عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 18:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية
يتناول هذا المقال المتواضع تحليل المعضلة الاستراتيجية التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب الأمريكية -الاسرائيلية الدائرة مع إيران في 28-2-2036، مركزًا على سؤالين محوريين: الأول يتعلق بدلالات مهلة الستة أسابيع المنصوص عليها في قانون سلطات الحرب لعام 1973، والثاني باحتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف مفتوحة على غرار فيتنام وأفغانستان.
يعتمد التحليل على تقارير إعلامية موثقة، وتحليلات استراتيجية لخبراء أمنيين بارزين، ووقائع قانونية وسياسية حتى نهاية مارس 2026. يخلص هذا المقال إلى أن مهلة الستة أسابيع الممنوحة للرئيس/ترمب ،في القانون الامريكي ليست مجرد التزام قانوني بقدر ما هي "فخ تصعيدي" (Escalation Trap) يدفع الإدارة الأمريكية نحو خيارات صعبة اما وقف الحرب قبل انتهاء المدة القانونية أو التصعيد والذهاب نحو حرب شاملة طويلة الأمد تغرق فيها امريكا في جبال ورمال ايران ، ورغم أن الكونغرس فشل حتى الآن في فرض قيود على الرئيس/ترمب، فإن التحول نحو الحرب البرية سيفتح الباب أمام سيناريو استنزاف طويل الأمد قد يكلف ترامب رئاسته سياسيًا، وعليه سنحاول تحليل المآلات والفرص والتحديات على النحو الآتي:
أولاً: الإطار القانوني والدستوري – مهلة الستة أسابيع بين النص والسياق.
ينص قانون سلطات الحرب (War Powers Resolution) الذي أقرته الولايات المتحدة عقب حرب فيتنام عام 1973 على أن (الرئيس) ملزم بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، كما يوجب عليه إنهاء انتشار القوات خلال 60 يومًا (حوالي 8-9 أسابيع) ما لم يوافق الكونغرس على استمراره. يأتي ذكر "الستة أسابيع" في التصريحات الرسمية للإدارة الأمريكية كتقدير زمني متفائل لإنهاء العمليات العسكرية الرئيسية قبل الموعد المحدد قانونيا، وهو ما يعكس رغبة الإدارة في تقديم الحرب للرأي العام كعملية محدودة الزمن.
في 25 مارس 2026، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض/كارولين ليفيت ،أن الإدارة لا تعتزم طلب تفويض رسمي من الكونغرس لمواصلة الحرب، مبررة ذلك بأن العمليات القتالية الرئيسية "مستمرة منذ ما يقرب من شهر" وأن الطلب الرسمي "غير ضروري" لانها عمليات عسكرية وليس حالة حرب. هذا الموقف القانوني مثير للجدل، إذ يعني أن الإدارة تعتبر نفسها ضمن الإطار الزمني المسموح به، لكنها تتجنب الالتزام بالحصول على تفويض في حال (تجاوزت المهلة) ،ما يضعها في منطقة رمادية دستوريًا.
على الرغم من محاولات الديمقراطيين المتكررة (الحزب الديمقراطي)، فشل الكونغرس في تمرير قرارات تلزم الرئيس بالحصول على موافقة مسبقة لمواصلة الحرب. ففي 4 مارس 2026، رفض مجلس النواب قرارًا بهذا المعنى بتصويت 212 مقابل 219، بينما فشل قرار مماثل في مجلس الشيوخ بأغلبية 47 مقابل 53. وكان السيناتور راند بول (جمهوري-كنتاكي) الصوت الجمهوري الوحيد الداعم لتقييد سلطات الرئيس. تعكس هذه الأرقام انقسامًا حزبيًا واضحًا، حيث يصطف الجمهوريون خلف الرئيس في المرحلة الحالية من الحرب.
ما تقدم يقود إلى استنتاج مفاده أن مهلة الستة أسابيع ليست حاجزًا قانونيًا صارمًا في ظل غياب الإرادة السياسية للكونغرس لفرضه. لكنها تتحول إلى ضغط سياسي متزايد كلما اقترب موعد انتهائها، خصوصًا مع تصاعد التكاليف البشرية والمادية للحرب.
ثانيًا: سيناريوهات نهاية الحرب – بين الصفقة الدبلوماسية وفخ الاستنزاف.
حول سيناريو الصفقة "الصعبة"، يرى/ روبرت بابي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو والمستشار الأمني السابق للبيت الأبيض، أن ترامب يواجه معضلة حقيقية؛ إما أن يعقد صفقة دبلوماسية الآن ويدفع ثمنًا سياسيًا مرتفعًا، أو يتجه نحو التصعيد العسكري. ويشير بابي إلى أن "هذه الصفقة قد تكون سيئة، لكنها خياره الأفضل". هذا السيناريو يتضمن الضغط على إسرائيل لقبول ترتيبات إقليمية جديدة، مع تقديم تنازلات لإيران تشمل تخفيف العقوبات مقابل إنهاء العمليات العسكرية. وتكمن صعوبة هذا السيناريو في أنه يتطلب من ترامب التراجع عن وعوده الانتخابية بموقف صارم تجاه إيران، ما قد يكلفه شعبيته بين قاعدته المحافظة.
أما حول سيناريو التصعيد نحو حرب استنزاف، يحذر بابي من أن اختيار المسار العسكري قد يقود الولايات المتحدة إلى ما يسميه "فخ التصعيد" (escalation trap)، حيث يبدو كل قرار على حدى عقلانيًا، لكن مجموعها يقود إلى كارثة استراتيجية؛ ويتوقع أن تستمر حرب الاستنزاف بين 3 إلى 6 أشهر، مع تراكم التكاليف السياسية تدريجيًا؛ وفي تحذير صريح، يقول بابي "عند هذه النقطة، سيفقد الرئيس ترامب رئاسته فعليًا – ليس جسديًا، بل سياسيًا – وستصبح إدارته غير قابلة للإنقاذ". هذا السيناريو هو الأكثر رعبًا للإدارة الأمريكية، لأنه يعني تحول الحرب من أداة لتعزيز المكانة إلى سبب رئيسي لانهيارها.
ثالثًا: الدروس المستفادة من فيتنام وأفغانستان – تحليل مقارن.
يستحضر المحللون باستمرار تجربتي حرب فيتنام وأفغانستان في تحليلهم للحرب مع إيران، وذلك لما تجمعه هذه الصراعات من خصائص بنيوية مشتركة. في فيتنام وأفغانستان، واجهت الولايات المتحدة خصمًا غير متكافئ قادرًا على تحمل خسائر فادحة، مع تعقيد التحالفات الإقليمية وغياب استراتيجية خروج واضحة. هذه العناصر نفسها حاضرة في الحرب الأمريكية- الاسرائيلية مع إيران، التي تعتمد استراتيجية عدم التماثل (asymmetric warfare) وتعول على ترسانتها الصاروخية الباليستية وعلى الطائرات المسيرة، وقدرتها على إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره 20% من الإمدادات النفطية العالمية.
لكن هناك فروق جوهرية تستدعي الحذر من المقارنة المباشرة. فإيران تقع في قلب ممرات الطاقة العالمية، ما يجعل أي صراع طويل الأمد أكثر كلفة على الاقتصاد العالمي مقارنة بفيتنام أو أفغانستان. كما أن التكلفة الاقتصادية المحتملة للحرب الحالية – التي تقدر بنحو 900 مليون دولار يوميًا في مرحلتها الحالية – قد تتجاوز تريليون دولار في حال استمرارها، وهو ما يفوق بكثير تكاليف حرب أفغانستان التي بلغت 3.4 تريليونات دولار على مدار عقدين.
كما أن الانقسام الداخلي الأمريكي حول الحرب الحالية مع ايران يختلف جوهريًا عن فيتنام وأفغانستان، حيث شهدت هاتان الحربان إجماعًا نسبيًا في البدايات. أما اليوم، فالانقسام الحزبي واضح منذ اليوم الأول، مع معارضة ديمقراطية متصاعدة وتردد جمهوري متزايد مع تصاعد التكاليف.
رابعًا: مؤشرات التصعيد – هل الحرب البرية وشيكة في ايران وجزيرة خرج.
تشير الاستعدادات العسكرية الأخيرة إلى احتمالات متزايدة للتحول إلى حرب برية. فقد أعلن البنتاغون عن نشر لواء قتالي من فرقة الـ82 المحمولة جواً في الشرق الأوسط، وهي وحدة مدربة على القفز بالمظلات خلف خطوط العدو لتأمين المطارات. كما يجري الحديث عن نشر 5000 من مشاة البحرية (مارينز) بهدف السيطرة على جزيرة خرج الاستراتيجية. هذه الاستعدادات تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تضع سيناريو العمليات البرية ضمن حساباتها.
في المقابل، تؤكد التصريحات الرسمية أن الحرب لا تزال في مراحلها الأولى. فقد أكد وزير الدفاع الفاشل/ بيت هيجسيث ،أن الولايات المتحدة وإسرائيل "على بعد أيام من السيطرة على الأجواء الإيرانية"، مضيفًا أن الحرب يمكن أن تستمر "بسهولة كلما نحتاج لها" وأنهم "لم يبدأوا بعد". هذه التصريحات تحمل نبرة تصعيدية واضحة، وتشير إلى أن الإدارة لا تفكر في إنهاء الحرب قريبًا.
يحذر /روبرت بابي ،من أن احتمالات التحول إلى حرب برية تبلغ 70% مع استمرار الزخم التصعيدي، مؤكدًا أن هذا السيناريو سيكون نقطة التحول التي تبدأ عندها التكاليف السياسية في التراكم بوتيرة متسارعة، وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه ينقل الحرب من مرحلة الاشتباك الجوي والصاروخي، حيث تكون التكاليف الأمريكية محدودة نسبيًا، إلى مرحلة الاستنزاف البري حيث تتصاعد الخسائر البشرية في الجيش الامريكي.
خامسًا: التكاليف السياسية المحتملة على رئاسة ترامب.
تآكل الدعم الجمهوري، يتوقع روبرت بابي أنه مع تصاعد الخسائر الأمريكية، سيبدأ أعضاء الحزب الجمهوري في الابتعاد عن الرئيس "واحدًا تلو الآخر" لحماية مستقبلهم السياسي، واصفًا إياهم بالركض "بعيدًا عن السفينة تايتانيك" التي ستغرق في وحل ايران. هذا السيناريو لا يعني العزل (impeachment)، بل تآكلًا تدريجيًا يجعل الرئيس/ترمب، عاجزًا عن تحقيق أجندته الداخلية، مع تحول انتقادات الحرب إلى أداة ضغط يستخدمها الجمهوريون أنفسهم لإنقاذ مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي القادمة في 3/نوفمبر/عام 2026.
ستشكل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 اختبارًا حاسمًا للرئيس ترامب في منتصف ولايته الثانية، حيث ستحدد ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بأغلبيتهم في الكونغرس أم سيفوز الديمقراطيون
تجري هذه الانتخابات في ظل الحرب مع إيران التي اندلعت في 28-2-2026 قبل أيام فقط من انطلاق الانتخابات التمهيدية في أوائل مارس 2026، مما جعل الحرب واحدة من القضايا المركزية في الحملات الانتخابية
حول التكلفة الاقتصادية والانتخابات النصفية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (المقررة في 3/نوفمبر /2026)، ستتحول التكلفة الاقتصادية للحرب وخصوصًا أسعار الوقود إلى قضية انتخابية مركزية، وأشار الرئيس/ ترامب ،في تصريح سابق إلى أنه "لا يشعر بالقلق" من ارتفاع أسعار النفط، قائلاً: "إذا ارتفعت، فلتزداد، فهذا أكثر أهمية من ارتفاع أسعار البنزين قليلاً". هذه التصريحات قد تطارده انتخابيًا، خصوصًا في الولايات المتأرجحة حيث تؤثر أسعار الوقود بشكل مباشر على الناخبين.
انعكاسات الحرب على الصعيد الدولي، تشير التحليلات إلى أن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق "نصر واضح" أصبحت موضع شك متزايد. فكما يلاحظ تقرير لـ AllAfrica "، أن الهيمنة العسكرية ليست نصرًا، بل النصر يتطلب ترجمة النجاح العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة ومستدامة"؛ في سياق الحرب مع إيران، غياب حليف محلي قوي على الأرض (كما كان الحال مع القوات الأفغانية أو الفيتنامية)، إلى جانب تعقيدات البيئة الإقليمية، يجعل ترجمة التفوق العسكري الأمريكي إلى نصر سياسي على الأرض الإيرانية مهمة بالغة الصعوبة.
ختاما، هناك سؤال محوري يطرح نفسه حول موقف القانون والسياسة – أيهما يحدد مسار الحرب في إيران، حيث تعكس مهلة الستة أسابيع فجوة متزايدة بين الإطار القانوني والواقع السياسي في واشنطن. فرغم أن قانون سلطات الحرب لعام 1973 لا يزال ساريًا من الناحية النظرية، فإن الإرادة السياسية لفرضه غائبة في ظل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس ودعمهم شبه المطلق للحملة العسكرية في مرحلتها الحالية على إيران،لكن غياب القيود القانونية لا يعني غياب القيود السياسية. فمع كل يوم إضافي من الحرب، ومع كل خسارة بشرية ومادية، تتراكم التكاليف التي قد تجعل استمرار الحرب عبئًا سياسيًا لا يمكن تحمله في واشنطن.
من جانب آخر، يتجه الرهان الحقيقي نحو الإدارة الأمريكية على قدرتها في إنهاء الحرب بسرعة قبل أن تتراكم هذه التكاليف، لكن السؤال الأستشرافي يبقى (هل يمكن إنهاء حرب بدأت دون استراتيجية خروج واضحة)، سيما وأن التاريخ العسكري الأمريكي في العقود الأخيرة يقدم إجابة قاتمة. ففي كل من فيتنام وأفغانستان والعراق، بدأت الحروب بتفاؤل بنصر سريع، وانتهت باستنزاف طويل الأمد وانسحابات مخزية تجر وراءها ذيل الهزيمة.
اخيرا يمكن القول، إذا اختار الرئيس/ترامب طريق التصعيد والسيطرة، وخصوصًا عبر إرسال قوات برية لفتح مضيق هرمز بالقوة – فإنه قد يجد نفسه قد (انزلق إلى حرب استنزاف لا تشبه فيتنام فقط في تكاليفها، بل في عواقبها السياسية التي قد تطيح برئاسته).
أما إذا اختار الرئيس/ترمب طريق الصفقة، فسيدفع ثمنًا سياسيًا فوريًا، لكنه قد يحتفظ بفرصة استعادة زمام المبادرة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رئاسته في الانتخابات القادمة.
كما يجدر الإشارة، مع استمرار الحرب لدخول شهرها الثاني، واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، يزداد الضغط على ترامب لإنهاء الحرب سريعًا، لكن السؤال الثاني الاستشرافي الذي ستحسمه الأيام القادمة هو ،(من سينتصر في هذه المعادلة الصعبة – منطق الصفقة الذي يستند إلى حساب التكاليف السياسية، أم منطق التصعيد الذي يقوده الزخم العسكري والاعتبارات الإقليمية والضغوط الاسرائيلية ومنظمة إيباك و المليونيرة/مريم ايدلسون.
-المراجع:
· Asianet Newsable. (2026, March 29). US-Iran war could cost Trump his presidency, warns expert Robert Pape.
· The Washington Times. (2026, March 24). White House won’t seek congressional authorization for Iran war.
· The Manila Times. (2026, March 12). Iran: Scenarios and odds.
· Maine Public / NPR. (2026, March 4). House rejects measure to constrain Trump s authorities in Iran.
· The Mirror. (2026, March 16). Trump s assault on Iran could herald new Vietnam war warning.
· DID Press. (2026, March 14). Robert Kaplan Warns.
· AllAfrica. (2026, March 23). Africa: Is United States Really Winning This War?
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟