أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - فرض مدونة سلوك اسرائيلية على الدول العربية















المزيد.....

فرض مدونة سلوك اسرائيلية على الدول العربية


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 12:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


فرض مدونة سلوك إسرائيلية على الدول العربية

الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة غليان وتحولات كبرى، تتقاطع فيها الصراعات الدولية مع المشاريع الإقليمية والتوترات الداخلية. في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز دولة الاحتلال الاسرائيلي كلاعب أساسي يسعى لاستثمار التحولات الجيوسياسية لصالحها، ليس فقط على المستوى الوجودي والأمني المباشر، بل لفرض واقع إقليمي جديد يعيد تشكيل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية وفق رؤيتها الأحادية. هذه الرؤية تتجاوز مفهوم التطبيع التقليدي لتصل إلى محاولة صياغة "عقد جديد" أو ما تصفه بـ "مدونة السلوك" (קוד התנהגות)، والتي تسعى لفرضها على جيرانها بعد تحقيق ما تعتبره "نصراً حاسماً" يتمثل في إضعاف أو انهيار ما تسميه "محور المقاومة" وعلى رأسه إيران.

الإشكالية:

تكمن الإشكالية الرئيسية في فهم طبيعة المخطط الإسرائيلي التوسعي، ومدى ارتباطه بعقيدة دينية-سياسية (المسيانية الصهيونية)، وآليات تنفيذه في مرحلة ما بعد الحرب على ايران أو الصراع المفتوح. فإسرائيل لا تتعامل مع الصراع كصراع حدود أو سياسات فقط، بل كصراع وجودي وحضاري، تسعى من خلاله إلى فرض هيمنتها الأمنية والعقائدية على الفضاء العربي (كافة الدول العربية).

وتبرز الأسئلة الفرعية التالية: كيف تستغل إسرائيل حالة الضعف والانقسام العربي لتمرير مشروعها؟ وما هو مضمون "مدونة السلوك" التي تلوح بها؟ وكيف تخطط لاستخدام ورقة "إذاعة جيش الاحتلال الاسرائيلي " وأدوات الحرب النفسية والإعلامية لابتزاز الأنظمة العربية وكسر إرادة الشعوب العربية.

تحليل المخطط الإسرائيلي: الاستفراد بالمنطقة وابتزاز الدول العربية

يعتمد المخطط الإسرائيلي على قراءة واقعية للتحولات الإقليمية، ويستند إلى ركيزتين أساسيتين:

أولاً: استراتيجية الاستفراد بالمنطقة عبر تفتيت التهديدات.
تدرك إسرائيل أن الخطر الاستراتيجي الأكبر يكمن في تشكيل جبهة موحدة أو محور إقليمي معادٍ لها. لذلك، تعمل بشكل ممنهج على:

1. عزل وتصفية القوى الممانعة: يأتي العدوان الاسرائيلي على غزة ولبنان وسوريا وايران في سياق محاولة قطع رؤوس "الأخطبوط الإيراني" وأذرعه، بهدف حرمان أي جبهة موحدة من القدرة على العمل المنسق.

2. تعميق الانقسام العربي: تستغل إسرائيل المخاوف العربية من نجاح خطة نشر"الهلال الشيعي" أو من تنامي قوى الإسلام السياسي، لتقديم نفسها كـ "حائط صد" وحليف استراتيجي للأنظمة العربية في مواجهة هذه التحديات، مما يعمق الهوة بين الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية .

3. تطبيع التبعية: الانتقال بالعلاقات العربية-الإسرائيلية من مرحلة "السلام البارد" أو "صفقات القرن" إلى مرحلة "التحالف الاستراتيجي" الذي تتحول فيه بعض الدول العربية إلى جزء من المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بما يخدم المشروع الأمريكي-الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط .

ثانياً: المخطط المسياني الصهيوني وأبعاده التوسعية.
لا يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي بمعزل عن الجذور الأيديولوجية العميقة للصهيونية الدينية المتطرفة. فتيار "المسيانية الصهيونية" أو ما يعرف بالصهيونية التوراتية، (التوراة الذي تم تحريفها) هذا التيار المسياني يمثل اليوم ثقلاً سياسياً كبيراً في الحكم داخل اسرائيل وايضاً في البيت الأبيض (ترمب)، ولا يرى في المشروع الصهيوني مجرد دولة قومية لليهود، بل مشروعاً مقدساً يهدف إلى:

-إعادة بناء "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات كما قالها نتن ياهو ،والسفير الأمريكي هاكابي، وهذا ما يفسر التوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية والجولان، والطموحات تجاه أجزاء من سيناء والأردن ولبنان وسوريا.

- إخضاع الأمم (الغوييم): وفق هذه الرؤية، لا يجب أن تقتصر هيمنة "شعب الله المختار" على أرض الميعاد، بل تمتد لتشمل فرض "قوانين نوح" أو ما يشبهها من هيمنة أخلاقية وسياسية على الأمم الأخرى ليكونوا عبيدا، وهو ما يترجم اليوم بمحاولة فرض شروط وجودية على الدول العربية.

-اسرائيل وسيناريو ما بعد هزيمة إيران:
هو فرض "مدونة السلوك" حيث يفترض المخطط الإسرائيلي سيناريو يصل فيه إلى مرحلة متقدمة من "تدمير أو تقويض" القدرات الإيرانية وحلفائها، سواء عبر ضربات عسكرية مباشرة، أو عبر زعزعة داخلية تؤدي إلى تغيير النظام في طهران.

في هذا السيناريو "الانتصاري"، تعتقد إسرائيل أن لحظة "الاستسلام الاستراتيجي" العربي قد حانت، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على فرض "مدونة سلوك" (קוד התנהגות) جديدة على الدول العربية بعد هزيمة ايران المحتملة، تتضمن بنوداً غير قابلة للتفاوض، تمليها على الدول العربية والإسلامية تحت تهديد القوة أو الوصم بـ"الداعم للإرهاب"، ومن أبرز هذه البنود التالي:

1. تجريم التحريض (De-legitimization of Incitement): إعادة تعريف "التحريض" ليشمل أي خطاب ديني أو إعلامي أو ثقافي لا يعترف بشرعية إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، أو يدعو إلى تحرير فلسطين، أو حتى ينتقد السياسات الإسرائيلية. سيتم الضغط لتعديل الخطاب الديني في المساجد والكنائس، ومنع أي فعاليات شعبية تضامنية مع القضية الفلسطينية.

2. تسليح المستقبل (Armament Restrictions): وضع قيود صارمة على نوعية وقدرات التسليح التي تمتلكها الجيوش العربية، خاصة تلك التي قد تشكل تهديداً للتفوق النوعي الإسرائيلي (Qualitative Military Edge).

كما سيشمل ذلك فرض قيود على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، مع ضمان حرية إسرائيل المطلقة في العمل العسكري في أي مكان تراه مناسباً في الشرق الأوسط.

3. الأمن السيبراني والسياسي (Security Cooperation): تحويل التعاون الأمني الحالي إلى "وصاية أمنية" مشتركة، حيث تصبح إسرائيل شريكاً أساسياً في حماية الأنظمة العربية من أي تهديدات داخلية (إسلامية أو معارضة أو فصائل مقاومة)، مما يعني اختراقاً أعمق للأجهزة السيادية العربية.

4. إعادة صياغة المناهج التعليمية (Curriculum Reform): وهو البند الأكثر خطورة واستراتيجية.

تسعى إسرائيل إلى فرض مراجعة شاملة للمناهج التعليمية في العالمين العربي والإسلامي، بهدف:
- اجتثاث الهوية الوطنية المقاومة: إزالة أي محتوى يعزز مفهوم مقاومة الاحتلال أو الجهاد أو تحرير الأرض.

-ترسيخ رواية "الصراع الإسرائيلي-العربي": إعادة تدريس تاريخ المنطقة وفق منظور إسرائيلي، حيث تقدم إسرائيل كدولة سعت للسلام وقوبلت بالعداء، مع تحميل القيادة الفلسطينية والعربية مسؤولية استمرار الصراع.

-نزع القدسية عن القضية الفلسطينية: تحويلها من قضية وجود ومركزية إلى "نزاع إقليمي" تم حله، ويجب تجاوزه نحو "السلام والازدهار" في الشرق الأوسط الجديد.

دور إذاعة الجيش وأدوات الابتزاز:

لن يقتصر الضغط على المستوى الرسمي فحسب، بل سيمتد إلى الحرب النفسية والإعلامية، وستكون "إذاعة الجيش" الإسرائيلي وأذرعها الإعلامية المختلفة (بالعربية والعبرية) أداة رئيسية في هذه المعركة. سيتم توظيف هذه الوسائل لـ:

- بث اليأس والإحباط في صفوف الشعوب العربية من جدوى المقاومة، وترويج أن "عصر المقاومة" قد ولى وحل محله عصر "السلام والاقتصاد"وترويج شعار فلسطين ليست قضيتي.

-توجيه رسائل ابتزاز مباشرة وغير مباشرة للحكومات العربية، من خلال تسريبات أو تهديدات بفضح معلومات أو ملفات حساسة عنهم على غرار فضائح جزيرة ابستين وملفات فساد.

-ترويج ثقافة التطبيع كخيار وحيد وأوحد للمستقبل، ومحاولة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية تجاه العدو.

ختاما، إن المخطط الإسرائيلي، بطابعه المسياني واستراتيجيته الابتزازية، يمثل تحدياً وجودياً ليس فقط للقضية الفلسطينية، بل للسيادة الوطنية والهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية والإسلامية بأسرها في المنطقة، كما ان فرض "مدونة سلوك" إسرائيلية يعني تحويل الدول العربية وتحديدا (دول التطبيع) إلى كانتونات أمنية تحت الوصاية، وتفريغ مفهوم السيادة من مضمونه في هذه الدول.

لذلك، فإن مواجهة هذا المخطط لا تقع فقط على عاتق الفلسطينيين أو "محور المقاومة"، بل هي مسؤولية تاريخية تقع على عاتق كل قوى الأمة الحية، وعلى رأسها المثقفون والعلماء وأجهزة الإعلام المستقلة والمصنفون بالنخبة، لكشف زيف هذا المشروع والتحذير من مخاطره، والعمل على بناء استراتيجية عربية موحدة تعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية والشراكة الإقليمية القائمة على الندية واحترام الحقوق، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فخ التصعيد وتحول القوة لنقطة ضعف
- مضيق هرمز 2026 هل يكون سويس أمريكا عام 1956.
- فن الصفقة بين الوهم والواقع في استراتيجية ترامب التفاوضية.
- ترمب يفضل الدبلوماسية المعيارية على وزير الخارجية روبيو
- البروفيسور الصيني جيانغ يؤكد انتصار ايران
- البروفيسور الصيني جيانغ وانتصار ايران
- عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي
- اغتيال الصحفية الفرنسية/مارين فلهوفيتش داخل منزلها في فرنسا.
- مضيق هرمز يضع الأمن القومي العربي والصين في مرمى العاصفة
- جهل ويتكوف وكوشنر أشعل الحرب مع إيران
- دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي
- -الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج بين القان ...
- التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق ...
- رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام
- دور الدبلوماسية غير الرسمية في تنفيذ السياسة الخارجية الفلسط ...
- تفعيل مبدأ جبر الضرر وتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في عدوان ...
- تكيف جرائم العدوان الإسرائيلي (الجرف الصامد)على غزة سنة 2014
- عيوب اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العدوان على غزة سنة 201 ...
- مشكلة فلسطين في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا يع ...
- واقع العلاقات العربية-الصينية الضعيف والبديل الإسرائيلي عنهم


المزيد.....




- نقص الوقود يسبب طوابير طويلة في عاصمة ميانمار
- البيت الأبيض: ترامب مهتم بأن يساهم العرب في تكاليف الحرب على ...
- إيران تعدم اثنين من تنظيم -مجاهدي خلق-.. وحقوقيون: سلاح لتره ...
- حتى لا ننسى
- كيف تُمول إيران مسيّراتها وتؤمّن وقود صواريخها رغم العقوبات ...
- عاجل | مصادر إسرائيلية: وقوع عدد من الجنود بين قتيل وجريح في ...
- مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل، انتبه أزمة تخفي أخرى
- نتنياهو: لا إطار زمني لإنهاء الحرب مع إيران
- إيران تلعب بورقة الحوثيين لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر
- إيران.. لجنة برلمانية توافق على خطة لفرض رسوم على السفن العا ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - فرض مدونة سلوك اسرائيلية على الدول العربية