|
|
الهجرة العكسية في إسرائيل -الجيل الضائع- وانهيار المشروع الصهيوني.
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 04:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
د. عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية
مقدمة:
لا يمكن فهم ظاهرة "الهجرة العكسية" (أي الهجرة من داخل إسرائيل إلى الخارج) بمعزل عن السياق البنيوي الذي يفسر العلاقة الجدلية بين الكيان السياسي والمنظومة القيمية التي قام عليها. فالمشروع الصهيوني، منذ نشأته، قام على فرضية أساسية مفادها أن إقامة دولة يهودية هي الضمانة الوحيدة لإنهاء عصر "الشتات" (Galut) والتيه. إلا أن النتائج التي تقدمها استطلاعات الرأي، مثل استطلاع منظمة "ألوما" الأخير عام 2026، تشير إلى انعكاس هذه المعادلة؛ حيث يعاد إنتاج "الشتات" الجديد طوعياً من قبل النخب الشابة التي وجدت أن رواية "الدولة الآمنة" قد تحولت إلى "جزيرة معزولة" تحت التهديد الوجودي.
هذا المقال يسعى إلى تحليل هذه الظاهرة، التي أسميها "زلزال الجيل الضائع"، من خلال منهج نقدي يتجاوز القراءة الأمنية السطحية إلى قراءة سوسيولوجية ونفسية واستراتيجية للمجتمع الإسرائيلي، متوقفاً عند دلالات الأرقام الكارثية التي تشير إلى أن خطر التفكك لم يعد يأتي من الخارج فقط، بل من "نزيف العقول" والهجرة من الداخل هروبا للخارج . كما نسعى إلى وضع هذه الظاهرة في إطارها الحضاري، عبر قراءةً في سنن الأفول التي تنطبق على الكيانات التي تفرط في الاستعلاء وتفقد أسباب البقاء لعدة أسباب منها التالي:
أولاً: تفكيك المفهوم: "الهجرة العكسية" كفضح للأسطورة القومية.
عند تحليل المعطيات الأولية للظاهرة، نجد أن مصطلح "الهجرة العكسية" يحمل في طياته إدانة ضمنية لفشل الدولة القومية التي تم الترويج لها لسنوات طويلة. فالمجتمع الإسرائيلي، الذي صُمم ليكون "مغناطيساً" لجلب يهود العالم، يتحول اليوم إلى "قاذف" لشبابه خارج اسرائيل. النسبة التي أشارت إليها الدراسة أن (هناك 30% من الشباب يفكرون بجدية في المغادرة) ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي تمثل انهياراً في "رأس المال المعنوي" (Moral Capital) الذي كانت تستند إليه الشرعية الداخلية للكيان الصهيوني.
من منظور أكاديمي، فإن هذه الظاهرة تؤكد أن الأمن، الذي كان يُسوَّق له كسلعة عامة متفوقة في إسرائيل مقارنة بأي مكان آخر في العالم، قد تحول إلى عجز هيكلي، تحديدا عندما يعتقد ثلث الشباب الاسرائيلي أن المستقبل لا يمكن أن يُعاش إلا خارج الحدود، فإن ذلك يعني أن "العقد الاجتماعي" بين المواطن والدولة قد تمزق بشكل لا يمكن إصلاحه بالوعود الأمنية الآنية. هذه الظاهرة تعكس تحولاً جذرياً في العلاقة بين الفرد والمؤسسة، حيث لم تعد الدولة قادرة على تقديم المقابل الأساسي (الأمان) مقابل الولاء والتضحية.
ثانياً: تحليل مكونات "الانهيار"بين الشلل التعليمي والكابوس المالي.
تشير بيانات الاستطلاع إلى أن 64% من الشباب يعانون من توقف أو تضرر كبير في مساراتهم الأكاديمية. هنا يبرز سؤال جوهري حول "استنساخ النخب"، باعتبار التعليم في المجتمعات الحديثة هو آلية إعادة إنتاج القيادة والكفاءات، وعندما تتوقف هذه الآلية لفترة طويلة تحت وطأة الحرب (التي وُصفت بأنها "حرب مفتوحة")، فإن المجتمع لا يفقد فقط سنة دراسية، بل يفقد جيلاً كاملاً من المهندسين والعلماء والقادة الذين كان من المفترض أن يديروا شؤون الدولة في العقد المقبل أو شؤنهم الشخصية.
هذه الظاهرة تكتسب خطورة خاصة في حالة إسرائيل، التي بنت اقتصادها وتفوقها التكنولوجي على نموذج "Start-up Nation" القائم على العقول الشابة والمبدعة، لذلك عندما يتوقف هؤلاء عن التعلم والإنتاج، أو عندما يقررون نقل طاقاتهم إلى خارج البلاد، فإن ذلك يعني انهيار النموذج الاقتصادي المستقبلي برمته داخل الكيان.
أما الكابوس المالي الذي يعاني منه 25% من الشباب، فهو يُظهر تحول "الدولة الرفاهية" العسكرية إلى عبء، وتحديدا عند استدعاءات الاحتياط (المليشيم) المستمرة، التي كانت تُعتبر طقوساً وطنية مقدسة، تحولت إلى عائق اقتصادي يدفع الأسر الشابة إلى حافة الانهيار؛ هذا التناقض بين "التضحية الفردية" و"التكفل المؤسسي" هو ما يولد الرغبة في "الهروب نحو الأمان"؛ فالشاب الذي يرى مستقبله المالي يتبخر بسبب غيابه الطويل عن العمل، ومستقبله الأكاديمي يتعطل بسبب الحرب، لا يجد أمامه سوى خيار واحد هو البحث عن بديل خارج الحدود الهجرة العكسية.
ثالثاً: "الجزيرة المعزولة" وتأثير التهديد الإيراني كعامل طرد.
التحليل الاستراتيجي التقليدي يقرأ التهديد الإيراني من زاوية عسكرية، لكن ما يحدث الآن هو تحول هذا التهديد إلى عامل "طرد" (Push Factor) ديموغرافي. وصف الشباب الإسرائيلي لأنفسهم بأنهم يعيشون في "جزيرة معزولة تحت رحمة الصواريخ الإيرانية" هو اعتراف صريح بفشل نظرية "الردع"، وان الشعور بالعزلة الجيوسياسية، والذي كان مقتصراً في الماضي على النخب السياسية، أصبح اليوم شعوراً يومياً يعيشه الشخص العادي.
في دراسات الهجرة، غالباً ما يكون "الخوف الملموس" أقوى دافعاً من "الطموح الاقتصادي"؛ هنا، يتقدم "الخوف من الموت" و"الخوف من المستقبل غير المستقر" على الاعتبارات الأيديولوجية؛ وأن الرغبة في "الأمان" أصبحت تتقدم على "القومية الكاذبة داخل اسرائيل"، وهي معادلة خطيرة على استمرارية الكيان، لأن القومية كانت دائماً هي "شماعة الاغراء" الذي يجمع المجتمع الإسرائيلي متعدد الثقافات والتفاوتات الطبقية.
هذا الشعور بالعزلة يتضاعف عندما يدرك الشاب الإسرائيلي أن دول المنطقة لم تعد تقبل بهيمنة اسرائيل العسكرية على دول المنطقة، وأن محور المقاومة بات قادراً على تهديد عمق الكيان بشكل غير مسبوق في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران . عندما يتحول "الخلف" إلى "جبهة"، وتتحول المدن إلى "ثكنات عسكرية"، فإن ذلك يخلق بيئة معيشية غير قابلة للاستمرار، خاصة لمن يملكون خيارات بديلة في الخارج ويحملون جنسيات دول أوروبية وامريكية واسترالية وجنوب امريكا الجنوبية.
رابعاً: تحليل نقدي "نزيف العقول" كخطر وجودي.
ما يهمنا هنا هو طرح السؤال الأساسي ،لماذا تعتبر هذه الهجرة "أخطر" من التهديدات الخارجية، وربما الجواب يكمن في أن الهجرة العكسية تستهدف "النسيج الداخلي"، وإن فقدان فئة الشباب المؤهلين يعني التالي:
1. تفكك المنظومة التكنولوجية: إسرائيل بنت اقتصادها على "Start-up Nation" الذي يعتمد على العقول الشابة، وبالتالي هجرة هذه العقول تعني انهيار النموذج الاقتصادي المستقبلي، وفقدان القدرة على المنافسة العالمية، وبالتالي انهيار أحد أهم أعمدة القوة الناعمة للكيان.
2. أزمة التماسك الاجتماعي: عندما يغادر الأقوياء والطموحون، تبقى الفئات الأقل حراكاً (مثل الحريديم المتدينين ذوي المعدلات المنخفضة من المشاركة في سوق العمل، أو الفئات المهمشة)، مما يزيد من الأعباء على الدولة ويفاقم الصراعات الداخلية. هذه الظاهرة تخلق مجتمعاً "مفرغاً من محتواه"، حيث تتبخر الطبقة الوسطى المنتجة التي تشكل العمود الفقري لأي مجتمع حديث.
3. انهيار القيادة المستقبلية: كل مجتمع يعتمد على توارث الخبرات والقيادات عبر الأجيال الشابة، وبالتالي عندما يغادر جيل بأكمله، فإن ذلك يخلق فجوة قيادية لا يمكن سدها بسهولة، وعليه، المؤسسات العسكرية والأكاديمية والسياسية داخل اسرائيل ستعاني من نقص حاد في الكفاءات القادرة على تسلم زمام الأمور في المستقبل وهذا ما صرح به مؤخرا رئيس اركان جيش الاحتلال الاسرائيلي/زامير، ان الجيش يعاني من نقص في القوة البشرية.
خامساً: فشل نظرية الردع الإسرائيلي: انهيار العقد الأمني.
من منظور التحليل الاستراتيجي النقدي، تشكل "نظرية الردع" (Deterrence Theory) حجر الزاوية في الفلسفة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 فوق ارض فلسطين . تقوم هذه النظرية على فرضية مفادها أن التفوق العسكري المطلق، والقدرة على إلحاق أضرار غير متناسبة بأي مهاجم في المنطقة ، قادرة على خلق معادلة تمنع نشوب الحروب أو تحسمها لصالح إسرائيل في زمن قياسي؛ إلا أن ما تكشفه أرقام الهجرة العكسية والنزيف المجتمعي هو انهيار كامل لهذه النظرية، ليس فقط على المستوى الميداني، بل على المستوى الوجودي. يمكن تفكيك مظاهر هذا الفشل في ثلاثة محاور هي:
1. انهيار ثقة المستوطنين اليهود بالدولة الحامية: عندما يفكر 30% من الشباب بالهجرة، فإن ذلك يعني أن "الدرع الواقي" الذي وعدت به الدولة قد ثُقب نفسياً قبل أن يُثقب مادياً. في المجتمعات التي تنجح فيها نظرية الردع، يكون المواطن هو "الحصن الأخير" الذي يتمترس حول الدولة في أوقات الخطر. أما عندما يتحول الشباب الاسرائيلي إلى "لاجئ من داخل دولته للخارج"، فهذه علامة فارقة على أن الردع لم يعد يعمل في الفضاء الذهني للأفراد، وهو الفضاء الأكثر أهمية من الميدان العسكري، ويعتبر فشل في التنمية البشرية داخل هذا المجتمع .
2. تحول "الجيش الشعبي" إلى عبء طارد: اعتمدت نظرية الردع الإسرائيلية على نموذج "الجيش الشعبي" (Tsva Ha am)، الذي يستند إلى التعبئة الشاملة والاحتياط؛ لكن استدعاءات الاحتياط المستمرة والمطولة، كما هو الحال في مواجهة إيران ومحور المقاومة، أدت إلى تحويل هذه الآلية إلى عامل "طرد" ديموغرافي.
حيث ان الشاب الاسرائيلي (المستوطن فوق ارض فلسطين) الذي يُسحب من مقعده الجامعي أو من شركته الناشئة لأشهر طويلة لا يرى في ذلك "تضحية وطنية"، بل يرى فيه "مصادرة لحياته" ودمار لاسرته ودمار لمشروعة الاقتصادي. هذا التناقض بين ضرورات الحرب المفتوحة وحق الفرد في الاستقرار هو ما أفشل المعادلة الردعية التي تقوم على "الردع المتبادل" مع الأعداء، لتحل محلها معادلة "الاستنزاف الذاتي"، بعد شن اسرائيل حرب مع غزة وثم مع لبنان وقم مع اليمن وقم مع ايران.
3. عجز الردع عن مواجهة "حروب الاستنزاف المتعددة الجبهات": صُممت نظرية الردع في الأصل لحروب تقليدية قصيرة ومنتظمة وليس كما حصل مع غزة استمرار (حرب الإبادة) لمدة عامين متكاملين دون توقف. لكن طبيعة المواجهة الحالية مع إيران وحلفائها (من ايران والعراق إلى اليمن إلى لبنان إلى غزة) هي حرب استنزاف مفتوحة، تعتمد على الصواريخ والمسيرات، وتمتد لشهور وسنوات. هذا النوع من الحروب لا يمكنه تقديم "لحظة النصر" الساحق الذي يبرر التضحية؛ ونتيجة لذلك، يتحول "المؤقت" إلى "جبهة قتال مشتعلة ومستمرة "، وتتحول المدن إلى "ثكنات عسكرية"، مما يولد شعوراً بالعزلة والفخ الذي عبر عنه الشباب الاسرائيلي في الاستطلاع بوصفهم يعيشون في دولة هي "جزيرة معزولة".
الجانب التحليلي لهذه النقطة أعلاه ، هو ان فشل نظرية الردع لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ التي يتم اعتراضها أو عدمها، بل يُقاس بعدد العقول التي تغادر اسرائيل؛ وعندما تفقد دولة الكيان القدرة على تقديم "الأمان" كسلعة عامة، فإنها تفقد حقها في بقاء نخبها. ما يحدث اليوم هو أن إسرائيل أصبحت تعاني من "عجز ردعي" داخلي، حيث لم تعد قادرة على ردع شبابها عدم الهروب من واقعها والهجرة نحو الخارج.
سادساً: نظرية زوال إسرائيل: حتمية قرآنية وقراءة في سنن الأفول.
إذا كانت الأقسام السابقة من هذا التحليل قد تعاملت مع الظاهرة من منظور سوسيولوجي واستراتيجي، فإن أي مقاربة أكاديمية جادة لظاهرة الأفول لا يمكنها تجاهل البعد الحضاري والعقائدي الذي يحكم قراءة المنطقة لهذا المسار. هنا ننتقل إلى مستوى أعمق من التحليل، حيث تلتقي قراءة الوقائع الميدانية (مثل الهجرة العكسية وفشل الردع) مع سنن التاريخ والثوابت العقائدية.
من منظور الدراسات الحضارية المقارنة، فإن ما يعيشه الكيان الإسرائيلي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو تجسيد لـ "سنن الأفول" التي تنطبق على الكيانات الاستعمارية والمشاريع غير المتجذرة في أرضها. النص الذي يشير إلى أن الاستعلاء المزدوج لا يمكن أن يستمر، وأن العاقبة للمتقين، هو تعبير عن (مبدأ قرآني) راسخ في فهم مسار الصراع، وهو مبدأ يقوم على أن الاستعلاء والطغيان والتجاوز للحدود الإنسانية والأخلاقية يقود حتماً إلى السقوط، وأن سنة الله في خلقه لا تتبدل.
يمكن تفكيك هذه الحتمية في ضوء المعطيات الحالية عبر المستويات التالية:
1. الاستعلاء كعامل تسارع نحو الزوال؛ تشير الدراسات التاريخية في علم الاجتماع السياسي إلى أن "الإفراط في استخدام القوة" (Overreach) هو العلامة الأوضح على بداية نهاية أي إمبراطورية أو كيان.
ما قامت به إسرائيل من توسع في العدوان على عدة جبهات، ومحاولة فرض واقع جديد بالقوة المطلقة، هو نموذج كلاسيكي على "الاستعلاء" الذي يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية والمعنوية؛ وبالتالي الهجرة العكسية من داخل اسرائيل نحو الخارج التي نراها اليوم هي أحد مظاهر هذا الاستنزاف؛ فالشباب الاسرائيلي لا يهربون من "قوة" الكيان، بل يهربون من "ثقل" هذا الاستعلاء الذي ألقى بهم في مستنقع حروب لا نهاية لها لتحقيق أحلام الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة.
2. الزوال التدريجي (نزيف العقول) كتحقق للسنن الكونية.
الزوال في السنن الكونية ليس بالضرورة أن يكون حدثاً آنياً (كارثة مفاجئة)، بل يمكن أن يكون عملية "تفكك بطيء" من الداخل؛ هذا ما نسميه في هذا المقال "الهجرة العكسية" هو في حقيقته "موت بالاستنزاف"؛ وعندما يغادر الشباب المؤهلون، وعندما يتوقف التعليم، وعندما ينهار النسيج الاجتماعي تحت وطأة الحرب، فإن الكيان الاسرائيلي يدخل في مرحلة "الهرم" و"الضمور" التي تسبق الزوال الحتمي. هذا هو المعنى العميق لثبات السنن الإلهية في التاريخ؛ فالعلو المزعوم الذي حققته إسرائيل بفضل الدعم الخارجي والتكنولوجيا العسكرية هو عدوها الأول، لأنه دفعها إلى تجاوز حدودها الطبيعية، وصولاً إلى نقطة الانهيار.
3. فشل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي كدليل على انعكاس المسار.
المشروع الصهيوني هو مشروع استيطاني استعماري بامتياز، يقوم على فكرة "الاستيطان" كبديل عن "الاندماج". اليوم، نرى أن "الاستيطان" (في الداخل أو في مدن الضفة الفلسطينية أو القدس المحتلة ) لم يعد جاذباً للشباب الإسرائيلي؛ بل أصبح "الترحال" و"الهجرة" هما الخيار الأكثر جاذبية. هذا يعني أن المعادلة قد انعكست؛ فبدلاً من أن تكون "إسرائيل" هي الوطن الآمن لليهود، أصبح الهروب "للخارج" هو الملاذ الآمن من إسرائيل، هذا الانعكاس هو علامة فارقة في مسار أي مشروع استيطاني؛ فحين يفقد القدرة على تثبيت أبنائه، يكون قد فقد روحه.
4. التحقق التاريخي للسنن.
من المهم هنا التأكيد على أن التحليل الأكاديمي لا ينظر إلى النصوص الدينية على أنها "تنبؤات غيبية" فقط، بل ينظر إليها كـ "قوانين حاكمة للتاريخ". ما نراه اليوم من انهيار معنوي وهجرة جماعية وفشل للردع هو تجسيد مادي لهذه السنن، وان الأرقام التي أوردتها الدراسة (30% راغبون في الهجرة) ليست مجرد أرقام عابرة، بل هي "شهادة تاريخيّة" على أن السقوط لا يأتي من الخارج فقط، بل من تفكك النسيج الداخلي الذي لم يعد قادراً على تحمل وطأة الانحراف عن سنن التوازن والعدل.
ختاما، من خلال هذا التحليل الممتد من الأرقام الاجتماعية إلى النظريات الاستراتيجية، وصولاً إلى قراءة السنن الحضارية، يتضح أن ظاهرة "الهجرة العكسية" هي أكثر من مجرد خبر عابر. إنها "زلزال صامت" يعيد تشكيل بنية الكيان الصهيوني من الداخل، ويؤكد أن الخطر الوجودي الحقيقي على إسرائيل لا يأتي فقط من صواريخ المقاومة، بل من فقدان شبابها للإيمان بإمكانية العيش على (أرض فلسطينية محتلة ليست لهم) تحت وطأة نموذج قائم على الحرب الدائمة والاستعلاء.
من هنا، وبناءً على ما تقدم ذكره بين فشل نظرية الردع (الانهيار الاستراتيجي) وبين تحقق سنن الزوال (الانهيار الحضاري)، تتشكل حلقة مفرغة تؤكد أن ما تمر به إسرائيل في حربها مع ايران التي اندلعت بتاريخ 28-2-2026, ليس مجرد أزمة سياسية عابرة؛ بل أن فشل الردع جعل البيئة الداخلية في اسرائيل غير آمنة، مما أدى إلى الهجرة العكسية للخارج، والهجرة أدت إلى نزيف القدرة على الاستمرار في الحرب، مما زاد من فشل الردع، وبالتالي هذا الدوران المغلق هو في جوهره "موت سريري" لدولة الاحتلال الاسرائيلي.
كما ان "الهجرة العكسية" ليست مجرد ظاهرة اجتماعية يمكن حلها بزيادة الرواتب أو التخفيضات الضريبية؛ بل هي دليل مادي على أن الكيان قد دخل مرحلة "الانسلاخ من أرض فلسطين المحتلة"،وعندما يفقد الكيان شبابه، فإنه يفقد أدوات إنتاج المستقبل. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد "هل سيزول الكيان الصهيوني" بل "متى يكتمل نزيف العقول ليصل إلى نقطة اللاعودة".
هذا هو المستوى الأخطر من التحليل لظاهرة الهجرة العكسية من داخل اسرائيل نحو الخارج، حيث تتقاطع القراءة الأكاديمية العلمية لانهيار الدول مع السنن الكونية الثابتة، لنخلص إلى أن ما يحدث اليوم في الداخل الإسرائيلي هو مقدمة طبيعية لنهاية مشروع بدأ باحتلال فلسطين، وبالاستعلاء وبالطبع سوف ينتهي بالتفكك، لا سيما وان قطار الهجرة قد انطلق، والقادم أعظم، والأيام بيننا تشهد على صدق السنن وثبات الموازين، وصحة ما جاء في القران في الآية الكريمة: يقول الله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء: 4).
وللإشارة، عبارة "لن تعلو في الأرض مرتين" هي جزء من تفسير سياق الآيات الأولى في سورة الإسراء، والتي تتحدث عن وعد الله لبني إسرائيل بالإفساد مرتين، يعقبهما عقاب إلهي بتسليط أعداء عليهم، ليكون العلو الأول والثاني زوالاً لقوتهم وليس إبادة مطلقة، وذكر المفسرون أن هذه الوعود وقعت.
-المراجع:
-استطلاع رأي منظمة "ألوما" (Aluma) حول نوايا الهجرة لدى الشباب الإسرائيلي، من داخل اسرائيل نحو الخارج 2024-2025.
-الدراسات السوسيولوجية في ظاهرة "الهجرة العكسية" في المجتمعات التي تعيش حروباً طويلة الأمد.
-التحليل الاستراتيجي لنظرية الردع الإسرائيلية في ضوء حرب الاستنزاف المتعددة الجبهات.
-قراءات في سنن الأفول الحضاري من منظور مقارن بين الدراسات التاريخية والثوابت العقائدية.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فرض مدونة سلوك اسرائيلية على الدول العربية
-
فخ التصعيد وتحول القوة لنقطة ضعف
-
مضيق هرمز 2026 هل يكون سويس أمريكا عام 1956.
-
فن الصفقة بين الوهم والواقع في استراتيجية ترامب التفاوضية.
-
ترمب يفضل الدبلوماسية المعيارية على وزير الخارجية روبيو
-
البروفيسور الصيني جيانغ يؤكد انتصار ايران
-
البروفيسور الصيني جيانغ وانتصار ايران
-
عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي
-
اغتيال الصحفية الفرنسية/مارين فلهوفيتش داخل منزلها في فرنسا.
-
مضيق هرمز يضع الأمن القومي العربي والصين في مرمى العاصفة
-
جهل ويتكوف وكوشنر أشعل الحرب مع إيران
-
دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي
-
-الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج بين القان
...
-
التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق
...
-
رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام
-
دور الدبلوماسية غير الرسمية في تنفيذ السياسة الخارجية الفلسط
...
-
تفعيل مبدأ جبر الضرر وتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في عدوان
...
-
تكيف جرائم العدوان الإسرائيلي (الجرف الصامد)على غزة سنة 2014
-
عيوب اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العدوان على غزة سنة 201
...
-
مشكلة فلسطين في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا يع
...
المزيد.....
-
هل أسرت إيران جنودا أمريكيين؟
-
المارينز على أبواب هرمز.. إنزال محتمل أم استعراض قوة؟
-
تنديد عربي وإسلامي وأوروبي بقيود الاحتلال على حرية العبادة ب
...
-
عاجل | وزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 3 صواريخ باليستي
...
-
-الأشرطة الحمراء- تدعو لتحرك دولي عاجل دعما للأسرى الفلسطيني
...
-
النيابة العامة في ميشيغن: منفذ هجوم الكنيس مرتبط بحزب الله
-
التعامل مع حريق في منزل بدبي نتيجة سقوط شظية
-
دبي: التعامل مع حريق في ناقلة نفط كويتية تعرضت لهجوم بمسيّرة
...
-
نقص الوقود يسبب طوابير طويلة في عاصمة ميانمار
-
البيت الأبيض: ترامب مهتم بأن يساهم العرب في تكاليف الحرب على
...
المزيد.....
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
المزيد.....
|