عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 08:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة
منذ السابع من أكتوبر 2023، تبنت إسرائيل عقيدة أمنية جديدة تقوم على احتلال أراضٍ في الدول المجاورة لخلق ما تسميه "مناطق أمنية عازلة". هذه السياسة التي تشمل جنوب لبنان، وأجزاء واسعة من قطاع غزة، ومناطق في جنوب سوريا، يُروج لها على أنها ضرورة استراتيجية لمنع تكرار هجمات مثل هجوم طوفان الأقصى في السابع من اكتوبر2024, الذي كسر انف أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الورقة البحثية المتواضعة، هل تحقق هذه المناطق العازلة فعلاً أمناً لإسرائيل، في ظل استمرار وصول صواريخ حزب الله ومسيراته إلى العمق الإسرائيلي، ومقتل جنود الاحتلال داخل هذه المناطق ذاتها، وفي المستوطنات الشمالية الملاصقة للحدود اللبنانية.
السؤال الإشكالي
إذا كانت المناطق العازلة –التي احتلتها إسرائيل في لبنان وسوريا وغزة– تهدف إلى منع التهديدات الأمنية وإبعادها عن حدودها المصطنعة، فكيف نفسر استمرار سقوط الصواريخ والمسيرات على المستوطنات الشمالية والوسطى، بل ومقتل الجنود الإسرائيليين داخل هذه المناطق "المعقمة"؛ ألا يكشف هذا التناقض عن خلل استراتيجي جوهري في مفهوم "الردع بالمناطق العازلة" ذاته، ويُثبت أن الاحتلال لا يصنع أمناً، بل يصنع المزيد من التهديدات.
أولاً: طبيعة المناطق العازلة وأهدافها المعلنة
بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، تحولت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل جذري من "احتواء التهديدات" خلف الجدار العالي والتكنولوجيا، إلى "استباق التهديدات" عبر احتلال الأرض (مناطق عازلة ). وكما يقول البروفيسور /ناثان براون، من مؤسسة كارنيغي، "إسرائيل لم تعد تنتظر الهجوم ليأتي، بل ترى تهديداً ناشئاً فتهاجمه استباقياً".
امتدت المناطق العازلة الإسرائيلية عبر ثلاث جبهات منها التالي:
- قطاع غزة، تسيطر إسرائيل على حوالي 59% من مساحة القطاع، ومع إضافة المناطق المحظورة وشديدة الخطورة والخط الأصفر،تصل السيطرة إلى نحو 65% من مساحة القطاع.
-لبنان، أنشأت منطقة عازلة بعمق 5-10 كيلومترات باتجاه نهر الليطاني، تمثل حوالي 8% من مساحة لبنان.
-سوريا، امتدت السيطرة من قمة جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، منتهكة اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي/بنيامين نتنياهو ،لخص الموقف بقوله، "أقمنا أحزمة أمنية عميقة وراء حدودنا؛ في غزة أكثر من نصف مساحة القطاع، في سوريا من قمة الشيخ إلى اليرموك، وفي لبنان منطقة عازلة شاسعة تحبط خطر الغزو".
ثانياً : فشل المناطق العازلة في تحقيق الأمن – الأدلة الميدانية
على الرغم من هذه السيطرة الجغرافية الواسعة، تكشف الأدلة الميدانية عن فشل استراتيجي واضح:
أ. اختراق المسيرات والصواريخ للعمق الإسرائيلي
تكشف مصادر إسرائيلية أن حزب الله بدأ في إعادة بناء قدراته بوتيرة سريعة، مع تركيز خاص على الطائرات الانتحارية الرخيصة وصغيرة الحجم. هذه المسيرات مثل شاهد-101، التي "توضع في صندوق بحجم خزانة التلفاز"، قادرة على اختراق المجال الجوي الإسرائيلي بعمق دون اعتراض، وقد أثبتت فعاليتها في إحداث خسائر بشرية ومادية رغم رخص ثمنها. وحقيقة أن حزب الله دمر حوالي 70% من مخزونه من المسيرات، ومع ذلك يواصل إعادة بناء هذا المخزون، تكشف أن التهديد مستمر ولا علاقة له بالمناطق العازلة الفاشلة .
ب. مقتل الجنود في "المناطق المعقمة"
في يوليو 2025، نصب مقاتلو حماس كميناً لجنود إسرائيليين داخل منطقة بيت حانون –وهي جزء من المنطقة العازلة التي أخلتها إسرائيل من السكان في شمال غزة– مما أسفر عن مقتل خمسة جنود وإصابة 14 آخرين. هذا الهجوم وقع داخل "المنطقة الآمنة" المفترضة، مما يثبت أن الوجود العسكري على الأرض لا يعني السيطرة الحقيقية، بل يحول الجنود إلى أهداف ثابتة.
ثالثاً : اسباب فشل المناطق العازلة.
فشل المناطق العازلة ليس عارضاً، بل بنيوياً، للأسباب التالية:
1. طبيعة التهديد تغيرت، المناطق العازلة صُممت لمنع التسلل البري وإبعاد قذائف RPG التقليدية (مدى 5-10 كم)، لكن حزب الله وحركة حماس، يستخدمان صواريخ ومسيرات يصل مداها إلى مئات الكيلومترات. صاروخ مثل "بركان" البدائي، أو طائرة شاهد-101، يمكن إطلاقهما من عمق الأراضي اللبنانية بعيداً عن أي منطقة عازلة.
2. التكلفة غير المتماثلة،إسرائيل تنفق مليارات على احتلال وتحصين مناطق شاسعة، بينما يرد حزب الله بطائرات رخيصة الثمن تُنتج محلياً. "سعر طائرة شاهد-129 الواحدة يمكن أن يشتري حوالي 300 طائرة انتحارية صغيرة"، مما يجعل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي غير ذي جدوى أمام الكم والانتشار.
3. الجنود كأهداف، المنطقة العازلة تعني وجوداً عسكرياً دائماً ومكشوفاً. بدلاً من حماية الجنود خلف الحدود، أصبحوا يتمركزون في أراضٍ معادية، مما يحولهم إلى أهداف سهلة للكمائن والعبوات الناسفة. وكما يقول المحلل أوفر شيلح من معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، "كنا سنكون أفضل حالاً لو عدنا إلى الحدود الدولية مع الاحتفاظ بدفاع نشط متحرك خارج الحدود، دون وجود نقاط تفتيش هناك".
رابعاً : التكلفة الاستراتيجية للمناطق العازلة – "الحرب الأبدية"
يشير المحللون إلى أن سياسة المناطق العازلة تضع إسرائيل في حالة "حرب شبه دائمة"، أو ما يسميه البروفيسور ناثان براون "حرباً أبدية"؛ والثمن باهظ على عدة مستويات منها:
- الاستنزاف البشري، وجود قوات دائمة في جيوب معادية يرهق الجيش الإسرائيلي، الذي يعاني أصلاً من نقص في القوى البشرية.
-الاستنزاف الاقتصادي، تكاليف بناء وتحصين هذه المناطق، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية الاسرائيلية اليومية، تشكل عبئاً اقتصادياً هائلاً على ميزانية جيش الاحتلال.
-العزلة الدولية لاسرائيل، حيث تعتبر سياسة التدمير الممنهج للمنازل في جنوب لبنان التي وصفها وزير جيش الاحتلال /يسرائيل كاتس بـ"نموذج رفح وخان يونس في قطاع غزة"– تتعرض لإدانة قانونية دولية واسعة. خبير القانون الدولي عيران شامير-بورير يؤكد أن "التدمير الاسرائيلي الشامل للمنازل في جنوب لبنان دون تحليل فردي [للضرورة العسكرية] سيكون غير قانوني دولياً".
- غياب الأفق السياسي، كما حذرت افتتاحية سكرانتون تايمز-تريبيون، "كل هذه الانتصارات [التكتيكية] تخاطر بأن تؤدي إلى هزيمة استراتيجية لاسرائيل، القادة الإسرائيليين لم يترجموا الانتصارات التكتيكية إلى اتفاقات (دبلوماسية سياسية)، تحفظ أمن إسرائيل على المدى الطويل".
خامساً : نماذج واقتراحات – الطريق المسدود ومفاتيح الردع الفلسطيني واللبناني
أ-النموذج التاريخي الفاشل، سبق لإسرائيل أن جربت المناطق العازلة في جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، وانتهت بانسحاب أحادي الجانب تحت ضربات المقاومة بعد 18 عاماً من الاستنزاف، دون أن تحقق أمناً. العودة إلى النموذج نفسه اليوم تعني تكرار الفشل ذاته، ولكن بتكلفة أعلى بسبب تطور التكنولوجيا.
ب. مقومات إفشال المناطق العازلة واستراتيجيات الردع المضاد:
1. معضلة الانتشار والاستنزاف، المناطق العازلة تخلق وجوداً عسكرياً إسرائيلياً ثابتاً ومكشوفاً داخل أراضٍ معادية أو محتلة، مما يحوله إلى هدف دائم للعمليات النوعية والعبوات والكمائن. استمرار هذه العمليات، ولو بخسائر محدودة، يراكم ضغطاً سياسياً وعسكرياً يجعل البقاء في هذه المناطق غير مستدام على المدى البعيد، تماماً كما حدث في لبنان سابقاً.
2. إفشال نظرية "التعقيم" بصواريخ ومسيرات تتجاوز الجغرافيا، أثبتت صواريخ حزب الله وحماس ومسيراتهما أن مداها يتجاوز بكثير أي منطقة عازلة ممكنة. فالعمق الاستراتيجي الذي تسعى إسرائيل لخلقه عبر احتلال الأرض يفقده معناه، صاروخٌ يمكن إطلاقه من مسافة 100 كيلومتر ويصل إلى حيفا أو تل أبيب. استمرار استهداف المستوطنات والمواقع الحيوية من خلف المناطق العازلة يُظهر عبثية هذه السياسة ويكشف عجزها عن توفير الأمن الموعود.
3. ورقة الضغط السياسي والقانوني الدولي: سياسة التدمير الاسرائيلي الممنهج للمنازل والقرى اللبنانية ،لخلق "مناطق معقمة"،كما يحدث في جنوب لبنان وقطاع غزة، توثق انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني؛ توثيق هذه الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها قانونياً، كما في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، يشكل ضغطاً دبلوماسياً وقانونياً متصاعداً على إسرائيل ويعزلها دولياً.
4. المسار السياسي كخيار وحيد لإنهاء التهديد، أشار الرئيس اللبناني/ جوزيف عون، بوضوح إلى أن "وجود إسرائيل في النقاط المتنازع عليها يعطي حزب الله ذريعة للاحتفاظ بسلاحه". وهذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي يُنتج مبرر استمرار المقاومة، لا العكس. وعليه، فإن الطريق الوحيد لنزع الشرعية عن العمل المسلح هو إنهاء الاحتلال والانسحاب الكامل، لا توسيعه في جنوب لبنان.
ختاما،في التحليل النهائي، تكشف سياسة المناطق العازلة الإسرائيلية عن مأزق استراتيجي عميق، إنها تحاول معالجة أعراض المشكلة بدلاً من جذورها. المناطق العازلة لم تمنع المسيرات من اختراق المجال الجوي الإسرائيلي، ولم تحمِ الجنود الإسرائيليين من الكمائن داخل هذه المناطق ذاتها. بل إنها خلقت جبهات استنزاف جديدة، وأعطت مبررات إضافية لاستمرار المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وعمّقت العزلة القانونية لإسرائيل.
اخيراً،كما أثبتت تجربة جنوب لبنان السابقة، فإن احتلال الأرض وخلق مناطق عازلة لا يصنع أمناً لاسرائيل، بل يصنع المزيد من التهديدات الامنيه والعسكرية لها، والأمن الحقيقي لا يُبنى بـ"سياسة تعقيم" الأرض من سكانها، بل بإنهاء أسباب المقاومة وهو الاحتلال. وكل يوم تستمر فيه إسرائيل في هذه السياسة، هو يوم تُعمق فيه مأزقها الاستراتيجي، وتبتعد فيه أكثر عن الهدف الذي تدّعي السعي إليه عبر المناطق العازلة.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟