بعض الحكومات وبعض المنظمات الدولية، هو نسر جائع ومفترس بوجه إنساني.

في النهاية نقول ان الصورة لم يغلق ملفها بعد؛وغزة ستظل السؤال الأخلاقي الأكبر في زمننا، حتى ينتهي الاحتلال الاسرائيلي من فوق ارض فلسطين، أو ينتهي الضمير العالمي.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
- القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و ...
- تفكيك أسطورة حقوق الإنسان
- تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في ...
- عمليات الاغتيال جرائم حرب وإعدام خارج القانون
- مبدأ -ما لا يأتي بالقوة ياتي بمزيد من القوة-
- المحكمة الجنائية للأفارقة والبلطجية فقط
- المحراث النووي من مشروع أمريكي مهجور إلى شبح يلوح في سماء ال ...
- الأداة الرقمية كآلية لتحديث عمل المحكمة الجنائية الدولية- عص ...
- مساحة -رد الفعل- بدل -الفعل- في النظام الدولي الحديث
- التحولات الاستراتيجية في الفكر السياسي الفلسطيني بعد طوفان ا ...
- القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب
- التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع
- جريمة العصر بنك الجلود الإسرائيلي من جثامين الشهداء الفلسطين ...
- الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي
- المنطقة الرمادية ذريعة سردية أكثر منها ظاهرة في القانون الدو ...
- هل من مسار بديل لإصلاح الأمم المتحدة بعد 80 عام من التأسيس.
- العملة الرقمية أداة تحكم سياسي وانهاء لعصر الكاش.
- فشل السياسة العمومية الفلسطينية المتعاقبة؛ أزمة شرعية أم أزم ...
- آليات عزل إسبانيا،وأزمة جزر فوكلاند.


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإبادة في غزة