أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي















المزيد.....



عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 08:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة

في عالم العلاقات الدولية حيث تتقاطع المصالح مع القوة، وتتصارع الروايات مع الحقائق، تظل قضية امتلاك الأسلحة النووية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل. فبينما تعلن القوى الكبرى تمسكها بنظام عدم الانتشار النووي، فإنها في الوقت نفسه تحتفظ بترسانات هائلة من هذه الأسلحة النووية ، وتستخدمها كورقة ضغط استراتيجي في صراعاتها مع الدول التي تصفها بـ"المارقة". في قلب هذا التناقض تقف إيران، التي ظلت لعقود محور جدل دولي حول برنامجها النووي، متذرعة بفتوى دينية تحرم امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

لكن التطورات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، خاصة مع اندلاع شرارة الحرب (العدوان) الأمريكي -الإسرائيلي عليها بتاريخ 28-2-2026 واغتيال المرشد الإيراني/ علي خامنئي ومجموعة من المسؤولين معه، واستمرار العدوان على ايران، وتكثيف عمليات الاغتيال والتهديدات المباشرة للمنشآت النووية الإيرانية، دفعت النخبة الحاكمة في طهران إلى إعادة النظر في مرتكزاتها الاستراتيجية. فما كان يُعرف بـ"الفتوى النووية" التي أطلقها سابقا المرشد الأول للجمهورية الراحل/آية الله الخميني، والتي أكد عليها بعده المرشد الثاني للجمهورية الشهيد/ علي خامنئي في بيانات متعددة، لم تعد تبدو في نظر بعض الأوساط الإيرانية درعاً أخلاقياً بقدر ما أصبحت (قيداً استراتيجياً) في ظل مواجهة وجودية للجمهورية الإيرانية بعد اغتيال خامنئي وانتخاب المرشد الثالث للجمهورية/مجتبى خامنئي.

هذا التحول في الخطاب الإيراني، والذي تجلى في تصريحات متباينة من مسؤولين كبار، وفي التسريبات حول مناقشات داخلية في أوساط رجال الدين والقيادة السياسية، يعكس تحولاً عميقاً في مفهوم "عقيدة البقاء" (Doctrine of Survival) التي باتت تشكل الإطار الفكري للسياسة الخارجية الإيرانية. فإيران، التي شهدت مصير القذافي في ليبيا وصدام في العراق، والتي ترى نموذج كوريا الشمالية الذي تحدى العالم ونجا، وأيضاً نموذج أوكرانيا التي تخلت عن ترسانتها النووية فكانت ضحية للعدوان الروسي، تدرك أن امتلاك الردع النووي قد يكون في النهاية هو الضمان الوحيد لبقائها في نظام دولي لا يعترف إلا بلغة القوة.

في هذا المقال نهدف إلى تحليل ومناقشة التحول في الموقف الإيراني من الفتوى النووية في ضوء التطورات الإقليمية والدولية، واستكشاف مفهوم "عقيدة البقاء" كإطار استراتيجي يفسر هذا التحول، مع تقديم قراءة في تداعيات ذلك على الأمن الإقليمي والنظام الدولي.

السؤال الإشكالي:

كيف يمكن فهم التحول في الموقف الإيراني من الفتوى النووية في ضوء مفهوم "عقيدة البقاء"، وما هي العوامل الداخلية والإقليمية والدولية التي أسهمت في هذا التحول، وما هي تداعياته على الأمن الإقليمي والنظام الدولي.

ستكون الإجابة عبر المحاور التالية:

المحور الأول: عقيدة البقاء – المفهوم والأبعاد والدروس المستفادة.

أولاً: تعريف عقيدة البقاء وتطورها في الفكر الاستراتيجي:
عقيدة البقاء (Doctrine of Survival) هي مفهوم استراتيجي يشير إلى مجموعة المبادئ والرؤى التي تتبناها دولة أو نظام سياسي لضمان استمرارها في ظل تهديدات وجودية. تختلف هذه العقيدة عن العقائد الهجومية أو التوسعية في أنها تركز بشكل أساسي على الدفاع عن الذات وإعطاء الأولوية لضمان بقاء النظام السياسي والدولة ككيان قادر على الفعل في المحيط الدولي.

تتأسس عقيدة البقاء على عدة ركائز معرفية واستراتيجية. أولها المركزية الوجودية، حيث تجعل من بقاء الدولة واستمرارها القيمة العليا التي تُقاس بها جميع السياسات والاستراتيجيات. في هذا الإطار، يصبح أي خيار استراتيجي – مهما كانت كلفته – مشروعاً إذا كان يخدم الهدف الأسمى وهو البقاء وعدم انهيار الجمهورية الإسلامية. ثانيها نظرية الردع، التي تعتمد على فكرة أن امتلاك قدرات تمنع الآخرين من التفكير في تدمير الدولة هو الضمانة الحقيقية للبقاء. الردع لا يعني فقط القدرة على الدفاع، بل القدرة على إلحاق ضرر غير محتمل بالمعتدي بحيث يصبح العدوان خياراً غير عقلاني. ثالثها استخلاص الدروس من التاريخ، حيث تعتمد عقيدة البقاء على قراءة عميقة لتجارب الدول الأخرى، والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها. فالدول التي نجت في بيئة دولية عدائية كانت غالباً تلك التي أدركت مبكراً أن القوة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها القوى الكبرى. رابعها المرونة التكتيكية، التي تسمح بتعديل السياسات والمبادئ في ضوء المتغيرات التهديدية، دون التمسك بثوابت قد تصبح في ظروف معينة عبئاً استراتيجياً. هذا لا يعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة تأويلها بما يتوافق مع متطلبات البقاء. خامسها التوازن بين القوة الصلبة والناعمة، حيث تجمع بين بناء القدرات العسكرية والردعية، وبين الدبلوماسية والتحالفات والحضور الإقليمي، بحيث لا يعتمد البقاء على أداة واحدة فقط.

ثانياً: الأسس الفلسفية لعقيدة البقاء في العلاقات الدولية:
تعود الجذور الفلسفية لعقيدة البقاء إلى "المدرسة الواقعية" في العلاقات الدولية، التي ترى أن الصراع على القوة هو جوهر العلاقات بين الدول، وأن النظام الدولي هو نظام فوضوي (Anarchic) لا توجد فيه سلطة عليا قادرة على حماية الدول الضعيفة. من أبرز أعلام هذه المدرسة هو المفكر/ثوسيديدس، في كتابه "تاريخ الحرب البيلوبونيسية"، قدم رؤية قاسية عن العلاقات الدولية، مفادها أن "القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمل ما لا بد منه". هذه المقولة تلخص جوهر عقيدة البقاء في عالم لا يوجد فيه عدالة متعالية، تصبح القوة هي الضمانة الوحيدة للبقاء.

أيضا مكيافيلي، في كتابه "الأمير"، أكد أن على الحاكم أن يكون مستعداً لاستخدام أي وسيلة ضرورية للحفاظ على الدولة، وأن القيم الأخلاقية لا يمكن أن تكون عائقاً أمام ضرورات البقاء. هذا المنطق المكيافيلي يشكل ركيزة أساسية لعقيدة البقاء.

كذلك هوبز، في كتابه "الطاغوت" (Leviathan)، وصف الحياة في حالة الطبيعة بأنها "حرب الكل ضد الكل"، وأن الدولة (الطاغوت) هي التي تخلق الأمن وتحمي الأفراد. على المستوى الدولي، لا يوجد طاغوت عالمي، مما يعني أن الدول تعيش في حالة طبيعة دائمة، وعليها أن تعتمد على قوتها الذاتية للبقاء.

أما المدرسة (الواقعية الحديثة)، ممثلة بمفكرين مثل هانز مورغنثاو، وكينيث والتز، وجون ميرشايمر، فقد أكدت أن الدول تسعى في المقام الأول إلى الأمن والبقاء، وأن السباق نحو القوة هو نتاج طبيعي لنظام دولي فوضوي.

ثالثاً: نماذج تاريخية واستراتيجية في عقيدة البقاء.

النموذج الأول: كوريا الشمالية – الردع النووي كضمان للبقاء.

تمثل كوريا الشمالية النموذج الأكثر وضوحاً لعقيدة البقاء في العصر الحديث. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وفقدان بيونغ يانغ حليفها الاستراتيجي، واجهت كوريا الشمالية تهديدات وجودية حقيقية. كانت الولايات المتحدة تدرجها في "محور الشر"، وكانت هناك نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية توجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية.

الرد الكوري الشمالي كان الاندفاع نحو امتلاك الردع النووي. ففي عام 2006، أجرت كوريا الشمالية أول تجربة نووية، وتلتها تجارب لاحقة، حتى وصلت إلى امتلاك ترسانة نووية وصواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية.

النتائج كانت دراماتيكية. فبعد امتلاك القنبلة النووية، توقفت الولايات المتحدة عن الحديث عن تغيير النظام أو توجيه ضربات عسكرية. كما أصبحت كوريا الشمالية، رغم استمرار العقوبات، لاعباً لا يمكن تجاهله، وبدأت مفاوضات مع الولايات المتحدة على مستوى القادة. ورغم فقرها المدقع وعزلتها الدولية، لم يعد أحد يفكر في غزو كوريا الشمالية أو الإطاحة بنظامها، والدرس المستفاد هو أن القنبلة النووية، رغم كل ما تحمله من مخاطر، أثبتت أنها قادرة على تحويل دولة فقيرة ومعزولة إلى كيان لا يمكن المساس به.

النموذج الثاني: أوكرانيا – التخلي عن الردع النووي والثمن الباهظ.

يمثل النموذج الأوكراني أبلغ شاهد على نتائج التخلي عن عقيدة البقاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ورثت أوكرانيا ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، حيث كانت تمتلك حوالي 1,900 رأس نووي استراتيجي، بالإضافة إلى 176 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، كانت أوكرانيا في تلك اللحظة قوة نووية عظمى بالقدرة الفعلية، لكنها كانت في وضع اقتصادي وسياسي صعب.

تحت ضغوط دولية هائلة، خاصة من الولايات المتحدة وروسيا، وقعت أوكرانيا عام 1994 على "مذكرة بودابست" (Budapest Memorandum) التي نصت على تخلي أوكرانيا عن ترسانتها النووية، حيث سلمت الأسلحة النووية إلى روسيا لتفكيكها، وانضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) كدولة غير نووية. كما تضمنت المذكرة ضمانات أمنية، حيث تعهدت الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا باحترام استقلال أوكرانيا وسيادتها وحدودها القائمة، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها ضدها.

ما حدث بعد ذلك كان درساً قاسياً في أهمية عقيدة البقاء. ففي عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية بالقوة، واندلعت حرب في إقليم دونباس بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا. ورغم أن مذكرة بودابست كانت موقعة من قوى نووية كبرى، لم تتحرك الولايات المتحدة أو بريطانيا لوقف العدوان الروسي، مكتفية بعقوبات اقتصادية محدودة. وفي فبراير/ عام 2022، شنت روسيا غزواً واسعاً لأوكرانيا، مما أدى إلى دمار هائل، وخسائر بشرية فادحة، وتشريد ملايين الأوكرانيين.

في سنوات لاحقة، أعرب مسؤولون أوكرانيون عن ندمهم العميق على قرار التخلي عن الترسانة النووية، معتبرين أن امتلاكها كان سيمنع العدوان الروسي أو يغير مساره بشكل جذري. الدرس الذي استخلصته الدول التي تراقب المشهد الأوكراني هو أن التخلي عن الردع النووي مقابل ضمانات أمنية هو "مقامرة خطيرة". فالضمانات، حتى لو جاءت من قوى عظمى، قد تتبخر عندما تواجه هذه القوى مصالحها الاستراتيجية. أوكرانيا دفعت ثمناً باهظاً لثقتها بالضمانات الدولية، وباتت اليوم دولة ممزقة تحتاج إلى مساعدات عسكرية واقتصادية هائلة لمواجهة عدوان جارها النووي.

النموذج الثالث: ليبيا – مصير القذافي بعد التخلي عن البرنامج النووي:
في عام 2003، وبعد حصار دولي طويل، أعلن معمر القذافي تخلي ليبيا عن برنامجها النووي والأسلحة غير التقليدية. تم تفكيك البرنامج الليبي تحت إشراف دولي، وسلّمت معدات التخصيب في صناديق خشبية أمام عدسات الكاميرات، في مشهد أرادت واشنطن ولندن من خلاله تقديم نموذج "للدولة المسؤولة" التي تتخلى عن أسلحة الدمار الشامل.

ما حدث بعد ذلك كان مأساوياً. فرُفعت العقوبات عن ليبيا، وبدأت شركات غربية في الاستثمار في قطاع النفط الليبي. لكن في عام 2011، ومع اندلاع الثورة ضد نظام القذافي، تدخل حلف الناتو عسكرياً في عملية (فجر أوديسا) واسقط النظام بالضربات العسكرية لدعم المعارضة، وتم قتل القذافي بوحشية بعد أسابيع من القتال. بعد ذلك، انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية وفوضى أمنية استمرت لسنوات، وتحولت إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية. الدرس الذي استخلصته إيران من النموذج الليبي هو أن القذافي ظن أن تخليه عن البرنامج النووي سيفتح الباب أمام علاقات طبيعية مع الغرب، لكنه في النهاية وجد نفسه بدون الردع الذي كان يمكن أن يحميه عندما قرر الغرب التخلص منه.

النموذج الرابع: العراق – صدام حسين بين غياب الردع والغزو:
العراق، الذي كان يمتلك برنامجاً نووياً في الثمانينيات، تعرضت مفاعلاته النووية لقصف إسرائيلي عام 1981 في عملية "أوبرا". بعد ذلك، توقف البرنامج النووي العراقي تحت وطأة الحصار والعقوبات التي أعقبت حرب الخليج عام 1991.

في عام 2003، غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق بناء على ادعاءات بامتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي الادعاءات التي ثبت لاحقاً عدم صحتها. سقط نظام صدام حسين، وأُعدم صدام يوم عيد الاضحى لا ذلاله أمام أنصاره،بعد محاكمة مثيرة للجدل. الدرس الذي استخلصته إيران من النموذج العراقي هو أن الردع النووي ضروري، لأن العراق لم يمتلك الردع النووي عندما قررت واشنطن غزوه. لو كان يمتلك قدرات نووية، لكان الغزو مستحيلاً أو على الأقل سيكون له تداعيات لا يمكن تحملها. كما أن الاتهامات كافية للغزو، فحتى لو لم تكن الأدلة صحيحة، فإن مجرد اتهام دولة بامتلاك أسلحة دمار شامل قد يكون كافياً لشن حرب عليها. وأخيراً، فإن الدول التي لا تملك الردع النووي تبقى عرضة للابتزاز السياسي والعقوبات والتهديدات العسكرية.

النموذج الخامس: إسرائيل – الردع النووي غير المعلن:
تمثل إسرائيل نموذجاً فريداً في عقيدة البقاء. فمنذ الستينيات، عملت إسرائيل على امتلاك ترسانة نووية، واعتمدت سياسة "الغموض النووي" (Nuclear Ambiguity)، حيث لا تؤكد ولا تنفي امتلاكها للسلاح النووي، لكن الجميع يعلم أنها تمتلك ترسانة متطورة.

النتائج كانت مذهلة، فبفضل الردع النووي، لم يتعرض أي من أراضي إسرائيل لغزو شامل منذ حرب 1973، رغم أنها دولة صغيرة محاطة بعداء عربي إقليمي لها بسبب احتلال فلسطين . كما تستطيع إسرائيل، بفضل الردع النووي، شن حروب تقليدية مثل حروب غزة ولبنان دون خوف من ردود فعل وجودية. والأهم، رغم انتهاكاتها للقانون الدولي، لم تتعرض إسرائيل لعقوبات حقيقية من القوى الكبرى، التي تتعامل معها كلاعب نووي لا يمكن تجاوزه.

رابعاً: الدروس المستفادة من النماذج التاريخية:
من خلال استقراء هذه النماذج الخمسة، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس التي تشكل جوهر عقيدة البقاء. الدرس الأول هو أن الردع النووي يضمن البقاء، كما في حالة كوريا الشمالية التي نجت رغم كل التحديات، بينما أوكرانيا غزيت بعد التخلي عن الردع. الدرس الثاني هو أن الضمانات الدولية غير مضمونة، فمذكرة بودابست لم تحم أوكرانيا، لأن الدول الكبرى تضع مصالحها فوق التزاماتها. الدرس الثالث هو أن التخلي عن الردع يؤدي إلى الضعف، كما حدث مع ليبيا والعراق حيث سقطت أنظمتهما بعد أن فقدتا الردع أو لم تمتلكاه. الدرس الرابع هو أن الردع يمنع الابتزاز، فإسرائيل تمارس السياسات التي تريدها دون عقاب حقيقي. الدرس الخامس هو أن القوى النووية تتحكم في مصيرها، فالدول النووية مثل كوريا الشمالية وإسرائيل والهند وباكستان تحدد مصيرها بنفسها، بينما الدول غير النووية تظل عرضة للإملاءات.

خامساً: تطبيق عقيدة البقاء على الحالة الإيرانية.

في ضوء هذه الدروس، يقرأ العقل الاستراتيجي الإيراني وضعه الحالي من خلال عدسة عقيدة البقاء. فإيران تواجه تهديدات وجودية متعددة منها اغتيالات مستمرة لقادتها وعلمائها، تهديدات إسرائيلية وأمريكية بتوجيه ضربات لمنشآتها النووية، حروب بالوكالة تستنزف قواها، وضغوط اقتصادية خانقة. كما أن تجربتها مع الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015 الذي انسحبت منه الولايات المتحدة من جانب واحد عام 2018، أثبتت لها أن الاتفاقات الدولية لا تصمد أمام إرادة القوى الكبرى.

إيران ترى ما حدث لأوكرانيا (تخلت عن الردع فغزيت)، وما حدث للقذافي (سلم برنامجه فقُتل)، وما حدث لصدام (لم يمتلك الردع فغزيت بلاده)، وما حدث لكوريا الشمالية (امتلكت الردع فنجت). هذه الدروس تدفعها نحو استنتاج واحد: الردع النووي هو الضمانة الوحيدة للبقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحفاظ على ارث المرشد الاول والثاني بتوفير قوة الردع في زمن المرشد الثالث للجمهورية بعد العدوان الامريكي-الاسرائيلي بتاريخ 28-2-2026 على ايران أدت لاغتيال المرشد/علي خامنئي.

أما الفتوى النووية التي حرمت امتلاك السلاح النووي، فقد كانت مناسبة سابقا لظروف مختلفة، ولكن في ظل التهديدات الوجودية الحالية، أصبحت هذه الفتوى، بالنسبة للتيار الواقعي في إيران، عبئاً استراتيجياً يجب تجاوزه أو إعادة تأويله بما يتوافق مع متطلبات عقيدة البقاء. هذا التحول في القراءة الاستراتيجية هو ما يفسر النقاشات الداخلية المحتدمة في أوساط الحوزات العلمية والقيادة السياسية حول مستقبل الفتوى النووية.

المحور الثاني: الفتوى النووية – الجذور والتطور والجدل الفقهي

أولاً: مفهوم الفتوى النووية في الخطاب الإيراني.

الفتوى النووية هي فتوى دينية صادرة عن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، وتحظر امتلاك واستخدام أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية. استندت هذه الفتوى إلى مبادئ الفقه الشيعي التي تحرم قتل المدنيين، وتعتبر استخدام أسلحة الدمار الشامل انتهاكاً للقيم الإنسانية والأخلاقية الإسلامية.

أصدر المرشد الاول للجمهورية الإيرانية الراحل/آية الله روح الله الخميني، فتاوى متعددة تحرم الأسلحة النووية، وأكد عليها المرشد الثاني للجمهورية/آية الله علي خامنئي ،في مناسبات متعددة، منها خطابه في مؤتمر المراجعة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 2010، حيث أعلن أن "امتلاك واستخدام الأسلحة النووية حرام شرعاً". كما أكد في مناسبات لاحقة أن إيران لا تسعى لامتلاك هذه الأسلحة، وأن برنامجها النووي يخدم أغراضاً سلمية بحتة.

شكلت هذه الفتوى لسنوات طويلة "درعاً فقهياً" تذرعت به إيران في مفاوضاتها الدولية، وأداة لتفنيد الاتهامات الغربية بسعيها لامتلاك السلاح النووي. كما كانت جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى تقديم صورة عن دولة ملتزمة بالقانون الدولي والأخلاق الإسلامية، في مواجهة حملات الضغط والعقوبات الغربية.

ثانياً: الجدل الفقهي حول الفتوى النووية:
لا يمكن فهم التحول في الموقف الإيراني دون استكشاف الجدل الفقهي الدائر في أوساط رجال الدين في قم ومشهد. فهذه المدن، التي تمثل مراكز الحوزات العلمية الشيعية، شهدت نقاشات معمقة حول مدى إلزامية الفتوى النووية في ظل المتغيرات الاستراتيجية.

يرى تيار "التأكيد" أن الفتوى النووية تمثل موقفاً أخلاقياً وأصولياً لا يمكن التراجع عنه، وأن امتلاك إيران للسلاح النووي سيكون "رجساً" يتناقض مع رسالة الثورة الإسلامية. هذا التيار يؤكد أن القوة الحقيقية لإيران تكمن في موقعها الإقليمي وتحالفاتها، وليس في امتلاك أسلحة محرمة دينياً.

في المقابل، يرى تيار "المراجعة" أن الفتوى كانت مرتبطة بظروفها التاريخية سابقا، وأنها صدرت في عصر كانت فيه التهديدات الوجودية أقل حدة. هذا التيار، الذي باتت أصواته ترتفع في الغرف المغلقة للحوزات العلمية، يطرح تساؤلات جوهرية ،هل يمكن اعتبار الفتوى النووية ثابتاً لا يقبل التغيير في ظل مواجهة وجودية تهدد (بيضة الإسلام) ؛ وهل يجوز في الفقه الشيعي التراجع عن فتوى سابقة إذا تغيرت الظروف وتهددت مصالح المسلمين العليا؛ وما هو الحكم الشرعي إذا أصبح امتلاك السلاح النووي ضرورة لردع عدو يهدد وجود الدولة الإسلامية بالزوال.

هذا الجدل الفقهي لم يعد محصوراً في الأوساط الدينية، بل تسرب إلى الخطاب السياسي، وظهر في تصريحات مسؤولين كبار مثل وزير الخارجية/ عباس عراقجي ،الذي قال إن الفتوى "ترتبط بالشخص الذي يصدرها"، فاتحاً بذلك ثغرة في جدار الموقف الرسمي الذي كان يوماً ما يوصف بالثبات، وأن الجمهورية الان في زمن المرشد الثالث/مجتبى خامنئي، وهو صاحب القرار في هذا الأمر.

المحور الثالث: العوامل المحركة للتحول – بين الداخل والخارج

أولاً: العوامل الإقليمية – تصاعد التهديدات الوجودية.

شهدت منطقة الشرق الأوسط وتحديدا ايران في السنوات الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في مستوى التهديدات الموجهة لها، يمكن رصد هذه التهديدات في سياسة الاغتيالات الممنهجة، حيث اغتيل القائد البارز الفريق قاسم سليماني عام 2020، والعلماء النوويون مثل محسن فخري زاده، مع استمرار التهديدات باستهداف قادة إيرانيين آخرين. كما تتجلى في التهديدات المباشرة للمنشآت النووية، من خلال تصريحات متكررة من مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين حول استعدادهم لتوجيه ضربات عسكرية للمنشآت النووية في نطنز وفوردو (بسلاح نووي تكتيكي)وحتى تنفيذ عمليات تخريب وتفجير في هذه المنشآت. بالإضافة إلى الحروب بالوكالة والاستنزاف، حيث تستمر الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، والردود الإسرائيلية على أهداف إيرانية، مما يخلق حالة من الاستنزاف المستمر. وأخيراً، التحالف الأمريكي الإسرائيلي المكثف، فالدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل في عدوانها على غزة ولبنان، والتصعيد في البحر الأحمر ومضيق هرمز، يؤكد لإيران أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان كجبهة واحدة ضدها ويسعون لاسقاط النظام في ايران وزوال الجمهورية الإسلامية.

ثانياً: العوامل الدولية – دروس من التاريخ.

يقرأ العقل الاستراتيجي الإيراني التاريخ من زاوية محددة، ينظر إلى مصير الدول التي امتلكت الردع النووي مقابل الدول التي تخلت عنه أو لم تمتلكه، وتم استعراض هذه النماذج بالتفصيل في المحور الأول من هذا المقال، وأبرزها نموذج أوكرانيا الذي يعد الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل العقيدة الإيرانية. فالمشهد الأوكراني – دولة تخلت عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم مقابل ضمانات أمنية، ثم أصبحت ساحة حرب وتمزقت ، هذا النموذج يشكل درساً يومياً تراه إيران وتستخلص منه العبر.

ثالثاً: العوامل الداخلية – التقدم التقني والضغوط السياسية.

على المستوى الداخلي، توجد عوامل متعددة دفعت نحو إعادة النظر في الفتوى النووية. أولها التقدم في قدرات التخصيب، حيث وصلت إيران إلى مستوى تخصيب 60%، وهي خطوة واحدة بعيدة عن مستوى 90% المطلوب لإنتاج أسلحة نووية. هذا التقدم التقني جعل القنبلة النووية ليست حلماً بعيداً، بل خياراً تقنياً متاحاً، ولم يبقَ سوى القرار السياسي لتجاوز العتبة النهائية. ثانيها الضغوط الاقتصادية والعقوبات، فرغم العقوبات الخانقة التي فرضتها الولايات المتحدة، تمكنت إيران من تطوير برنامجها النووي. هذا يعكس أن الضغوط الاقتصادية لم تنجح في وقف البرنامج، بل ربما عززت من إصرار إيران على امتلاك القدرات التي تجعلها في منأى عن الابتزاز الاقتصادي. ثالثها تغير الأجيال داخل النخبة الحاكمة، فمع تأثير عملية اغتيال المرشد/ علي خامنئي، وانتخاب ابنه مجتبى مرشدا جديدا للجمهورية،ومع تغير تركيبة النخبة السياسية والعسكرية بعد سلسلة اغتيالات للقادة الإيرانين، برزت أصوات أكثر ميلاً للواقعية الاستراتيجية وأقل ارتباطاً بالثوابت الأيديولوجية القديمة التي سادت في العقود الأولى للثورة.

المحور الرابع: التحول في الموقف الإيراني – المؤشرات والدلائل.

أولاً: المؤشرات الخطابية:
شهد الخطاب السياسي الإيراني في السنوات الأخيرة تحولات دقيقة لكنها مهمة. فوزير الخارجية عباس عراقجي، عندما سُئل عن الفتوى النووية، لم يغلق الباب، بل قال إن الفتوى "ترتبط بالشخص الذي يصدرها"، فاتحاً بذلك ثغرة في جدار الموقف الرسمي. هذا التصريح، الذي مر دون تصحيح رسمي، يمكن قراءته كتأكيد غير مباشر أن الفتوى ليست ثابتاً لا يقبل المراجعة. أما الرئيس مسعود بزشكيان، فحاول التمسك بالحبل الدبلوماسي الأخير، مؤكداً قبل اندلاع الشرارة الأخيرة أن بلاده لا تسعى للسلاح النووي انطلاقاً من "أساس عقائدي فتوى المرشد الاول والثاني بتحريمها ". لكن هذا الخطاب لم يمنعه من الإشارة في مناسبات أخرى إلى أن إيران سترد بشكل مناسب على أي تهديد، مما يترك الباب مفتوحاً لتفسيرات متعددة. أما قادة الحرس الثوري الإيراني، فقد صرحوا مراراً بأن إيران قادرة على تصنيع القنبلة النووية إذا ما قررت القيادة ذلك وتحديدا المرشد الأعلى الجديد/مجتبى خامنئي، وأن العتبة النووية أصبحت تحت أقدام الإيرانيين.

ثانياً: المؤشرات التقنية:
المؤشرات التقنية كما يشير علماء السلاح النووي،هي الأكثر دلالة على التحول في الموقف الإيراني. ففي مجال نسبة التخصيب، وصلت إيران إلى مستوى تخصيب 60% في منشآت نطنز وفوردو، وهو مستوى لا توجد له حاجة في الأغراض الطبية أو الطاقة النووية السلمية. هذا المستوى يعتبر "العتبة التقنية" التي تفصل بين الاستخدامات السلمية والعسكرية. وفي مجال كمية المواد المخصبة، تمتلك إيران اليوم كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب تكفي لتصنيع عدة رؤوس نووية إذا ما اتخذ قرار التخصيب إلى 90%. وفي مجال تطوير أجهزة الطرد المركزي، استمرت إيران في تطوير أجيال متقدمة من أجهزة الطرد المركزي، مما يزيد من قدرتها على التخصيب السريع.

ثالثاً: المؤشرات الاستراتيجية – التنسيق مع روسيا والصين.

العلاقات الإيرانية مع القوى الكبرى، خاصة روسيا والصين، شهدت تطوراً نوعياً في السنوات الأخيرة. هذه العلاقات، التي تتضمن تعاوناً عسكرياً وتقنياً متزايداً، توفر لإيران غطاءً استراتيجياً يقلل من مخاطر اتخاذ قرار تجاوز العتبة النووية. فالانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، والتنسيق العسكري مع روسيا في أوكرانيا وسوريا، يشكلان رسالة لواشنطن بأن أي هجوم على إيران سيكون له تداعيات إقليمية ودولية واسعة.

المحور الخامس: تداعيات التحول النووي على الأمن الإقليمي والنظام الدولي.

أولاً: تداعيات على الأمن الإقليمي:
التحول الإيراني نحو القنبلة النووية سيحدث تغييراً جذرياً في معادلات الأمن الإقليمي. فإعادة تشكيل توازن القوى ستجعل إيران القوة النووية الوحيدة في المنطقة (باستثناء إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة)، مما يخلق توازن رعب جديد بين طهران وتل أبيب. كما سيؤدي إلى تسارع برامج نووية إقليمية، فالسعودية التي أعلنت مراراً أنها ستسعى لامتلاك السلاح النووي إذا امتلكته إيران، قد تبدأ في برنامج نووي عسكري بمساعدة باكستان أو دول أخرى روسيا او الصين او واشنطن.

كما ستزداد احتمالات الحرب، فقد تدفع القنبلة الإيرانية إسرائيل إلى توجيه ضربة عسكرية استباقية بسلاح نووي تكتيكي للمحطات النووية الإيرانية، مما قد يشعل حرباً إقليمية شاملة أكثر من الحرب القائمة حاليا التي بدأت في 28-2-2026, بالإضافة إلى تأثير ذلك على الملفات الإقليمية الأخرى، فامتلاك إيران للقنبلة النووية سيعزز موقفها التفاوضي في ملفات أخرى مثل اليمن، فلسطين، العراق، ولبنان،وربما سوريا حتى بعد سقوط نظام الاسد.

ثانياً: تداعيات على النظام الدولي:
على المستوى الدولي، سيكون للتحول الإيراني تداعيات واسعة. أولها انهيار نظام اتفاقية عدم (انتشار السلاح النووي)، حيث ستكون القنبلة الإيرانية الضربة القاضية لنظام NPT الذي يعاني أصلاً من أزمات متعددة. ثانيها نهاية نظام الضمانات الدولية، فإذا تمكنت إيران من امتلاك القنبلة رغم عضويتها في NPT، فإن ذلك سيشجع دولاً أخرى على الانسحاب من المعاهدة والسعي لامتلاك السلاح. ثالثها تأثير ذلك على السياسة الأمريكية، حيث ستضطر الولايات المتحدة، سواء كانت الإدارة ديمقراطية أو جمهورية، إلى إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط، وقد تندفع نحو مواجهة عسكرية أو نحو تفاهمات جديدة مع إيران. رابعها تحول موازين القوى العالمية، حيث ستخرج إيران من عزلتها الدولية كلاعب نووي لا يمكن تجاهله، مما يعزز موقعها في العلاقات مع روسيا والصين، ويقلص من قدرة الغرب على فرض عقوبات عليها.

ثالثاً: مستقبل الفتوى النووية – بين الثبات والتحول.

في نهاية المطاف، يبقى مصير الفتوى النووية الإيرانية مرهوناً بتطورات متعددة. أولها قرار المرشد الثالث للجمهورية/مجتبى خامنئي، فبما أن الفتوى مرتبطة بشخص المرشد الجديد ، فإن أي تغيير فيها يتطلب قراراً منه. مع بدء العدوان الامريكي-الاسرائيلي على ايران، يظل الباب مفتوحاً أمام إمكانية مراجعة الفتوى والتشريع بصناعة السلاح النووي لردع الاعداء. ثانيها التطورات الميدانية، حيث يعتبر التصعيد العسكري الكبير،والعدوان ضد إيران في 28-2-2026, قد يدفع القيادة الجديدة إلى تجاوز العتبة النووية كرد فعل سريع على العدوان واغتيال المرشد/علي خامنئي. ثالثها المفاوضات الدولية، حيث فشلت الدبلوماسية في الوصول إلى اتفاق جديد يضمن مصالح إيران ورفع العقوبات عنها، وتعرضها للغدر وقصف محطاتها النووية في عام 2025,وثم العدوان الامريكي-الاسرائيلي في 28-2-2026 عليها أثناء جلسات المفاوضات مع الوفد الأميركي.

في الختام، يمكن القول إن التحول في الموقف الإيراني من الفتوى النووية يمثل لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط. فما كان يُعتبر ثابتاً أخلاقياً وفقهياً لسنوات طويلة، بات اليوم موضوع مراجعة استراتيجية في ضوء تهديدات وجودية متصاعدة تهدد زوال الجمهورية وسقوط النظام في ايران. كما ان مفهوم "عقيدة البقاء" الذي يتشكل في العقل الاستراتيجي الإيراني يعكس قراءة عميقة لدروس التاريخ، ومراجعة لمصير القذافي الذي سلم برنامجه النووي فقُتل، ومصير الرئيس العراقي/صدام حسين، الذي لم يمتلك الردع فغزيت بلاده وتم إسقاط نظامة وثم إعدامه، ونموذج كوريا الشمالية التي امتلكت القنبلة فصارت عصية على الكسر، والأهم نموذج أوكرانيا التي تخلت عن ترسانتها النووية بموجب ضمانات دولية ثم غزيت وتمزقت وتم احتلال جزء من أراضيها.

في هذا السياق، لم تعد القنبلة النووية في الرؤية الإيرانية أداة للموت، بل أصبحت "صمام أمان" للحياة السياسية، و"مطرقة الردع" التي تمنع تكرار سيناريوهات الغزو والإذلال، وأن التقدم التقني الذي حققته إيران في تخصيب اليورانيوم، وبلوغها عتبة 60%، يجعل القرار السياسي هو العائق الوحيد أمام تجاوز العتبة النهائية لصناعة القنبلة النووية الإيرانية.

لكن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر جسيمة على الأمن الإقليمي والنظام الدولي. فالسباق النووي الإقليمي، وانهيار نظام عدم الانتشار، وزيادة احتمالات المواجهة العسكرية، كلها مخاطر تلوح في الأفق. يبقى السؤال الاستشرافي للمستقبل القريب والبعيد (هل ستنجح الدبلوماسية في تقديم بدائل تجمع بين احترام مصالح إيران الأمنية ومنع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوازن النووي الذي يحمل معه استقراراً هشاً وحرباً مدمرة).

اخيرا، في لعبة الأمم الكبرى، تظل الحقيقة المرة تطل برأسها؛ أن القنبلة النووية الإيرانية قد تكون هي اللغة الوحيدة التي تضمن ألا يتحول اللاعب إلى مجرد ضحية على رقعة الشطرنج الأمريكية-الإسرائيلية. وأن إيران بمرشدها الثالث/مجتبى خامنئي ، الذي قرأ بالتأكيد هذه الحقيقة جيداً وتعلم من تجارب الآخرين؛وخاصة التجربة الأوكرانية المريرة – تبدو اليوم ايران أقرب من أي وقت مضى إلى تبني هذه اللغة (صناعة السلاح النووي)، مهما كان الثمن السياسي والأخلاقي بعد اغتيال المرشد الإيراني/علي خامنئي وبعد العدوان الامريكي-الاسرائيلي على ايران دون احترام للقانون الدولي.

المراجع

‏1. Waltz, K. N. (2012). Why Iran Should Get the Bomb: Nuclear Balancing Would Mean Stability. Foreign Affairs, 91(4), 2-5.
‏2. Mearsheimer, J. J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics. W.W. Norton & Company.
‏3. Mearsheimer, J. J. (1993). The Case for a Ukrainian Nuclear Deterrent. Foreign Affairs, 72(3), 50-66.
‏4. Sagan, S. D. (2011). The Causes of Nuclear Proliferation. Annual Review of Political Science, 14, 225-244.
‏5. Parsi, T. (2017). Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy. Yale University Press.
‏6. Kuzio, T. (2017). Ukraine: State and Nation Building. Routledge.
‏7. Yost, D. S. (2015). The Budapest Memorandum and Russia s Intervention in Ukraine. International Affairs, 91(3), 505-538.
‏8. Albright, D., & Stricker, A. (2024). Iran s Nuclear Breakout Timeline: Revisiting the Facts. Institute for Science and International Security.
‏9. Sadjadpour, K. (2021). The-limit-s of Power: Iran s Nuclear Program and the Future of the Middle East. Carnegie Endowment for International Peace.
‏10. Hossein, M. (2019). The Jurisprudential Debate on Nuclear Weapons in Iran. Middle East Policy, 26(3), 112-128.
‏11. Byman, D. (2022). The Iran-Israel Conflict: A New Phase. Foreign Affairs, 101(2), 78-92.
‏12. Chomsky, N. (2015). Hegemony´-or-Survival: America s Quest for Global Dominance. Metropolitan Books.
‏13. Walt, S. M. (2018). The Hell of Good Intentions: America s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. Farrar, Straus and Giroux.
‏14. International Atomic Energy Agency (IAEA). (2024). Verification and Monitoring in the Islamic Republic of Iran in Light of United Nations Security Council Resolution 2231. IAEA Reports.
‏15. Khalil, J. (2021). Digital Propaganda and the Politics of the Middle East. Middle East Policy Council.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال الصحفية الفرنسية/مارين فلهوفيتش داخل منزلها في فرنسا.
- مضيق هرمز يضع الأمن القومي العربي والصين في مرمى العاصفة
- جهل ويتكوف وكوشنر أشعل الحرب مع إيران
- دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي
- -الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج بين القان ...
- التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق ...
- رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام
- دور الدبلوماسية غير الرسمية في تنفيذ السياسة الخارجية الفلسط ...
- تفعيل مبدأ جبر الضرر وتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في عدوان ...
- تكيف جرائم العدوان الإسرائيلي (الجرف الصامد)على غزة سنة 2014
- عيوب اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العدوان على غزة سنة 201 ...
- مشكلة فلسطين في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا يع ...
- واقع العلاقات العربية-الصينية الضعيف والبديل الإسرائيلي عنهم
- الربيع العربي وانعكاساته على الدبلوماسية العربية.الأسباب وال ...
- دور اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في تنفيذ قواعد حماية الأعيا ...
- مصادقة الدول بالانضمام للبرتوكولين الإضافيين لسنة 1977
- ملائمة القانون الوطني الفلسطيني مع قواعد القانون الدولي الإن ...
- الحماية الدولية للبيئة الطبيعية الفلسطينية زمن النزاعات المس ...
- آليات تنفيذ قواعد حماية الأعيان المدنية الفلسطينية
- حظر الأعمال الانتقامية ضد الأعيان المدنية الفلسطينية.


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني: إذا استهدفتم الكهرباء فسنرد بالمثل
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: سنرد على أي تهديد بمستوى الردع ...
- مع استمرار الهجمات الإيرانية.. نظرة على ما يحدث في الخليج ال ...
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- ترمب ينشر على منصته مقطع فيديو يسخر من ستارمر
- تصريحات أمريكية إسرائيلية عن -نهاية اللعبة- وإيران تستعد لمع ...
- هجمات للمستوطنين بالضفة وجيش الاحتلال يقتحم مناطق عدة
- كيف ينظر الأتراك إلى اقتراب تداعيات الحرب من بلادهم؟
- -سنرى إن كان محقا أم لا-.. ترمب يرد على عراقجي بشأن التهديد ...
- حزب الله العراقي يمدّد تعليق استهداف السفارة الأمريكية في بغ ...


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي