عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 18:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
د. عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
في زمن تُختبر فيه الأعصاب وتتصاعد فيه وتيرة الصراعات، يفاجأ العالم بتصريحات تعيد عقارب الساعة إلى الوراء ستين عامًا، بل وتضيف إليها وقودًا من الجنون السياسي الذي قد يحرق الأخضر واليابس. ففي خضم الحرب الدائرة في المنطقة وتداعياتها على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لحركة النفط العالمية، خرج السياسي الجمهوري المخضرم نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق، بتصريح مدوٍّ يدعو فيه لاستخدام "عشرات التفجيرات النووية الحرارية" لشق قناة مائية جديدة "آمنة" بديلة عن مضيق هرمز .
هذا التصريح، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد هذيان سياسي، هو في الحقيقة إحياء خطير لأحد أكثر المشاريع جنونًا في التاريخ الحديث: مشروع "المحراث النووي" (Project Plowshare). الإشكالية التي يطرحها هذا الطرح لا تكمن فقط في وحشيته واستهتاره بالبيئة والبشر، بل في العقلية الانهزامية التي تقف خلفه؛ عقلية تبحث عن حلول تدميرية سريعة بدلًا من معالجة جذور الصراع السياسي. وتتفاقم الخطورة عندما نضع هذا السيناريو المجنون في سياقه الجيوسياسي الحالي، حيث وقّعت السعودية وباكستان -دولة نووية- اتفاقية دفاع مشترك استراتيجي في سبتمبر 2025 . فكيف سيكون الموقف الباكستاني في حال تنفيذ هذه التفجيرات؛ وكيف سترى القوى النووية الكبرى مثل روسيا والصين هذا الانتهاك الصارخ لكل الأعراف الدولية.
أولاً: الإحياء الخطير لمشروع "المحراث النووي" ونماذجه التاريخية
ما دعا إليه (غينغريتش)، ليس وليد اللحظة، بل هو استدعاء صريح لبرنامج "المحراث النووي" الذي أطلقته الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة. كان الهدف آنذاك هو تسخير القوة التدميرية للقنبلة النووية لشق قنوات وموانئ، وتحريك الجبال، وحتى استخراج الغاز والنفط،من أبرز نماذج هذا الجنون ما يلي:
1. مشروع تشاريوت (Project Chariot)، خطط لاستخدام خمسة أو ستة قنابل هيدروجينية لتجير ميناء عميق في ألاسكا، لكنه ألغي بعد احتجاجات شعبية وعلمية واسعة.
2. تجربة سيدان (Sedan Nuclear Test)، في عام 1962، فجرت الولايات المتحدة قنبلة نووية بقوة 104 كيلوطن في صحراء نيفادا. النتيجة كانت فوهة هائلة، لكن الكارثة كانت في الإشعاع الذي عرّض أكثر من 13 مليون أمريكي لجزيئات مشعة.
3. مشروع غازباغي (Project Gasbuggy)، أدى تفجير نيومكسيكو عام 1967 لاستخراج الغاز إلى جعل الغاز المستخرج مشعًا بدرجة خطيرة، مما جعله غير صالح للاستخدام.
4. قناة بنما الثانية (The Second Panama Canal)، كان المشروع الأكثر طموحًا لاستخدام مئات القنابل النووية لشق قناة جديدة، لكن معاهدة حظر التجارب النووية الجزئي لعام 1963 دفنت هذا المشروع إلى الأبد.
ثانياً: الموقف الباكستاني - هل تتحول "المظلة النووية" إلى سيف.
يشكل تصريح غينغريتش اختبارًا وجوديًا للاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين الرياض وإسلام آباد. فمنذ توقيع "اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي" (Strategic Mutual Defence Agreement) في سبتمبر 2025، يسود غموض متعمد حول ما إذا كانت باكستان قد مدّت مظلتها النووية لتشمل المملكة السعودية، التصريحات الرسمية كانت حادة ومربكة في آن واحد:
-تصريح باكستاني صادم، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف في مقابلة تلفزيونية، "ما لدينا، والقدرات التي نمتلكها، ستكون متاحة (للسعودية) بموجب هذه الاتفاقية" ،وهو تصريح فُهم على نطاق واسع بأنه تمديد صريح للردع النووي.
- غموض متعمد،في المقابل، سارع مسؤولون سعوديون وباكستانيون لاحقًا إلى القول إن الأسلحة النووية "ليست على الرادار"، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن الاتفاقية "تشمل جميع الوسائل العسكرية" .
في حال تنفيذ التفجيرات النووية الأمريكية المزمعة والمخطط لها لشق القناة، ستجد باكستان نفسها في مأزق استراتيجي غير مسبوق للأسباب التالية:
1. اختبار المصداقية، إذا لم ترد باكستان، فستفقد الاتفاقية مصداقيتها بالكامل، وستُقرّ عمليًا باستهداف حليفتها الكبرى. هذا سيهدد مكانتها كحامية للحرمين الشريفين، وهي ورقة سياسية كبرى في العالم الإسلامي .
2. الانجراف نحو المواجهة، من ناحية أخرى، الرد باي إجراء عسكري (خاصة نووي) سيدخل باكستان في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهي مواجهة لا تستطيع خوضها؛ قدراتها النووية مصممة أساسًا لردع الهند، وليس لخوض حرب استنزاف مع قوة عظمى . كما أن تحركًا كهذا قد يدفع إيران، التي تعتبر باكستان جارة لها، إلى إعادة تقييم تهديداتها وربما تسريع برنامجها النووي تحسبًا لأي دور باكستاني عدائي .
3. الانقسام الداخلي، القرار سيكون صراعًا بين العسكر (المتحمسين للدور الإقليمي) والسياسيين (الذين يدركون الكارثة الاقتصادية التي ستحل بالبلاد). في النهاية، التوقع الأرجح هو أن تلجأ باكستان إلى التصعيد الدبلوماسي والإدانة الشديدة، مع إبقاء الخيارات العسكرية طي الكتمان، محاولةً الحفاظ على توازن مستحيل بين الالتزام بحليفها والخوف من المواجهة.
ثالثاً: الموقف الروسي حارس نظام منع الانتشار المهدوم.
تصريحات المسؤولين الروس تعكس قلقًا عميقًا يتجاوز حدود الأزمة الراهنة. وزير الخارجية سيرغي لافروف، في تصريح له بتاريخ 16 مارس 2026، أعرب عن "قلق بالغ إزاء مصير نظام منع الانتشار النووي" على خلفية الأزمة في الخليج .
الموقف الروسي المحتمل سيكون متعدد الأبعاد:
-إدانة سياسية وقانونية، ستندد موسكو بشدة باستخدام الأسلحة النووية في أعمال هندسية، معتبرة إياه انتهاكًا صارخًا لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (حتى لو لم تكن الولايات المتحدة طرفًا فيها) ومبادئ القانون الدولي.
-استغلال الأزمة دبلوماسيًا، ستستخدم روسيا الكارثة لتعزيز روايتها بأن الهيمنة الأمريكية هي مصدر عدم الاستقرار العالمي. كما ستدفع باتجاه عقد جلسات طارئة في مجلس الأمن، حيث يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي مشروع قرار لا يلبي مصالحها.
-تحولات استراتيجية كبرى، كما حذر لافروف، فإن أي استخدام نووي سيدفع دولًا أخرى إلى التفكير جدياً في حيازة أسلحة نووية كـ"ضمانة وحيدة" لأمنها . هذا سيدمر نظام منع الانتشار الذي تعتبره روسيا (رغم انتقاداتها له) إطارًا للاستقرار،وستكون موسكو قلقة على حليفتها إيران، وأي تهديد لطهران سيقابل بردود فعل روسية قوية لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك التعاون النووي المدني مع إيران ودول الخليج .
رابعاً: الموقف الصيني - التوازن الصعب بين المصالح والمبادئ
الموقف الصيني، كما عبرت عنه المتحدثة باسم الخارجية ماو نينغ في الثالث من مارس 2026، يركز على عدة ثوابت هي :
-وقف التصعيد، دعت الصين مرارًا إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية واحتواء التداعيات، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة وأمن دول الخليج.
- الالتزام بالقانون الدولي، شددت على أن أي عمل عسكري يجب أن يكون بموجب تفويض من مجلس الأمن، وأن استخدام القوة بشكل عشوائي غير مقبول، وهو ما ينطبق مباشرة على فكرة التفجيرات النووية.
-حل دبلوماسي، تؤكد بكين على أن الملف النووي الإيراني يجب أن يُحل عبر الحوار.
في حال التنفيذ لهذا المشروع المخيف، ستواجه الصين موقفًا بالغ الصعوبة. فهي تعتمد على الخليج لاستيراد الطاقة، وأي كارثة نووية ستدمر مصالحها الاقتصادية. ستضطر إلى إدانة الفعل بشدة في المحافل الدولية، وقد تستخدم نفوذها الاقتصادي الهائل للضغط على واشنطن. لكن في الوقت نفسه، ستكون حذرة من التصعيد المباشر الذي قد يجرها إلى مواجهة لا تريدها؛ والتوقعات هو أن تقود الصين مع روسيا تحركًا دبلوماسيًا واسعًا في الأمم المتحدة لعزل الولايات المتحدة دوليًا وفرض عقوبات أو إجراءات تمنع تكرار السيناريو في حال حدوثه المستبعد أصلا .
خامساً: كارثة متعددة الأبعاد في الخليج العربي
بغض النظر عن الردود الدولية، فإن تنفيذ فكرة غينغريتش سيعني الاضرار التالية:
-كارثة بيئية وصحية، تلوث إشعاعي هائل سيمتد لعقود، مسممًا مياه الشرب بعد تحليتها، ومدمرًا الحياة البحرية، ومسببًا تشوهات خلقية وأمراضًا سرطانية لملايين البشر في المنطقة .
- كارثة اقتصادية،تدمير البنية التحتية للنفط والغاز، وتعطل الإمدادات العالمية، مما سيحدث صدمة اقتصادية عالمية تفوق بكثير أي أزمة نفط سابقة.
-كارثة سياسية وأمنية، هذا العمل سيشكل انتهاكًا صارخًا للمعاهدات الدولية، وسيُدخل المنطقة في حرب مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها، وقد يشرع الباب أمام أطراف أخرى لاستخدام أسلحة الدمار الشامل.
ختاما،ما صدر عن (نيوت غينغريتش)، ليس مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس لمرض سياسي وفكري عميق؛ إنه نموذج للعقلية التي تتعامل مع قضايا العالم المعقدة كأنها ألغاز هندسية يمكن حلها بالقوة الغاشمة. لذلك مشروع "المحراث النووي" أثبت فشله عمليًا وأخلاقيًا في الماضي. واليوم يعتبر إحياؤه في منطقة الخليج العربي هو دعوة صريحة لـ"حراثة" المنطقة برمتها بالقنابل الذرية، ليس لشق قناة، بل لحفر مقبرة جماعية للاستقرار العالمي.
اخيراً،في مثل هكذا سيناريو مرعب، ستجد باكستان نفسها أمام اختبار وجودي لمصداقيتها النووية، وستتحرك روسيا والصين ليس فقط دفاعًا عن مصالحهما، بل لحماية النظام الدولي من الانهيار الكامل؛ أخطر ما في السياسة الدولية ليس الأسلحة ذاتها، بل العقول المدمرة التي تفكر بهذه الطريقة الهمجية وتستخف بمصير البشرية رغم استحالة تنفيذ هذا المشروع الجنوني التدميري لمنطقة الشرق الأوسط.
المراجع
1. ICAN. (2026, February 23). Pakistan–Saudi Arabia: A mutual defence pact with nuclear shadows.
2. The National Interest. (2026, January 8). How the Saudi-Pakistan Defense Pact Could Destabilize the Middle East.
3. CGTN. (2026, March 3). China urges halt to military operations amid concern over Middle East spillover: Spokesperson.
4. Izvestia. (2026, March 16). Lavrov expressed concern about the fate of the nuclear non-proliferation regime.
5. CSIS. (2025, December 1). All Military Means? Pakistan, Saudi Arabia, and the Risks of Nuclear Ambiguity.
6. The National Interest. (2025, October 6). Why Riyadh Is Looking East for Security.
7. Daily Ittehad. (2026, March 4). China urges halt to strikes amid concern over Middle East spillover.
8. PIR Center. (2024, December 16). Prospects for Cooperation Between Russia and the Persian Gulf States in the Peaceful Use of Nuclear Energy.
9. Hindustan Times. (2025, September 19). What we have… : What Pakistan said on sharing nuclear program with Saudi Arabia.
10. Lokmat Times. (2026, March 4). Saudi-Pakistan defence agreement undermines global nuclear norms: Report.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟