أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب















المزيد.....

وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 12:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة

في شهر نوفمبر من عام 2021، شهدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لحظة تاريخية، حين اعتمدت الدول الأعضاء بالإجماع أول إطار عالمي شامل حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تحت عنوان "توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي". لم تكن هذه مجرد وثيقة أخرى من وثائق الأمم المتحدة الناعمة، بل كانت بمثابة إعلان مبادئ دستوري يحاول تنظيم العلاقة المتسارعة بين البشر والآلات الذكية. فمع تسارع وتيرة تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتغلغلها في كل تفاصيل الحياة اليومية من التعليم والصحة إلى القضاء والأمن، برزت مخاوف حقيقية من أن تتجاوز هذه التقنيات الحدود الأخلاقية والقانونية، وأن تتحول إلى أدوات للتمييز والمراقبة الجماعية وانتهاك الحقوق الأساسية. ومن هنا جاءت توصية اليونسكو لتضع خطوطاً حمراء أخلاقية، وتحدد قيمًا عالمية يجب أن تراعيها جميع الدول في تطوير واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. غير أن السؤال الأكبر يبقى مفتوحاً، هل هذه التوصيات، رغم قوتها الأخلاقية، كافية لضبط سلوك الدول والشركات العملاقة المطورة للذكاء الاصطناعي، أم أنها تبقى مجرد أمنيات طيبة في غياب آليات رادعة للإلزام والتنفيذ.

السؤال الإشكالي

في ظل التبني العالمي الواسع لتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتوقيع جميع الدول الأعضاء على المبادئ العشرة الكبرى الواردة فيها، يبرز سؤال إشكالي حول الجدوى الفعلية لهذه التوصيات في مواجهة التحديات الأخلاقية المتسارعة. فهل يمكن اعتبار هذه التوصية مجرد وثيقة سياسية غير ملزمة قانوناً، أم أنها تمثل نقلة نوعية نحو تقنين أخلاقي للذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي قد يتحول إلى قانون دولي عرفي ملزم مع مرور الزمن؛ وإذا كانت التوصية قد نجحت في وضع المبادئ العامة، فكيف يمكن ترجمتها إلى تشريعات وطنية ملزمة في بلدان تتباين فيها القيم الثقافية والدينية والقانونية؛ ومن المسؤول عن إنفاذ هذه المبادئ في عالم لا توجد فيه سلطة دولية مركزية لمراقبة أخلاقيات الخوارزميات؛ وأخيراً، هل تستطيع اليونسكو، بصلاحياتها المحدودة وميزانيتها المتواضعة، أن تكون الحارس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في مواجهة عمالقة التكنولوجيا الذين تتجاوز ميزانيات بعضهم ميزانيات دول بأكملها.

أولاً: التوصية التاريخية لليونسكو 2021: المبادئ والمحتوى والأهداف

تمثل توصية اليونسكو لعام 2021 نقلة نوعية في تاريخ تنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، وذلك لعدة اعتبارات جوهرية منها:

أ-أنها المرة الأولى التي تتفق فيها دول العالم، بمختلف أنظمتها الثقافية والقانونية والدينية، على وثيقة واحدة تتناول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وهذا الإجماع العالمي يعطي التوصية وزناً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن تجاهله، حتى لو كانت تفتقر إلى الإلزام القانوني المباشر.

ب-أن التوصية تستند إلى قيم إنسانية عالمية، مثل كرامة الإنسان، وحماية حقوق الإنسان الأساسية، واحترام الخصوصية، ومنع التمييز، وتعزيز التنوع الثقافي، مما يجعلها مقبولة لدى مختلف الثقافات.

ج-أن التوصية لم تكتف بالمبادئ العامة، بل ذهبت إلى تفصيلات دقيقة، حيث حددت أحد عشر مجالاً (11 نوع )للعمل يجب على الدول التركيز عليها، من بينها تقييم الأثر الأخلاقي للذكاء الاصطناعي قبل تطبيقه، وضمان الشفافية وقابلية التفسير في أنظمة الذكاء الاصطناعي، ووضع آليات للمساءلة عن الأضرار التي تسببها هذه الأنظمة، وتعزيز التنوع والشمولية في فرق تطوير الذكاء الاصطناعي. وأخيراً، أن التوصية تؤكد على مبدأ "السيادة التقنية" للدول، وهو مبدأ مستحدث يعني أن لكل دولة الحق في تطوير سياساتها الوطنية للذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع قيمها الثقافية والدينية، بشرط ألا تنتهك هذه السياسات المبادئ الأخلاقية الأساسية الواردة في التوصية. وقد جاء هذا المبدأ ليطمئن الدول غير الغربية التي كانت تخشى من فرض قيم غربية عليها تحت غطاء "الأخلاق العالمية".

ثانياً: القيمة القانونية لتوصيات اليونسكو بين الإلزام والإرشاد

أحد أهم الإشكاليات القانونية التي أثارتها توصية اليونسكو هو الجدل حول قوتها الإلزامية. فمن المعروف في القانون الدولي أن "التوصيات" الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة المتخصصة تعتبر بشكل عام من "القانون الناعم"، أي أنها غير ملزمة قانوناً للدول بالمعنى الذي تكون فيه المعاهدات والاتفاقيات الدولية ملزمة. ولكن هناك ثلاث حجج قانونية قوية يمكن أن ترفع من شأن هذه التوصية وتقربها من الإلزام.

-الحجة الأولى هي الإجماع، فالتوصية تبنت بالإجماع من قبل جميع الدول الأعضاء في اليونسكو والبالغ عددها 193 دولة، وهذا الإجماع النادر يعني أن هناك إرادة سياسية دولية لا يمكن تجاهلها، وأي دولة تخالف مبادئ التوصية ستتعرض لضغوط سياسية وأخلاقية كبيرة.

-الحجة الثانية هي التطور، فبعض القواعد القانونية الدولية بدأت حياتها كتوصيات غير ملزمة ثم تحولت مع مرور الوقت وممارسة الدول إلى قواعد عرفية ملزمة، وإذا استمرت الدول في الالتزام بمبادئ هذه التوصية لسنوات، فقد تتحول إلى قانون دولي عرفي.

-الحجة الثالثة هي التكامل، فالتوصية لا تأتي من فراغ قانوني، بل تستند إلى مجموعة من الصكوك الدولية الملزمة أصلاً، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات مناهضة التمييز العنصري. وبالتالي، يمكن القول إن انتهاك بعض مبادئ التوصية قد يشكل انتهاكاً غير مباشر لصكوك دولية ملزمة. ومع ذلك، يبقى الواقع أن التوصية في صورتها الحالية تفتقر إلى آليات الإلزام والجزاء، فلا توجد محكمة تختص بالنظر في انتهاك مبادئها، ولا عقوبات محددة لمن يخالفها، وهذا يضعف من فعاليتها بشكل كبير، ويجعل تطبيقها مرهوناً بحسن نية الدول والشركات.

ثالثاً: مجالات التركيز الرئيسية لتوصية اليونسكو ونماذج تطبيقية عالمية

حددت توصية اليونسكو أربعة مجالات رئيسية تشكل أولويات العمل على مستوى العالم، ولكل مجال نماذج تطبيقية يمكن الاستفادة منها.

-المجال الأول هو "حماية البيانات والخصوصية"، حيث أوصت التوصية بضرورة تطوير قوانين وطنية تحمي بيانات الأفراد من الاستغلال من قبل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإلزام هذه الأنظمة بالحصول على موافقة صريحة ومسبقة قبل جمع أي بيانات شخصية. وقد طبقت دول الاتحاد الأوروبي هذا المبدأ بشكل صارم من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات، التي تفرض غرامات مالية ضخمة على الشركات المخالفة، وهو نموذج يمكن أن تحتذيه دول أخرى.

- المجال الثاني هو "منع التمييز والتحيز الخوارزمي"، حيث أوصت التوصية بضرورة أن تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي لاختبارات دورية للتأكد من أنها لا تمارس أي شكل من أشكال التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو الأصل. وفي هذا السياق، أجبرت هيئات حماية المستهلك في الولايات المتحدة شركة آبل على تغيير خوارزمياتها التي كانت تعطي بطاقات ائتمانية بحدود أقل للنساء مقارنة بالرجال، رغم تماثل أوضاعهن المالية، وذلك بعد أن ثبت تحيز الخوارزمية.

-المجال الثالث هو "الشفافية وقابلية التفسير"، حيث أوضحت التوصية أن المستخدمين لهم الحق في معرفة كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تؤثر على حياتهم، ولماذا اتخذت قراراً معيناً بحقهم. وقد طبق الاتحاد الأوروبي هذا المبدأ من خلال قانون الخدمات الرقمية، الذي ألزم منصات التواصل الاجتماعي بتفسير سبب حذف محتوى معين أو إغلاق حساب مستخدم معين، بدلاً من الاكتفاء بإبلاغ المستخدم بالقرار دون أسباب.

- المجال الرابع هو "الإشراف البشري"، حيث أكدت التوصية على مبدأ أن القرارات المصيرية التي تؤثر على حياة البشر، مثل القرارات الطبية والقضائية والعسكرية، يجب أن يبقى للإنسان الكلمة الأخيرة فيها، ولا يمكن تركها بالكامل للآلات.

رابعاً: تحديات تطبيق توصية اليونسكو على المستوى الوطني في المجال المحفوظ

رغم الإجماع الدولي على المبادئ العامة التي تضمنتها توصية اليونسكو، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يصطدم بعقبات حقيقية على المستوى الوطني، يمكن إجمالها في خمسة تحديات رئيسية هي:

- التحدي الأول هو التباين الثقافي والقيمي بين دول العالم. فما يعتبر تمييزاً غير أخلاقي في ثقافة قد يكون أمراً طبيعياً أو مقبولاً في ثقافة أخرى. وما يعتبر شفافية مطلوبة في نظام قانوني قد يعتبر انتهاكاً للأسرار التجارية في نظام آخر. وقد أدركت اليونسكو هذا التحدي مسبقاً، ولهذا تركت للدول هامشاً من المرونة في تفسير المبادئ وتطبيقها وفقاً لظروفها الوطنية، بشرط عدم الانزلاق إلى انتهاك الحقوق الأساسية.

-التحدي الثاني هو ضعف القدرات التقنية والقانونية في الدول النامية. فرقابة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تتطلب خبراء تقنيين وقانونيين على مستوى عالٍ من التدريب، وتتطلب بنية تحتية تقنية متطورة، وهذا غير متوفر في العديد من الدول النامية التي تواجه أصلاً أولويات تنموية أكثر إلحاحاً كالصحة والتعليم.

- التحدي الثالث هو سيطرة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات على تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي. فمعظم أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في العالم يتم تطويرها من قبل شركات في الولايات المتحدة والصين، وهذه الشركات ليست ملزمة مباشرة بتوصية اليونسكو، لأنها موجهة للدول وليس للشركات. ويمكن للدول أن تلزم هذه الشركات بالقواعد التي تضعها في تشريعاتها الوطنية، لكن الشركات لديها قدرة على المناورة من خلال نقل عملياتها إلى دول ذات تشريعات أقل صرامة.

-التحدي الرابع هو سرعة تطور التكنولوجيا مقارنة ببطء إجراءات وضع القوانين. فتوصية اليونسكو نفسها، رغم حداثتها، بدأت بالفعل تتجاوزها التطورات التقنية. فعندما صدرت التوصية لم يكن ChatGPT قد انتشر بعد، ولم تكن تقنيات التزييف العميق قد وصلت إلى المستوى الحالي من الدقة، مما يعني أن التوصية تحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة الابتكارات الجديدة.

- التحدي الخامس هو غياب آليات رقابة دولية فعالة. فالتوصية لم تنشئ هيئة دولية مستقلة للإشراف على تنفيذها، وتركت الأمر كله للدول، وهذا يعني أن الدول التي لا تريد الامتثال قد تفعل ما تشاء دون خوف من عقوبات حقيقية.

خامساً: نماذج رائدة في تطبيق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني

على الرغم من كل التحديات السابقة، إلا أن هناك نماذج وطنية رائدة يمكن أن تكون مصدر إلهام لدول أخرى في تطبيق توصية اليونسكو منها التالي:

-النموذج الأول هو نموذج الاتحاد الأوروبي، الذي لم ينتظر التوصية الدولية بل سبقها بقانون شامل للذكاء الاصطناعي هو أول قانون من نوعه في العالم. صنف هذا القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لمستوى المخاطر التي تشكلها، من مخاطر غير مقبولة تماماً (مثل أنظمة التسجيل الاجتماعي التي تستخدمها بعض الدول للمراقبة الجماعية) إلى مخاطر محدودة، ووضع التزامات تتناسب مع كل فئة.

كما أن القانون فرض غرامات تصل إلى 30 مليون يورو أو 6% من الإيرادات العالمية للشركة المخالفة، وهو ما يجعل الامتثال خياراً اقتصادياً لا أخلاقياً فقط.

-النموذج الثاني هو نموذج كندا، التي أنشأت توجيهاً إلزامياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام. كل وكالة حكومية تريد استخدام نظام ذكاء اصطناعي في خدماتها يجب أن تقدم تقريراً مسبقاً عن تقييم الأثر الأخلاقي، بما في ذلك تحليل كيفية تأثير النظام على حقوق الإنسان والخصوصية، وكيفية معالجة أي تحيز محتمل في الخوارزمية، ويكون التقرير متاحاً للجمهور، مما يخلق شفافية ومساءلة اجتماعية.

- النموذج الثالث هو نموذج اليابان، التي تبنت نهجاً مختلفاً يعتمد على "المبادئ التوجيهية المرنة" بدلاً من التشريعات الصارمة، وذلك لتشجيع الابتكار وعدم إثقال الشركات الناشئة بالأعباء القانونية. وهذا النموذج يتماشى مع فلسفة اليابان الثقافية التي تميل إلى الاعتماد على الأعراف الاجتماعية أكثر من القوانين الصارمة، لكنه يخاطر بعدم وجود رادع حقيقي للممارسات غير الأخلاقية.

-النموذج الرابع فهو نموذج الإمارات العربية المتحدة، التي كانت أول دولة في المنطقة تتبنى مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بشكل رسمي، من خلال إطلاق "ميثاق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، الذي التزمت به جميع الجهات الحكومية والشركات المتعاقدة معها، وألزمتها بالشفافية وعدم التمييز واحترام الخصوصية.

سادساً: اقتراحات لتطوير توصية اليونسكو وتعزيز فعاليتها

انطلاقاً من التحليل السابق للتحديات والإشكاليات التي تواجه تطبيق توصية اليونسكو، يمكن تقديم مجموعة من الاقتراحات العملية لتطويرها على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

- الاقتراح الاول والعاجل،هو أن تبدأ اليونسكو في إصدار "تفسيرات رسمية" للتوصية بشكل دوري، كل ستة أشهر، لمواكبة التطورات التكنولوجية السريعة والبرامج الجديدة، وهذه التفسيرات تصدرها لجنة دولية متخصصة من خبراء القانون والأخلاقيات والتقنية، وتكون بمثابة دليل إرشادي للدول والشركات حول كيفية تطبيق المبادئ العامة للحالات الجديدة والمستجدة.

- الاقتراح الثاني هو إنشاء آلية دولية "للتبليغ عن انتهاكات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، تكون بوابة إلكترونية تتيح لأي فرد أو منظمة غير حكومية الإبلاغ عن انتهاكات محتملة للتوصية، وتقوم اليونسكو بدراسة هذه البلاغات وإصدار تقارير علنية عنها، مما يخلق ضغطاً أخلاقياً وإعلامياً على الدول والشركات المخالفة.

-الاقتراح الثالث هو إدراج "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" كشرط أساسي في أي مشروع بحثي أو تنموي ممول من الأمم المتحدة أو منظماتها المتخصصة، بحيث لا تحصل أي جهة على تمويل دولي إلا بعد تقديم خطة واضحة لكيفية التزامها بمبادئ التوصية، مما يحول الالتزام الأخلاقي إلى شرط مالي ملزم.

- الاقتراح الرابع هو إنشاء منصة عالمية لتبادل أفضل الممارسات والتشريعات الوطنية في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تستضيفها اليونسكو وتكون متاحة مجاناً لجميع الدول، وتحتوي على بنك من نماذج القوانين والسياسات الوطنية التي يمكن للدول الاقتباس منها وتعديلها وفقاً لظروفها، مما يقلل الجهد والوقت اللازمين لصياغة تشريعات وطنية متوافقة مع التوصية.

- الاقتراح الخامس والأكثر طموحاً هو البدء في مفاوضات لتحويل التوصية إلى (اتفاقية دولية ملزمة)، خلال السنوات العشر القادمة، وذلك من خلال عقد مؤتمر دولي للأمم المتحدة مخصص فقط لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تكون مخرجاته معاهدة تتضمن آليات للإلزام والجزاء والمراقبة، أسوة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أو اتفاقية مناهضة التعذيب.

خاتمة

في ختام هذا التحليل، يمكن القول إن توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تمثل خطوة عملاقة في الاتجاه الصحيح، بل هي بمثابة البوصلة الأخلاقية التي يحتاجها العالم في خضم الثورة الرقمية المتسارعة. فلأول مرة في التاريخ، اتفقت دول العالم، بمختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والدينية، على مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي يجب أن تحكم تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي، من كرامة الإنسان وعدم التمييز إلى الشفافية والمساءلة والإشراف البشري. هذا الإجماع بحد ذاته يمثل إنجازاً دبلوماسياً هائلاً لا يمكن الاستهانة به. ولكن، وكما يقال، الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة.

التوصية في صورتها الحالية تعاني من إشكاليات جوهرية تتعلق بعدم الإلزام القانوني، وضعف آليات الرقابة، وصعوبة الترجمة إلى تشريعات وطنية في ظل التباين الثقافي والتناقض في المصالح الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب. وإذا لم نعالج هذه الإشكاليات بسرعة، فإننا نخاطر بأن تتحول هذه الوثيقة الجميلة إلى مجرد قطع ورق في أدراج البيروقراطيين، بينما تستمر شركات التكنولوجيا العملاقة في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قد تهدد حقوق الإنسان الأساسية دون أي رقيب.

خلاصة القول، أن التوصية تحتاج إلى روح ثانية، تحتاج إلى آليات تنفيذ حازمة، تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية من الدول الكبرى، التي تملك ناصية التكنولوجيا وقادرة على فرض معاييرها على العالم؛ فبدون هذه الإرادة، ستبقى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي حبيسة النظريات والأمنيات، ولن نتمكن أبداً من بناء مستقبل تكنولوجي يحترم الإنسان ويخدمه، بدلاً من أن يستعبده ويتحكم فيه.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثلاث صفعات في أسبوع واحد- السعودية تحرك قطع الشطرنج العالمية
- لماذا يدعم الغرب إسرائيل
- نظام قانوني ملزم للأمن السيبراني من أجل مواجهة التهديدات الع ...
- طوفان الأقصى بين مشروعية المقاومة ورهانات المواجهة
- تدبير مخاطر الكوارث غير الطبيعية في فلسطين
- الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإباد ...
- السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
- القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و ...
- تفكيك أسطورة حقوق الإنسان
- تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في ...
- عمليات الاغتيال جرائم حرب وإعدام خارج القانون
- مبدأ -ما لا يأتي بالقوة ياتي بمزيد من القوة-
- المحكمة الجنائية للأفارقة والبلطجية فقط
- المحراث النووي من مشروع أمريكي مهجور إلى شبح يلوح في سماء ال ...
- الأداة الرقمية كآلية لتحديث عمل المحكمة الجنائية الدولية- عص ...
- مساحة -رد الفعل- بدل -الفعل- في النظام الدولي الحديث
- التحولات الاستراتيجية في الفكر السياسي الفلسطيني بعد طوفان ا ...
- القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب
- التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع
- جريمة العصر بنك الجلود الإسرائيلي من جثامين الشهداء الفلسطين ...


المزيد.....




- تبدّل مكاسب روسيا -المنهكة- في أوكرانيا.. هل بدأت كييف بقلب ...
- السعودية.. الأمن يعلن ضبط 7 وافدين ويكشف ما فعلوه بمركز -مسا ...
- يتجاوز مضيق هرمز.. الإمارات تبني خط أنابيب نفطيا جديدا لزياد ...
- في المجلات: هل فعلا دمر ترامب الترسانة النووية لإيران ؟
- في المجلات: هل فعلا دمر ترامب الترسانة النووية لإيران ؟
- المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض تؤكد تفشي فيروس إيبولا في ...
- ترامب يعلن إبرام -اتفاقات تجارية رائعة- مع الصين
- رحيل المغني عبد المجيد مسكود... ذاكرة -الشعبي- التي بكت الجز ...
- الغدة الدرقية.. -الفراشة الصغيرة- التي تتحكم في إيقاع الجسد ...
- إسرائيل تقر بمقتل جندي وتنذر بإخلاء 6 بلدات جنوبي لبنان


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب