أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي















المزيد.....


دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 15:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي

مما لا شك فيا ان إسرائيل تنفذ نظرية الدومينو.. وواشنطن تنفذ الحصار الأكبر بالسيطرة على مضائق، في خضم الفوضى التي تعصف بالشرق الأوسط، من غزة إلى بيروت، ومن دمشق إلى صنعاء، ثم إلى بغداد والخرطوم، يبرز سؤال عميق يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية: هل ما نشهده هو مجرد صراع إقليمي، أم أنه تمهيد لحرب كبرى هدفها الأبعد هو كسر الصين؟

التحليل الجيوسياسي للأحداث يكشف عن لوحة معقدة، تجمع بين "نظرية الدومينو" التي تنفذها إسرائيل لتغيير وجه المنطقة، وبين "استراتيجية الخنق" التي ترسمها واشنطن للسيطرة على شرايين العالم، وفي القلب منها الصين. وفي قلب هذه اللوحة، يقف دونالد ترمب في موقف بالغ التعقيد: رئيس وعد أنصاره بـ"لا مزيد من الحروب"، فوجد نفسه يقود أكبر حرب في الشرق الأوسط.

أولاً: نظرية الدومينو الإسرائيلية - تمهيد الطريق

ما نشهده اليوم هو انهيار متسلسل لدول "محور المقاومة" أو إعادة تشكيلها تحت وطأة الضربات العسكرية والتفكيك الداخلي:

· لبنان: تحت وطأة الضربات واستنزاف حزب الله
· سوريا: تشهد تغييراً في موازين القوى بعد سقوط نظام الأسد
· اليمن: يُضرب ويُحاصر لإسكات الحوثيين
· العراق: يتعرض لضغوط متزايدة لفصل الفصائل عن القرار الإيراني
· السودان وليبيا: يعيشان في حالة فوضى تمنع أي قوة معادية لإسرائيل من النهوض

هذه السلسلة تهدف إلى تفتيت "الهلال الشيعي" وعزل إيران تماماً، وتأمين الحدود الإسرائيلية، وخلق "شرق أوسط جديد" تكون إسرائيل فيه الفارس الأقوى، ويكون مستعداً لاستقبال الوجود الأمريكي الموسع.

ثانياً: الخنق الأمريكي - السيطرة على الممرات المائية

بينما تعمل إسرائيل على الأرض، ترسم الولايات المتحدة الخريطة الكبرى. فجيشها لا ينتشر في المنطقة لمجرد تأمين إسرائيل، بل للسيطرة على العقدة الأهم في الاقتصاد العالمي: المضائق.

الهدف الأمريكي المعلن ضمنياً هو السيطرة المطلقة أو شبه المطلقة على:

· مضيق هرمز (شريان النفط الخليجي)
· باب المندب (بوابة آسيا إلى أفريقيا وأوروبا)
· قناة السويس (الطريق الأقصر بين الشرق والغرب)
· مضيق البوسفور (بوابة البحر الأسود)
· مضيق جبل طارق (بوابة المتوسط إلى المحيط)

لماذا هذه النقاط بالذات، لأن الصين، الهدف الاستراتيجي الأكبر لواشنطن، تعتمد على هذه الممرات لاستيراد طاقتها (80% من نفطها يمر من هرمز) وتصدير بضائعها عبر قناة السويس إلى أوروبا.

السيطرة عليها تعني القدرة على خنق الاقتصاد الصيني متى أرادت أمريكا، وتحويل الصين من "خطر وجودي" يهدد الهيمنة الأمريكية إلى "مجرد منافس تحت السيطرة".

ثالثاً: الغائب الكبير - لماذا تغيب روسيا والصين عن المواجهة

السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا المشهد: أين روسيا؟ وأين الصين؟ كيف تسمح القوتان العظميان، الخصمان اللدودان لأمريكا، بأن يتم حصار حليفتهما إيران وتفكيك محورها دون تدخل يُذكر؟

1. انشغال روسيا في أوكرانيا

روسيا، الحليف الأقوى لإيران في السنوات الأخيرة خاصة في سوريا سابقا ايام الاسد،والان هي غارقة حتى أذنيها في حرب أوكرانيا. جيشها يحتاج كل قطعة سلاح وكل جندي هناك.

المواجهة مع أمريكا في الشرق الأوسط تعني فتح جبهة ثانية لا تستطيع تحملها روسيا.

لذلك موسكو تكتفي حالياً بدور المراقب والمستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها لا تملك رفاهية الدخول في صراع مفتوح لحماية طهران.

2. الاستراتيجية الصينية: الحرب بالوكالة لا التدخل المباشر

الصين، التي تمتلك أقوى اقتصاد بعد أمريكا، تتبنى فلسفة مختلفة تماماً. الحكمة الصينية تقول: "لا تدخل معركة عدوك، بل انتظر حتى ينتهي".

بكين ترى أن الدخول في حرب بالوكالة في الشرق الأوسط يعني السقوط في الفخ الأمريكي. وهي تفضل التالي:

· التمدد الاقتصادي الناعم: بناء الموانئ، شراء النفط، إقراض الدول، وشق طرق "الحزام والطريق"

· تجنب الاستنزاف العسكري: الصين تبني جيشاً قوياً لحماية مصالحها، لكنها لا تريده أن ينحشر في مستنقع إقليمي كالشرق الأوسط

· انتظار اللحظة المناسبة: الرهان الصيني أن أمريكا ستنزف في المنطقة كما نزف الاتحاد السوفييتي سابقاً في أفغانستان،وبكل بساطة، الصين تراهن على أن السيطرة العسكرية الأمريكية على المضائق لن تمنع الصين من أن تكون الشريك التجاري الأهم لدول المنطقة، وهي تعتقد أن الزمن في صفها.

3. رسالة ضمنية للدول الصغيرة: هذا الغياب يرسل رسالة قاسية للدول الإقليمية وتحديدا دول الخليج وايران في النزاع الحالي بعد اغتيال خامنئي ،لا أحد سيأتي لإنقاذكم. روسيا منشغلة، والصين لن تضحي بعلاقاتها الاقتصادية مع الغرب من أجلكم. وهذا يعزز نفوذ أمريكا وإسرائيل في فرض شروطهما.

رابعاً: الدور العربي والخليجي - حائط صد أم شركاء صامتون.

في خضم هذا الصراع المحموم، يبرز سؤال مصيري: أين تقف الدول العربية، وعلى رأسها الخليجية، من هذا المخطط؟ هل هي مجرد متفرج؟ أم شريك في التمهيد؟ أم أنها الهدف التالي بعد إيران؟

الإجابة التي تكشفها التطورات الميدانية معقدة ومفارقة، الخليج اليوم يعمل بهدوء على إفشال "نظرية الدومينو"، ليس دفاعاً عن إيران، بل دفاعاً عن وجوده.

والمفارقة الخليجية الكبرى (لماذا لا يريد الخليج سقوط إيران) قد يبدو المشهد متناقضاً: دول تنفق مليارات على التسليح وتقيم تحالفات مع أمريكا لمواجهة "الخطر الإيراني"، لكنها في اللحظة الحاسمة تمارس ضغوطاً لعدم الإطاحة بالنظام في طهران. التحليل العميق يكشف أسباباً وجودية لهذا الموقف وهي:

1. كابوس "الفوضى" بدل "العدو"

الدرس المستفاد من العراق وليبيا وسوريا كان قاسياً، حيث ان انهيار الدولة المركزية في إيران يعني:

-حروب أهلية طائفية وقومية تمتد عدواها إلى دول الخليج مباشرة.
-نزوح جماعي يصل إلى مئات الآلاف نحو دول الخليج، مما يخل بالتركيبة السكانية الهشة
-فراغ أمني تملؤه جماعات إرهابية أو ميليشيات غير منضبطة على حدودها الشمالية

2. انهيار "ذريعة الوجود الأمريكي"

الوجود العسكري الأمريكي الهائل في الخليج (ربما هناك 30 قاعدة أمريكية دائمة في دول الخليج على الأقل) مرتبط عضوياً بوجود "تهديد إيراني". وعليه إذا سقطت إيران، ينهار المبرر الاستراتيجي لهذا الوجود، وتُترك دول الخليج وحدها في مواجهة أطماع إقليمية أخرى (تركيا، إسرائيل) دون الغطاء الأمريكي نفسه.

3. إحياء المنافس النفطي بعد حصارة.

بالطبع ان العقوبات المفروضة على النفط الإيراني أبعدته عن الأسواق العالمية. سقوط النظام يعني رفع العقوبات وعودة النفط الإيراني بقوة،في ظل نظام جديد مما يخفض الأسعار ويضعف النفوذ الاقتصادي الخليجي (خاصة السعودي) في سوق الطاقة.

4. إسرائيل: الصديق الذي قد يصبح الجار الخطير.

ربما يتجلى الخوف الأكبر والأعمق في ان إيران تشكل اليوم "السد الأخير" بوجه المشروع الإسرائيلي التوسعي. حديث رئيس وزراء الاحتلال الاسرائيلي/نتنياهو ،عن خريطة الشرق الأوسط الجديد لتنفيذ الحلم الصهيوني"من النهر إلى البحر" ومن "النيل إلى الفرات" لم يعد مجرد شعار. سقوط إيران يعني أن إسرائيل ستصبح القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة، ولن تحتاج بعدها لدول الخليج كحلفاء، بل قد تبدأ بالضغط عليها لتمرير مشاريعها الكبرى التطبيع ثم الاندماج والعيش تحت العلم الإسرائيلي في دولة اسرائيل الكبرى.

5. صدمة بقيق في السعودية:

الهجوم على منشآت أرامكو في بقيق عام (2019) أحدث صدمة استراتيجية غيرت العقلية السعودية. حيث أدركت الرياض أن ثمن حرب مع إيران هو "نسف البنية التحتية النفطية في أيام"، وهو ثمن لا يمكن لأي دولة تحمله وهذا ما قامت به عناصر الموساد موخراً (تفجير أرامكو ) بالطائرات المسيرة وتخريبها، لاتهام ايران واشعال حرب مباشرة بين الطرفين واسرائيل تشاهد الحريق من بعيد.

التحول الاستراتيجي الخليجي: من المواجهة إلى الاحتواء

هذه الإدراكات المتأخرة قادت إلى تحول جذري في السياسة الخليجية:

1. الانفتاح على دمشق: عودة العلاقات مع النظام السوري الاسد سابقا، رغم بقائه تحت النفوذ الإيراني، كانت محاولة لسحب ورقة سوريا من الصراع وعدم تركها ساحة مفتوحة للفوضى.

2. الاتفاق السعودي-الإيراني: برعاية صينية، جمد هذا الاتفاق عقوداً من التوتر وفتح قنوات تواصل مباشرة، هدفها الأساسي "إدارة الصراع" وليس إنهاؤه، لمنعه من الانفجار.

3. وقف حرب اليمن: سعت السعودية للخروج من المستنقع اليمني، ليس هزيمة، بل إدراكاً أن استمرار الحرب يخدم أعداءها أكثر مما يحمي حدودها وكانت سياسة الملك سلمان وولي عهده محمد مميزة في اخذ قرار وقف الحرب.

أما بالنسبة للدور المصري والعربي الأوسع، خارج الخليج ، يبدو هامشياً في المعركة الكبرى مثل الدول التالية :

-مصر: موقفها واضح في دعم الدول الخليجية ورفض الاعتداءات، لكنها تستبعد تماماً أي تدخل عسكري مباشر، سيما وان سياسة مصر الثابتة هي عدم الانخراط في نزاعات إقليمية، والاكتفاء بالدور الدبلوماسي، رغم إدراكها أن تمدد الحرب يهدد أمنها القومي في البحر الأحمر وقناة السويس.

-الأردن: يقع في مرمى النيران المباشرة نظراً لجواره مع سوريا والعراق وفلسطين، لكنه يفتقر للقدرة على التأثير الاستراتيجي

-شمال أفريقيا: أدوارها محصورة في البيانات والمواقف السياسية، بسبب البعد الجغرافي والظروف الداخلية

ولكن تبقى الصين هي الظل الحامي للخليج، وهنا يأتي دور الصين المركزي والهام ،انها هي الهدف الأكبر للمخطط الأمريكي.

مع العلم ان دول الخليج تجد في الشراكة مع الصين بمثابة "بوليصة تأمين" ضد الهيمنة الأمريكية المطلقة ويتجلى في التالي:

- الشريك التجاري الأول: الصين تفوقت على الغرب كأكبر شريك تجاري لدول الخليج.

-تنويع الشراكات: من الطاقة الخضراء إلى الذكاء الاصطناعي، تقدم الصين نموذج "الربح للجميع" بديلاً عن النموذج العسكري الأمريكي.

-التوازن الاستراتيجي: القواعد الأمريكية تحمي الخليج عسكرياً، لكن المصالح الصينية تحمي الخليج اقتصادياً وسياسياً. هذا التوازن يسمح للخليج بالمناورة بين القطبين.

والسؤال الهام،هل ينقلب السحر على الساحر؟

السيناريو الذي تخشاه واشنطن وتل أبيب حقيقي، إذا استمر الضغط الأمريكي الإسرائيلي على إيران إلى حد الانهيار، فإن أول المتضررين سيكونون حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط هم (دول الخليج). لذلك، فإن الدور الخليجي اليوم هو دور "مانع الانهيار" إلى إيران ، ولو عبر قنوات غير معلنة دبلوماسيا وعبر الوسطاء.

هذا لا يعني ان ما يقوم به السعودية والملك سلمان،وولي العهد السعودي/ محمد بن سلمان حباً لإيران، بل هو واقعية سياسية وذكاء مميز يرتكز على قاعدة تقول: "عدو متوقع تحت السيطرة أفضل من فوضى عارمة بلا ضوابط".


خامساً: ترمب في الداخل - مأزق "أمريكا أولاً" وحرب إيران التي اصبحت إقليمية وتشعبت.

هنا نصل إلى النقطة الأكثر تعقيداً في المشهد: كيف يواجه ترمب، الذي بنى شعبيته على وعد "لا مزيد من الحروب"، تبعات حرب واسعة في إيران والتي تتلخص بالتالي:

1. الانقسام الداخلي يضرب معسكر ترمب.

ربما الجميع يعلم ان المشهد داخل معسكر "ماغا" (اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى) يشهد زلزالاً حقيقياً. فبعد أيام من إطلاق عملية "الغضب العظيم" (Epic Fury) التي قتلت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وأسفرت عن مقتل 6 جنود أمريكيين حتى الآن وتدمير كافة القواعد الأمريكية في دول الخليج ، انقلب القادة من نجوم (تيار ماغا)على رئيسهم ترمب .

منهم /مارجوري تايلور غرين، النجمة الجمهورية السابقة، قالت بصراحة: "كان المفترض أن تكون أمريكا أولاً، لا إسرائيل أولاً. جنودنا يموتون من أجل دول أجنبية" . أما /تكر كارلسون، الإعلامي الأقوى في اليمين، فوصف التدخل بأنه "مقرف" وهذه "حرب إسرائيل، لا حرب أمريكا" .

هذا الغضب يمثل صدعاً عميقاً في قاعدة ترمب الانتخابية. استطلاعات الرأي المبكرة تشير إلى أن دعم الحرب محدود حتى بين الجمهوريين، الذين عادة ما يمنحون ترمب مساحة واسعة للمناورة .

2. تبرير الحرب: "التهديد الوشيك" الذي لا يقنع الجميع.

إدارة ترمب تحاول جاهدة تبرير الحرب بخطاب "التهديد الوشيك". وزير الخارجية ماركو روبيو قدم تبريراً أثار غضب القاعدة أكثر مما هدأها: قال إن إسرائيل كانت ستضرب إيران، وأمريكا تدخلت استباقياً لتحمي قواتها من رد إيراني متوقع .

المعلق المحافظ/ مات والش ،وصف التصريح بأنه "أسوأ شيء ممكن أن يقوله" .

كذلك الديمقراطيون بدورهم يشككون في المبررات. النائب/ جيم هايمز قال: "كل ما سمعته يؤكد أن هذه حرب اختيار، لا نهاية استراتيجية لها" .

3. مدة الحرب: ترمب بين سيناريوهين متعارضين.

ترمب نفسه يقدم روايات متضاربة حول المدة التي تستغرقها الحرب، مما يعكس حيرته بين رغبته في إنهاء سريع وضغوط الميدان:

-السيناريو الأول (الضربة السريعة): في مقابلة مع Axios، طرح ترمب خيار إنهاء العملية خلال "2-3 أيام" وإبلاغ إيران رسالة "سنراكم بعد بضع سنوات إذا أعدتم بناء برامجكم" .

-السيناريو الثاني (الحرب الممتدة): في مقابلة مع نيويورك تايمز، قال إن الجيش يعتزم مواصلة الهجوم "4-5 أسابيع" . وفي تصريحات لاحقة، حذر من أن الحرب قد تستمر "لفترة أطول بكثير" إذا لزم الأمر .

-السيناريو الثالث (الموجة الكبرى): قال لشبكة CNN: "الموجة الكبيرة لم تأت بعد.. الكبيرة قادمة قريباً" .

4. "نموذج فنزويلا" مقابل "ثورة الشعب الإيراني"

ترمب يتخبط حتى في تحديد الهدف النهائي للحرب. في بعض اللحظات، يتحدث عن "نموذج فنزويلا"، إزاحة رأس النظام فقط (كما حدث مع مادورو) مع إبقاء باقي الهيكل الحكومي، شرط أن يكون متعاوناً مع واشنطن .

في لحظات أخرى، يتحول خطاب ترمب إلى خطاب ثوري، يدعو الشعب الإيراني إلى "الاستيلاء على حكومتكم" و"إسقاط النظام" .

هذا التناقض يربك حتى مستشاريه، الذين يقرون بأن "نموذج فنزويلا" لا يمكن تطبيقه في بلد بحجم إيران وتعقيدها الثقافي والتاريخي .

5. الكونغرس: غاضب لكنه عاجز امام ترمب.

مجلس الشيوخ والنواب سيصوتان هذا الأسبوع على قرارات لوقف العمليات العسكرية غير المصرح بها . لكن عملياً، فرص نجاح القرارات ضئيلة، وحتى لو نجحت، يمكن لترمب استخدام الفيتو .

السيناتور الجمهوري/ راند بول والنائب/ توماس ماسي من أبرز المعترضين، لكن معظم الجمهوريين يرفضون تقييد صلاحيات الرئيس .

أيضا المحلل /إيفان كوبر يقول إن الديمقراطيين يرون الحرب "لا تحظى بشعبية ومملوكة لترمب"، لذا هم غير متحمسين لإنقاذه بإيقافها .

6. هل ينجح ترمب في تبرير الحرب على ايران.

ربما تميل العوامل لصالح ترمب بسبب سيطرته على الحزب الجمهوري لا تزال قوية، وقدرته على تشكيل الرواية الإعلامية، وعدم وجود بديل واضح في المعسكر الجمهوري

أما العوامل التي تقف ضده هي:

- غضب القاعدة الشعبوية التي انتخبته لإنهاء الحروب لا بدءها .
-اتهامات بأنه يشن الحرب "لصالح إسرائيل"
-غياب خطة واضحة لـ"اليوم التالي".
-استنزاف الذخيرة الأمريكية، مع تحذيرات من نقص صواريخ الدفاع الجوي.

سادساً: ماذا بعد، هل ينجح المخطط0

السيناريو الذي ترسمه واشنطن وتل أبيب طموح، لكنه يواجه عقبات وجودية للأسباب التالية :

1. إيران ليست لقمة سائغة

محاولة السيطرة المطلقة على (مضيق هرمز ) تعني الدخول في حرب شاملة مع إيران، التي تملك قدرات صاروخية باليستية دقيقة قادرة على الوصول لقواعد أمريكية في الخليج، وأسراب مسيّرات بتقنيات متطورة أثبتت فعاليتها في أوكرانيا، وتملك قدرات بحرية تستطيع تحويل الخليج إلى بحر من النار (ألغام، زوارق سريعة، صواريخ ساحلية)الخ.

2. مبدأ أساسي الفوضى لا تُسيطر.

الفوضى التي تخلقها "الدومينو" قد تخرج عن السيطرة وتخلق أعداء جدد غير متوقعين،مثل تنظيم داعش الذي ولد من رحم الفوضى السورية-العراقية وهذا مثال صارخ على كيف يمكن للفوضى أن تضرب مصالح الجميع، بما فيهم أمريكا وإسرائيل بخروج مجموعات قتالية متنوعة لا يمكن السيطرة عليها .

3. الرد الصيني الخفي.

بالطبع ان الصين لن تدخل عسكرياً، لكنها قادرة على التأثير بعدة وسائل مختلفة منها:

-توريط أمريكا أكثر،عبر دعم المقاومة الإيرانية بتقنيات متطورة بشكل غير مباشر.
-تعميق تحالفها مع روسيا لتشكيل جبهة موازية في آسيا الوسطى والقوقاز تهدد المصالح الأمريكية.
-التحايل على الحصار عبر تطوير طرق بديلة (ممرات برية عبر باكستان وإيران وتركيا) تقلل أهمية المضائق التي سوف تسيطر عليها القوات الأميركية.

4. الجبهة الداخلية الأمريكية.

أمريكا منهكة من حروب الشرق الأوسط، والشعب الأمريكي غير مستعد لحرب جديدة واسعة النطاق. وهناك استطلاع رأي أظهر أن واحداً فقط من كل أربعة أمريكيين يدعم الحرب . وعليه أي مغامرة عسكرية كبرى ستواجه معارضة داخلية شرسة.

سابعاً: السيناريوهات المحتملة للمستقبل.

السيناريو الأول: الانتصار الكامل (غير مرجح)

انهيار إيران بالكامل، وسيطرة أمريكية-إسرائيلية على المنطقة، وخضوع الصين للهيمنة الاقتصادية الأمريكية. هذا السيناريو يتطلب حرباً شاملة ستدمر المنطقة لعقود، وردود فعل دولية لا يمكن السيطرة عليها، كما يتطلب تجاوز ترمب لأزمة داخلية حادة.

السيناريو الثاني: الاستنزاف المتبادل (الأكثر ترجيحاً).

استمرار الضغط على إيران دون وصولها لمرحلة الانهيار، واستمرار المقاومة الإيرانية عبر وكلائها، مع بقاء المنطقة في حالة "لا حرب ولا سلام" تستنزف فيها أمريكا وإسرائيل، بينما تواصل الصين وروسيا التمدد الاقتصادي بهدوء. هذا السيناريو هو الأسوأ لترمب داخلياً.

السيناريو الثالث: التسوية الكبرى (ممكن)

توصل أمريكا وإيران إلى تفاهمات جديدة تشبه "صفقة القرن" أو اتفاق فنزويلا،لكن بصيغة مختلفة، تعترف فيها إيران بالنفوذ الإسرائيلي مقابل رفع العقوبات وضمانات أمنية. ترمب قد يبيع هذا لجمهوره كـ"إنجاز دبلوماسي" ينهي الحرب سريعاً. لكن تصريحات ترمب المتضاربة حول "نموذج فنزويلا" قد تشير إلى أنه يبحث عن هذا المخرج وهذا لن ينجح في ايران .

السيناريو الرابع: انقلاب الطاولة (مستبعد لكن ممكن).

صدام مباشر بين القوى الكبرى (أمريكا ضد روسيا-الصين-إيران) في الشرق الأوسط، مما يحول المنطقة إلى ساحة حرب عالمية ثالثة.

ثامناً: الخلاصة النهائية

ما نراه اليوم هو أكبر لعبة شد حبل في التاريخ الحديث. إسرائيل تمهّد الأرض، وأمريكا تحكم الطوق، والهدف النهائي هو الصين.

-الدور الإسرائيلي: تنفيذ نظرية"الدومينو" على الأرض لتفتيت الدول والقضاء على محور المقاومة وعزل إيران،وخلق شرق اوسط جديد كما يريد نتنياهو.

-الدور الأمريكي: توظيف هذا التفتيت لفرض سيطرة شبه مطلقة على المضائق الحيوية، استعداداً ليوم الحسم مع الصين.

-الدور الخليجي: لعب دور "مانع الانهيار" خوفاً من أن تكون الفوضى التالية هي القادمة لابتلاعه أو ابتزازه مالياً واقتصادياً ، مع تعميق الشراكة مع الصين كورقة ضغط وتوازن.

-الدور الروسي: متفرج مضطر بسبب انشغاله بأوكرانيا، لكنه ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.

-الدور الصيني: متفرج ذكي يراهن على الزمن والاقتصاد، ويرفض الانجرار إلى مستنقع عسكري، بينما يبني تحالفات تجعل الخنق مستحيلاً.

-موقف الرئيس /ترمب الداخلي: الرئيس الأمريكي عالق بين مطرقة وسندان. مطرقة قاعدته الشعبوية التي ترفع شعار "أمريكا أولاً" وتعتبر هذه "حرب إسرائيل" ، وسندان حرب الشرق الأوسط التي تستنزف الجيش والذخيرة والمال.

-ترمب يبحث عن مخرج سريع (أسابيع قليلة) يبيعه كـ"نصر خاطف"، لكن الميدان والقدرات الإيرانية قد تفرض عليه واقعاً مختلفاً . نجاحه في تبرير الحرب يتوقف على عامل واحد: هل تنتهي الحرب سريعاً بأقل الخسائر؟ إذا استطاع تحقيق ذلك، فقد يتحول الانتقاد الحالي إلى نصر انتخابي. أما إذا تحولت إيران إلى مستنقع جديد، فإن معسكر "ماغا" نفسه قد يكون أول الضحايا.

السؤال الذي سيحدد مصير العالم في العقد القادم:
هل تنجح أمريكا في تحويل الشرق الأوسط إلى "بحيرة أمريكية" تخنق بها الصين، أم أن الصين ستجد ممراً جديداً نحو العالم، بينما تنزف أمريكا في رمال الشرق الأوسط كما نزف من قبلها السوفييت والبريطانيون؟

والسؤال الأخير: إذا انهارت إيران غداً، هل تعتقد أن قواعد أمريكا ستبقى لحماية الخليج، أم ستصبح أداة للضغط على الخليج نفسه؟

مع تحياتي
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ زائر في جامعة القاضي عياض
تخصص العلاقات الدولية



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج بين القان ...
- التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق ...
- رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام
- دور الدبلوماسية غير الرسمية في تنفيذ السياسة الخارجية الفلسط ...
- تفعيل مبدأ جبر الضرر وتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في عدوان ...
- تكيف جرائم العدوان الإسرائيلي (الجرف الصامد)على غزة سنة 2014
- عيوب اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العدوان على غزة سنة 201 ...
- مشكلة فلسطين في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا يع ...
- واقع العلاقات العربية-الصينية الضعيف والبديل الإسرائيلي عنهم
- الربيع العربي وانعكاساته على الدبلوماسية العربية.الأسباب وال ...
- دور اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في تنفيذ قواعد حماية الأعيا ...
- مصادقة الدول بالانضمام للبرتوكولين الإضافيين لسنة 1977
- ملائمة القانون الوطني الفلسطيني مع قواعد القانون الدولي الإن ...
- الحماية الدولية للبيئة الطبيعية الفلسطينية زمن النزاعات المس ...
- آليات تنفيذ قواعد حماية الأعيان المدنية الفلسطينية
- حظر الأعمال الانتقامية ضد الأعيان المدنية الفلسطينية.
- الحماية الخاصة للأعيان المدنية الفلسطينية زمن النزاع المسلح.
- مراعاة التدابير اللازمة في حال توجيه ضربة عسكرية للأعيان الم ...
- دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاع ...
- دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاع ...


المزيد.....




- ترامب: سنرافق ناقلات النفط في مضيق هرمز -إذا احتجنا لذلك-.. ...
- فيديو لـ-ظهور مجسم كرتوني بديل لمجتبى خامنئي بمراسم بيعته-.. ...
- وزير الدفاع الأمريكي: مجتبى خامنئي ربما -تشوّه-.. وإيران لم ...
- مراهق سوري يصف فقدانه لعائلته في غارة إسرائيلية على لبنان
- إيران بعد خامنئي: كيف تم اختيار مجتبى وما الذي ينتظره؟
- غارات إسرائيلية قرب مسيرات -يوم القدس- في طهران… ما خلفية هذ ...
- -معك أسبوع لإنهاء الحرب-.. ترامب يمنح نتنياهو مهلة 7 أيام لأ ...
- -يجب إنهاء المهمة مع حزب الله-: سكان شمال إسرائيل يتحدثون عن ...
- غوتيريش يصل بيروت وتطور نوعي في جبهة لبنان
- دراسة ألمانية: الفياغرا لعلاج مرض وراثي عند الأطفال


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي