|
|
المحكمة الجنائية للأفارقة والبلطجية فقط
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 12:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية
مقدمة:
في لحظة نادرة من الصدق السياسي القاسي، تحوّلت أروقة الدبلوماسية الدولية إلى مسرح لمواجهة وجودية بين قوة القانون وقانون القوة. لم يكن تصريح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد/ كريم خان، مجرد إفشاء لتفاصيل محادثة دبلوماسية، بل كان تفجيراً متعمداً للقنبلة الأكثر حساسية في النظام العالمي،هي الازدواجية المؤسسية في تطبيق العدالة الجنائية الدولية،وفي ازدواجية المعايير.
حين تناقلت الأوساط الحقوقية والقانونية نصُّ ما دار بين السيد/كريم خان،والسيناتور الأمريكي البارز المقرب لاسرائيل/ ليندسي غراهام، لم يكن العالم أمام تهديد تقليدي، بل أمام إعلان صريح لعقيدة سياسية تعتبر القانون الدولي مجرد أداة وظيفية،حيث قال ليندسي جهرا وبكل وقاحة، "هذه المحكمة الجنائية الدولية بُنيت وخصصت من أجل أفريقيا، ومن أجل البلطجية مثل بوتين، وليست للديمقراطيات مثل إسرائيل والولايات المتحدة!".
هذه الكلمات، التي نطق بها أحد أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، لا تحمل مجرد تهديد بإفلات الحلفاء مثل المجرم نتنياهو من العقاب، بل تختزل عقوداً من النفاق الغربي، وتضع المحكمة الجنائية الدولية أمام اختبار بقائها كمؤسسة قانونية ذات معنى، أو كواجهة استعمارية جديدة لترويض دول الجنوب العالمي،وتأديب الخصوم الجيوسياسيين فقط وتجاهل جرائم الحرب التي نفذتها اسرائيل على مدار عامين في قطاع غزة. يأتي هذا الكشف في توقيت بالغ الحساسية، حيث تستعد المحكمة لإصدار مذكرات اعتقال محتملة بحق مسؤولين إسرائيليين على خلفية حرب الإبادة في غزة التي بدأت من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025، مما يجعل هذه المواجهة لحظة فارقة في تاريخ القانون الدولي الإنساني،والقانون الدولي الجنائي،واتفاقيات جنيف الأربع،والبرتوكولين الإضافيين،واتفاقية حقوق الإنسان الدولية .
السؤال الإشكالي:
كيف يمكن تفكيك البنى العميقة لازدواجية المعايير التي كشفها تصريح السيناتور غراهام، وما هي المسارات الممكنة لإنقاذ المحكمة الجنائية الدولية من الانهيار المعنوي والمؤسسي، وهل يمكن أن يتحول كشف كريم خان من مجرد شهادة على الأزمة إلى نقطة تحول في مسار العدالة الدولية، خاصة في سياق جرائم الابادة المرتكبة في غزة.
المحور الأول: تشريح الخطاب.. "عدالة الأسياد" و"عدالة العبيد" كعقيدة سياسية غربية
لفهم العمق الحقيقي لتصريح عضو الكونغرس الأميركي/غراهام، يجب وضعه في سياقه التاريخي والفكري الأوسع. ما قاله السيناتور ليس زلة لسان أو انفعالاً عابراً، بل هو تعبير أمين وصادق جاء عن عقيدة الاستعلاء الراسخة في مؤسسة الحكم الأمريكية وفي دوائر النفوذ الغربي عموماً.
أولاً: الجذور الاستعمارية للعقيدة الانتقائية منذ نشأة القانون الدولي الحديث، وهو مثقل بإرث المعايير المزدوجة. ففي القرن التاسع عشر، حين وُضعت أسس القانون الدولي الإنساني على يد (غروتيوس) ،ومن تبعه، كان "المعيار الحضاري" هو الحد الفاصل بين الدول التي تستحق السيادة الكاملة،وتلك التي تُعتبر في مرتبة أدنى،بالطبع الدول الأوروبية التي تسمى نفسها الدول "المتمدنة" ،كانت تتعامل مع بعضها بقواعد الحرب والسلم، بينما كانت المستعمرات التابعة، تُعامل بقانون القوة المطلقة.
لذلك تصريح/غراهام ،يعيد إنتاج هذه الثنائية بصيغة عصرية جديدة. ففي قاموسه الأعوج المنحرف، ينقسم العالم إلى ثلاث فئات هي:
-الفئة الأولى، "دول الديمقراطيات" مثل (إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤها)؛ وهذه الدول هي فوق القانون الدولي، لأنها بحكم تعريفها "ديمقراطية" لا يمكن أن ترتكب جرائم تستوجب الملاحقة، فأفعالها حتى لو كانت مروعة تُفهم في سياق "الضرورات الأمنية" و"الحق في الدفاع عن النفس"، ومحاولة نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
-الفئة الثانية، "البلطجية" (روسيا وبعض الخصوم)، هذه الدول يجب أن يطبق عليها القانون بكل قوته، ليس التزاماً بمبادئ العدالة، بل كأداة في الصراع الجيوسياسي لأنهم دول من المستوى الادنى،وبالتالي محاكمة بوتين ليست بحثاً عن العدالة لضحايا أوكرانيا، بل هي سلاح في الحرب الباردة الجديدة ضد روسيا.
-الفئة الثالثة، "الأفارقة" (دول الجنوب عموماً)، هذه الدول الإفريقية وكل دول جنوب جنوب يجب أن تُستخدم المحكمة لتأديبهم وإبقائهم في حالة من التبعية والوصاية لدول المركز.
ثانياً: منطق "الحصانة الديمقراطية" كبدعة قانونية خطيرة يُقدّم السيناتور/ غراهام ،نظرية عبثية استعلائية هجينة، تقوم على أن "الديمقراطية" كهوية سياسية تمنح قادة هذه الدول المصنفة ديمقراطية وهي بعيدة كل البعد عن الديمقراطية،حصانة مسبقة من الملاحقة القضائية امام المحكمة الجنائية الدولية. هذه النظرية تفتت أسس القانون الدولي الجنائي من جذورها، لأن القانون في جوهره يقوم على مبدأ المساءلة بناءً على الأفعال لا على هوية الفاعل، مع التأكيد أن الجريمة هي جريمة بغض النظر عما إذا كان مرتكبها ديمقراطياً منتخباً أو ديكتاتوراً مستبداً؛ بل إن "الديمقراطية" التي ترتكب جرائم حرب وهي تحظى بتفويض شعبي قد تكون أكثر خطورة، لأن الجريمة هنا تُرتكب باسم الشعب بأكمله،وللإشارة ان النظام النازي الألماني بقيادة هتلر كان منتخبا بشكل ديمقراطي من طرف الشعب الألماني ولكنه ارتكب فظائع وجرائم حرب لا تغتفر.
ثالثاً: إفريقيا كساحة تجارب للقانون الدولي.
هناك حقيقة مُرّة تقف وراء تهكم المدعو/ غراهام، حتى الآن، جميع القضايا التي نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية تقريباً تتعلق بدول إفريقية. هذا الانتقاء الجغرافي الواقعي، حتى لو لم يكن مقصوداً بالكامل من قبل المدعين العامين المتعاقبين للمحكمة الجنائية الدولية، خلق انطباعاً رسّخته القوى الغربية (دول المركز)، بأن المحكمة هي أداة استعمارية جديدة،ثمّ ياتي المدعو/غراهام ،ليؤكد هذه الفرضية صراحة، لكنه يضيف إليها فئة "البلطجية" كتوسيع لدائرة الاستهداف لتشمل الخصوم الاستراتيجيين في أفريقيا وروسيا، ودول اروبا الشرقية.
المحور الثاني: الإرهاب التشريعي- التهديدات الأمريكية كاستهداف لفكرة المساءلة ذاتها
لا تقف الأزمة عند حدود الخطاب العنصري والانتقائي، بل تتجاوزها إلى ممارسة ممنهجة ومنظمة لما يمكن تسميته بـ"الإرهاب التشريعي" ضد هيئة قضائية دولية دائمة ينتمي لها اكثر من 124 دولة في العالم، وتتمتع بالأهلية القانونية اللازمة لتمارس دورها القانوني على الصعيد العالمي.
أولاً: طبيعة التهديدات غير المسبوقة.
ما كشف عنه مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية السيد/كريم خان ،ليس مجرد تهديد عابر، بل هو حملة تشريعية وسياسية منظمة تهدف إلى شل قدرة المحكمة على العمل، هذه التهديدات تشمل التالي:
-فرض عقوبات اقتصادية على قضاة المحكمة وأسرهم. هذا يتجاوز الضغط السياسي التقليدي إلى استهداف الحياة الشخصية والأسرية للقضاة، بما يحوله من تهديد مهني إلى ابتزاز إنساني.
-منع أسر القضاة من السفر أو التعامل مع النظام المالي العالمي. إنه عقاب جماعي يطال بريئاً مثل زوجة القاضي أو أبنائه.
-التلويح بإجراءات تشريعية في الكونغرس لتصنيف المحكمة كمنظمة غير شرعية.
هذه التهديدات تُذكّر بأساليب المافيا أكثر مما تُذكّر بسلوك دولة تدّعي التزامها بسيادة القانون وتفتخر بتمثال الحرية، فالعصابات هي التي تهدد عائلات القضاة، لا الدول التي تحمل لواء "النظام العالمي القائم على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ومحاربة الجرائم الخطيرة التي تمس بحالة السلم والأمن الدوليين".
ثانياً: منطق تجريم ممارسة القضاء الجنائي الدولي.
الأخطر في هذه التهديدات أنها لا تستهدف قراراً قضائياً بذاته، بل تستهدف عملية (التفكير في إصدار قرار)، وتستهدف هيئة قضائية عالمية مستقلة بذاتها. المشرعون الأمريكيون لا ينتظرون حتى تصدر المحكمة مذكرات اعتقال ضد المجرم/نتنياهو ،رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي، بل يهددونها مسبقاً حتى لا تُقدم على ذلك الخطوة، هذا تحول نوعي في منطق الضغط السياسي على المحكمة الجنائية الدولية، لم يعد الأمر يتعلق بنقد حكم قضائي بعد صدوره، بل بمنع القاضي من ممارسة اختصاصه القانوني أصلاً.
هذا يشكل في القانون الدولي جريمة "عرقلة سير العدالة" (Obstruction of Justice). والمفارقة الكبرى أن النظام القانوني الأمريكي نفسه يُجرّم هذا السلوك بصرامة إذا ما مورس ضد قضاة أمريكيين داخل الولايات المتحدة.
ثالثاً: التأثير الرادع على الضمير القضائي العالمي رسالة التهديد للمدعي العام السيد/كريم خان، لا تستهدف المحكمة الجنائية الدولية وحدها، بل موجهة إلى كل قاضٍ في أي محكمة وطنية هي دولة عضو في المحكمة، أو دولية قد يفكر في محاكمة مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين بتهم ارتكابهم جرائم حرب أو جرائم ضد الأنسانية. إنها استراتيجية رعب قانوني تهدف إلى خلق مناخ عام من الإفلات المضمون من العقاب، حيث يعرف كل قاضٍ أن مساراً مهنياً آمناً ينتظره إذا حمى الأقوياء، وحياة من الملاحقة والخراب إذا حاول تطبيق القانون عليهم.
المحور الثالث: كريم خان ومواجهة التاريخ-دلالات توقيت الكشف وموقعه
خروج مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية،بهذا الكشف العلني عن تهديده بشكل مباشر من طرف السيناتور الأمريكي/ليندسي غراهام، ليس ترفاً أخلاقياً أو نزوة شخصية، بل هو قرار محسوب بدقة في توقيت حرج من تاريخ المحكمة والعالم للأسباب التالية:
1- كريم خان أمام إرثه الشخصي والمؤسسي.
السيد/كريم خان ،ليس شخصية عادية في المحكمة. هو محامٍ بريطاني من أصول باكستانية، عُيّن وسط آمال كبيرة في إصلاح صورة المحكمة بعد سنوات من الانتقادات بانحيازها ضد إفريقيا. كان يُنظر إليه كشخصية "آمنة" نسبياً بالنسبة للغرب، بحكم جنسيته البريطانية،وتكوينه المهني فيها، لكنه الآن يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القوة العظمى التي طالما دعمت المحكمة بشكل انتقائي ضد بوتين بينما رفضت ملاحقة نتنياهو.
تكمن أهمية موقف مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية السيد/ كريم خان، في أنه اختار المواجهة لا الصمت؛حيث كان بإمكانه التزام الدبلوماسية الهادئة، لكنه قرر فضح التهديدات على الملأ. هذا القرار يمكن تفسيره على عدة مستويات كما يلي:
- شعوره بأن الصمت جريمة، و لم يعد ممكناً أخلاقياً أو مهنياً. -إدراكه أن التهديدات بلغت حداً يجعل السكوت عنها تواطؤاً ضد العدالة. -محاولة ناجحة ورائعة ومميزة لحماية المحكمة عبر تحويل الملف إلى قضية رأي عام عالمي بسبب التهديدات.
ثانياً: سياق جرائم الحرب في قطاع غزة كلحظة اختبار فارقة.
يأتي كل هذا في اللحظة التي تدرس فيها المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين وأيضا قادة من حركة حماس؛ هذا الملف هو الأكثر حساسية في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية للأسباب التالية:
-دولة الاحتلال الإسرائيلي، المدعومة أمريكياً، ترفض اختصاص المحكمة من الأساس. -الفلسطينيون يعتبرون المحكمة أملهم الوحيد في مواجهة آلة الحرب وجريمة الإبادة. -الولايات المتحدة تهدد بتدمير المحكمة إذا مضت قدماً في التحقيق بشأن جرائم جيش الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة.
في هذا السياق، يتحول كشف السيد/ كريم خان ،إلى محاولة لإحراج الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام العالمي، وفضح التناقض بين شعارات "النظام القائم على القواعد" وممارسة "القواعد لمن نختار".
ثالثاً: نزاهة المنظومة الدولية بأكملها على محك المعيار القانوني. ما يحدث ليس مجرد أزمة للمحكمة الجنائية الدولية، بل هو اختبار وجودي للنظام الدولي برمته. إذا استسلمت المحكمة للتهديدات، فستفقد كل مصداقيتها وستتحول إلى أداة علنية للهيمنة الغربية، مما سيُفقدها دعم دول جنوب-جنوب، بشكل نهائي. وإذا مضت قدماً وأصدرت مذكرات الاعتقال، فإنها ستواجه حرباً مفتوحة من الكونغرس الأمريكي الداعم لدولة الاحتلال الاسرائيلي.
المحصلة أن المنظومة القانونية الدولية كلها تقف على حافة الانهيار؛ وإذا انهارت، فلن يبقى إلا قانون شريعة الغاب، حيث القوي يفعل ما يشاء والضعيف يعاني ما يجب. وهذا تحديداً ما حذر منه مفكرو ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما أسسوا لهذه المنظومة بعد انهيار عصبة الأمم بسبب تغول الدول الكبرى على القانون الدولي.
المحور الرابع: وجوه الازدواجية المتعددة في نماذج لحالات مقارنة.
لفهم عمق الأزمة، يمكن دراسة ثلاثة نماذج تكشف تفاوت المعايير التي يكرسها السيناتور الأمريكي/غراهام بكل وقاحة وهي:
1- إسرائيل وروسيا هما المرآة المقلوبة.
كل من إسرائيل وروسيا متهمتان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ لكن طريقة تعامل الغرب مع الحالتين تكشف الانتقائية التي أعلنها غراهام صراحة والكيل بمكيالين:
-في الحالة الروسية، المحكمة كانت أداة مشروعة، والدعم الامريكي،والغربي للملاحقات القضائية للمسؤولين الروس غير محدود، وسردية "العدالة" تُستخدم كجزء من التعبئة السياسية ضد موسكو على الصعيد العالمي.
-في الحالة الإسرائيلية واشنطن تعتبر ان المحكمة الجنائية الدولية "تجاوزت صلاحياتها"، وان الملاحقة القضائية إلى المتهمين/ نتنياهو وغالانت،هي "تهديد للديمقراطية"، ويجب معاقبة القضاة لا المتهمين.
المفارقة أن الجرائم المتهمة بها إسرائيل في غزة لا تقل بشاعة مما حصل في أوكرانيا، بل تفوق عليها بقتل اسرائيل لأكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة اكثر من 172 الف جريح فلسطيني اغلبهم من الاطفال والنساء وهذا اقل بكثير لما يُنسب لروسيا من جرائم في أوكرانيا.
2- قارة إفريقيا،عدد 54 دولة إفريقية,حيث تطبق العدالة بلا رحمة هناك،لنأخذ حالة ساحل العاج كمثال؛ عندما صدرت مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية،بحق الرئيس/لوران غباغبو، لم يحتج الغرب على اختصاص المحكمة، بل دعموها بقوة، بعد ذلك تم اعتقاله في 11 أبريل 2011 في أبيدجان وثم تسليمة للمحكمة الجنائية الدولية. وكذلك الأمر عندما صدرت مذكرة بحق الرئيس السوداني/ عمر البشير،بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور، اعتبرت واشنطن والغرب ذلك "انتصاراً للعدالة الدولية "؛ الآن، حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتحول المحكمة فجأة إلى "تهديد للسيادة" و"تسييس للقانون الدولي".
تصريح الستناتور الامريكي/ غراهام، يُضفي شرعية بأثر رجعي على كل الانتقادات التي وجهتها الدول الإفريقية للمحكمة على مدى عقدين من الزمن؛ لقد كانوا يقولون دائماً إن المحكمة أداة استعمارية، وكان الغرب ينفي ذلك؛ الآن يقول السيناتور الأمريكي حرفياً؛ نعم، هي كذلك المحكمة وجدت لأفريقيا وللبلطجية في روسيا ومن يقف معها، ونحن فخورون بذلك.
ثالثاً: أفغانستان والعراق-الإفلات الممنهج من العقاب. لم تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من فتح تحقيق جاد في جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان أو العراق؛ حيث مارست واشنطن ضغوطاً هائلة، بما في ذلك فرض عقوبات على المدعية العامة السابقة/ فاتو بنسودا، لمنع ذلك؛ هذه هي السابقة التي يستند إليها المدعو/ غراهام ،في تهديداته الحالية ضد السيد/كريم خان؛ النمط يتكرر، أي محاولة لمساءلة (الحلفاء الغربيين)، تواجه بتدمير ممنهج.
المحور الخامس: نحو استراتيجية لإنقاذ العدالة الدولية من الأنهيار.
في مواجهة هذا الوضع الكارثي، لا يمكن الاكتفاء بالشجب والإدانة، بل المطلوب اعتماد استراتيجية متعددة المستويات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كما يلي:
أ-على المستوى القانوني المؤسسي.
-على المحكمة الجنائية الدولية وهيئاتها أن توثق رسمياً كل التهديدات الصادرة عن مشرعين أمريكيين، وأن تُحيلها إلى مجلس الأمن باعتبارها جرائم عرقلة للعدالة.
-على الدول الأطراف في نظام روما الأساسي أن تعقد جمعية عامة طارئة لمناقشة حماية استقلال المحكمة، وإصدار قرار جماعي يدين التهديدات ويلتزم بحماية موظفي المحكمة.
-يجب وضع آليات حماية مادية وقانونية للقضاة وعائلاتهم، تشمل توفير ملاذات آمنة ومساعدات قانونية وإجراءات وقائية.
ب-على المستوى الدبلوماسي والسياسي
-تحرك كافة دول جنوب - جنوب، بقيادة دول إفريقية وعربية وأمريكا اللاتينية، لتشكل تكتلاً داعماً للمحكمة يُفشل محاولات عزلها، ويُسقط فرية أن المحكمة أداة غربية.
-يجب استخدام المنابر الدبلوماسية كافة، من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان، لفضح الازدواجية الأمريكية بشكل منهجي.
-تفعيل مبدأ "الاختصاص القضائي العالمي" في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، كمسلك بديل في حال تم شل المحكمة الجنائية تماماً.
ج-دور المجتمع المدني والرأي العام.
- إطلاق حملة دولية تحت شعار "العدالة لا تُهدد" لجمع توقيعات واحتجاجات عالمية مساندة لاستقلال القضاء الدولي.
-توثيق جرائم الحرب في غزة بشكل مستقل يوازي التوثيق الرسمي، بحيث لا يمكن دفن الأدلة تحت الضغط السياسي الامريكي.
-توظيف الإعلام ووسائل التواصل لفضح التهديدات، وإحراج الحكومات الغربية أمام شعوبها التي تؤمن غالبيتها بمبادئ العدالة والمساءلة.
د-الاقتراحات:
-الاقتراح الأول: "محكمة شعوب" رمزية موازية في حال استمرت الضغوط وشُلّت المحكمة الجنائية الدولية عملياً، يمكن لدول عدم الانحياز ومنظمات المجتمع المدني إنشاء "محكمة رمزية دولية" مؤقتة، تعمل بتفويض شعبي وأكاديمي، لا تصدر أحكاماً ملزمة قانونياً لكنها تصدر أحكاماً أخلاقية وتاريخية تُستخدم كأساس للملاحقات المستقبلية؛ هذه المحكمة ستشكل ضغطاً معنوياً هائلاً، وتبقي القضية حية في الضمير العالمي.
-الاقتراح الثاني: إنشاء صندوق "عدالة" الدولي لحماية القضاة تأسيس صندوق مالي دولي تساهم فيه الدول الداعمة لتطبيق العدالة الجنائية الدولية، يخصص لحماية القضاة وأسرهم من التهديدات والعقوبات. هذا الصندوق يمكن أن يقدم الآتي:
-تعويضات مالية للقضاة المتضررين من العقوبات. -توفير خدمات قانونية وأمنية. -توفير ضمانات وظيفية بديلة حال فقدان مناصبهم. هذا الصندوق سيحرم المهدّدين من سلاحهم الأكبر، وهو التلويح بتدمير حياة القضاة وعائلاتهم اقتصادياً.
ختاما،يقف العالم اليوم على حافة مفترق طرق تاريخي بين نموذجين للعلاقات الدولية؛ نموذج "قانون شريعة الغاب" الذي يعلنه السيناتور غراهام بكل صفاقة، حيث القانون لمن يدفع أكثر والعدالة لمن يمتلك القوة، ونموذج "سيادة القانون والشفافية" الذي تنشده البشرية منذ قرون.
تجدر الإشارة،ان تصريح غراهام، في وقاحته المفرطة، قدم خدمة غير مقصودة للعالم وكشف الوجة القذر لدعاة حقوق الإنسان وتمثال الحرية، لقد جرد النفاق الغربي من كل مسوحه، وأظهر أن الإمبراطور عارٍ تماماً، كما لم يعد بإمكان أي مسؤول غربي أن يدّعي بعد اليوم أن "النظام القائم على القواعد" يشمل الجميع؛ لقد قال زعيم في مجلس الشيوخ الأمريكي حرفياً، لا، إنه لا يشملنا ولا يشمل أصدقاءنا.
في هذه اللحظة المظلمة، يقف السيد/ كريم خان ،كشخصية تراجيدية تختبر ضمير العالم؛ بإمكانه التراجع والنجاة بنفسه، وبإمكانه المضي قدماً وتحمل العواقب؛ لكن الأهم من قراره الشخصي هو قرار المجتمع الدولي؛ هل سيترك رجلاً يدافع عن مبدأ المساواة أمام القانون وحده، أم سيلتف حوله ويحميه من البطش الامريكي.
اخيرا يمكن القول، ان أزمة المحكمة الجنائية الدولية اليوم ليست مجرد أزمة مؤسسة قانونية، بل هي أزمة ضمير عالمي؛ إما أن ينتصر هذا الضمير على إرهاب القوة، وإما أن تتحقق نبوءة غراهام العنصرية، وتصبح المحكمة الدولية "للأفارقة والبلطجية فقط"، وحينها سيكون العالم كله قد خسر آخر معاقل الأمل في نظام دولي يقوم على قواعد قانونية صارمة وعادلة، وليس على قواعد قانون القوة.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المحراث النووي من مشروع أمريكي مهجور إلى شبح يلوح في سماء ال
...
-
الأداة الرقمية كآلية لتحديث عمل المحكمة الجنائية الدولية- عص
...
-
مساحة -رد الفعل- بدل -الفعل- في النظام الدولي الحديث
-
التحولات الاستراتيجية في الفكر السياسي الفلسطيني بعد طوفان ا
...
-
القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب
-
التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع
-
جريمة العصر بنك الجلود الإسرائيلي من جثامين الشهداء الفلسطين
...
-
الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي
-
المنطقة الرمادية ذريعة سردية أكثر منها ظاهرة في القانون الدو
...
-
هل من مسار بديل لإصلاح الأمم المتحدة بعد 80 عام من التأسيس.
-
العملة الرقمية أداة تحكم سياسي وانهاء لعصر الكاش.
-
فشل السياسة العمومية الفلسطينية المتعاقبة؛ أزمة شرعية أم أزم
...
-
آليات عزل إسبانيا،وأزمة جزر فوكلاند.
-
الضربة الاستباقية لتدمير تركيا
-
رئيس يبكي في القدس وشعب يأكل لحم الحمير
-
تجربة الموت في غزة مع الدرونز الإسرائيلية (الزنانة).
-
ماسك: جيفري ابستين على قيد الحياة في اسرائيل
-
رئيس مجلس سلام غزة يسرق 17 مليار دولار ويحولها لإسرائيل
-
أسطول البعوض الإيراني يرعب واشنطن
-
مشروع جديد لتجاوز هرمز بين الطموح الجيوسياسي وحقائق الواقع ا
...
المزيد.....
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
-
-خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد
...
-
بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات
...
-
تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب
...
-
روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
-
وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
-
حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن
...
-
هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
-
4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال
...
-
أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|