عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 15:12
المحور:
قضايا ثقافية
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية
في خضم الضجة الإعلامية التي رافقت الإعلان عن مشروعي (ميثوس أسطورة او خرافة)، و(جناح زجاجي فراشة غلاي وينغ)،
Mythos وGlasswing، يبرز سؤال جوهري ربما يكون أكثر أهمية من تفاصيل المشاريع نفسها: هل نقع جميعاً، بما في ذلك الخبراء والشركات الكبرى ووسائل الإعلام في فخ المبالغة عندما نتحدث عن قدرات الذكاء الاصطناعي؛ أم هل الذكاء الاصطناعي حقاً بهذه الخطورة التي تُصوَّر لنا؛ أم أن هناك دوافع خفية تجعل الشركات تروّج لصورة "الوحش القادم" وتضخيم الأمور.
سابقة تاريخية من المبالغات
ليست هذه المرة الأولى التي تطلق فيها شركات التكنولوجيا الكبرى تصريحات مثيرة حول نماذج ذكاء اصطناعي "خطيرة للغاية". قبل Mythos بسنوات، رفضت شركة OpenAI إطلاق نموذج GPT-2 بدعوى أنه قادر على توليد نصوص مضللة بشكل جماعي يشكل تهديداً للديمقراطيات. بعد عامين من الترقب والحذر، تبين أن التهديد كان مبالغاً فيه إلى حد كبير، وأن النموذج لم يحدث التحول الكارثي الذي توقعته بعض التحليلات المتشائمة. هذا النمط يتكرر؛ شركة تعلن عن اكتشاف ثوري، ثم ترفض مشاركته بداعي الخطر، ثم تتراجع عن الادعاءات لاحقاً بعد أن تتبين محدودية القدرات الحقيقية. النقاد المستقلون يشيرون بصراحة إلى أن إعلان Anthropic عن Mythos قد يكون مجرد "حيلة دعائية" متقنة تهدف إلى جذب الاستثمارات والعقود الحكومية، خاصة في ظل الغياب التام للتفاصيل التقنية القابلة للتحقق والنشر العلمي المحكم.
للإشارة،هناك قدرات حقيقية لكنها محدودة، دعنا نكون منصفين في تقييمنا؛ الذكاء الاصطناعي المتقدم يمتلك بالفعل قدرات مثيرة للاهتمام في مجال الأمن السيبراني، ويمكنه اكتشاف أنماط برمجية متكررة قد تشير إلى وجود ثغرات، كما يستطيع علاج بعض مهام اختبار الاختراق الأساسية التي كانت تتطلب ساعات من العمل البشري، لكن ما لا تستطيع النماذج الحالية فعله هو الفهم السياقي العميق للأنظمة المعقدة،والثغرات الأمنية الحقيقية الخطيرة غالباً ما تتطلب فهم طريقة عمل النظام ككل، وليس مجرد تحليل سطور برمجية منعزلة.
كما أن الإبداع الهجومي الحقيقي، ذلك الذي ميز هجمات مثل Stuxnet التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، يتطلب معرفة هندسية وفيزيائية وسياسية مترابطة، وليست مجرد اكتشاف ثغرات برمجية. والأهم من ذلك، القدرة على ربط ثغرات متعددة عبر مجالات مختلفة بالكامل؛ ثغرة في بروتوكول شبكة، مع ثغرة في نظام تشغيل، مع ثغرة في تطبيق ويب، مع هندسة اجتماعية موجهة – هذا المستوى من التنسيق الهجومي متعدد الطبقات لا يزال بعيداً جداً عن قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، مهما كانت متقدمة.
بناءً على ما سبق، ما هي دوافع المبالغة ولماذا تروّج الشركات للخطر القادم من الذكاء الاصطناعي.
هناك دوافع واضحة وقوية تدفع الشركات إلى تضخيم قدرات نماذجها وتصويرها على أنها أكثر خطورة مما هي عليه. أول هذه الدوافع هو جذب الاستثمارات، فالمستثمرون في وادي السيليكون وفي جميع أنحاء العالم يدفعون مبالغ أكبر بكثير للشركات التي تمتلك تقنيات توصف بأنها "ثورية" أو "خارقة". العناوين المثيرة مثل "نموذج خطير جداً لدرجة أننا لا نستطيع إطلاقه" تثير الفضول وتجذب الانتباه الإعلامي والاستثماري على حد سواء. كما أن تصوير النموذج على أنه خطر وجودي يبرر فرض قيود تنظيمية على المنافسين، مما يخلق ميزة تنافسية غير عادلة. وأخيراً، وكالات الدفاع والأمن القومي في الدول الكبرى تبحث باستمرار عن أحدث التقنيات لحماية مصالحها، وهي مستعدة لدفع مبالغ طائلة حتى لو كانت الادعاءات مبالغاً فيها إلى حد ما، لأن كلفة تفويت فرصة حقيقية أكبر من كلفة شراء تقنية أقل فعالية مما وعد به البائع.
بالعودة للتضخيم الإعلامي لهذه البرامج،ماذا يقول الخبراء المستقلون.
اغلب آراء الباحثين المستقلين والأكاديميين الذين لا تربطهم مصالح مالية بالشركات، تميل بشكل واضح إلى التشكيك في الادعاءات الضخمة. فقد أثبتت تجارب متكررة أن نماذج صغيرة ومفتوحة المصدر، طورها باحثون أكاديميون بميزانيات متواضعة، اكتشفت نفس الثغرات التي اكتشفها برنامج ميثوس Mythos. هذا يشير إلى أن القدرة المعلنة ليست فريدة أو خارقة، بل هي تطور طبيعي يمكن تحقيقه بموارد أقل بكثير مما توحي به الشركة.
كما أن الغياب التام للشفافية ،مثل عدم نشر التفاصيل التقنية أو الأوراق البحثية المحكمة، يجعل من المستحيل علمياً التحقق من الادعاءات، والأكثر إثارة للقلق هو تضارب المصالح الواضح؛ شركة تطور نموذجاً تصفه بأنه "خطير جداً"، ثم تبيع في الوقت نفسه الحل الدفاعي الوحيد ضده من خلال مشروع جناح زجاجي-Glasswing، لديها مصلحة مالية مباشرة وواضحة في تضخيم التهديد،وهذا يشبه إلى حد كبير شركة أمن تطلق فيروساً ثم تبيع الترياق للعلاج من الفيروس مثلما تفعل الشركات الاسرائيلية لبيع الأدوية .
من هنا نشير إلى عدة نماذج تاريخية على المبالغة في تقدير التكنولوجيا وكثرة التحذير من خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي ،ولفهم ظاهرة المبالغة بشكل أعمق، نعرض لكم نماذج سابقة من تاريخ التكنولوجيا، التي تكرر نفس النمط مراراً وتكراراً ومنها النماذج التالية:
النموذج الأول: السيارات ذاتية القيادة – منذ أكثر من عقد، والشركات الكبرى مثل Tesla وWaymo تطلق تصريحات متفائلة حول قرب وصول السيارات ذاتية القيادة بالكامل؛في عام 2016، وعد إيلون ماسك بأن سيارات Tesla ستكون قادرة على القيادة الذاتية الكاملة خلال عامين. في 2019، قال إنه بحلول 2020 سيكون هناك مليون سيارة أجرة ذاتية القيادة على الطرق؛ نحن الآن في عام 2026، وما زلنا بعيدين جداً عن القيادة الذاتية الكاملة. هذا النموذج يعلمنا أن الفجوة بين التجارب المعملية الواعدة والتطبيق الواقعي الشامل قد تكون أكبر بكثير مما تروج له الشركات المصنعة التي تبحث عن الأرباح وتستخدم أسلوب التضخيم الإعلامي للترويج للمنتجات والخدمات.
النموذج الثاني: أسلحة الليزر وأنظمة الدفاع الصاروخي – على مدى عقود، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن تطوير أنظمة ليزر قادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية.
الرئيس الأمريكي/رونالد ريغان ،أطلق في الثمانينات "مبادرة الدفاع الاستراتيجي" التي أطلق عليها الإعلام اسم "حرب النجوم"، ووعدت بجعل الأسلحة النووية "عاجزة وقديمة". بعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات على مدى أربعة عقود، لا تزال هذه الأنظمة غير قادرة على اعتراض صاروخ باليستي متقدم في ظروف قتال حقيقية. القصة هنا مشابهة لما يحدث مع برنامج ميثوس الاسطورة Mythos، هي عروض مبهرة في بيئات مثالية ومتحكم بها، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً.
النموذج الثالث: الترجمة الآلية – في عام 2016، أعلنت Google عن نظام الترجمة العصبية ووصفته بأنه "قفزة هائلة" في جودة الترجمة. البعض ذهب إلى القول بأن الترجمة البشرية أصبحت في طريقها إلى الزوال، ولكن بعد مرور سنوات، مازالت الترجمة الآلية ترتكب أخطاء جسيمة في السياقات الدقيقة، والنكات، والتعبيرات الثقافية، والنصوص الأدبية، مع العلم ان الترجمة الآلية أصبحت أداة مفيدة جداً، لكنها لم تحل محل المترجم البشري، ولا حتى قريبة من ذلك.
النموذج الرابع: تضخيم تهديد "الإنترنت المظلم".
في أوائل عام 2010، روجت وسائل الإعلام لقصص مرعبة حول "الإنترنت المظلم" Deep Web كملاذ آمن للإرهابيين وتجار المخدرات. الصور التي رسمتها الأفلام الوثائقية جعلت الكثيرين يعتقدون أن الإنترنت السطحي الذي نستخدمه يومياً لا يشكل سوى 5% من الإنترنت، وأن الباقي هو "منطقة قانونية خطيرة"، ثم اتضح ان الحقيقة أقل إثارة بكثير، ومعظم "الإنترنت العميق" هو مجرد قواعد بيانات أكاديمية وبريد إلكتروني خاص ومحتوى غير مفهرس. هذا النموذج يظهر كيف أن المصطلحات الغامضة والخيال الجماعي يمكن أن يخلقا وحشاً لا وجود له في عالم الذكاء الاصطناعي .
النموذج الخامس: ادعاءات اكتشاف الثغرات الضخمة.
في عالم الأمن السيبراني، هناك تاريخ طويل من الشركات التي تدعي اكتشاف "ثغرات صفر اليوم" بالجملة، حيث تعلن الشركة عن قدرتها على اكتشاف آلاف الثغرات في أنظمة كبرى، مما يخلق ضجة إعلامية ويجذب العملاء لها، لكن عند التدقيق المستقل، غالباً ما تتبين الحقائق التالية؛ الثغرات المعلنة إما أن تكون متكررة، أو ذات تأثير محدود، أو معروفة سابقاً للباحثين المستقلين، وهذا نموذج عن ما يحدث مع برنامج ميثوس الاسطوري Mythos ،الذي يتطابق تماماً مع هذا النمط.
أما حول الموازنة بين الواقع والخيال، يبقى الموقف العقلاني هو الحكم في تجنب نقيضين هما تجنب (التهويل الأعمى) من جهة، و(الاستهانة الساذجة) من جهة أخرى، مع الإشارة ان الذكاء الاصطناعي ليس على وشك تدمير العالم السيبراني أو جعل الخبراء البشريين عاطلين عن العمل بين ليلة وضحاها؛ لكن في المقابل، هناك تطورات حقيقية ومثيرة تستحق المتابعة الجادة والتحليل الموضوعي.
مع العلم أن المبالغة في التهديد تضر بقدرتنا على تقييم المخاطر الحقيقية، وتصرف الانتباه عن مشاكل أكثر إلحاحاً مثل الفجوة في المهارات الأمنية أو ضعف البنى التحتية الحيوية في الدول النامية وتحديدا في العالم الثالث.
كما أن الترويج لصورة الذكاء الاصطناعي انه "الوحش الخارق" ،يخلق حالة من الذعر غير المبرر بين صانعي القرار والجمهور العادي، مما قد يؤدي إلى قرارات تنظيمية متسرعة وغير مدروسة.
ختاما،بالعودة إلى برنامج ميثوس الأسطوري، وبرنامج الأجنحة الزجاجية والادعاءات القابلة للكسر رغم سياسة التضخيم الإعلامي لهذه البرامج الحديثة، يمكن القول إننا نضخم عمل الذكاء الاصطناعي، لكن ليس بالكامل وليس في كل شيء. مع الاعتراف ان هناك قدرات حقيقية ومثيرة للاهتمام تستحق الدراسة والاستثمار، لكن الإطار الإعلامي والتسويقي المحيط بهذه القدرات يجعلها تبدو أكبر وأخطر وأسرع مما هي عليه فعلياً.
ربما النماذج التاريخية التي استعرضناها في هذا المقال مثل السيارات ذاتية القيادة إلى أسلحة الليزر إلى الترجمة الآلية؛ تؤكد أن هذا النمط من المبالغة ليس جديداً، بل هو متأصل في طريقة تقديم التكنولوجيا الثورية للجمهور؛ وفي كل مرة، نندهش ثم نكتشف أن الواقع أكثر تواضعاً،وفي كل مرة، ندفع ثم نتراجع، وربما تكون أفضل استعارة لهذا الموقف هو مشروع-Glasswing نفسه "الأجنحة الزجاجية" التي أطلقتها Anthropic كحل دفاعي.
الأجنحة الزجاجية قد تكون جميلة وشفافة، لكنها تظل قابلة للكسر، وكذلك الادعاءات المبالغ فيها حول قدرات الذكاء الاصطناعي، مهما كانت لامعة ومثيرة للإعجاب، فإنها لا تصمد طويلاً تحت التدقيق العلمي الموضوعي.
واخيراً،السؤال الختامي الاستشرافي الذي يجب أن نطرحه باستمرار، كلما قرأنا عن "اختراق ثوري" أو "نموذج خطير جداً في الذكاء الاصطناعي"، هو سؤال بسيط لكنه جوهري؛ من المستفيد من هذا الإعلان وهذا التضخيم الإعلامي؛الجواب على هذا السؤال غالباً ما يكشف أكثر من ألف سطر من التحليل التقني المعقد،وعندها فقط، سنتمكن من رؤية الحقيقة بوضوح، من خلال أجنحة زجاجية لا تخدعنا ببريقها، بل تظهر لنا ما وراءها من واقع بسيط قد يكون أقل إثارة، لكنه أكثر صدقاً،ورغم كل هذا علينا الاستعداد للتأقلم مع ضيفنا الجديد (الذكاء الاصطناعي) في عالمنا الجديد .
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟