عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 15:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
طوفان الأقصى بين مشروعية المقاومة ورهانات المواجهة.
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية و العلوم السياسية
يتناول هذا المقال المتواضع التحولات الجذرية التي أحدثتها عملية "طوفان الأقصى" في بنية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، محاولاً تحليل إعادة تشكيل معادلة الصراع على مستويين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالمشروعية القانونية للكفاح الفلسطيني المسلح في مواجهة الاحتلال، والثاني بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي أعادت ترتيب أولويات الفواعل الإقليميين والدوليين.
يفترض هذا المقال أن عملية "طوفان الأقصى" في السابع مع اكتوبر2023,لم تكن مجرد حلقة عنف جديدة ضمن سياق الصراع الدائر، بل مثلت منعطفاً منهجياً كشف هشاشة المعادلات التقليدية القائمة على"احتلال بلا تكلفة سياسية، ومقاومة بلا غطاء قانوني، وتسوية بلا أفق". اعتمدت هذا المقال على المنهج القانوني-السياسي المقارن، مستعين بأدوات تحليل الخطاب من إدارة الصراع إلى كسر القواعد حيث لأكثر من عقدين، ظل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي محكوماً بمعادلات شبه ثابتة،حصار مطبق على قطاع غزة منذ عام 2007، تنسيق أمني في الضفة الغربية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، بسبب وهم التسوية السلمية الذي تغذيه "عملية السلام" المتعثرة الفاشلة التي لم تنفذ بكل حذافيرها في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعد مدة خمس سنوات من توقيع اتفاق أوسلو الهزيل عام 1994، أضافة إلى هيمنة عسكرية وتكنولوجية مطلقة للكيان الصهيوني. غير أن صباح السابع من أكتوبر 2023، والمعروف عسكرياً باسم "طوفان الأقصى"، شكل زلزالاً جيوسياسياً خلخل هذه الثوابت. لم تقتصر أهمية هذا الحدث على كسر التفوق الاستخباراتي والعسكري الإسرائيلي فحسب، بل تجاوزته إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع ذاته، من صراع "إدارة" إلى مواجهة وجودية مفتوحة تضع القانون الدولي والموازين السياسية الإقليمية في اختبار حقيقي لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ومنح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحق العودة.
ما يميز هذه المرحلة هو تزامن الهزيمة الاستخباراتية الإسرائيلية مع حملة عسكرية إسرائيلية وُصفت من قبل محكمة العدل الدولية والخبراء المستقلين بأنها تحمل "سمات الإبادة الجماعية في غزة". هذا التناقض الصارخ،بين قدرة المقاومة الفلسطينية على اختراق التحصينات الإسرائيلية من جهة، ووحشية الرد الإسرائيلي غير المتناسبة من جهة أخرى، كشف عن أزمة عميقة في النظام الدولي، تمثلت في ازدواجية المعايير عند تطبيق مفاهيم "حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة"، ومبدأ التناسب في الرد ،مقابل "حق مقاومة الاحتلال للشعوب المحتلة".
أولاً: الإطار القانوني – المشروعية الإشكالية بين النص والتطبيق
1. حق مقاومة الاحتلال في القانون الدولي
يُشكل الجدل حول "شرعية" عملية طوفان الأقصى في 7-اكتوبر2023, محور الخلاف القانوني الأكثر حدة. فبينما سارعت الدول الغربية والكيان الصهيوني إلى تصنيف العملية "عملاً إرهابياً"، استندت فصائل المقاومة الفلسطينية،والمحللون القانونيون إلى مجموعة من المبادئ الراسخة في القانون الدولي على التالي:
-حق تقرير المصير، يُعتبر هذا الحق من المقاصد الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وهو حق آمر (Jus Cogens) لا يقبل التقييد. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 37/43 (1982) على شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال من الاحتلال الأجنبي "بكل الوسائل، بما في ذلك "الكفاح المسلح".
- مشروعية الكفاح المسلح ضد الاحتلال: البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977) يُصنف في مادته (1/4) الصراعات ضد "الاحتلال الأجنبي والسيطرة الاستعمارية والأنظمة العنصرية" كـ"نزاعات مسلحة دولية"، مما يمنح المقاتلين في هذه السياقات صفة "أسرى حرب" إذا وقعوا في الأسر، شرط امتثالهم لقوانين الحرب.
-استحالة تطبيق "حق الدفاع عن النفس" على المحتل،في رأيها الاستشاري لعام 2004 بخصوص جدار الفصل العنصري، أكدت محكمة العدل الدولية أن إسرائيل، كونها (القوة القائمة بالاحتلال)، لا يمكنها التذرع بحق الدفاع عن النفس (المادة 51 من الميثاق) ضد سكان تحت احتلالها. هذا المبدأ القانوني يعني أن أي قوة تستخدمها إسرائيل ليست دفاعاً عن النفس بقدر ما هي "إنفاذ للاحتلال واستمراره".
تشير دراسة أكاديمية حديثة صادرة عن "المركز الكندي للبحث والتطوير" (2024) إلى أن المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر مارست "حقها في الدفاع الشرعي" بموجب ميثاق الأمم المتحدة ضد "العدوان المستمر من قبل الاحتلال الإسرائيلي"، مستندة في ذلك إلى قرارات الأمم المتحدة المتعددة التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
2. أزمة الشرعية: المعايير المزدوجة والمؤسسات الدولية
على الرغم من الوضوح النسبي للنصوص القانونية، تعرقلت التطبيقات العملية بسبب التسيس المفرط للمؤسسات الدولية. يبرز التناقض التالي، كيف يمكن لدولة محتلة أن تحتكر "حق الدفاع عن النفس" بينما يُجرد المحتل (الفلسطيني) من حقه الطبيعي في المقاومة المسلحة لطرد هذا الاحتلال اللعين، هذه "التعمية" القانونية كانت واضحة في محاولة دولة الاحتلال الإسرائيلي وحلفائها ربط طوفان الأقصى بهجمات 11 سبتمبر 2001، بهدف تفعيل منطق "الحرب على الإرهاب" الذي يلغي أي تمييز بين المدني والمقاتل وبين المحتل والمقاوم ولكنهم فشلوا في ذلك، لان الحدثين مختلفين تماما،ولايمكن وصف نضال الشعب الفلسطيني وحق تقرير مصيره، بعمل ارهابي غير قانوني ومشكوك في خلفيته.
من ناحية أخرى، أدى حجم الدمار في غزة خلال فترة حرب الإبادة من اكتوبر 2023-الى اكتوبر2025,إلى تفعيل غير مسبوق للآليات القضائية الدولية. فبالإضافة إلى نظر محكمة العدل الدولية في قضية الإبادة الجماعية المرفوعة من دولة جنوب أفريقيا، أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين منهم المتهم رئيس حكومة الاحتلال الاسرائيلي نتنياهو،ووزير جيشه غالانت. هذا الازدواج – حيث تواجه المقاومة اتهامات إرهابية بينما تواجه إسرائيل اتهامات قانونية بتنفيذ إبادة جماعية، هو ما يعيد تشكيل معادلة المشروعية القانونية. فلم يعد السؤال "هل المقاومة الفلسطينية شرعية"،بقدر ما أصبح "لماذا يُسمح للاحتلال الاسرائيلي بارتكاب الإبادة في غزة، بينما تُجرّم المقاومة هناك".
ثانياً: الرهانات السياسية – انهيار الردع وإعادة تعريف النصر
على المستوى السياسي، تجاوزت تداعيات "طوفان الأقصى" حدود المواجهة العسكرية المباشرة، محدثة تحولات هيكلية في النظام الإقليمي.
1. انهيار نظرية الردع الإسرائيلي
لطالما بنى الكيان الصهيوني نظريته الأمنية على تفوق جوي واستخباراتي مطلق يخلق "ردعاً" يمنع أي هجوم. أثبتت عملية طوفان الأقصى في السابع من اكتوبر2023, أن الردع ليس مطلقاً. هذا الانهيار لم يكن عسكرياً فقط (اختراق السياج الأمني)، بل كان "ردعاً معنوياً" أيضاً، حيث أظهرت العملية أن "وحدة الساحات" (غزة، القدس، الضفة، والداخل المحتل،فصائل لبنان،فصائل اليمن،فصائل العراق) يمكن توحيدها في لحظة واحدة. وفقاً لتحليلات الخبراء الدوليين، أدت الحرب إلى "تفكك منظومة الردع الاسرائيلي "،كذلك بشكل عام في الشرق الأوسط، مع تراجع ملحوظ في مفاهيم "محور المقاومة" و"وحدة الساحات" التي ارتبطت بإيران.
2. تعليق مسار التطبيع وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية
كانت حرب الإبادة الاسرائيلية في غزة 2023-2025, اختباراً حقيقياً للأنظمة العربية التي راهنت على "تطبيع" العلاقات مع إسرائيل مقابل إهمال القضية الفلسطينية. فبينما سعت الإدارة الأمريكية إلى تعزيز مسار التطبيع (مثل الصفقة التي رعاها الرئيس ترامب في سبتمبر 2025)، كشفت الحرب عن حقيقة أن "الجمهور العربي" لم يمت، بل كان في حالة تنويم سياسي، ولكنه استيقظ من نومه،مع حجم الإبادة في غزة،وبالتالي التطبيع لم يعد صفقة "فوق الطاولة" يمكن تمريرها بسهولة في ظل مشاهد الدمار والقتل في غزة.
3. عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي
نجحت عملية"طوفان الأقصى" فيما فشلت فيه عشرات المؤتمرات والخطابات الدبلوماسية إلى إعادة القضية الفلسطينية للواجهة كقضية سياسية - حقوقية وليست إنسانية - إغاثية تختص بتوفير الطعام والشراب للشعب الفلسطيني المحتل،بل زادت من الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية (حيث تجاوز عدد الدول المعترف بها 150 دولة، بما في ذلك اعترافات أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا-إسبانيا-النرويج-وغيرهما) هو نتيجة مباشرة لتحول الرأي العام الغربي الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى. كما تم إصدار "ميثاق علماء الأمة" في يونيو 2025، والذي وقعه مئات من المؤسسات والعلماء، وأكد على أن "الجهاد لتحرير فلسطين فريضة" واعتبر أن "طوفان الأقصى هي معركة لجهاد الدفع" التي لا تحتاج لإذن ولي الأمر.
4. الفاعلية الاستراتيجية لحركة حماس من "مجموعات مسلحة" إلى جهة سياسية محورية
أحد الرهانات السياسية الكبرى التي أثبتتها العملية هو أن حركة حماس أثبتت قدرتها على التصرف كلاعب استراتيجي وليس كمجرد جماعة مسلحة ظرفية. تشير تحليلات معهد SETAV (نوفمبر 2025) إلى أن حماس أظهرت خلال الحرب "قدرة استراتيجية بعيدة المدى" تشبه قدرات الدول، وليس الفصائل المتمردة. تجلى ذلك في إدارتها الدبلوماسية لصفقات التبادل الاسرى مع دولة الاحتلال الاسرائيلي ، وقدرتها على تضليل الاستخبارات الإسرائيلية أثناء المفاوضات، والحفاظ على تماسك قيادتها رغم الإبادة في غزة.
ثالثاً: إعادة تعريف النصر والهزيمة في الصراعات غير المتكافئة
في الحروب التقليدية، يُقاس النصر بالسيطرة على الأرض أو إبادة الجيش الآخر. لكن في "طوفان الأقصى"، يبدو أن تعريف النصر قد تحول بالكامل. الهزيمة العسكرية التكتيكية (التي تتمثل في تدمير غزة) قوبلت بهزيمة استراتيجية للمشروع الإسرائيلي تمثلت في التالي:
1. التجريم الأخلاقي والقانوني، لأول مرة، يتم وصف سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي علناً وفي أعلى المحافل بأنها "أبارتهايد" و"إبادة جماعية". كلمة "احتلال" عادت إلى الخطاب الأوروبي الرسمي بعد أن كانت مهمشة.
2. كسر تابو القدس، أثبتت العملية أن المسجد الأقصى لم يعد مجرد شعار خطابي، بل نقطة تجمع للمقاومة قادرة على تعبئة الأمة.
3. فضح السردية الإسرائيلية، كشفت حرب الابادة في غزة 2023-2025, التناقض بين رواية وشعار "الجيش الاسرائيلي الأكثر أخلاقية في العالم" وبين حجم القتل والتدمير الذي وثقه حتى الإعلام الغربي ضد الأبرياء المدنيين من الأطفال والنساء في غزة وعدد الضحايا الفلسطينيين الذي تعدى أكثر من 72 الف فلسطيني وعدد اكثر من 175 ألف جريح وتدمير نسبة 88% من المباني الفلسطينية في غزة.
الخاتمة: معادلة جديدة لا رجعة فيها
خلص المقال إلى أن عملية "طوفان الأقصى" في السابع من اكتوبر2023,لم تكن مجرد معركة عسكرية عابرة، بل كانت مفترق طرق جيوسياسي وقانوني غيّر قواعد اللعبة في منطقة الشرق الأوسط. المعادلة القديمة التي كانت قائمة على "احتلال بدون تكلفة" و"مقاومة بدون شرعية" قد انهارت تماماً. بينما تواجه دولة الاحتلال الاسرائيلي، أزمة وجودية على مستوى الردع والمشروعية، تمكنت المقاومة الفلسطينية من نقل المعركة إلى ساحات القانون الدولي والرأي العام العالمي.
المعادلة الجديدة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ،لم تعد حكراً على ميزان القوى العسكري المادي لدولة الاحتلال الاسرائيلي، بل أصبحت تتحدد حسب القدرة على الصمود، والقدرة على السرد (Narrative)، والتوظيف القانوني (Lawfare). السؤال المتبقي ليس ما إذا كانت المنطقة قد تغيرت، بل كيف سيتعامل النظام الدولي مع هذه الحقائق الجديدة التي خطتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر2023. بقدر ما تستمر الإبادة في غزة، بقدر ما يتجذر حق المقاومة الفلسطينية في الرد وطرد الاحتلال من فوق أرض فلسطين، وكذلك تتسع دائرة العزلة الدولية لإسرائيل، وكلما زاد البطش وجرائم الاحتلال الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني،تقترب معادلة التحرير من نقطة التحول رغم فداحة التضحيات وعمق الجرح الفلسطيني وشلال دماء الشهداء.
قائمة المراجع
1. "ميثاق علماء الأمة في طوفان الأقصى وآثاره" (2025). وكالة الأنباء اليمنية سبأ.
2. Baroud, R., & Rubeo, R. (2025). Palestinian Armed Struggle & the Law. Consortium News.
3. مركز المستقبت. (2025). How Has the Middle East Transformed Two Years After the Gaza War?
4. Sehweil, A. (2025). "Operation Al-Aqsa Flood and the Right to Self-Determination: An Analysis from the Perspective of International Law." Journal of International Relations & Politics.
5. Ali, N. (2024). Law, Narrative, War and Revolution. Opinio Juris.
6. SETAV. (2025). Despite Genocide, Hamas Still Acts as a Strategic Actor.
7. AbuHasballah, B. A. (2024). "The Palestinian Operation on October 7 Between International Legitimacy and Criminalization." International Journal of Law and Politics Studies.
8. Almahuna, S. A. (2025). "Examination of the International Judicial Practice and Prospect in Relation to the Palestine–Israel Conflict: Following the Al-Aqsa Flood Operation." Seattle Journal for Social Justice.
9. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة: 37/43 (1982)، 2625 (1970).
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟