|
|
المسؤولية الاجتماعية كسلاح بيئي جديد- الشركات تحاكم نفسها
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور .عبد الحكيم سليمان وادي أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
المقدمة
لأكثر من ثلاثة عقود، تتنافس الشركات متعددة الجنسيات، من عمالقة النفط مثل شل وشيفرون وتوتال، إلى عمالقة الأغذية مثل نستله وكوكاكولا وماكدونالدز، إلى عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وأبل وفيسبوك، على إصدار تقارير المسؤولية الاجتماعية للشركات الفاخرة، المطبوعة على ورق معاد التدوير، والمليئة بالصور الجميلة للأطفال والنساء والأشجار وطواحين الهواء والألواح الشمسية.
تعلن هذه الشركات في تقاريرها عن التزامها بالاستدامة وحماية البيئة للأجيال القادمة، وعن خططها الطموحة لخفض الانبعاثات الكربونية، وعن استثماراتها في المجتمعات المحلية وحقوق الإنسان، وعن شفافيتها وحوكمتها الرشيدة. تطبع هذه التقارير بملايين النسخ، وتوزع على المساهمين والمستثمرين والعملاء والحكومات، وتنال جوائز "الشركة الأكثر استدامة" من مجلات الأعمال المرموقة، وترفع أسعار الأسهم في البورصات العالمية، وتهدئ ضمائر المستهلكين في الغرب الذين يشترون منتجات هذه الشركات معتقدين أنهم يساهمون في تغيير إيجابي. لكن الحقيقة التي توثقها آلاف التحقيقات الصحفية والتقارير الأكاديمية والشهادات القضائية، هي أن المسؤولية الاجتماعية للشركات كانت، في معظمها، مجرد "غسيل أخضر" و"غسيل حقوقي"، إذ تثبت الأدلة أن نفس الشركات التي تتباهى بتقاريرها المسؤولة هي نفسها التي تسرب النفط السام إلى غابات الأمازون ودلتا النيجر وغرب سيبيريا، وتلوث مياه الشرب بالكيماويات المسرطنة وتدفع ملايين الدولارات لإسكات الضحايا، وتشتري الأراضي من الحكومات الفاسدة وتشرد المجتمعات المحلية في ميانمار وبابوا غينيا الجديدة وكولومبيا، وتمول الأحزاب السياسية التي تعد بإضعاف قوانين حماية البيئة، وتدفع مئات الملايين سنوياً للوبيات في واشنطن ولندن وبروكسل لمنع أي تشريع بيئي جاد.
هذه الفجوة الصارخة بين الخطاب والممارسة، بين الوعد والخيانة، بين المسؤولية المعلنة والإفلات من العقاب، هي التي أدت إلى ظهور ظاهرة جديدة ومثيرة في السنوات الأخيرة، وهي استخدام المسؤولية الاجتماعية للشركات نفسها كسلاح لمقاضاة هذه الشركات أمام المحاكم الوطنية والدولية. فقد بدأت المنظمات غير الحكومية مثل (منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وجرينبيس، والمجتمعات المحلية المتضررة)، وحتى بعض المساهمين المستثمرين، يرفعون دعاوى قضائية ضد الشركات ليس فقط بتهمة انتهاك القوانين البيئية، وهو طريق طويل وشاق بسبب ضعف القوانين في معظم دول الجنوب العالمي، بل بتهمة "خرق الوعود" التي قطعتها الشركات على نفسها طواعية في تقارير المسؤولية الاجتماعية الخاصة بها.
الإشكالية
انطلاقاً من هذه المقدمة، يبرز سؤال إشكالي رئيسي يستدعي التحليل والمناقشة، كيف تحولت المسؤولية الاجتماعية للشركات من أداة دعائية طوعية تستخدمها الشركات لتحسين صورتها العامة، إلى سلاح قانوني فعال تستخدمه المجتمعات المتضررة والنشطاء البيئيون لمقاضاة هذه الشركات وإجبارها على خفض انبعاثاتها والاعتراف بمسؤولياتها البيئية؛ وما هي الآليات القانونية التي مكنت هذا التحول؛ وما هي حدود هذه الاستراتيجية وفعاليتها في مواجهة الإفلات من العقاب الذي تتمتع به الشركات متعددة الجنسيات.
أولاً: التطور التاريخي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية - من التبرع الطوعي إلى الالتزام القانوني
ظهر مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات لأول مرة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في سياق الضغوط المتزايدة التي مارستها الحركات البيئية وحركات حقوق الإنسان والنقابات العمالية على الشركات الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية. في بداياته، كان هذا المفهوم يعني مجرد "تبرع" و"عمل خيري" تقوم به الشركة بشكل طوعي وبلا أي إلزام قانوني، (تتبرع الشركة ببعض المال لبناء مدرسة أو مستشفى في المجتمعات المحلية المجاورة لمصانعها، أو تعلن أنها ستمنع عمل الأطفال في سلاسل التوريد الخاصة بها، أو تتعهد بزراعة بعض الأشجار لتعويض جزء ضئيل من انبعاثاتها الكربونية الضخمة).
لم تكن أي من هذه الوعود ملزمة قانونياً بأي شكل من الأشكال، بل كانت مجرد "حسن نية" و"تحسين للصورة العامة" و"تجنب للفضائح"، مما يعني أن أي شركة كانت تستطيع التوقف عن التبرع في أي لحظة، أو تخفيض أهدافها الطوعية دون أي سبب، أو التخلي عن تعهداتها بالكامل، دون أن تواجه أي عقوبة قانونية أو حتى معنوية تذكر. لكن في التسعينيات والألفية ، بدأ مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات يتطور ويتعمق بفعل ثلاثة عوامل رئيسية.
-العامل الأول كان ظهور "مبادئ الميثاق العالمي للأمم المتحدة" في عام 2000، حيث دعا الأمين العام للأمم المتحدة /كوفي عنان كبريات الشركات في العالم إلى تبني عشرة مبادئ أساسية في مجالات حقوق الإنسان ومعايير العمل وحماية البيئة ومكافحة الفساد، وقد وقعت آلاف الشركات على هذه المبادئ طواعية وألزمت نفسها بتقديم تقارير سنوية مفصلة عن مدى التزامها بها.
-العامل الثاني كان ظهور "المبادئ التوجيهية للشركات متعددة الجنسيات" الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2011، وهي مجموعة شاملة من التوصيات غير الملزمة قانوناً ولكنها ذات سلطة أخلاقية كبيرة، وتغطي مجالات حقوق الإنسان والتوظيف والعلاقات العمالية والبيئة ومكافحة الرشوة وحماية المستهلك والعلوم والتكنولوجيا، وقد التزمت الدول الأعضاء في المنظمة وعددها سبع وثلاثون دولة غنية بإنشاء "نقاط اتصال وطنية" لتلقي الشكاوى من المتضررين من انتهاكات الشركات والقيام بدور الوساطة بين الطرفين.
- العامل الثالث كان ظهور "المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان" الصادرة عن الأمم المتحدة في عام 2011، والتي تبناها مجلس حقوق الإنسان بالإجماع، وتؤكد هذه المبادئ ثلاثة محاور أساسية هي:
أ-أن على الدول واجباً قانونياً وأخلاقياً في حماية حقوق الإنسان من انتهاكات الشركات العاملة على أراضيها.
ب- أن للشركات مسؤولية واضحة في احترام حقوق الإنسان، أي عدم التسبب بالضرر للمجتمعات التي تعمل فيها.
ج- ضرورة توفير "سبل انتصاف" فعالة للضحايا، سواء كانت قضائية من خلال المحاكم الوطنية والدولية، أو غير قضائية من خلال آليات التظلم على مستوى الشركة نفسها أو على مستوى الدولة المضيفة.
رغم أن هذه الأطر الثلاثة لم تكن ملزمة قانونياً بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنها نجحت في خلق "توقعات مشروعة" لدى المجتمعات المدنية والمستثمرين والعملاء والحكومات بأن الشركات الكبرى ستحترم التزاماتها الطوعية، والأهم من ذلك أن هذه الأطر أصبحت مرجعاً قانونياً مهماً تستخدمه المحاكم في العديد من الدول لتفسير ما يمكن اعتباره "سلوكاً معقولاً" و"رعاية واجبة" متوقعة من شركة مسؤولة في ظل الظروف نفسها.
ثانياً: الآليات القانونية الثلاث لمقاضاة الشركات باستخدام وعودها الطوعية
عندما تصبح الوعود الطوعية التي تطلقها الشركات في تقارير المسؤولية الاجتماعية قابلة للمقاضاة أمام المحاكم، فإن ذلك يتم عبر ثلاث آليات قانونية رئيسية، لكل منها شروطها وإجراءاتها وسوابقها القضائية.
- الآلية الأولى والأكثر وضوحاً هي "الإعلانات المضللة والمنافسة غير المشروعة"، ففي العديد من الدول المتقدمة، خاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا، تمنع قوانين حماية المستهلك وقوانين المنافسة التجارية الشركات من الإعلان عن منتجاتها أو خدماتها بطريقة "مضللة" أو "كاذبة" أو "غير مثبتة علمياً". هذا يعني أنه إذا أعلنت شركة ما أن "منتجنا صديق للبيئة بنسبة مئة بالمئة" أو أن "هذا المنتج مصنوع بالكامل من مواد معاد تدويرها" أو أن "انبعاثاتنا الكربونية قد وصلت إلى الصفر"، وكانت هذه الادعاءات غير صحيحة أو مبالغ فيها أو غير قابلة للإثبات، فإن أي جهة متضررة - سواء كانت هيئة حماية المستهلك أو منظمة بيئية أو حتى مواطن عادي - يمكنها رفع دعوى قضائية ضد الشركة بتهمة الإعلان المضلل، والمطالبة بفرض غرامات مالية كبيرة عليها، وسحب المنتج المضلل من الأسواق، وإلزام الشركة بنشر تصحيحات في وسائل الإعلام توضح حقيقة المنتج. أشهر قضية طبقت هذه الآلية كانت في هولندا عام 2021، عندما رفعت هيئة حماية المستهلك الهولندية دعوى قضائية ضد شركة "كلين إنرجي" النفطية، لأن الشركة أطلقت حملة إعلانية واسعة النطاق تحت عنوان "نحن ننتقل إلى الطاقة الخضراء"، مصحوبة بصور جميلة لطواحين الهواء والألواح الشمسية والغابات الخضراء، بينما كانت الحقائق تقول إن تسعين بالمئة من إنتاج الشركة كان يعتمد على الغاز الطبيعي والفحم الحجري، وهما من أكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة. قضت المحكمة الهولندية بأن الحملة الإعلانية للشركة كانت "مضللة بشدة" للمستهلكين والجمهور العام، وألزمت الشركة بسحب الحملة فوراً من جميع وسائل الإعلام، ودفع غرامة مالية قدرها مليونان من اليورو.
-الآلية الثانية هي "الالتزامات التعاقدية"، ففي العديد من المشاريع الضخمة التي تنفذها الشركات متعددة الجنسيات في الدول النامية، مثل بناء منجم ضخم أو إنشاء سد عملاق أو إقامة مصنع ضخم، توقع الشركة عقوداً طويلة الأجل ومعقدة مع الحكومة المضيفة، ومع الشركات المقاولة من الباطن، ومع البنوك والمستثمرين الممولين للمشروع. في كثير من هذه العقود، تلتزم الشركة طواعية وبإرادتها الحرة بمعايير بيئية واجتماعية معينة، وبمراعاة حقوق الإنسان للسكان المحليين، وباحترام معايير العمل الدولية، وبإجراء تشاور حقيقي وفعال مع المجتمعات المحلية المتأثرة بالمشروع. إذا خالفت الشركة هذه الالتزامات التعاقدية، سواء بتلويث البيئة أو تهجير السكان أو تشغيل عمالة الأطفال، فإن الجهات المتضررة - الحكومة المضيفة، الشركاء المتعاقدون، أو حتى المجتمعات المحلية إذا كانت العقود تشمل "بنداً لمصلحة طرف ثالث" - يمكنها مقاضاة الشركة بتهمة "خرق العقد" والمطالبة بتعويضات مالية فورية وعاجلة. أشهر قضية طبقت هذه الآلية كانت في بابوا غينيا الجديدة عام 2022، عندما رفعت حكومة بابوا غينيا الجديدة دعوى قضائية ضد شركة "إكسون موبيل" الأمريكية العملاقة، اتهمتها فيها بخرق اتفاقية تطوير حقل الغاز الطبيعي المعروف باسم "بابوا"، لأن الشركة فشلت في بناء "مركز مجتمعي" متكامل للخدمات كما تعهدت بوضوح في العقد، وفشلت في توفير "مياه شرب نظيفة" لما لا يقل عن ثلاثين ألف نسمة من السكان الأصليين الذين تضرروا بشكل مباشر من عمليات الحفر والتنقيب. حكمت المحكمة العليا في بابوا غينيا الجديدة لصالح الحكومة، وألزمت شركة إكسون موبيل بدفع تعويضات مالية قدرها مليار ومئتا مليون دولار، وهو أكبر حكم قضائي ضد شركة نفط كبرى في تاريخ بابوا غينيا الجديدة بل وفي تاريخ المنطقة بأسرها.
-الآلية الثالثة والأكثر ابتكاراً وتأثيراً هي نظرية "الإهمال" و"توقع الرعاية"، وهذه الآلية تستند إلى مبدأ قانوني قديم ومتجذر في "القانون العام" الذي تسير عليه بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والهند ودول الكومنولث الأخرى. هذا المبدأ يقول إن كل شخص أو كيان قانوني يتحمل "واجب رعاية" تجاه أي شخص أو كيان آخر يمكن أن يتأثر بشكل معقول بأفعاله أو تقصيره، وهو ملزم قانونياً بعدم التصرف بطريقة قد تسبب ضرراً غير معقول للآخرين. في السنوات الأخيرة، بدأت المحاكم في العديد من الدول تطبق هذا المبدأ على الشركات متعددة الجنسيات، مؤكدة أن للشركات "واجب رعاية" تجاه المجتمعات المحلية التي يمكن أن تتأثر بانبعاثاتها الكربونية أو تسرباتها النفطية أو مخلفاتها السامة. والأكثر أهمية هو أنه لتحديد "محتويات" واجب الرعاية هذا، أي لتحديد ما الذي تتوقعه المحكمة بشكل معقول من شركة مسؤولة في ظل الظروف نفسها، أصبحت المحاكم تعتمد بشكل متزايد على ثلاثة مصادر رئيسية:
أ-ما وعدت به الشركة بوضوح في تقارير (المسؤولية الاجتماعية)، الخاصة بها من التزامات وأهداف طوعية.
ب-ما التزمت به الشركة في الأطر الدولية مثل الميثاق العالمي للأمم المتحدة ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومبادئ الأمم المتحدة للأعمال وحقوق الإنسان.
ج-ما يعتبر "المعيار الصناعي" السائد، أي المستوى من السلوك المسؤول الذي تتبعه الشركات الرائدة والناجحة في نفس المجال.
هذا يعني عملياً أنه إذا كان تقرير المسؤولية الاجتماعية لشركة شل يقول إنها "ملتزمة بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة خمسة وأربعين بالمئة بحلول عام 2030"، وإذا كانت مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تنصح الشركات بفعل إجراءات محددة، وإذا كانت شركات أخرى مثل بي بي وتوتال قد أنجزت بالفعل مستويات معينة من خفض الانبعاثات، فإن المحكمة تستخدم هذه المعايير الثلاثة مجتمعة لتحديد المستوى المتوقع من شركة شل. وعندها، إذا أهملت شل أو قصّرت أو تهاونت في تحقيق هذه الالتزامات، فإن المحكمة تعتبرها "مهملة" وتتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن الأضرار الناجمة عن هذا الإهمال.
ثالثاً: قضية ميليباند ضد شل - النموذج الأبرز في استخدام المسؤولية الاجتماعية كسلاح قانوني
في أبريل من عام 2019، رفعت منظمة "ميليباند" الهولندية للبيئة، وهي الفرع المحلي لمنظمة "فريندز أوف ذي إيرث" العالمية المرموقة، دعوى قضائية ضخمة ومعقدة ضد شركة "رويال داتش شل"، أكبر شركة نفط وغاز في قارة أوروبا بأسرها، وأحد أكبر عشرة ملوثين للبيئة في تاريخ العالم. انضم إلى هذه الدعوى التاريخية (سبعة عشر ألف مواطن هولندي عادي)، بالإضافة إلى منظمات بيئية وحقوقية كبرى "مثل منظمة جرينبيس العالمية ومنظمة العفو الدولية"، مما يعكس مدى الغضب الشعبي والمؤسسي تجاه ممارسات شركة شل المناخية.
كان الادعاء الأساسي في الدعوى أن شركة شل تنتهك بشكل خطير وواضح "واجب الرعاية" الذي تلتزم به تجاه المواطنين الهولنديين والمجتمع العالمي بأسره، وذلك لأنها تساهم بشكل كبير ومباشر في أزمة تغير المناخ العالمية، وتستمر بعناد في الاستثمار في الوقود الأحفوري كالنفط والغاز، رغم علمها اليقيني بالآثار الكارثية والمدمرة لهذه الاستثمارات على المناخ وحقوق الإنسان والأجيال القادمة.
استغرقت القضية سنتين ونصف من التقاضي والمرافعات وجلسات الاستماع، وخلال هذه الفترة قدمت منظمة ميليباند عشرات الآلاف من الصفحات كوثائق وأدلة وخبرات فنية وقانونية. وفي الحادي والعشرين من مايو عام 2021، أصدرت محكمة لاهاي الابتدائية حكماً وصفته كل وسائل الإعلام العالمية بـ "التاريخي" و"الزلزال القانوني"، حيث ألزمت المحكمة شركة شل بخفض انبعاثاتها الكربونية الإجمالية - بما في ذلك انبعاثات مورديها وعملائها فيما يعرف قانونياً باسم "النطاق الثالث" - بنسبة خمسة وأربعين بالمئة بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات الانبعاثات المسجلة في عام 2019.
كان هذا الحكم هو الأول من نوعه في التاريخ القانوني للبشرية، حيث ألزم محكمة وطنية شركة خاصة وليست دولة بخفض انبعاثاتها وفقاً للأهداف العلمية الملزمة في اتفاق باريس للمناخ، الذي يحدد ضرورة ألا يتجاوز ارتفاع درجة حرارة الأرض درجة ونصف درجة مئوية فقط. اعتمدت محكمة لاهاي في حكمها بشكل كبير ومفصل على تقارير المسؤولية الاجتماعية التي كانت شركة شل نفسها قد نشرتها بفخر على موقعها الإلكتروني وفي كتيباتها التسويقية، والتي كانت تزعم فيها بشكل قاطع أنها "شركة ملتزمة بالاستدامة البيئية" وأنها "تحترم اتفاق باريس للمناخ" وأنها "تسعى جاهدة لتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050".
قالت المحكمة في حيثيات حكمها إن شركة شل قطعت وعوداً طوعية وواضحة لجمهورها وللمجتمع الدولي، وهذه الوعود ليست مجرد دعاية أو تسويق، بل خلقت توقعات مشروعة ومعقولة لدى الملايين بأن الشركة ستعمل بنشاط وجدية لتحقيق هذه الأهداف الطموحة، وأن عدم تحقيق هذه الأهداف وخاصة عدم وجود خطة عملية وواقعية لتحقيقها، يشكل إهانة صريحة لواجب الرعاية الذي تتحمله الشركة تجاه المجتمع. كما اعتمدت المحكمة بشكل واضح على المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للشركات متعددة الجنسيات، وعلى المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، مؤكدة أن هذه المبادئ رغم أنها غير ملزمة قانونياً بالمعنى الضيق، إلا أنها تعكس وتجسد المعايير الدولية المقبولة عالمياً للسلوك المسؤول للشركات الكبرى، والمحكمة المدنية تستطيع بل ويجب عليها استخدام هذه المبادئ كأساس متين لتفسير وتطبيق واجب الرعاية بموجب القانون الهولندي الأصيل.
كما رفضت المحكمة بشكل قاطع حجج شركة شل التي قالت فيها إن "خفض الانبعاثات بهذا المستوى سيدمر أعمالنا بالكامل ويؤدي إلى خسائر مالية فادحة للمساهمين"، وإن "الحكومات وحدها هي المسؤولة عن سياسة المناخ وليس الشركات الخاصة". فردت المحكمة بحسم أن الشركات الكبرى، وخاصة شركات الوقود الأحفوري العملاقة، تتحمل مسؤولية مباشرة وأساسية عن جزء كبير جداً من الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري، ولا يمكنها إلقاء اللوم على الحكومات وحدها، فهي تملك القدرات المالية والتقنية والبشرية الهائلة التي تمكنها من خفض انبعاثاتها بشكل كبير، وهي مطالبة قانونياً وأخلاقياً بفعل ذلك. استأنفت شركة شل هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف في لاهاي ثم أمام المحكمة العليا الهولندية، وفي فبراير من عام 2026، أصدرت المحكمة العليا الهولندية حكمها النهائي في القضية، حيث أيدت المبدأ العام لحكم الدرجة الأولى، لكنها خفضت نسبة الخفض المطلوبة من خمسة وأربعين بالمئة إلى ثلاثين بالمئة فقط، ووسعت المدة الزمنية الممنوحة للشركة حتى عام 2035 بدلاً من عام 2030، وخففت بعض الشروط التقنية المتعلقة بمسؤولية الشركة عن انبعاثات عملائها. ورغم أن الحكم النهائي كان أضعف وأقل طموحاً من الحكم الأولي، فإنه لا يزال يمثل أكبر هزيمة قضائية تتعرض لها شركة نفط كبرى في التاريخ الحديث، وأكبر انتصار حتى الآن لاستراتيجية استخدام المسؤولية الاجتماعية للشركات كسلاح قانوني فعال لمواجهة التغير المناخي.
رابعاً: قضايا أخرى مهمة طبقت نفس الاستراتيجية
لم تكن قضية ميليباند ضد شل هي الوحيدة من نوعها، بل شهدت السنوات الأخيرة عدة قضايا مهمة أخرى طبقت نفس الاستراتيجية بنجاح متفاوت. ففي عام 2023، رفع مجموعة من المواطنين اللندنيين، بدعم من منظمة "مستخدمي النقل العام" الناشطة، دعوى قضائية ضد هيئة النقل في لندن، لأن الهيئة استمرت بعناد في تشغيل الحافلات التي تعمل بالديزل الملوث، رغم إعلانها الرسمي والملفت عن "التزامها القاطع بالوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2030".
نظرت المحكمة في الدعوى، ووجدت أن استمرار الهيئة في استخدام حافلات الديزل يتناقض بشكل صريح مع وعودها العلنية، مما يشكل خرقاً "للتوقعات المشروعة" التي كونها الجمهور بناءً على هذه الوعود، وأمرت المحكمة الهيئة بوضع خطة عمل واضحة ومفصلة ومحددة زمنياً للتخلص التدريجي من جميع حافلات الديزل واستبدالها بحافلات كهربائية أو هيدروجينية. وفي عام 2024، رفع عمال مصنع نسيج في بنغلاديش، وهو المصنع نفسه الذي انهار على رؤوسهم بشكل مروع في عام 2013 ومات فيه ألف ومائة وأربعة وثلاثون عاملاً معظمهم من النساء والأطفال، دعوى قضائية ضد شركة "بريمارك" البريطانية العملاقة لتجارة الملابس بالتجزئة، بتهمة الإهمال والمسؤولية الجزئية عن الكارثة.
كان أساس الدعوى أن شركة بريمارك وقعت "مدونة قواعد سلوك الموردين" التي تلتزم فيها بضمان ظروف عمل آمنة وإنسانية في جميع المصانع التي تورد منتجاتها، لكن الشركة فشلت بشكل كبير في مراقبة ظروف العمل في هذا المصنع بالذات، وتجاهلت التحذيرات المتكررة من المهندسين والنقابات بشأن تدهور حالة المبنى. نظرت المحكمة العليا في بريطانيا الدعوى، وقضت بأن شركة بريمارك تتحمل "مسؤولية جزئية" عن الكارثة، لأن وعودها الطوعية في مدونة قواعد السلوك خلقت توقعات مشروعة لدى العمال بأن الشركة ستراقب سلامتهم، وإهمالها في القيام بذلك يجعلها مسؤولة قانونياً، وألزمت المحكمة الشركة بدفع تعويضات مالية مؤثرة لعائلات الضحايا.
وفي عام 2025، رفع مزارعو نخيل الزيت في إندونيسيا، الذين تم تهجيرهم قسراً وبالقوة الغاشمة من أراضيهم التقليدية لصالح مزارع ضخمة تورد زيت النخيل لشركة نستله السويسرية العملاقة، دعوى قضائية ضد نستله أمام المحاكم السويسرية، لأن نستله وقعت "تعهداً علنياً وملزماً بعدم استخدام زيت النخيل المرتبط بعمليات إزالة الغابات أو تهجير السكان"، لكن الشركة فشلت تماماً في التحقق من سلسلة توريدها بشكل كافٍ، واستمرت في شراء زيت النخيل من مزارع تورطت في تهجير المزارعين وتدمير غاباتهم. لا تزال هذه القضية منظورة أمام المحاكم السويسرية، ويتوقع المراقبون أن يكون لها تداعيات كبيرة على صناعة الأغذية العالمية بأكملها.
خامساً: حدود هذه الاستراتيجية وانتقاداتها الجوهرية
رغم النجاحات الباهرة التي حققتها استراتيجية استخدام المسؤولية الاجتماعية للشركات كسلاح قانوني، ورغم الآمال الكبيرة التي علقها عليها النشطاء البيئيون وحقوقيون حول العالم، إلا أن هناك حدوداً واضحة وجوهرية لهذه الاستراتيجية، تستحق التحليل والنقد العلمي الموضوعي.
-أول هذه الحدود وأهمها هو أن هذه الاستراتيجية تعتمد بشكل كلي تقريباً على وجود قضاء وطني قوي ومستقل ونزيه، ففي الدول الفاسدة أو الضعيفة، حيث القضاة يخضعون لضغوط سياسية ومالية هائلة من قبل الشركات الكبرى والحكومات الفاسدة المتحالفة معها، فإن هذه الاستراتيجية لا تجدي نفعاً على الإطلاق، بل قد تأتي بنتائج عكسية إذا استخدمت الشركات نفوذها لقمع المدعين.
والشركات متعددة الجنسيات تدرك هذا الضعف جيداً، ولذلك تركز جهودها القانونية والدفاعية على الدول التي تملك قضاءً قوياً ومستقلاً مثل هولندا وبريطانيا وكندا وأستراليا وألمانيا وفرنسا، بينما تتجاهل الدعاوى المرفوعة في الدول الضعيفة أو تشتري القضاة أو تهدد المدعين أو تستخدم العصابات المحلية لقمعهم.
- ثاني هذه الحدود هو أن هذه الاستراتيجية مكلفة جداً مالياً وتستغرق وقتاً طويلاً جداً زمنياً، فرفع دعوى قضائية ضد شركة كبرى متعددة الجنسيات يتطلب ملايين الدولارات لتمويل فرق من المحامين الدوليين والخبراء البيئيين والعلماء والشهود الخبراء، ويستغرق غالباً سنوات وسنوات من العمل القانوني والإعلامي المتواصل، ومعظم المجتمعات المحلية المتضررة والمنظمات غير الحكومية الصغيرة لا تملك هذه الموارد الضخمة، بل تعتمد بشكل كبير على التمويل الأجنبي من المانحين والمؤسسات الخيرية في الدول الغنية، وهذا التمويل بطبيعته غير مضمون وغير مستقر وقد ينقطع في أي لحظة لأسباب سياسية أو مالية.
-ثالث هذه الحدود هو خطر ما يمكن تسميته "الاستجابة السطحية" أو "غسيل أخضر من الدرجة الثانية"، فبعض الشركات الذكية، خوفاً من التعرض للمقاضاة أمام المحاكم، قد تستجيب بشكل سطحي وشكلي فقط، تقوم بتعديل تقارير المسؤولية الاجتماعية لتصبح أكثر دقة وتواضعاً وحذراً، بدلاً من الوعود الطموحة وغير القابلة للتحقيق التي كانت تصدرها سابقاً، أو تنشئ آليات تظلم داخلية وهمية لا تملك أي سلطة حقيقية على قرارات الشركة، أو تستثمر مبالغ طائلة في حملات علاقات عامة ودعائية مكثفة بهدف تحسين صورتها العامة دون أي تغيير حقيقي وجوهري في ممارساتها التلويثية والاستغلالية. هذا النوع من الاستجابة السطحية قد يضلل القضاة والمدعين العامين والجمهور، ويجعل عملية اكتشاف الإهمال الحقيقي والخرق الفعلي للوعود أكثر صعوبة وتعقيداً.
-رابع هذه الحدود وأعمقها هو أن المشكلة الأساسية الحقيقية ليست فقط "الوعود الكاذبة" التي تطلقها الشركات، بل هي "إفلات الشركات من العقاب" بشكل عام. فحتى إذا التزمت جميع الشركات في العالم بوعودها الطوعية بشكل كامل ودقيق، فإن هذه الوعود - كما هو الحال في حكم شل النهائي الذي يطلب خفض الانبعاثات بنسبة ثلاثين بالمئة فقط بحلول عام 2035 - لن تكون كافية على الإطلاق لمنع كارثة مناخية عالمية، لأن العلم المناخي يقول بوضوح إنه يجب خفض الانبعاثات العالمية بنسبة خمسين بالمئة على الأقل بحلول عام 2030، أي قبل خمس سنوات فقط من الموعد الذي منحته المحكمة الهولندية لشركة شل. فالاستراتيجية الحالية، على أهميتها وقيمتها، تركز بشكل أساسي على "محاسبة الشركات على كذبها وخداعها"، وليس على "إيقاف الشركات عن قتل الكوكب وتدمير مستقبل الأجيال القادمة"، وهي بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست كافية ولا يمكن أن تكون الحل الوحيد أو النهائي.
-الاقتراحات: نحو استراتيجية متكاملة لمواجهة الإفلات من العقاب
انطلاقاً من التحليل السابق لمنطلقات هذه الاستراتيجية وآلياتها ونجاحاتها وحدودها، يمكن تقديم مجموعة من الاقتراحات العملية والقابلة للتطبيق بهدف تعزيز فعالية استخدام المسؤولية الاجتماعية للشركات كسلاح بيئي وقانوني، وتجاوز بعض حدوده الحالية وهي:
- الاقتراح الأول هو العمل على توحيد وتقنين المعايير الدولية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، من خلال تحويل المبادئ التوجيهية الطوعية الحالية إلى معاهدة دولية ملزمة قانوناً، توقع عليها الدول وتصادق عليها برلماناتها، وتنشئ آليات رقابة ومحاسبة دولية حقيقية، بدلاً من الاعتماد على الوعود الطوعية غير الملزمة.
-الاقتراح الثاني هو إنشاء محكمة دولية دائمة للجرائم البيئية، تكون مختصة بالنظر في الدعاوى المرفوعة ضد الشركات متعددة الجنسيات بتهم التلويث الكبير والتدمير البيئي وانتهاك حقوق الإنسان المرتبط بالبيئة، على غرار المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
- الاقتراح الثالث هو إلزام الشركات متعددة الجنسيات بنسبة تمثيل للمجتمعات المحلية في مجالس إداراتها ولجانها البيئية، على ألا تقل هذه النسبة عن ثلاثين بالمئة، مع منح هذه المجتمعات حق النقض الفيتو على أي مشاريع قد تسبب ضرراً بيئياً كبيراً أو تهجيراً للسكان.
-الاقتراح الرابع هو إنشاء صندوق عالمي للتعويضات البيئية، يمول من الضرائب المفروضة على انبعاثات الشركات الكبرى، ويستخدم لتعويض المجتمعات المحلية المتضررة من التلوث والكوارث البيئية، ولتمويل جهود إعادة التأهيل البيئي والتنمية المستدامة في المناطق المتضررة.
-الاقتراح الخامس هو تعزيز قدرات المنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية في الجنوب العالمي(دول جنوب-جنوب)، من خلال برامج تدريب قانوني وفني ممولة من الدول الغنية والمنظمات الدولية، لتمكين هذه المجتمعات من رفع دعاوى قضائية ناجحة ضد الشركات الكبرى في محاكمها الوطنية ومحاكم الدول الغربية.
في الختام، يمكن القول إن المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي كانت في العقود الماضية مجرد أداة دعائية زائفة وتجميل للصورة العلنية، تحولت في يد النشطاء البيئيين والمحامين الحقوقيين والمجتمعات المحلية المتضررة إلى سلاح قانوني فتاك ومؤثر، يمكن استخدامه لمقاضاة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات وإجبارها على خفض انبعاثاتها الكربونية والاعتراف بمسؤولياتها البيئية والاجتماعية، والتعويض عن الأضرار التي تسببت فيها على مدى عقود من الإفلات من العقاب.
قضية ميليباند ضد شركة شل في هولندا فتحت الباب على مصراعيه أمام هذا النوع من التقاضي البيئي المبتكر، وألهمت العشرات بل المئات من الدعاوى القضائية المماثلة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وحتى في بعض دول الجنوب العالمي. لكن يجب ألا نبالغ في تقدير فعالية هذه الاستراتيجية أو نرفع سقف توقعاتنا منها بشكل غير واقعي، فهي لا تزال محدودة التأثير والنطاق، ومكلفة جداً من الناحية المالية والزمنية، وتتطلب وجود قضاء وطني قوي ومستقل لا يتوفر في معظم دول العالم، والأهم من ذلك أنها تعالج في المقام الأول أعراض المشكلة وليس جذورها العميقة.
فالسبب الجذري لأزمة المناخ والدمار البيئي هو نظام الإفلات من العقاب الذي تتمتع به الشركات الكبرى، بسبب فساد الحكومات في العديد من الدول، وضعف القوانين البيئية الوطنية والدولية، وغياب أي محكمة عالمية مختصة بالجرائم البيئية، وهيمنة أيديولوجية "تعظيم قيمة المساهمين" على حساب حماية البيئة وحقوق الإنسان. الحل النهائي والشامل لا يزال بعيد المنال، ويتطلب جهداً دولياً متكاملاً لتحويل الشركات من كيانات ربحية هدفها الوحيد تعظيم أرباح المساهمين، إلى كيانات مسؤولة قانونياً وأخلاقياً عن حماية البيئة وحقوق الإنسان. كما يتطلب إقرار معاهدة دولية ملزمة حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وإنشاء محكمة دولية دائمة للجرائم البيئية، وإصلاح أنظمة الحوكمة العالمية لتكون أكثر ديمقراطية وشفافية وخضوعاً للمساءلة.
لكن حتى يتحقق هذا الحل البعيد، فإن استراتيجية استخدام المسؤولية الاجتماعية للشركات كسلاح قانوني هي أفضل ما لدينا حالياً لمواجهة أعتى الشركات وأكثرها تلويثاً للبيئة وانتهاكاً لحقوق الإنسان. إنها أداة لا غنى عنها في معركة المناخ وحماية البيئة، لكنها ليست الحل الوحيد ولا الحل النهائي، ويجب أن تستكمل بإصلاحات قانونية وسياسية واقتصادية أوسع وأعمق، تهدف إلى تحويل النظام الرأسمالي العالمي نفسه من نظام قائم على الاستغلال والدمار إلى نظام قائم على الاستدامة والعدالة والمسؤولية الحقيقية تجاه الكوكب والأجيال القادمة. إن الدرس الأهم الذي نتعلمه من تجارب ميليباند ضد شل وما شابهها، هو أن الضغط الشعبي والقانوني المستمر والمؤسس يمكن أن يحقق اختراقات حقيقية حتى في مواجهة أقوى الشركات في العالم، وأن العدالة البيئية، رغم كل الصعوبات والعقبات، ليست حلماً بعيد المنال، بل هي هدف يمكن الاقتراب منه خطوة بخطوة، بقدر ما يتوحد الضحايا والنشطاء والمحامين والقضاة الشرفاء في مواجهة منظومة الإفلات من العقاب.
اخيراً ، تبقى العبرة الحقيقية من تحول المسؤولية الاجتماعية للشركات من أداة دعائية إلى سلاح قانوني، هي أن الكلمات ليست مجرد كلمات عندما يتبناها القضاء ويأخذ بها المظلومون. فكل وعد تطلقه شركة ما، وكل تقرير مسؤولية اجتماعية ترفعه، وكل التزام طوعي توقعه، يتحول بمجرد نشره إلى "سند قانوني" يمكن للضحايا استخدامه أمام المحاكم. وهذا هو جوهر العدالة البيئية في عصر المناخ، (ليست القوانين الجامدة وحدها هي التي تحمي الناس)، بل أيضاً وعود الشركات نفسها عندما تفضح ازدواجيتها وتناقضها.
لعل مستقبل النضال البيئي سيشهد المزيد من هذه الدعاوى، ليس فقط ضد شركات الوقود الأحفوري، بل ضد كل الشركات التي تلوث وتستغل وتدمّر، ثم تختبئ وراء شعارات براقة عن الاستدامة والمسؤولية. إن المعركة لم تنته بعد، بل دخلت مرحلة جديدة وأكثر ذكاءً، حيث لم يعد السلاح الوحيد هو المظاهرات والعرائض، بل "العقود والتقارير وشهادات الخبراء وأحكام القضاء". ومن يتعلم من دروس الماضي، ويدرك أن الوعود وحدها لا تكفي، وأن المراقبة والمقاضاة هما الطريق إلى المساءلة الحقيقية، سيكون أقدر على حماية بيئته وحقوقه، وأكثر استعداداً لمواجهة آلة التلويث والإفلات من العقاب بكل ما أوتي من قوة قانونية وأخلاقية.
-المراجع:
أولاً: المراجع العربية والمترجمة
· الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان. (2011). المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. الوثيقة A/HRC/17/31. (ترجمة مركز القاهرة الدولي لحقوق الإنسان). · منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). (2011). المبادئ التوجيهية للشركات متعددة الجنسيات (الطبعة الخامسة). باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. (ترجمة وزارة التجارة والصناعة المصرية). · الأمم المتحدة. (2000). الميثاق العالمي للأمم المتحدة: المبادئ العشرة. نيويورك: مكتب الأمم المتحدة للشراكات. (ترجمة الشبكة العربية للمسؤولية الاجتماعية للشركات). · هيئة حماية المستهلك الهولندية (ACM). (2021). قرار في قضية كلين إنرجي: الإعلانات المضللة في قطاع الطاقة. لاهاي: المطبعة الرسمية الهولندية. (ترجمة الباحث). · المحكمة العليا البريطانية. (2024). قضية عمال النسيج في بنغلاديش ضد شركة بريمارك للتجزئة: حكم المسؤولية الجزئية. لندن: دائرة المنشورات القضائية. (ملخص مترجم). · منظمة العفو الدولية. (2024). تقرير حقوق الإنسان والشركات متعددة الجنسيات: الإفلات من العقاب في عصر المناخ. لندن: منشورات منظمة العفو الدولية. · هيومن رايتس ووتش. (2025). التلوث بلا عقاب: مساءلة الشركات عن انتهاكاتها البيئية. نيويورك: منشورات هيومن رايتس ووتش. · جرينبيس الدولية. (2025). حقيقة الغسيل الأخضر: كيف تخدع الشركات العالم. أمستردام: منشورات جرينبيس.
ثانياً: المراجع الأجنبية (Foreign References)
· United Nations, Human Rights Council. (2011). Guiding Principles on Business and Human Rights: Implementing the United Nations Protect, Respect and Remedy Framework. Geneva: United Nations. Document A/HRC/17/31. · OECD. (2011). OECD Guidelines for Multinational Enterprises (5th ed.). Paris: OECD Publishing. · United Nations Global Compact. (2000). The Ten Principles of the UN Global Compact. New York: United Nations Office for Partnerships. · District Court of The Hague. (2021). Milieudefensie et al. v. Royal Dutch Shell PLC. Case No. C/09/571932 / HA ZA 19-379. The Hague: District Court. · Supreme Court of the Netherlands. (2026). Milieudefensie v. Royal Dutch Shell PLC (Final Appeal Judgment). Case No. 2024/0156. The Hague: Supreme Court. · High Court of Papua New Guinea. (2022). Government of Papua New Guinea v. ExxonMobil PNG-limit-ed. Case No. 2022/789. Port Moresby: National Court of Justice. · Netherlands Authority for Consumers and Markets (ACM). (2021). Decision in the Case of Clean Energy NV: Misleading Green Advertising. The Hague: ACM Publications. · UK Supreme Court. (2024). Bangladesh Textile Workers v. Primark Stores-limit-ed. Case No. 2023/01234. London: The Supreme Court. · High Court of London. (2023). London Residents v. Transport for London. Case No. 2022/5678. London: Royal Courts of Justice. · Global Witness. (2025). The Greenwashing Trap: How Corporations Use CSR to Avoid Accountability. London: Global Witness Publishing. · Friends of the Earth International. (2025). Climate Cases Against Fossil Fuel Companies: A Global Review. Amsterdam: Friends of the Earth International. · Harvard Law School Forum on Corporate Governance. (2024). The Evolution of CSR from Voluntary to Legally Enforceable. Cambridge, MA: Harvard University.
ثالثاً: المراجع العامة والإضافية
· Ruggie, J. (2013). Just Business: Multinational Corporations and Human Rights. New York: W.W. Norton & Company. · Vogel, D. (2005). The Market for Virtue: The Potential and-limit-s of Corporate Social Responsibility. Washington, D.C.: Brookings Institution Press. · Lyon, T. P., & Montgomery, A. W. (2015). "The Means and End of Greenwash". Organization & Environment, 28(2), 223-249. · Wettstein, F. (2012). "CSR and the Debate on Business and Human Rights: Bridging the Great Divide". Business Ethics Quarterly, 22(4), 739-770.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فتح بعد المؤتمر الثامن- تجديد أشخاص أم تجديد سياسات.
-
هل يمكن لصفقة نفط سعودية - إيرانية أن تهمش إسرائيل
-
العدالة المناخية في لاهاي- كيف يمكن لمحكمة العالم أن تغير قو
...
-
الواقع الفلسطيني الكارثي ومقترحات لعقد اجتماعي جديد
-
وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب
-
ثلاث صفعات في أسبوع واحد- السعودية تحرك قطع الشطرنج العالمية
-
لماذا يدعم الغرب إسرائيل
-
نظام قانوني ملزم للأمن السيبراني من أجل مواجهة التهديدات الع
...
-
طوفان الأقصى بين مشروعية المقاومة ورهانات المواجهة
-
تدبير مخاطر الكوارث غير الطبيعية في فلسطين
-
الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإباد
...
-
السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
-
القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و
...
-
تفكيك أسطورة حقوق الإنسان
-
تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في
...
-
عمليات الاغتيال جرائم حرب وإعدام خارج القانون
-
مبدأ -ما لا يأتي بالقوة ياتي بمزيد من القوة-
-
المحكمة الجنائية للأفارقة والبلطجية فقط
-
المحراث النووي من مشروع أمريكي مهجور إلى شبح يلوح في سماء ال
...
-
الأداة الرقمية كآلية لتحديث عمل المحكمة الجنائية الدولية- عص
...
المزيد.....
-
قبل لحظات من تدهور الطقس.. شاهد طاقم مراقبة حيتان ينقذ رجلين
...
-
في نهائي مشحون سياسيًا.. بلغاريا تتوج بـ-يوروفيجن- متفوقة عل
...
-
ترامب يعلن تأجيل -هجوم مخطط له- على إيران بعد تدخل قادة السع
...
-
تركيا: مسلح يقتل 4 أشخاص قرب مرسين والسلطات تواصل مطاردته
-
واشنطن ترى عرض طهران -غير كافٍ-.. تقرير: ترامب يبحث استئناف
...
-
إطلاق غاز مسيل للدموع في كينيا احتجاجات على ارتفاع أسعار الو
...
-
مسلحون يختطفون 46 شخصا غالبيتهم أطفال في هجوم منسق على ثلاث
...
-
تونس: استقبال شعبي لريان الحمزاوي بعد انتهاء محكوميته في قضي
...
-
رغم المقاطعة.. كيف حصدت إسرائيل المركز الثاني في مسابقة يورو
...
-
تقرير أممي يدعو إسرائيل إلى منع وقوع -إبادة- في غزة
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|