أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي















المزيد.....

الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 20:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية

مقدمة

لطالما اتسم القانون الدولي بثنائية الجاذبية بين التمسك بثوابت تحقق الاستقرار والتنبؤ، ومواكبة متغيرات المجتمع الدولي الذي لا يعترف بالجمود. فمنذ ظهور الإسلام، ومن بعدة نشأة معاهدة وستفاليا (1648) وحتى اليوم، شهدت وظائف القانون الدولي تحولات جذرية من قانون للتعايش بين الدول ذات السيادة إلى قانون للتعاون، ثم إلى قانون متجه نحو التكامل والتضامن، بل وحماية القيم المشتركة للإنسانية. هذا الانتقال لم يلغِ الثوابت الأساسية، بل أعاد صياغتها في سياقات جديدة تفرضها العولمة والاعتماد المتبادل وتحديات الأمن الجماعي وحقوق الإنسان والبيئة.

إشكالية المقال

انطلاقاً مما سبق، يمكن صياغة الإشكالية المحورية التالية:

إلى أي مدى يمكن القول إن تحولات وظائف القانون الدولي المعاصرة أفضت إلى تجاوز ثوابته الجوهرية (كدولة وسيادة ومصادقة)؛ أم أن هذه الثوابت لا تزال تشكل الإطار المرجعي الذي يعيد إنتاج نفسه ضمن متغيرات ظرفية؛ وكيف يمكن التوفيق بين ضرورة الاستقرار القانوني وضرورة التكيف مع المخاطر العابرة للحدود.

الإجابة: الثابت والمتغير في ضوء تحول الوظائف

أولاً: ثوابت القانون الدولي التي لم تتبدل

1. سيادة الدولة كوحدة أساسية ثابتة:
رغم بروز فاعلين غير دوليين (منظمات حكومية وغير حكومية، شركات متعددة الجنسيات، أفراد)، تظل الدولة وسيادتها هي الثابت المخول الأساسي بصنع القانون الدولي (الذي ينبع من إراداتها السيادية عبر المعاهدات والعرف) وهي الطرف الرئيسي في تحمل المسؤولية الدولية.

2. مبدأ السيادة والمساواة القانونية:
لا تزال المادة 2/1 من ميثاق الأمم المتحدة تؤكد على المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. حتى في مجالات حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، تخضع أي تدخلات (كعقوبات اقتصادية أو تدخل إنساني) إما لتفويض من مجلس الأمن، أو موافقة الدولة المعنية، وهو ما يثبت بقاء السيادة كحصن أخير.

3. أساس الرضا (الموافقة) كمصدر للإلزام:
لا يكفل القانون الدولي على دولة دون رضاها الصريح أو الضمني (باستثناء القواعد الآمرة jus cogens التي تمثل استثناء نادراً). المعاهدات، والعرف، وحتى المبادئ العامة، تنبع في النهاية من إرادة الدول.

4. مبدأ المساواة في الحقوق والتمتع بالاحترام:
يبقى مبدأ المساواة بين الدول الكبرى والصغرى في الحقوق الأساسية راسخاً، وإن كان تطبيقه العملي يظهر تفاوتاً في النفوذ، لكن القانون الدولي لا يقر هذا التفاوت نظرياً بسبب القوة العسكرية أو الاقتصادية.

ثانياً: المتغيرات الجوهرية في وظائف القانون الدولي

1. من وظيفة حفظ التوازن بين الدول إلى وظيفة حماية القيم المشتركة:
القانون الدولي التقليدي كان محايداً تجاه النظام الداخلي للدول. أما اليوم فنجد التالي:

-القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض معايير مباشرة على الدول تجاه أفرادها باعتبارها قيم مشتركة متغيرة.

- قانون الجرائم الدولية (اتفاقية روما 1998) يقرّ المسؤولية الجنائية الفردية حتى وإن كان الفاعل رئيس دولة (شخصية القوانين).

-قواعد الحماية الدولية للبيئة (اتفاقية باريس 2015) تفرض التزامات لا تقبل التحفظ بسهولة.

2. من ثنائية القانون الداخلي والدولي إلى التداخل الوظيفي:
لم يعد الفصل بين النظامين صارماً. فالقوانين الداخلية تُفسَّر في ضوء الالتزامات الدولية (كقضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، والقواعد الدولية تُنفَّذ عبر آليات داخلية (كقوانين مكافحة الإرهاب وتمويله). بل نشأت قوانين مثل "قانون دولي للرقابة الإدارية" في مجالات الصحة والأمن الغذائي.

3. من الإجراءات الدبلوماسية البطيئة إلى آليات صنع القرار السريع:
ظهرت كيانات تقوم بوظائف تشريعية وقضائية وتنفيذية هجينة، مثل مجلس الأمن (قراراته ملزمة بموجب الفصل السابع)، والمحكمة الجنائية الدولية (اختصاص تلقائي في بعض الحالات)، ومنظمة التجارة العالمية (آلية فض النزاعات بشبه إلزامية)، مما خلق دون تكريس حكومة عالمية نزوعاً نحو "دسترة" بعض فروع القانون الدولي.

4. بروز الأفراد كأصحاب حقوق وواجبات مباشرة:
المسؤولية الجنائية الفردية (محاكم نورمبرغ، يوغوسلافيا، رواندا)، وحق تقديم الشكاوى الفردية (البروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وحق اللجوء وحماية اللاجئين، كلها وظائف جديدة ليست وسيطة عبر الدولة.

من جهة أخرى،هناك نماذج تحليلية تطبيقية نذكر منها التالي:

النموذج الأول: التدخل الإنساني وحماية المدنيين

في ليبيا (2011) استند مجلس الأمن لقرار 1973 تحت الباب السابع لحماية المدنيين، وهو تحول في وظيفة القانون الدولي من الحظر المطلق لاستخدام القوة (الذي يبقى ثابتاً في المادة 2/4) إلى إباحة الاستثناءات لحماية قيم عليا. لكن التطبيق أظهر تشدداً لاحقاً (سوريا مثلاً حيث عُطل المجلس قرار التدخل)، مما يؤكد أن الثابت (السيادة + إجماع كبار الأعضاء الدول الخمس لهم حق النقض الفيتو) قادرين على كبح المتغير عندما يشاءون.

النموذج الثاني: القواعد الآمرة (Jus Cogens)

حظر الإبادة الجماعية، والتعذيب، والرق، والعدوان، تطور من قواعد عرفية إلى قواعد قطعية لا يجوز مخالفتها ولا التحفظ عليها. هذا يمثل متغيراً كبيراً من المتغيرات لحماية القيم المشتركة (لأنه يحد من السيادة النظرية)، لكنه ثابت أيضاً لأنه لم يضف إليها قواعد جديدة بسهولة (كحظر الفقر المدقع أو تغير المناخ لم يرقَ إلى هذه المرتبة).

من هنا نشير الى عدة اقتراحات لتطوير الوظائف في ضوء الثابت والمتغير كما يلي:

1. إقرار مبدأ "المرونة المحكومة":
إنشاء آليات مشروطة تسمح بتجاوز بعض الثوابت (كالموافقة المسبقة) في حالات الكوارث العابرة للحدود، مع رقابة قضائية دولية مسبقة ولاحقة لضمان عدم الانزلاق نحو الاستبداد الدولي.

2. تفعيل دور المحاكم الإقليمية كجسور:
المحاكم الأوروبية، والأفريقية، والأمريكية لحقوق الإنسان يمكنها تطوير وظائف القانون الدولي من دون القفز فوق السيادة، عبر الولاية القضائية الاختيارية والتفسير التدريجي.

3. اعتماد مدونة سلوك دولية للفاعلين غير الدوليين:
الشركات المتعددة والمنظمات غير الحكومية تكتسب نفوذاً واقعياً، لذا يُقترح تطوير صكوك غير ملزمة قانونياً لكنها أخلاقياً وإدارياً (كالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان) لسد الفجوة بين الثابت والواقع المتغير.

4. إعادة النظر في حق النقض (الفيتو):
ليس بإلغائه مباشرة (فهو من الثوابت الصعبة)، بل بتقييده في حالات الجرائم الجماعية، عبر اقتراح "تعليق تلقائي" للحق عندما يثبت تقرير أممي أولي وجود جرائم ضد الإنسانية.

في الختام، القانون الدولي المعاصر ليس أمام معادلة صفرية بين ثابت ومتغير، بل هو في حالة ترحال دائم بين قطبي الثبات والتحول. الثوابت الحقيقية هي الدولة، السيادة، أساس الرضا، المساواة النظرية لم تختفِ، لكنها أعيدت قراءتها في سياقات جديدة؛ السيادة لم تعد مطلقة بل وظيفية مرتبطة بحماية الإنسان والأمن الجماعي؛ والموافقة لم تعد شرطاً ضرورياً في كل الحالات بظهور قواعد آمرة فوق إرادة الدول؛ والمساواة أصبحت موزونة بالاعتماد المتبادل الذي يكرس قيادة فعلية للدول الكبرى في آليات التنفيذ.

العبرة ليست في تعداد (الثوابت والمتغيرات) جرداً، بل في فهم كيف يعيد القانون الدولي إنتاج نفسه؛ كل متغير ينجح اليوم قد يصبح ثابتاً غداً بعد تراكم الممارسة (كإنشاء المحكمة الجنائية الدولية 1998, وتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب). وبالمقابل، كل ثابت يظل صامداً لكن بغطاء قانوني جديد (كالسيادة التي أصبحت تُمارس عبر الالتزام بالمعاهدات لا التعارض معها).

اخيراً،يبقى السؤال الاستشرافي؛ هل سيكون المجتمع الدولي قادراً على إدارة هذا التوتر بين (الثابت والمتغير)،دون الانزلاق إما إلى فوضى ناعمة مثل (تجاهل القواعد)، أو جمود متصلب مثل حالات (شلل أمام المخاطر المعاصرة)؛ يبقى الجواب مرهون بقدرة الفاعلين الدوليين على إبداع توافق حول "حد أدنى من القيم المشتركة" تجعل من القانون الدولي حقاً قانوناً وليس مجرد أداة للسياسة بيد الدول الكبرى.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنطقة الرمادية ذريعة سردية أكثر منها ظاهرة في القانون الدو ...
- هل من مسار بديل لإصلاح الأمم المتحدة بعد 80 عام من التأسيس.
- العملة الرقمية أداة تحكم سياسي وانهاء لعصر الكاش.
- فشل السياسة العمومية الفلسطينية المتعاقبة؛ أزمة شرعية أم أزم ...
- آليات عزل إسبانيا،وأزمة جزر فوكلاند.
- الضربة الاستباقية لتدمير تركيا
- رئيس يبكي في القدس وشعب يأكل لحم الحمير
- تجربة الموت في غزة مع الدرونز الإسرائيلية (الزنانة).
- ماسك: جيفري ابستين على قيد الحياة في اسرائيل
- رئيس مجلس سلام غزة يسرق 17 مليار دولار ويحولها لإسرائيل
- أسطول البعوض الإيراني يرعب واشنطن
- مشروع جديد لتجاوز هرمز بين الطموح الجيوسياسي وحقائق الواقع ا ...
- انتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية: جدلية التمييز بين الحق في ...
- ا‎نهيار تام في مكانة اسرائيل عالميا بشهادة مركز نيو الأمريكي
- زلزال سياسي في أوروبا- سقوط أوربان بعد 16 عامًا من الحكم.
- لماذا نضخم عمل الذكاء الاصطناعي
- ترمب ونظرية الرجل المجنون
- -زلة لسان ترامب- – بين الاعتراف بجريمة حرب والفضيحة الاستخبا ...
- التوصل لاتفاق وقف الحرب رغم تهديدات -يوم القيامة-
- رسوم السفن في المضائق الدولية وتطبيقها على مضيق هرمز.


المزيد.....




- نص يوناني على بطن مومياء مصرية.. اكتشاف أثري غير مسبوق في ال ...
- بسبب إيران.. جدال يشعله قانون -صلاحيات الحرب- ومهلة الـ60 يو ...
- مع حلول يوم تقديم إيران مقترحها المعدل.. هكذا تبدو خيارات ال ...
- -ماذا سيحدث عندما تدق ساعة الستين يوماً في حرب ترامب؟- - مقا ...
- لبنان.. ملامح الجدة في حفل لكشف جنس المولود تتصدر الترند
- الذكاء الاصطناعي.. هل يشكل ثورة في عالم التوحد؟
- البحرين تحرم 69 شخصا الجنسية بسبب -تمجيدهم- للهجمات الإيراني ...
- هل يلتف هيغسيث على قانون -صلاحيات الحرب- لتمديد العمليات ضد ...
- لماذا يخشى وادي السيليكون ذكاء الصين الاصطناعي؟
- هذه ليست صور -قبل وبعد-.. بل حكايات جيل في غزة يعيد اختراع ن ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي