عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 21:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في عالم المخابرات، توجد جواسيس عاديون، ثم توجد أساطير. لكن قصة "إزرائيل بير" تختلف عن أي قصة تجسس أخرى. إنها حكاية رجل لم يكن موجوداً أصلاً، استطاع أن يتسلل إلى قلب كيان لم يُولد بعد، وأن يخدع مؤسسه الأسطوري ديفيد بن غوريون، وأن يظل لغزاً محيراً لأجهزة الأمن الاسرائيلي حتى بعد اعتقاله وموته داخل الزنزانة.
أولاً : الولادة من العدم-كيف خلق عميل وجوده من لا شيء
في عام 1938، بينما كانت أوروبا ترزح تحت وطأة الاستعداد للحرب العالمية الثانية، وصل إلى فلسطين شاب يهودي نمساوي يحمل اسماً بسيطاً هو "إسرائيل بير". لكن ما حمله في جعبته لم يكن بسيطاً أبداً.
كانت سيرته الذاتية أشبه بحلم يقظته، أي قيادة تبحث عن الكفاءات، خصوصاً في تلك الفترة الحساسة التي كان فيها تأسيس الكيان الاسرائيلي في فلسطين حلماً يلوح في الأفق،يتوفر بير على الآتي:
-خريج الأكاديمية العسكرية النمساوية، تلك المؤسسة العريقة التي تخرج فيها كبار القادة العسكريين.
- بطل اشتراكي، قاتل بشجاعة في الحرب الأهلية الإسبانية ضد قوات الجنرال فرانكو.
-لاجئ يهودي يبحث عن وطن بديل في فلسطين المحتلة من طرف الانتداب البريطاني.
هذه التركيبة كانت مثالية لشخص يبحث عن وظيفة؛ فمن جهة، الخلفية العسكرية الأكاديمية تمنحه المصداقية. ومن جهة أخرى، النضال ضد الفاشية في إسبانيا يمنحه الهالة الثورية؛ والهوية اليهودية تمنحه الحق في الانتماء لمنظمات يهودية كانت تعمل سرا داخل فلسطين مثل الهاغاناه، واشترين والخ.
انضم فوراً إلى "الهاغاناه" (منظمة الدفاع اليهودية السرية). لم يسأل أحد عن تفاصيل حياته في النمسا، ولا عن الحرب الأهلية الإسبانية؛ كان الجميع منشغلين ببناء دولة، وكان "بير" يقدم نفسه كحجر بناء مثالي.
ثانيا: الصعود إلى القمة-العبقري الذي كاد أن يقود جيش دولة الاحتلال الاسرائيلي
بعد قيام دولة الاحتلال الاسرائيلي عام 1948 بناءا على قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة الذي يقر بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وكذلك إقامة ما يسمى باسرائيل، بدأت عبقرية المدعو/ "بير" العسكرية تتألق؛ كان يمتلك قدرة خارقة على التخطيط الاستراتيجي، وتحليل المعارك، ورسم الخرائط العسكرية؛ ترقى بسرعة البرق، حتى وصل إلى رتبة مقدم. كانت المناصب الكبرى تنتظر له:
-رئاسة الأركان للجيش الاسرائيلي، كان على بعد خطوة واحدة.
- رئاسة الاستخبارات العسكرية (أمان)، كان المرشح الأوفر حظاً.
لكن ولأسباب غامضة، قيل إنها صراعات سياسية داخلية بين القادة الإسرائيليين، أو ربما أوامر عليا من مشغليه الحقيقيين، ترك الخدمة العسكرية النشطة في عام 1950، لكنه لم يختفي، بل تغيرت طريقته.
ثالثاً : القفزة النوعية من ضابط إلى مؤرخ استراتيجي.
هنا تبدأ ذروة الاختراق. تحول "بير" من ضابط عسكري إلى "المؤرخ العسكري الأول" لدولة الكيان الاسرائيلي. أسس قسم التاريخ العسكري في جامعة تل أبيب، وأصبح أستاذاً جامعياً محترماً، ومحاضراً مطلوباً في الكليات العسكرية. لكن الخطر الحقيقي كان في علاقته مع "ديفيد بن غوريون"، لقد فتن رئيس الوزراء الأسطوري بذكاء "بير" وتحليلاته الثاقبة، لم يكن بن غوريون مجرد سياسي، بل كان استراتيجياً عسكرياً بامتياز، وقد وجد في "بير" روحاً توأم له تساعده في التحليل.
فماذا فعل بن غوريون، جعله مستشاره العسكري الشخصي، ثم وكّله بمهمة فوق سرية هي، كتابة التاريخ الرسمي المعتمد لحرب 1948.
هذا التكليف لم يكن شرفياً فقط، بل كان مفتاحاً لكل شيء، فقد منح "بير" تصريحاً مفتوحاً للوصول إلى:
-كل وثيقة في أرشيف وزارة الدفاع.
-كل أمر عسكري صدر في حرب 1948.
-كل خريطة رسمت للمعارك.
-كل تقرير استخباراتي دون في تلك الفترة.
ببساطة، أصبح "بير" يمتلك خزنة وثائق دولة الكيان الاسرائيلي، والمفتاح بيده.العسل السوفييتي متى تم تجنيده،حتى اليوم، لا أحد يعرف بالضبط متى تم تجنيد "بير" لصالح الاتحاد السوفييتي والـ KGB. هل كان منذ البداية في فيينا؛ أم أنه استُقطب داخل فلسطين، هذا اللغز لم يُحل قط.
لكن الأكيد أن المعلومات التي مررها إلى موسكو كانت بمثابة زلزال استراتيجي غيّر موازين القوة في ذروة الحرب الباردة بين العملاقين الاتحاد السوفييتي-والولايات المتحدة الأمريكية.
رابعاً : أعظم الإنجازات والأسرار التي سرقها بير للسوفييت
ما الذي قدمه "بير" لمشغليه السوفييت،حيث ان القائمة مرعبة وفيها التالي:
- خطة العدوان الثلاثي على مصر (حملة سيناء 1956)، امتلك "بير" التفاصيل الكاملة للتحركات العسكرية المشتركة بين الكيان الاسرائيلي وفرنسا وبريطانيا لضرب مصر. نقل هذه الخطط كاملة إلى السوفييت قبل الحرب بوقت كافٍ. هكذا، عرف السوفييت أكثر مما عرف حلفاء الناتو أنفسهم.
-أسرار حلف الناتو
بفضل علاقاته الدولية، سافر "بير" إلى أوروبا عدة مرات، والتقى بوزير الدفاع الألماني الغربي "فرانز جوزيف شتراوس". استطاع أن يحصل من شتراوس، ربما دون أن يدري الأخير على معلومات بالغة السرية عن البنية الدفاعية لحلف الناتو في أوروبا، ونقلها كاملة إلى الاتحاد السوفيتي.
أما حول مذكرات بن غوريون الشخصية
عثرت أجهزة الأمن لاحقاً، في شقة "بير"، على نسخ كاملة من المذكرات الشخصية واليوميات السرية لرئيس الوزراء بن غوريون؛ تلك اليوميات كانت تحتوي على أدق القرارات السياسية، وحتى النووية، للدولة؛ بفضل "بير"، كان السوفييت يقرؤون أفكار قائد دولة الكيان الاسرائيلي قبل أن ينفذها.
كذلك المشروع النووي الاسرائيلي، كان "بير" على اطلاع بالخطوات الأولى التي تخطوها دولة الاحتلال الاسرائيلي لتطوير منشأتها النووية بالتعاون مع فرنسا. هذه المعلومات كانت ثمينة للسوفييت في ذروة سباق التسلح النووي العالمي .
خامساً : المفارقة التاريخية لم يصدق عبد الناصر المعلومات السرية
واحدة من أغرب مفارقات القصة هي ما حدث مع خطة العدوان الثلاثي؛ عندما مرر "بير" الخطط إلى موسكو، قامت القيادة السوفييتية فوراً بتمرير هذه المعلومات إلى نظام الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة؛ لقد كان لدى مصر فرصة ذهبية للاستعداد للهجوم.
لكن المفارقة المذهلة هي أن القيادة العسكرية المصرية لم تصدق تلك التقارير؛ ظن القادة المصريون أن هذه الخطط "مفبركة" ومبالغ فيها؛ ربما كانت ثقتهم في الاستخبارات السوفييتية محدودة، أو ربما اعتقدوا أنها ورقة ضغط سياسي ضدهم.
النتيجة لم يأخذ الجيش المصري الاحتياطات الكافية في سيناء بالسرعة المطلوبة؛ وعندما وقع الهجوم بالفعل، فوجئ المصريون بالإنزال الفرنسي-البريطاني في بورسعيد وتقدم العدو في صحراء سيناء.
ورغم أن مصر استعادت هيبتها السياسية لاحقاً بفضل التدخل السوفييتي الذي أوقف العدوان، إلا أن الثمن العسكري كان كبيراً. وكان "بير" بدون أن يعرف عنه أحد ،هو المورد غير المباشر للمعلومات التي أنقذت نظام جمال عبد الناصر،والتي تجاهلها هو نفسه!
سادساً : السقوط-كيف تم اكتشاف الجاسوس
لا شيء يدوم إلى الأبد، حتى الاختراقات العظيمة؛ جهاز الأمن الداخلي "الشين بيت" بقيادة "إيسر هارين"، الثعلب الذي أشرف على خطف (أدولف آيخمان) من الأرجنتين، كان يراقب الأجواء السياسية بقلق متزايد.
-ما الذي كشف "بير"،كانت هناك أزمة عاطفية ومالية وقع فيها شخصياً الجاسوس المحترف، في أواخر الخمسينيات، انفصل "بير" عن زوجته وتعرف على (فتاة لعوب تعمل عاهرة)، ذات طلبات مادية باهظة تدعى "أورا"، أغرته الفتاة بالجنس،ثم أغرقته في الديون.
-سلوك غريب، بدأ "بير" يستدين بشكل جنوني، ويتصرف بطريقة لافتة للانتباه؛ الجواسيس العظماء يُقبض عليهم غالباً بسبب أخطاء بشرية صغيرة، لا بسبب براعة أجهزة الأمن.
-بدأ جهاز الأمن "الشين بيت" يضع (بير) تحت المراقبة اللصيقة؛ وفي ليلة 30 مارس 1961، رصدته المراقبة وهو يسير في أحد شوارع تل أبيب المظلمة، يحمل حقيبة جلدية ثقيلة؛ التقى برجل، سلمه الحقيبة، ثم عاد إلى منزله بدونها، ليعود لاحقاً ويستلمها فارغة.
تبين أن الرجل هو "فلاديمير سوكولوف"، ضابط مخابرات سوفييتي يعمل تحت غطاء دبلوماسي في السفارة الروسية داخل اسرائيل.
في الساعة الثانية من فجر 31 مارس 1961، طرقت قوة من "الشين بيت" والشرطة باب شقة "بير"؛ فتشوا المكان، وعثروا على جبل من الوثائق والمستندات العسكرية الحساسة.
وقع الخبر كالصاعقة على رأس رئيس الوزراء الاسرائيلي/بن غوريون؛ رفض في البداية تصديق أن مستشاره المؤتمن هو "أخطر جاسوس سوفييتي" في البلاد.
سابعاً : كشف المستور-الرجل الذي لم يكن له وجود حقيقي في اي مكان
أثناء التحقيق، حدثت المفاجأة التي جعلت المحققين الإسرائيليين يصابون بالذهول؛ عندما بدأت أجهزة الأمن تنبش في ماضي "بير" وتتواصل مع النمسا وأرشيف الحرب الإسبانية، تبينت الحقيقة الغريبة والمرعبة وهي لا يوجد شخص اسمه "إزرائيل بير" في السجلات النمساوية.
-الأكاديمية العسكرية النمساوية نفت تماماً أن يكون شخص بهذا الاسم درس فيها،كذلك قادة المقاتلين في إسبانيا أكدوا أنهم لم يسمعوا به قط. لكن الصدمة الأكبر كانت في السجن، عندما كشف الفحص الطبي للمتهم عن حقيقة مدمرة، اتضح انه غير مختون على الطريقة اليهودية، هذا يعني شيئاً واحداً لا يحتمل التأويل، لم يكن "بير" يهودياً على الإطلاق. لقد كان رجلاً شيوعياً نمساوياً، أو ربما روسياً خالصاً، تم زرعه بهوية يهودية مزيفة عام 1938، أي قبل تأسيس الكيان بعقد كامل. لقد اخترق "بير" الصفوف قبل أن تصبح صفوفاً، لقد تسلل إلى الحلم قبل أن يصبح واقعاً في إقامة دولة الاحتلال الاسرائيلي.
ثامناً : الموت بالصمت ثم ذهبت الأسرار إلى القبر
ورغم كل هذا، رفض "بير" طوال التحقيقات والمحاكمة أن يكشف اسمه الحقيقي أو الجهة التي صاغت شخصيته الوهمية،أصر على صمته الأسطوري. أُدين بتهمة الخيانة العظمى والتجسس، وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً. لكن القدر كان له رأي آخر. في 1 مايو 1966، توفي "إزرائيل بير" داخل سجن "شطا" إثر نوبة قلبية وربما تم قتله عمدا للتخلص منه قبل ان يالب الاتحاد السوفييتي بالإفراج عنه، أخذ معه أسراره إلى القبر. دُفن كجثة بلا ماضٍ حقيقي، بلا اسم، بلا هوية.
الخاتمة: الدروس المستفادة من أسطورة "الرجل الذي لم يكن معروف الأصل"،قصة إزرائيل بير، ليست مجرد حكاية تجسس مثيرة، بل هي درس في أمني يستفاد منه الآتي:
1. ضعف الأمن البشري أمام الاستخبارات الصبورة، أكثر من 20 عاماً من الاختراق دون أن يُكتشف.
2. سذاجة الثقة في السير الذاتية، كيف يمكن لشخص أن يخترق أعلى المستويات دون التحقق من أبسط تفاصيل هويته الشخصية.
3. قوة الصبر الاستراتيجي، "بير" ،لم يسرق وثائق ثم هرب، بل بنى سمعة لعقود قبل أن يبدأ بتسريب المعلومات الكبرى.
4. الحقيقة أغرب من الخيال،لو كُتبت هذه القصة كرواية، لاتُهم مؤلفها بالمبالغة؛إزرائيل بير هو واحد من أعمق وأخطر الاختراقات المخابراتية في القرن العشرين. إنه الرجل الذي لم يكن له وجود، لكنه غيَّر تاريخ منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟