عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 19:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
البروفيسور الصيني جيانغ وانتصار ايران.
الدكتور / عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
يتناول هذا المقال بالتحليل النقدي التصريحات المنسوبة إلى البروفيسور الصيني/جيانغ، حول تحول الصراع في إيران إلى حرب استنزاف طويلة الأمد على غرار السيناريو الأوكراني، وربط ذلك بسيناريوهات انهيار الدولار الأميركي ونهاية عصر الرخاء.
أولاً: يهدف المقال إلى تقييم مدى موضوعية هذه التصريحات في ضوء المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة، وذلك من خلال منهج التحليل النقدي للخطاب المقترن بالتحليل الجيوسياسي المقارن.
توصل المقال إلى أن التصريحات المذكورة، رغم احتوائها على عناصر تحليلية وجيهة مثل إمكانية طول أمد الصراع ودور الشخصيات البراغماتية، تعاني من توسع غير مبرر في تعميم النموذج الأوكراني وافتراضات حتمية حول انهيار الدولار، فضلاً عن غموض المرجعية الأكاديمية للبروفيسور. يخلص المقال إلى أن هذه التصريحات أقرب إلى الخطاب السياسي الموجه منها إلى التحليل الأكاديمي المتزن، ويوصي بضرورة التعامل مع السيناريوهات المستقبلية كاحتمالات وليست حتميات، مع التركيز على تحليل المصالح الذاتية للفاعلين الدوليين.
يشهد النظام الدولي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين تحولات بنيوية غير مسبوقة، تتقاطع فيها العوامل الجيوسياسية مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، لتعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية التي استقرت طيلة عقود ما بعد الحرب الباردة. في هذا السياق المتوتر بسبب العدوان الامريكي-الاسرائيلي على ايران بتاريخ 28-2-2026 واغتيال المرشد الإيراني/علي خامنئي ومجموعة من القيادات الإيرانية، تبرز منطقة الشرق الأوسط كمسرح رئيسي للصراعات التي تجمع بين القوى العظمى التقليدية والفاعلين الإقليميين، في مشهد تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية مع الصراع على الطاقة وصراع اسرائيل مع الدول العربية والإسلامية لبسط نفوذها في المنطقة لتكون شرطي الشرق الأوسط الجديد.
في ظل هذه المعطيات، تداولت منصات التواصل الاجتماعي والأوساط الإعلامية تصريحات منسوبة إلى "البروفيسور الصيني/جيانغ"،حول طبيعة الصراع الدائر في إيران والمنطقة، تضمنت تحليلات جريئة حول تحول الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد على غرار السيناريو الأوكراني، وربط ذلك بسيناريوهات انهيار الدولار الأميركي ونهاية عصر الرخاء. ورغم غموض هوية هذا الأكاديمي ومرجعه العلمي، فإن التصريحات المنسوبة إليه تثير إشكاليات كبرى تستدعي التحليل الأكاديمي الجاد وليس الخطاب السياسي الشعبوي، خصوصًا في ضوء التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة في المنطقة.
يأتي هذا المقال المتواضع ليقدم قراءة نقدية معمقة لهذه التصريحات، من خلال وضعها في سياقها النظري والواقعي، وتحليل دلالاتها في ضوء المستجدات الميدانية والسياسية، ومحاولة استجلاء ما إذا كانت تعكس مقاربة أكاديمية موضوعية أم خطابًا سياسيًا ذا أبعاد استشرافية موجهة.
ثانيًا: الإشكالية المركزية لهذا المقال تنبثق من التساؤل الجوهري التالي:
إلى أي مدى تعكس تصريحات البروفيسور الصيني قراءة موضوعية للواقع الجيوسياسي والاقتصادي المعاصر، أم أنها تندرج ضمن سياقات استشرافية تحمل أبعادًا سياسية وإعلامية موجهة تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية لبعض القوى الدولية.
ويتفرع عن هذا السؤال المركزي مجموعة من الأسئلة التحليلية الفرعية:
1- كيف يمكن تقييم دقة السيناريو الأوكراني كنموذج قياسي لحرب الاستنزاف في السياق الإيراني، في ضوء الاختلافات البنيوية بين النزاعين.
2-ما مدى صحة الربط بين اغتيال الشخصيات البراغماتية -وعلى رأسها علي لاريجاني- وإغلاق "مخارج الطوارئ" الدبلوماسية بشكل حتمي.
3- كيف يمكن تحليل مقولات "انهيار الدولار" و"احتراق الشرق الأوسط" في ضوء المعطيات الاقتصادية الراهنة وتطورات النظام النقدي الدولي.
4- ما هو السياق السياسي المحتمل لظهور مثل هذه التصريحات في هذا التوقيت بالذات، وما هي الوظائف التي تؤديها في ساحة الصراع الإعلامي والسياسي.
ثالثًا: الإطار المنهجي والنظري
يعتمد هذا المقال على المنهج التحليلي النقدي، الذي يجمع بين تحليل الخطاب السياسي والتقييم الموضوعي للمعطيات الجيوسياسية والاقتصادية. يستند التحليل إلى ثلاث ركائز نظرية رئيسة وهي:
أولاً: نظرية حروب الاستنزاف (Attrition Warfare Theory)
تعود أصول هذه النظرية في الأدبيات الأكاديمية إلى أعمال كارل فون كلاوزفيتز (Clausewitz, 1832/1976) حول طبيعة الحرب، وتطورت في الدراسات الاستراتيجية الحديثة لتحليل الصراعات الطويلة التي تعتمد على استنزاف قدرات الخصم تدريجيًا بدلاً من تحقيق نصر حاسم سريع. وقد طُبقت هذه النظرية في تحليل العديد من الصراعات المعاصرة، بما في ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، والحرب في أوكرانيا. وتقوم النظرية على فرضية مفادها أن الحرب الطويلة تتحول إلى اختبار للإرادة السياسية والقدرة على تجديد الموارد أكثر منها اختبارًا للتفوق العسكري الميداني.
ثانيًا: مقاربة التحليل الجيوسياسي النقدي (Critical Geopolitical Analysis)
تنظر هذه المقاربة إلى الصراعات الدولية في ضوء تفاعل العوامل الجغرافية والاقتصادية مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، خاصة فيما يتعلق بموارد الطاقة وطرق الملاحة الدولية. وقد تبلورت هذه المقاربة في أعمال مفكرين مثل هنري كيسنجر ، وجون ميرشايمر، حيث ترى أن الصراعات الدولية لا يمكن فهمها بمعزل عن المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى وتنافسها على النفوذ والموارد.
ثالثًا: منهج تحليل الخطاب النقدي (Critical Discourse Analysis - CDA)
يهتم هذا المنهج بكشف الأبعاد الخفية للنصوص السياسية والإعلامية، والوظائف التي تؤديها في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية. يعود تأسيس هذا المنهج إلى أعمال /نورمان فيركلوف، وتيون فان دايك، ويُستخدم على نطاق واسع في تحليل الخطاب السياسي والإعلامي. ويفترض هذا المنهج أن الخطاب ليس مجرد ناقل محايد للمعلومات، بل هو ممارسة اجتماعية تسهم في بناء الواقع وتشكيل التصورات وتعزيز أو تحديث الهيمنة.
رابعًا: مراجعة الأدبيات السابقة
4.1 الدراسات حول الجيوسياسية الإيرانية
شكلت إيران محورًا رئيسيًا في الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة، حيث تناولت الدراسات أبعادًا متعددة للدور الإيراني في المنطقة. ففي دراسة كلاسيكية، قدم كينيث بولاك (Pollack, 2004) تحليلاً معمقًا للصراع بين إيران والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن أي مواجهة عسكرية ستكون أكثر تعقيدًا مما يتصوره صانعو القرار الأميركيون. وأوضح بولاك أن إيران تتمتع بعمق استراتيجي كبير وتضاريس وعرة تجعل العمليات العسكرية التقليدية مكلفة للغاية. أما سعيد أمير أرجومند (Amir-Arjomand, 2009) فقد ركز على البنية السياسية للنظام الإيراني وآليات صنع القرار فيه، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني يتمتع بقدرة على الصمود في وجه الأزمات بفضل هيكله اللامركزي وتعدد مراكز القوة فيه، وهو ما يفسر قدرة إيران على تجاوز اغتيالات القيادات الكبرى.
4.2 الدراسات حول حرب الاستنزاف والنماذج المقارنة
في مجال حروب الاستنزاف، يعتبر كتاب مايكل هوارد (Howard, 1961) عن الحرب الفرنسية-البروسية من الأعمال التأسيسية التي أرست الأسس النظرية لهذا النوع من الصراعات. أما في السياق المعاصر، فقد قدم/ مايكل كوفمان وزملاؤه في مؤسسة راند؛
RAND (Kofman et al., 2025)
تحليلاً شاملاً للحرب في أوكرانيا كنموذج لحرب الاستنزاف الحديثة، مشيرين إلى أن هذا النموذج يتميز بالطول الزمني والاعتماد على الإرادة السياسية والقدرة على تجديد الموارد، فضلاً عن الدور المحوري الذي تلعبه خطوط الإمداد والمساعدات الخارجية في تحديد مسار الصراع.
4.3 الدراسات حول نظام البترودولار ومستقبل الدولار
تناولت الأدبيات الاقتصادية-السياسية نظام البترودولار بشكل موسع. ففي كتاب "الخريطة الجديدة" (Yergin, 2020)، قدم دانيال يرغين تحليلاً تاريخيًا لنشأة نظام البترودولار وتطوره، موضحًا كيف ارتبطت الهيمنة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية بتسعير النفط بالدولار. أما في الدراسات الحديثة، فقد حلل سيركان أرسلانبال وشيما سيمبسون-بل (Arslanalp & Simpson-Bell, 2025) من صندوق النقد الدولي مكانة الدولار في الاحتياطيات الدولية، مشيرين إلى تراجع تدريجي لكن ليس انهيارًا وشيكًا، ومؤكدين أن العوامل البنيوية مثل الدين الأميركي وسياسات الاحتياطي الفيدرالي تلعب دورًا أكبر من الصراعات الإقليمية في تحديد مستقبل الدولار. كما تناول هنري فاريل وأبراهام نيومان (Farrell & Newman, 2026) في مجلة "فورين أفيرز" مستقبل نظام البترودولار في ضوء العقوبات الأميركية على روسيا، مشيرين إلى أن هذه العقوبات قد تسرع من جهود الدول الأخرى للبحث عن بدائل للدولار.
4.4 الدراسات الأكاديمية الصينية حول الشرق الأوسط
شهدت الأوساط الأكاديمية الصينية اهتمامًا متزايدًا بمنطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، في سياق تزايد المصالح الاقتصادية والاستثمارات الصينية في المنطقة. فقد عقد معهد غرب آسيا وأفريقيا التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS, 2026) مؤتمرًا في يناير 2026 حول مستجدات المنطقة، جمع 60 خبيرًا صينيًا لمناقشة التطورات الراهنة وتداعياتها على المصالح الصينية. وفي دراسة منشورة في مجلة "آسيان أفيرز"، حلل بيتر فرديناند (Ferdinand, 2025) الدور الصيني المتزايد في المنطقة، مشيرًا إلى أن الصين تتبنى مقاربة متوازنة تركز على المصالح الاقتصادية مع تجنب الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية، وهو ما يعكس استراتيجية صينية تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مع الحفاظ على حرية الملاحة واستمرارية إمدادات الطاقة.
خامسًا: المحاور التحليلية الموسعة
المحور الأول: هوية البروفيسور الصيني/جيانغ بين المرجعية الأكاديمية والخطاب السياسي
لا تشير المعطيات المتاحة إلى اسم/جيانغ، إلى جامعة أو دراسة منشورة للبروفيسور المذكور، مما يضع هذه التصريحات في منطقة رمادية بين التحليل الأكاديمي الجاد والخطاب السياسي الانطباعي. هذا الغموض ليس عرضيًا، بل يحمل دلالات متعددة تستدعي التحليل.
في الأوساط الأكاديمية الصينية الرسمية، عادةً ما يُحجم الباحثون عن إطلاق تصريحات قاطعة حول قضايا كبرى مثل انهيار الدولار أو حتمية حرب استنزاف دون تقديم دراسات قابلة للتحقق والمراجعة الأكاديمية. كما يلاحظ تشاو مينغهاو (Zhao, 2025) من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن الأكاديمية الصينية تميل إلى الدقة والتحفظ في الصياغات، مع التركيز على تقديم تحليلات متوازنة تستند إلى معطيات وابحاث ونتائج علمية ملموسة بدلاً من التوقعات الحتمية. ويتجلى هذا التحفظ في الطريقة التي تتعامل بها الأوساط الأكاديمية الصينية مع قضايا الشرق الأوسط، حيث تميل إلى تحليل المصالح الصينية دون إصدار أحكام قاطعة حول مسار الصراعات.
هناك احتمال أن تكون التصريحات منسوبة إلى باحث صيني مستقل (جيانغ) أو إلى مفكر ضمن مراكز دراسات استراتيجية غير أكاديمية بالمعنى الدقيق. في هذه الحالة، يمكن فهمها على أنها تعبر عن تيار فكري معين داخل النخبة الصينية التي ترى في الصراع الحالي فرصة لتسريع التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب (Ferdinand, 2025). هذا التيار، الذي يزداد ظهورًا في المنصات الإعلامية غير الرسمية، يميل إلى الترويج لسيناريوهات تفيد بأن الهيمنة الأميركية آخذة في الأفول، وأن الصراعات الحالية تسرع من هذا الأفول.
من الممكن أيضًا أن تكون هذه التصريحات جزءًا من حرب إعلامية موازية، تهدف إلى التأثير في المشهد النفسي والسياسي للمنطقة، عبر الترويج لسيناريوهات تصب في مصلحة جهات معينة. في هذا السياق، يكتسب غموض الهوية وظيفة استراتيجية، حيث يصعب التحقق من المصدر وتقويض المصداقية (Van Dijk, 2008). فالتصريحات المنسوبة إلى شخصية أكاديمية تحمل وزناً أكبر من التصريحات المباشرة لجهات سياسية، خصوصًا إذا كانت هذه الشخصية تبدو محايدة.
ثمة توجه صيني رسمي نحو تعزيز الدراسات المتعلقة بالشرق الأوسط، كما يظهر في المؤتمر الأكاديمي الذي عقد في بكين في يناير 2026 (CASS, 2026). هذا الاهتمام الأكاديمي الرسمي يعكس إدراكًا صينيًا متزايدًا لأهمية المنطقة، خاصة في ظل الاعتماد الصيني على واردات النفط من الخليج واستمرارية مشروع الحزام والطريق. لكن هذا الاهتمام لا يترجم بالضرورة إلى تبني مواقف قطيعة أو توقعات حتمية كما في التصريحات المنسوبة، بل يظل في إطار التحليل الموضوعي للمصالح الصينية وتطورات المنطقة.
المحور الثاني: السيناريو الأوكراني كأداة للقياس – بين التشابه والاختلاف
استخدم البروفيسور الصيني/جيانغ، السيناريو الأوكراني نموذجًا لحرب الاستنزاف طويلة الأمد، لكن التحليل النقدي يظهر أن القياس بين أوكرانيا وإيران يعاني اختلالات بنيوية عميقة تستدعي التوقف عندها كما يلي:
من حيث طبيعة الصراع، فإن الحرب في أوكرانيا هي حرب تقليدية بين دولتين (روسيا وأوكرانيا) مع دعم غربي واسع لأوكرانيا في شكل أسلحة ومعلومات استخباراتية وتمويل (Kofman et al., 2025). أما الصراع مع إيران، فهو حرب غير مباشرة تمتد على عدة جبهات، حيث يشمل وكلاء إقليميين مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل الموالية لإيران في العراق (International Crisis Group, 2026). هذا الاختلاف في طبيعة الصراع يعني أن إيران تمتلك خيارات متعددة للرد والتصعيد، لا تقتصر على المواجهة المباشرة.
من حيث الخصائص الجغرافية، فإن أوكرانيا دولة سهول مفتوحة ذات حدود برية طويلة مع روسيا، مما جعلها مسرحًا لحرب تقليدية مكشوفة. أما إيران، فتمتلك عمقًا استراتيجيًا كبيرًا بمساحة تزيد عن 1.6 مليون كيلومتر مربع، وتضاريس وعرة تشمل سلاسل جبلية (جبال زاغروس، جبال البرز) وصحارٍ شاسعة، مما يجعل العمليات العسكرية فيها أكثر تعقيدًا (Pollack, 2004). كما أن موقع إيران المطل على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، يمنحها أداة ضغط اقتصادية عالمية لا تتوفر لأوكرانيا.
من حيث القدرات العسكرية، يعتمد الجيش الأوكراني بشكل أساسي على الدعم الغربي (من واشنطن والاتحاد الأوروبي) المستمر في الأسلحة والذخائر، وأي تباطؤ في هذا الدعم ينعكس سلبًا على قدرته القتالية. أما إيران، فتمتلك ترسانة صاروخية كبيرة ومتنوعة، وطائرات مسيرة أثبتت فعاليتها في ساحات القتال المختلفة، وخبرة متراكمة في حروب الاستنزاف منذ الحرب الطويلة مع العراق (1980-1988) (Cordesman, 1988). هذه الخبرة الطويلة أعطت إيران القدرة على تطوير استراتيجيات قتالية تعتمد على الصبر والاستنزاف.
من حيث البنية السياسية، فإن أوكرانيا نظام سياسي ديمقراطي هش، يعاني من انقسامات داخلية ومعارضة لاستمرار الحرب. أما إيران، فنظام ثيوقراطي مركزي يتمتع بهيكل لامركزي لصنع القرار، حيث تتوزع الصلاحيات بين المرشد الأعلى، والرئيس، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري (Amir-Arjomand, 2009). هذا الهيكل يجعل النظام الإيراني أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، كما ظهر في اغتيال قاسم سليماني عام 2020 واغتيال المرشد الأعلى/علي خامنئي 28-2-2025,واغتيال البرفيسور/علي لاريجاني عام 2026.
من حيث الدعم الخارجي، حظيت أوكرانيا بدعم غربي ضخم منذ الأيام الأولى للحرب. أما إيران، فرغم عدم إعلان دعم رسمي من روسيا أو الصين، فإن لديها علاقات استراتيجية مع موسكو (تشمل أنظمة دفاع جوي وصواريخ متطورة) ومع بكين (استثمارات كبرى وتفاهمات اقتصادية) (Ferdinand, 2025). كما أن الصين وروسيا لهما مصلحة في إطالة أمد الصراع لاستنزاف الولايات المتحدة وتحويل انتباهها عن أوكرانيا وتايوان.
تشير تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS, 2026) إلى أن إيران تستعد لحرب طويلة، مستفيدة من نموذج أوكرانيا التي نجت من الضربة الروسية الأولى واستطاعت تثبيت الجبهة لفترة طويلة. لكن معهد الدراسات الاستراتيجية يحذر من أن تطبيق النموذج الأوكراني على إيران يحتاج إلى تعديلات كبيرة، نظرًا للاختلافات الجوهرية بين الحالتين. كما تؤكد صحيفة "آيرش تايمز" (Irish Times, 2026) أن استراتيجية إيران تقوم على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز ورفع التكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يختلف جوهريًا عن الاستراتيجية الأوكرانية التي تركز على العمليات البرية.
المحور الثالث: اغتيال الشخصيات البراغماتية وإغلاق "مخارج الطوارئ"
أشار البروفيسور الصيني/جيانغ، إلى أن اغتيال شخصيات معتدلة تؤمن بالمفاوضات مع واشنطن مثل البروفيسور/علي لاريجاني ،يسد نوافذ الحل الدبلوماسي. وهذا التحليل يحتاج إلى قراءة متأنية في ضوء المستجدات.
كان علي لاريجاني شخصية محورية في النظام الإيراني، حيث شغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وكان مقربًا من المرشد الأعلى الراحل/ علي خامنئي الذي تم اغتياله في 28-2-2025,وصفته وسائل إعلام غربية بأنه "شخصية براغماتية" و"صانع قرار مركزي" في الشؤون الدبلوماسية والعسكرية (The Economist, 2026 Reuters, 2026) كان يدير ثلاث أزمات كبرى قبل اغتياله الحرب نفسها، والاضطرابات الداخلية، والبرنامج النووي والمفاوضات المتوقفة مع واشنطن (International Crisis Group, 2026). لاريجاني كان معروفًا بمنهجه العقلاني في التعامل مع الملفات الشائكة، وكان يُنظر إليه داخل النظام الإيراني كصوت للاعتدال والعملية في المفاوضات.
قاد لاريجاني المفاوضات النووية الإيرانية-الأميركية غير المباشرة التي توقفت مع بدء العدوان الامريكي-الاسرائيلي المشترك على إيران في 28 فبراير 2026 (BBC Persian, 2026). في تصريحاته الأخيرة، اتخذ موقفًا متصلبًا، واصفًا تصورات ترامب بأنها "أوهام"، ومؤكدًا أن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة (Al Jazeera, 2026). هذا الموقف يشير إلى أن حتى الشخصيات البراغماتية كانت تتحرك ضمن سقف سياسي محدد، وليس بالضرورة أنها كانت تمثل "مخرج طوارئ" جاهزًا في أي لحظة. قد يكون تصعيد لاريجاني في خطابه الأخير جزءًا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تحسين موقع إيران، أو قد يكون تعبيرًا عن اقتناعه بأن المفاوضات مع الإدارة الأميركية الحالية غير مجدية.
آثار اغتيال لاريجاني على النظام الإيراني متعددة. أولاً، إزالة لاريجاني تترك فراغًا في صنع القرار، وستنتقل الصلاحيات إلى شخصية غير معروفة في ظرف بالغ الصعوبة (Middle East Eye, 2026). ثانيًا، قد يتحول المزيد من السلطات نحو المؤسسة العسكرية، مما يعني قرارات أسرع ولكن بتنسيق مركزي أقل (IISS, 2026). ثالثًا، النظام الإيراني أظهر قدرة على الصمود رغم خسارة قيادات كبرى، حيث نجح في تعيين نجل خامنئي (مجتبى) خلفًا له في بعض المناصب، مما يؤكد استمرارية النظام وقدرته على إعادة ترتيب أوراقه (The Economist, 2026).
القول بأن اغتيال لاريجاني أغلق "مخارج الطوارئ" الدبلوماسية يحتاج إلى موازنة. فمن ناحية، صحيح أن اغتيال شخصية براغماتية يقلل من الخيارات المتاحة لخفض التصعيد، خاصة في ظل غياب شخصيات أخرى بنفس الوزن والخبرة (Al-Monitor, 2026). من ناحية أخرى، التاريخ السياسي يظهر أن الدول تعيد فتح قنوات التواصل عندما تتراجع خيارات الحرب وتتقاطع المصالح (Kissinger, 2014). كما أن إغلاق "مخارج الطوارئ" قد يكون مقصودًا من أطراف (إسرائيلية نتن ياهو ) الذي يرغب في استمرار التوتر، لكنه ليس حتميًا ما دامت هناك مصالح متبادلة بين ايران وواشنطن في استمرار توريد الطاقة دوليا. علاوة على ذلك، النظام الإيراني يمتلك شخصيات أخرى (مثل الرئيس مسعود بزشكيان، وبعض الشخصيات في وزارة الخارجية) يمكنها لعب أدوار تفاوضية، رغم محدودية صلاحياتها في ظل هيكل السلطة الإيراني الذي يركز القرار في يد المرشد الأعلى والمجلس الأعلى للأمن القومي.
المحور الرابع: "انهيار الدولار" ونهاية عصر الرخاء بين الحقيقة والمبالغة.
تعد مقولة انهيار الدولار من أكثر المقولات تكرارًا في الخطاب المناهض للهيمنة الأميركية، لكن التحليل الأكاديمي الدقيق يشير إلى عدة نقاط أساسية.
نظام البترودولار ليس عملة حقيقية، بل هو نظام تم إنشاؤه في أوائل السبعينيات، حيث وافقت السعودية (ثم دول أوبك) على تسعير مبيعات النفط بالدولار الأميركي مقابل حماية عسكرية ومساعدات اقتصادية (Yergin, 2020). هذا النظام عزز مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، حيث اضطرت الدول لحيازة الدولار لشراء النفط. وقد ساعد هذا النظام الولايات المتحدة على تمويل عجزها التجاري وتمديد هيمنتها الاقتصادية لخمسة عقود.
تشير الأدلة إلى أن هيمنة الدولار آخذة في التراجع التدريجي. فقد دفع فرض العقوبات على روسيا بعد 2014 و2022 موسكو وبكين إلى تعميق ترتيبات تجارية تتجاوز الدولار (Farrell & Newman, 2026). كما أن الهند استوردت كميات كبيرة من النفط الروسي منذ 2022، ودفعت أحيانًا باليوان الصيني (Bloomberg, 2026). وروسيا وإيران وفنزويلا – التي تمثل حوالي 40% من احتياطيات النفط العالمية – تبيع نفطها مقابل اليوان بدلاً من الدولار (Arslanalp & Simpson-Bell, 2025). بالإضافة إلى ذلك، السعودية والإمارات وتركيا تقدمت بطلبات للانضمام إلى مجموعة بريكس، التي تسعى إلى صياغة ترتيبات مالية بديلة لنظام البترودولار (Bloomberg, 2026).
لكن انهيار الدولار ليس وشيكًا بالمعنى الحتمي، كما ان انهيار الدولار ليس حدثًا لحظيًا بل عملية تدريجية طويلة الأمد تتعلق بثقة الأسواق وتنويع الاحتياطيات، وليس بحدث واحد مهما كان حجمه (IMF, 2025). لا توجد دلائل أكاديمية قاطعة على أن الصراع الحالي سيؤدي بمفرده إلى انهيار الدولار، بل هناك عوامل بنيوية أعمق مثل الدين الأميركي وسياسات الاحتياطي الفيدرالي (Arslanalp & Simpson-Bell, 2025). الدولار ظل عملة الاحتياط العالمية عبر حروب سابقة أكثر عنفًا (الحرب الباردة، حرب فيتنام، حرب الخليج)، مما يشير إلى أن العوامل المؤثرة في مكانة الدولار أعمق وأكثر تعقيدًا من الصراعات الإقليمية (Yergin, 2020).
من جانب آخر، يعتبر مصطلح "نهاية عصر الرخاء" يحمل طابعًا استشرافيًا أكثر منه تحليلا اكاديميا، ويحتاج إلى تعريف دقيق. فهل هو عصر الرخاء الأميركي وحده أم الرخاء العالمي؛وما هي المؤشرات المحددة التي تُستخدم لقياس هذا "الرخاء"؛ وكيف يمكن التوفيق بين مقولة نهاية الرخاء واستمرار النمو الاقتصادي في مناطق واسعة من العالم، خاصة في آسيا وأفريقيا. ربما هذه الأسئلة تشير إلى أن المصطلح يحمل حمولة أيديولوجية أكثر مما يحمل دقة علمية.
المحور الخامس: سيناريوهات الصراع وتداعياتها الإقليمية والدولية
في ضوء المعطيات المتاحة وتحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الصراع (International Crisis Group, 2026 IISS, 2026).
السيناريو الأول: نصر أميركي-إسرائيلي سريع
يفترض هذا السيناريو أن إيران قد تستسلم وترفع الراية البيضاء، وتطلب التفاوض تحت وطأة الضربات الجوية خلال أسابيع. لكن المؤشرات الميدانية تشير إلى أن إيران صمدت أمام الضربة الافتتاحية التي قتلت المرشد/علي خامنئي، وأظهرت قدرة على التكيف وإعادة تنظيم صفوفها وانتخاب مرشد جديد للجمهورية.
كما أن النظام الإيراني يتبنى استراتيجية لامركزية تسمح للمناطق العسكرية بالعمل باستقلالية، مما يجعل تدمير القدرات الإيرانية بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة (Pollack, 2004). في هذا السيناريو، سيكون انهيار إيران ضربة قاسية للمحور المقاوم، وقد يعزز الثقة الأميركية للتحرك في مسارح أخرى، لكن المؤشرات المتاحة تجعل هذا السيناريو الأقل ترجيحًا.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
هذا هو السيناريو الذي رجحه البروفيسور الصيني/جيانغ، وتدعمه عدة معطيات. أولاً، قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط عالميًا، مما يزيد التكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة وحلفائها (Irish Times, 2026). ثانيًا، استنزاف مخزون الصواريخ الدقيقة الأميركية خلال شهر من القتال المكثف، مما قد يستغرق سنوات لإعادة التعبئة (The Wall Street Journal, 2026). ثالثًا، تحول الانتباه العالمي من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مما يضعف الدعم الغربي لكييف وقد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في أوروبا الشرقية (Kofman et al., 2025). رابعًا، ارتفاع أسعار النفط لصالح روسيا وإيران، مما يمنحهما موارد إضافية لاستمرار الحرب.
السيناريو الثالث: طريق مسدود ووقف إطلاق نار مع ايران.
يفترض هذا السيناريو أن الولايات المتحدة قد تستنفد مواردها العسكرية دون تحقيق تغيير النظام، مما يضطرها إلى خفض العمليات والبحث عن وقف لإطلاق النار. إيران قد تكون منفتحة على مثل هذا الاتفاق، لأن الضربات الجوية المستمرة تلحق أضرارًا كبيرة بالبلاد (International Crisis Group, 2026). هذا السيناريو سيكون هزيمة فعلية للولايات المتحدة وإسرائيل، بعد أن راهنتا على تغيير النظام بسرعة. وقد تكون له تداعيات كبيرة على ثقة حلفاء أميركا في المنطقة، وعلى استمرار الدعم لأوكرانيا. كما قد يعزز هذا السيناريو مكانة الصين وروسيا كفاعلين رئيسيين في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة، وسوف يترك مضيق هرمز وحلفاء واشنطن في المنطقة تحت رحمة ايران.
أما حول تداعيات هذه السيناريوهات على دول الخليج التي تتعرض لضغوط كبيرة في هذا الصراع، حيث تستهدف إيران منشآتها النفطية ردًا على استضافة القواعد الأميركية (Gulf Research Center, 2026). وقد اتجهت دول الخليج إلى الأمم المتحدة لإدانة الهجمات الإيرانية، لكنها ليست مستعدة للانضمام المباشر للحرب (The National, 2026). في سيناريو الحرب الطويلة، ستظل دول الخليج في منطقة نيران متقاطعة بين الحلفاء الأميركيين والهجمات الإيرانية. وفي سيناريو طريق مسدود، قد تضطر دول الخليج إلى إعادة النظر في تحالفاتها الأمنية والبحث عن ترتيبات إقليمية جديدة بعد أن فشلت واشنطن في توفير الحماية اللازمة للمنشآت النفطية والصناعية والحيوية في دول الخليج،بل ان واشنطن فشلت ذاتيا في توفير الحماية اللازمة لقواعدها العسكرية في المنطقة.
سادسًا: التحليل النقدي والخلاصات المركزية.
بعد استعراض المحاور المختلفة، يمكن تقديم التحليل النقدي التالي:
أولاً: نقاط القوة في تحليل البروفيسور الصيني.
يتمتع تحليل البروفيسور الصيني/جيانغ، بعدة نقاط قوة تستحق الاعتراف بها. فهو يُظهر إدراكًا واضحًا بأن الصراع الحالي قد يطول في ظل غياب أطراف قادرة على فرض تسوية سريعة، وهو ما يتوافق مع تحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية (International Crisis Group, 2026). كما أنه يركز على دور الشخصيات البراغماتية (مثل لاريجاني) كعنصر موازن في الأزمات، وهو تحليل دقيق يعكس فهمًا لطبيعة النظام الإيراني وهيكل صنع القرار فيه (Al-Monitor, 2026). بالإضافة إلى ذلك، فإن انتباهه إلى أبعاد الصراع الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع يعكس نظرة شمولية تتجاوز التحليل العسكري المباشر (Yergin, 2020).
ثانيًا: نقاط الضعف والتوسع غير المبرر
رغم نقاط القوة السابقة التي تحدثنا عليها، فإن تحليل البروفيسور الصيني/جيانغ، يعاني من توسع غير مبرر في عدة اتجاهات؛ فهو يوسع من تعميم السيناريو الأوكراني دون مراعاة الخصوصية الإيرانية من حيث الجغرافيا والتحالفات والتاريخ العسكري والاختلاف بين الطرفين الإيراني والأوكراني.
كما يفترض/جيانغ، أن انهيار الدولار هو نتيجة حتمية للحرب الدائرة بين واشنطن وتل ابيب وطهران، متجاهلاً أن الدولار ظل عملة الاحتياط العالمية عبر حروب سابقة أكثر عنفًا، وأن العوامل البنيوية تلعب دورًا أكبر من الصراعات الإقليمية في تحديد مستقبل العملات (Arslanalp & Simpson-Bell, 2025). بالإضافة إلى ذلك، فإن الغموض في تحديد المرجعية الأكاديمية للبروفيسور/جيانغ، يجعل من الصعب تقييم مدى مصداقية التوقعات. كما أن التحليل يتجاهل العوامل الداخلية في إيران (الاحتجاجات للمعارضة ،سوء الأوضاع الاقتصادية، التحديات الديموغرافية) التي قد تؤثر في قدرة النظام على الاستمرار (Amir-Arjomand, 2009).
ثالثًا: السياق السياسي المحتمل للتصريحات.
تظهر هذه التصريحات في توقيت دقيق، يمكن فيه رصد عدة وظائف سياسية محتملة وفقًا لمنهج تحليل الخطاب النقدي (Van Dijk, 2008).
أ-تعزيز الرواية الروسية-الصينية حول أفول الهيمنة الأميركية وتعددية الأقطاب، وهو ما يخدم المصالح الاستراتيجية لكلا البلدين (Ferdinand, 2025).
ب-التأثير في المشهد النفسي للمنطقة، وترسيخ قناعة بأن الصراع سيطول، مما قد يدفع الأطراف الإقليمية إلى تعديل مواقفها وتجنب الانحياز الكامل للولايات المتحدة.
ج- تقديم تبرير استباقي لأي تقصير في الدعم الغربي لأوكرانيا بسبب تحويل الانتباه إلى الشرق الأوسط.
د- الترويج لسيناريوهات تصب في مصلحة محور المقاومة وإيران، من خلال التأكيد على أن الحرب الطويلة ستنتهي بنصر إيراني أو على الأقل بانسحاب أميركي.
رابعًا: قراءة في مستقبل الصراع – بين الحتمية والاحتمالية.
من منظور أكاديمي، وربما للدقة العلمية يجب التعامل مع السيناريوهات كاحتمالات وليست حتميات. حيث أن العوامل التي ستحدد مسار الصراع تشمل (قدرة إيران على تحمل الضربات الجوية المستمرة واستمرار تماسك النظام الداخلي؛ وأيضا قدرة الولايات المتحدة على تعويض مخزونها من الذخائر الدقيقة وإدارة الضغط الداخلي لخسائر محتملة؛ وكذلك موقف الصين وروسيا من الدعم المباشر أو غير المباشر لإيران؛ ومدى قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية وإسقاط النظام الإيراني كما زعمت دون توسيع نطاق الصراع إلى جبهات إضافية مثل لبنان وحزب الله أو انخراط صنعاء في الحرب؛ وتطورات الملف النووي الإيراني وإمكانية استخدامه كورقة ضغط). أي تغير في هذه العوامل قد يرجح سيناريوهات على آخرى.
سابعًا: الخاتمة والاقتراحات.
تمثل تصريحات البروفيسور الصيني/جيانغ ، نموذجًا للخطاب الذي يحاول قراءة التحولات الكبرى في النظام الدولي من خلال مزج التحليل (الجيوسياسي بالتوقعات الاقتصادية الحادة). ورغم أن بعض عناصر تحليله – مثل احتمالية طول أمد الصراع وتراجع الخيارات الدبلوماسية، قد تكون وجيهة وتجد دعمًا في تحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية (International Crisis Group, 2026 IISS, 2026)، إلا أن صياغتها في قوالب حتمية مثل التحدث عن (انهيار الدولار، احتراق الشرق الأوسط، لا مفر من حرب الاستنزاف) تجعلها أقرب إلى السيناريوهات الاحتمالية والخطاب السياسي؛أكثر منها إلى التحليل الأكاديمي الدقيق.
كما يبقى السؤال الاستشرافي مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الرؤية تعبر عن مقاربة صينية رسمية تجاه الصراع أم أنها تعكس تيارًا فكريًا مستقلاً داخل الأوساط الأكاديمية في الصين؛ وربما الأرجح، في ضوء غموض الهوية والطبيعة الحتمية للتصريحات، أنها تعبر عن خطاب سياسي متحيز أكثر منها عن تحليل أكاديمي متزن (Fairclough, 1995 Van Dijk, 2008). ومع ذلك، فإن تداول هذه التصريحات على نطاق واسع يعكس واقعًا مهمًا، أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح محورًا رئيسيًا في التنافس الدولي الأوسع، وعليه في ضوء ما سبق، يمكن تقديم الاقتراحات التالية:
أ- توصيات منهجية للباحثين.
ضرورة التحقق من المصادر الأكاديمية قبل تبني تحليلات جيوسياسية كبرى؛ والتعامل مع السيناريوهات المستقبلية كاحتمالات وليست حتميات، مع الانتباه إلى أن العوامل المتغيرة قد ترجح سيناريو آخر في أي لحظة؛ كما ينبغي الاعتماد على مصادر متعددة ومتنوعة في التحليل لتجنب الوقوع في فخ التحيزات الأيديولوجية والانجرار خلف الخطاب السياسي .
ب- اقتراح حول طريقة التحليل.
التركيز على تحليل المصالح الذاتية للجهات المختلفة (الصين، روسيا، أميركا، إسرائيل، إيران، دول الخليج) بدلًا من التصورات المطلقة عن الخير والشر؛ ومتابعة التطورات الميدانية والسياسية عن كثب، لأنها وحدها القادرة على ترجيح سيناريو عن آخر. كما ينبغي الانتباه إلى العوامل الداخلية في كل دولة (الاقتصاد، السياسة الداخلية، الرأي العام) التي قد تكون أكثر تأثيرًا من العوامل الخارجية وتحديدا في ما يخص الجانب الامريكي والرأي العام هناك.
ج-اقتراح أكاديمي.
تشجيع الدراسات المقارنة بين نماذج الصراعات المختلفة (الأوكراني، الإيراني، اليمني، الليبي،الفلسطيني،الاسرائيلي،اللبناني ) لاستخلاص أنماط أكثر دقة لأنماط حروب الاستنزاف المعاصرة. وتطوير أطر نظرية تراعي الخصوصيات الإقليمية في تحليل الصراعات، بدلاً من تطبيق نماذج غربية بشكل ميكانيكي وتحديدا تطبيق النموذج الاوكراني على النموذج الايراني.كما ينبغي تعزيز التعاون الأكاديمي بين الباحثين في المنطقة العربية ونظرائهم في الصين وروسيا والغرب لفهم أفضل لتعقيدات الصراع، رغم ان اغلب مراكز الدراسات العربية تعاني من أزمة اقتصادية كبيرة في تغطية البحوث والدراسات العلمية التي لا تجد طريقها للنور.
ختامًا، لا شك أن المنطقة العربية والإسلامية تمر بمرحلة دقيقة في تاريخها، تتطلب قراءة متزنة للصراعات القائمة، بعيدًا عن المبالغات الإعلامية أو التبسيط المخل. الوعي الحقيقي يبدأ بفهم التعقيدات والاحتمالات، وليس بالوقوع في فخ الحتميات الساذجة. إن قدرة الباحثين والمفكرين في المنطقة على تقديم تحليلات موضوعية، تجمع بين العمق النظري والمعرفة بالسياق المحلي، هي التي ستساهم في تشكيل رؤية أكثر وضوحًا لمستقبل المنطقة في ظل هذه التحولات الكبرى.
-المراجع والمصادر
المراجع العربية
الجزيرة. (2026، فبراير). "البرنامج النووي الإيراني والمفاوضات المتوقفة في فيينا". قناة الجزيرة.
المراجع الأجنبية
أولاً: الكتب (Books)
Amir-Arjomand, S. (2009). After Khomeini: Iran Under His Successors. Oxford: Oxford University Press.
Clausewitz, C. von. (1976). On War (M. Howard & P. Paret, Trans.). Princeton, NJ: Princeton University Press. (Original work published 1832)
Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman.
Kissinger, H. (2014). World Order. New York: Penguin Press.
Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton & Company.
Pollack, K. M. (2004). The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America. New York: Random House.
Ulrichsen, K. C. (2016). The Gulf States in International Political Economy. London: Palgrave Macmillan.
Van Dijk, T. A. (2008). Discourse and Power. Basingstoke: Palgrave Macmillan.
Yergin, D. (2020). The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations. New York: Penguin Press.
ثانيًا: فصول الكتب والمقالات والمجلات المحكمة (Book Chapters & Journal Articles)
Ferdinand, P. (2025). China and the New Geopolitics of the Middle East. Asian Affairs, 52(3), 456–478.
Zhao, M. (2025). China’s Role in the Middle East: Balancing Interests and Stability. Carnegie Endowment for International Peace.
ثالثًا: تقارير مراكز الأبحاث (Research Reports)
Arslanalp, S., & Simpson-Bell, C. (2025, September). The Dollar’s Dominance: Decline´-or-Resilience? IMF Blog. Washington, DC: International Monetary Fund.
Cordesman, A. H. (1988). The Iran-Iraq War: A Military and Strategic Analysis. Washington, DC: Center for Strategic and International Studies (CSIS).
Gulf Research Center. (2026). The Gulf States and the Iran Crisis: Navigating Between War and Diplomacy. Jeddah: GRC Report.
International Crisis Group. (2026). Iran After the Assassination: Scenarios for Escalation and Containment (Report No. 235). Brussels: International Crisis Group.
International Institute for Strategic Studies (IISS). (2026). Iran’s Political Landscape After Khamenei. Strategic Comments, 32(2). London: IISS.
Kofman, M., et al. (2025). Lessons from the Ukraine War: Attrition, Adaptation, and the Future of Conflict. Santa Monica, CA: RAND Corporation.
رابعًا: تقارير المؤسسات الدولية (International Institutions Reports)
International Monetary Fund (IMF). (2025). Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER) (Q4 2025). Washington, DC: IMF Statistics Department.
Chinese Academy of Social Sciences (CASS), Institute of West Asian & African Studies. (2026, January). Symposium on Middle East Developments and Prospects. Beijing: CASS.
خامسًا: المقالات الصحفية والمواقع الإخبارية (News Articles & Media)
Al-Monitor. (2026, March). Iran’s Pragmatic Camp Decimated: What Comes Next? Al-Monitor.
BBC Persian. (2026, March). Analysis: The Killing of Larijani and Its Impact on Iran’s Decision-Making. BBC Persian.
Bloomberg. (2026, January). BRICS Expansion and the Future of the Petrodollar System. Bloomberg Economics.
Farrell, H., & Newman, A. (2026, March/April). The End of the Petrodollar? Foreign Affairs.
Irish Times. (2026, March). Iran’s Strategy: Disrupting Global Oil Flows in the Strait of Hormuz. The Irish Times.
Middle East Eye. (2026, March). Iran’s Succession: The Rise of Mojtaba Khamenei. Middle East Eye.
Reuters. (2026, March). Iran’s Pragmatists: Who Was Ali Larijani? Reuters.
The Economist. (2026, March). Who Was Ali Larijani? The Pragmatist Who Shaped Iran’s Nuclear Policy. The Economist.
The Jerusalem Post. (2026, March). Iran Braces for Long War: Lessons from Ukraine. The Jerusalem Post.
The National (UAE). (2026, March). GCC States Urge UN Action Amid Iran Strikes on Oil Facilities. The National.
The Wall Street Journal. (2026, March). U.S. Military Readiness and Precision Munitions Stockpiles. The Wall Street Journal.
Xinhua News Agency. (2026, February). Chinese Academic Perspectives on the Middle East Crisis. Xinhua.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟