|
|
تدبير مخاطر الكوارث غير الطبيعية في فلسطين
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 06:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة: الكوارث الطبيعية والكوارث غير الطبيعية في عصر التغير المناخي
لا تقتصر إشكالية تدبير مخاطر الكوارث على بلد معين، بل هي تحدي عالمي يزداد حدة مع تسارع وتيرة التغير المناخي وتزايد حدة الظواهر الطبيعية المتطرفة. الزلازل والفيضانات والجفاف والحرائق والأعاصير لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت واقعاً متكرراً يهدد حياة الملايين ويعرقل مسيرة التنمية في مختلف بقاع العالم. ومع ذلك، تختلف درجات الجاهزية والقدرة على الصمود والتكيف بشكل كبير بين دول الشمال ودول الجنوب، وبين المناطق التي تخضع لسيادة كاملة وتلك التي تعيش تحت الاحتلال أو في ظروف سياسية استثنائية.
لكن إلى جانب الكوارث الطبيعية، هناك ما يمكن تسميته "بالكوارث غير الطبيعية"، تلك التي يتسبب فيها الإنسان عمداً أو بإهماله، وتفوق في حجمها وتأثيرها أي كارثة طبيعية. يمثل الدمار الذي لحق بقطاع غزة نتيجة حرب الإبادة منذ أكتوبر 2023,إلى أكتوبر 2025,واحدة من أكثر الكوارث البيئية والإنسانية تعقيداً في التاريخ الحديث. فإلى جانب الخسائر البشرية الهائلة، شهد قطاع غزة تدميراً غير مسبوق للبنية التحتية والموارد الطبيعية والنظم البيئية، مما يستدعي مقاربة خاصة في إدارة مخاطر الكوارث، حيث تتداخل الكارثة الطبيعية مع كارثة بشرية وسياسية تجعل الجاهزية والاستجابة أكثر تعقيداً مما هو عليه في أي سياق آخر.
هذا المقال يستلهم أفكاره من هيكلية النمط التقليدي لتدبير الكوارث محلياً ودولياً، لكنه يعيد صياغتها في سياق عام قابل للتطبيق، مع تركيز خاص على التحديات الفريدة التي تواجه فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة.
أولاً: الإطار المفاهيمي – من المعايير الدولية إلى التطبيق في ظل الاحتلال
1.1 المعايير الدولية والممارسات الفضلى
يضع المجتمع الدولي أطراً مرجعية لتدبير مخاطر الكوارث، وأبرزها:
-إطار سينداي للحد من مخاطر الكوارث (2015-2030) ، الذي يحدد سبعة أهداف عالمية، منها خفض الوفيات الناجمة عن الكوارث، وخفض عدد المتضررين، وخفض الخسائر الاقتصادية المباشرة، وتعزيز نظم الإنذار المبكر.
-أهداف التنمية المستدامة لعام 2015، خاصة الهدف رقم 11 (مدن ومجتمعات محلية مستدامة) والهدف رقم 13 (العمل المناخي).
-اتفاق باريس للمناخ عام 2015، الذي يربط بين التكيف مع التغير المناخي والحد من مخاطر الكوارث.
-الممارسات الفضلى عالمياً تشمل تجارب دول مثل اليابان في إدارة الزلازل، حيث أنظمة الإنذار المبكر وقوانين البناء المقاوم للزلازل والتدريب المستمر للسكان، وأيضا هولندا في مواجهة الفيضانات من خلال نظام متكامل من السدود والقنوات وإدارة مستويات المياه.
1.2 إشكالية نقل المعايير الدولية إلى السياقات المحلية في فلسطين
التحدي الكبير أن هذه المعايير صُممت للدول ذات السيادة الكاملة والمؤسسات المستقرة والموارد المتاحة. في سياقات مثل فلسطين، حيث الاحتلال يقيد الوصول إلى الأراضي والموارد، ويعيق بناء البنية التحتية المقاومة للكوارث، ويمنع أو يعرقل وصول المساعدات الإنسانية في أوقات الأزمات، تصبح تطبيق هذه المعايير شبه مستحيل دون معالجة مشكلة ضرورة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي نفسه،كعائق بنيوي أمام الجاهزية والاستجابة.
ثانياً: حجم الدمار في قطاع غزة – أرقام تصف الكارثة غير الطبيعية
2.1 الدمار العمراني والبنية التحتية
تشير التحليلات الجغرافية المكانية الصادرة عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية إلى أن نحو 88% من جميع المباني في قطاع غزة قد تضررت نتيجة القصف والتدمير الممنهج. فقد تم تحديد أكثر من 177 ألف مبنى مدمر بالكامل، وأكثر من 17 ألف مبنى متضرر بشدة، ونحو 34 ألف مبنى متضرر بشكل متوسط، و24 ألف مبنى يحتمل تضررها. إجمالي الوحدات السكنية المتضررة بلغ أكثر من 320 ألف وحدة، وقد تضرر أو دُمر حوالي 78% من إجمالي المباني المقدرة في غزة والتي تبلغ نحو 250 ألف مبنى.
2.2 تدمير القطاع الزراعي والأمن الغذائي
على صعيد القطاع الزراعي، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تحليلاً يُظهر تدميراً واسعاً يهدد قدرة غزة على إنتاج الغذاء بشكل ذاتي. فقد تضررت 87% من الأراضي الزراعية الإجمالية، وتراوحت نسبة الضرر في البساتين والأشجار خاصة الزيتون بين 89% و90%، وتضررت 88% من المحاصيل الحقلية و80% من الخضروات. كما دُمر أكثر من ألف هكتار من الدفيئات الزراعية بنسبة 80%.
وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن الأضرار أكثر فداحة على مستوى الغطاء النباتي، حيث تضررت أو دُمرت 97.1% من أشجار المحاصيل، و95.1% من الأراضي الشجيرية، و82.4% من المحاصيل السنوية.
2.3 الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة
تتسبب الكوارث – سواء الطبيعية أو غير الطبيعية – في نوعين من الخسائر الاقتصادية. الخسائر المباشرة تشمل تدمير المباني السكنية من طرف جيش الاحتلال الاسرائيلي، انهيار الجسور والطرق، تخريب شبكات المياه والكهرباء، تدمير المحاصيل الزراعية والمخزون الحيواني. اما الخسائر غير المباشرة تشمل تراجع النشاط الاقتصادي، فقدان فرص العمل، انخفاض الإنتاجية، ارتفاع تكاليف الإغاثة وإعادة التأهيل. في حالة غزة، حيث الحصار الاسرائيلي الخانق المفروض على غزة وإغلاق المعابر، يعيق حركة البضائع والأشخاص، فإن الخسائر غير المباشرة تضاعف مرات عدة.
ثالثاً: مخاطر التلوث البيئي الناجمة عن حرب الإبادة مدة عامين متكاملين
3.1 خطر القنابل غير المنفجرة والذخائر العنقودية
يمثل وجود القنابل الإسرائيلية التي لم تنفجر أحد أخطر التحديات التي تواجه المدنيين الفلسطينيين وفرق الإغاثة في غزة. فبعد توقف القصف الاسرائيلي، تبقى آلاف القنابل والصواريخ والذخائر غير المنفجرة متناثرة في المناطق السكنية المزدحمة وتحت الأنقاض وفي الأراضي الزراعية. تشكل هذه المقذوفات خطراً دائماً على حياة السكان العائدين إلى منازلهم او الخيم، وعمال الإغاثة والصحفيين والأطفال الذين قد يظنونها ألعاباً. تتسبب هذه الذخائر في مقتل وإصابة العشرات يومياً، كما تعيق بشكل كبير جهود إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.
3.2 قنابل الفوسفور الأبيض – سلاح محرم دولياً بأضرار بيئية دائمة
استخدمت قوات الاحتلال قنابل الفوسفور الأبيض المحرم دولياً في المناطق المأهولة بالسكان في غزة. يعتبر الفوسفور الأبيض سلاحاً محظوراً بموجب البروتوكول الثالث من اتفاقية عام 1980 لحظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة، لأنه يسبب حروقاً عميقة ومؤلمة لا يمكن إخمادها بسهولة.
لكن الخطر البيئي للفوسفور الأبيض لا يقل فداحة عن تأثيره المباشر على البشر. فعند ملامسته للتربة والمياه، يتفاعل الفوسفور الأبيض كيميائياً مسبباً تلوثاً طويل الأمد. تتسرب مركبات الفوسفور السامة إلى طبقة المياه الجوفية، وتستقر في التربة الزراعية لسنوات، وتدمر الكائنات الحية الدقيقة التي تحافظ على خصوبة التربة. هذا التلوث المزدوج للتربة والمياه يخلق أزمة بيئية متعددة الأبعاد ستستمر لعقود في قطاع غزة.
3.3 تلوث المياه الجوفية والتربة
المواد السامة الناتجة عن القنابل والمتفجرات والمعادن الثقيلة تسربت إلى طبقة المياه الجوفية في غزة، مما جعل المياه غير صالحة للشرب أو الزراعة لعقود قادمة. كما أن تدمير شبكات الصرف الصحي أدى إلى تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر المتوسط وطبقة المياه الجوفية، مما زاد من حدة التلوث في مياة البحر وتحديدا شواطيء قطاع غزة.
رابعاً: تدمير البنية التحتية الحيوية
4.1 أزمة المياه – تدمير الآبار ومحطات التحلية
يُعد تدمير قطاع المياه في غزة كارثة إنسانية بحد ذاتها. فقد فقدت 84% من سعة خزانات التخزين ومرافق الضخ، إذ من أصل 54 منشأة لم يتبق سوى 9 عاملة، منها 3 فقط غير متضررة. لا تزيد قدرة تحلية المياه المتبقية عن 31% من قدرتها قبل أكتوبر 2023. تضررت نحو 87% من الآبار الزراعية الفلسطينية، كما دُمرت شبكات الأنابيب بالكامل في غزة.
تدمير الآبار الصالحة للشرب بشكل متعمد من جيش الاحتلال الاسرائيلي، جعل ملايين الفلسطينيين دون مصدر آمن للمياه. هذا التدمير الممنهج لقطاع المياه يعني أن سكان غزة لم يعودوا قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية من مياه نظيفة.
4.2 تدمير الكهرباء ومضخات المياه العادمة
تدمير محطات الكهرباء في غزة جعل القطاع بلا كهرباء تقريباً. هذا الانهيار في قطاع الطاقة له تداعيات كارثية على كل جوانب الحياة. فبدون كهرباء، لا تعمل محطات تحلية المياه، ولا مضخات الآبار، ولا محطات معالجة الصرف الصحي، ولا المستشفيات، ولا وحدات العناية المركزة.
إلى جانب ذلك، دمرت قوات الاحتلال مضخات المياه العادمة في جميع أنحاء القطاع بشكل متعمد. هذا التدمير أدى إلى طفح مئات الآلاف من الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي الخام في الشوارع وبين الخيام. هذا المشهد الكارثي يتكرر يومياً، حيث يضطر النازحون إلى خوض مياه الصرف الصحي للوصول إلى خيامهم.
4.3 تدمير المستشفيات وسيارات الإسعاف
تعرض القطاع الصحي في غزة لتدمير ممنهج. من بين 36 مستشفى في غزة، لا يعمل سوى 7 بشكل جزئي فقط، بينما دُمرت البقية أو خرجت عن الخدمة بسبب القصف أو نقص الوقود والكهرباء. تعرض مستشفى الشفاء ومستشفى المعمداني والمستشفى الإندونيسي للقصف والاقتحام.
إلى جانب المستشفيات، دُمرت عشرات سيارات الإسعاف بشكل مباشر، بعضها أثناء قيامها بنقل الجرحى والمرضى – وهي جريمة حرب واضحة بموجب اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
4.4 تدمير المدارس والبنية التحتية التعليمية
لم تسلم المدارس في غزة من الدمار الشامل. تعرضت مئات المدارس التي تديرها الأونروا والمدارس الحكومية للقصف المباشر والتدمير. كثير من هذه المدارس كانت تؤوي آلاف النازحين عند قصفها. هذا التدمير للبنية التعليمية يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال الفلسطينيين يُحرم من حقه في التعليم.
4.5 تراكم الأزبال وعدم القدرة على تدويرها
مع تدمير آليات وسيارات البلدية ونقص الوقود وانهيار الخدمات الأساسية، تراكمت مئات الآلاف من أطنان الأزبال والنفايات الصلبة في شوارع غزة ومخيمات النزوح. غياب القدرة على تدوير النفايات يعني أن المواد البلاستيكية والزجاج والمعادن تبقى في البيئة لسنوات طويلة، ملوثة التربة والمياه الجوفية.
خامساً: الحصار الإسرائيلي – العائق الأساسي أمام أي إعمار
5.1 حصار خانق يمنع دخول مواد البناء والمعدات اللازمة لغزة
بينما تقدر المؤسسات الدولية تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70-71 مليار دولار، فإن العائق الأساسي الذي يجعل كل هذه التقديرات حبراً على ورق هو استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع دخول مواد البناء والمعدات والآليات الثقيلة إلى قطاع غزة.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن إسرائيل تواصل تقييد دخول الإسمنت والحديد والمواد الأساسية الأخرى، مما يجبر السكان ووكالات الإغاثة على الاعتماد على إعادة تدوير الركام من المباني المدمرة كمصدر بديل لمواد البناء. فبدلاً من بناء جديد، يُستخدم الركام المعاد تدويره فقط لإصلاح المستشفيات والمدارس والبنية التحتية الأساسية – وليس لأي مشاريع إنشائية جديدة.
5.2 الإحصاءات تكشف حجم المنع الاسرائيلي
وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فإن القطاع يحتاج إلى 500 وحدة من المعدات الثقيلة، بما في ذلك الجرافات والرافعات والحفارات، لإزالة الأنقاض وفتح الطرق واستعادة الخدمات الأساسية. لكن إسرائيل سمحت فقط بدخول ست آليات صغيرة فقط من الجانب المصري عبر معبر رفح الفلسطيني، وهو عدد لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الكارثة التي تسببت بها اسرائيل في غزة.
كما حذرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم)،من أن استمرار منع دخول مواد البناء والمعدات الثقيلة وقطع الغيار يعيق جهود التعافي وإعادة الإعمار، ويفاقم الأوضاع المعيشية المتردية أصلاً. كما أشارت إلى أن متوسط عدد الشاحنات المسموح بدخولها يومياً لا يتجاوز 260 شاحنة، وهو ما يمثل فقط 43% من المتفق عليه في البروتوكول الإنساني المرتبط باتفاق وقف إطلاق النار الذي حدد العدد في 500 شاحنة يوميا ستدخل غزة.
المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أكد أنه "لا يوجد تقدم" في الجهود للسماح بدخول مواد إيواء أكثر متانة، وأن إسرائيل ترفض باستمرار إدخال المواد اللازمة لإصلاح المولدات وإزالة الركام في غزة.
5.3 الجرافات الإسرائيلية كسلاح حرب
في تطور يكشف النية المبيتة لإعاقة الإعمار من طرف اسرائيل، كشف السيناتور بيرني ساندرز، أن الولايات المتحدة تزود إسرائيل بجرافات من طراز D9R وD9T بقيمة 295 مليون دولار، وهي الجرافات نفسها التي تستخدمها إسرائيل "لهدم المنازل الفلسطينية، وتسوية المخيمات، واقتلاع بساتين الزيتون في غزة". بمعنى آخر، نفس الآليات التي تحتاجها غزة لإزالة الأنقاض وإعادة البناء،هي نفسها التي تستخدمها إسرائيل لتدمير ما تبقى من مباني في قطاع غزة.
سادساً: فشل مجلس سلام غزة (NCAG) ووعود ترامب الكاذبة
6.1 "مجلس سلام غزة" – وعود بلا أرضية
في يناير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس ما يسمى "مجلس سلام غزة" أو "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG)، كجزء من خطته المكونة من 20 نقطة لإنهاء حرب الإبادة التي استمرّت عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر2025. كان من المفترض أن تكون هذه اللجنة هيئة انتقالية تشرف على إعادة تأهيل غزة وادخال المساعدات الأنسانية واعادة الإعمار إلى حين عودة السلطة الفلسطينية.
لكن الواقع يؤكد فشل هذا المجلس بشكل ذريع. فالمجلس لم يتمكن حتى من السماح إلى اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة دخول قطاع غزة، وذلك بسبب رفض إسرائيلي مستمر لعمل هذه اللجنة.
6.2 نقص التمويل المزمن
كشفت مصادر لرويترز أن وعود التمويل التي حصل عليها ترامب من دول الخليج ، والتي قُدرت بنحو 17 مليار دولار ،لم تتحقق إلا بنسبة ضئيلة جداً. من بين 10 دول تعهدت بالتمويل، لم تلتزم سوى دول محدودة منها(الإمارات والمغرب والولايات المتحدة نفسها وغيرهما)، وهناك من يقول ان التمويل الفعلي كان اكثر من 17 مليار دولار، تم تحويلها بقرار من الرئيس ترمب ،الى اسرائيل أثناء العدوان الامريكي الاسرائيلي على ايران واندلاع الحرب في 28-2-2026 ،حيث كانت تعاني من ضائقة مالية واقتصادية كبيرة.
المبعوث الخاص للمجلس، نيكولاي ملادينوف، أبلغ الفصائل الفلسطينية أن "لا أموال متاحة حالياً" لإعادة الإعمار حيث تم تحويلها الى اسرائيل، مما جعل المجلس عاجزاً عن اعادة إعمار غزة،أو القيام بأي دور فعلي هناك.
6.3 ترامب كاذب أم واهم- تحليل التصريحات المتناقضة
في خطابه أمام الكنيست في أكتوبر 2025، تحدث ترامب عن "العصر الذهبي لإسرائيل والشرق الأوسط"، وعن بناء البنية التحتية والمدارس والمستشفيات، لكنه لم يذكر أي خطة عملية لإعادة إعمار غزة المدمرة كلياً . بعد لقائه بنيامين نتنياهو في منتجع مار إيه لاغو في ديسمبر 2025، صرح ترامب بأن إعمار غزة سيبدأ "قريباً جداً"، متجاهلاً حقيقة أن إسرائيل لم تلتزم حتى بفتح معبر رفح كشرط أساسي في خطته للسلام الكاذب.
هذا التناقض بين الأقوال والأفعال، بالإضافة إلى الفشل الذريع في تأمين التمويل وتجاوز العقبات الإسرائيلية، يؤكد أن وعود ترامب ليست أكثر من خطاب إعلامي يفتقر إلى الجدية والشفافية. وان مجلس سلام غزة ،ليس إلا واجهة فاشلة، وترامب يطلق التصريحات دون أن يرافقه أي إجراء فعلي على الأرض،انه ينشر الأكاذيب للشعب الفلسطيني في غزة.
سابعاً: انهيار النظام الصحي وانتشار الأمراض
حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الوضع الصحي في غزة قد خرج عن السيطرة، مع تفاقم غير مسبوق للأمراض المعدية. عدد الإصابات بالإسهال المائي الحاد زاد 36 ضعفاً، وعدد حالات اليرقان الحاد زاد 384 ضعفاً.
كما تنتشر الأمراض الجلدية المعدية بشكل وبائي بين النازحين الفلسطينيين في الخيام،نتيجة الازدحام الشديد، ونقص المياه النظيفة في قطاع غزة، وتراكم الأزبال، وطفح مياه الصرف الصحي؛ ما يقدر بنصف مليون شخص في غزة يواجهون ظروف المجاعة وان جيش الاحتلال الاسرائيلي ينفذ سياسة هندسة التجويع للضغط على الفلسطينيين للهجرة القسرية نحو سيناء ودول اخرى.
ثامناً: تكلفة إعادة بناء غزة – أرقام تقدر بالعقود والمليارات
8.1 التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار
تشير التقديرات الدولية إلى أن إعادة بناء قطاع غزة تحتاج إلى مبلغ يُقدر بنحو 71.4 مليار دولار تقريباً موزعة على مدى عشر سنوات. تقدر الأضرار المادية للبنية التحتية بنحو 35 مليار دولار، وقد تسبب هذا الدمار الهائل في تراجع التنمية البشرية في غزة بمقدار 77 عاماً إلى الوراء.
8.2 تحديات إزالة الركام في قطاع غزة
كمية الركام في غزة تبلغ حوالي 68 مليون طن متري، وتحتاج إزالتها إلى ميزانية تتجاوز 1.7 مليار دولار. تتطلب عملية الإزالة سبع سنوات على الأقل بالنظر إلى الوتيرة الحالية للعمل. لكن الأهم من ذلك، أن إزالة الركام مستحيلة عملياً بدون دخول المعدات الثقيلة والجرافات والرافعات التي تمنعها إسرائيل.
حتى لو توفرت المعدات، فإن عملية إزالة الركام تتطلب فحص المواقع بحثاً عن الذخائر الاسرائيلية غير المنفجرة، مما يبطئ التقدم ويزيد المخاطر على العمال الفلسطينيين.
تاسعاً: نحو رؤية استشرافية – لماذا تظل الجهود معلقة في غزة
9.1 العقبات الأساسية أمام الإعمار
أي رؤية استراتيجية لإعادة إعمار غزة يجب أن تعترف أولاً بالعقبات الحقيقية التي تجعل كل الجهود الحالية عقيمة ومنها الأسباب التالية:
أ- الحصار الإسرائيلي كعائق بنيوي؛ إسرائيل لم تسمح حتى الآن بدخول مواد البناء والمعدات الثقيلة، ولا توجد مؤشرات على تغير هذا الموقف. المحلل زها حسن من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أكد أن "إسرائيل لن تسمح بإعادة الإعمار في غزة... ولن تسمح بدخول مواد البناء، ولن تسمح للجنة الوطنية الفلسطينية بالعمل في غزة".
ب- فشل الآليات الدولية – "مجلس سلام غزة" فشل في تأمين التمويل، وفشل في السماح بدخول اللجنة الإدارية لقطاع غزة، وكذلك منظمة الانروا التابعة للأمم المتحدة تعاني من نقص التمويل وعراقيل إسرائيلية اخرى.
ج- غياب الإرادة السياسية الأمريكية – رغم وعود ترامب المتكررة حول مساعدة غزة، لم تقدم الإدارة الأمريكية أي ضغط حقيقي على إسرائيل للسماح بالإعمار في غزة، بل استمرت واشنطن في توريد الأسلحة والجرافات لإسرائيل مما يشجعها على استمرار سياسة التدمير والقصف وحرب الابادة والمنع في غزة.
9.2 ما هو مطلوب الآن لإنعاش غزة
لن يبدأ أي إعمار حقيقي في غزة إلا بعد:
1. وقف دائم لإطلاق النار والتزام إسرائيل بفتح المعابر بشكل كامل ودون قيود. 2. رفع الحصار بشكل كامل والسماح بدخول جميع مواد البناء والمعدات الثقيلة وآليات إزالة الأنقاض. 3. توفير تمويل حقيقي، سواء من خلال "مجلس سلام غزة الفاشل" الذي لم يثبت جديته، أو من خلال آليات دولية بديلة لهذا المجلس الوهمي. 4. ضمانات دولية بعدم إعادة تدمير ما سيتم بناؤه، وهو ما يتطلب تغييراً جذرياً في السياسة الإسرائيلية والأمريكية وضرورة التوصل إلى اتفاق سلام حقيقي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
ختاما: الكوارث لا تنتظر، لكن الحصار الاسرائيلي يمنع الاستجابة
يمثل الدمار الهائل في قطاع غزة سابقة في تاريخ الكوارث البيئية والإنسانية غير الطبيعية بل بفعل آلة الاحتلال التدميرية والقنابل الفتاكة التي تزن اكثر من طن تم استخدامها في قطاع غزة. فلم تقتصر (الكارثة غير الطبيعية)، على تدمير المباني والبنية التحتية فحسب، بل طالت كل مقومات الحياة مثل، المياه، الكهرباء، الصرف الصحي، الزراعة، البيئة، الصحة، التعليم، مخازن الأدوية،المستشفيات، المدارس والبنية التحتية وغيرها .
لكن العائق الأكبر أمام أي أمل في التعافي هو في مهب الريح،بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول مواد البناء والمعدات والآليات الثقيلة، وفشل "مجلس سلام غزة" في أداء مهامه، واستمرار التصريحات الأمريكية غير المترجمة إلى أفعال على أرض الواقع.
اخيراً يمكن القول،بدون معالجة هذه العقبات الأساسية، ستبقى غزة تحت الأنقاض، ليس فقط لسبع سنوات كما توقع الخبراء في حال اعادة الإعمار، بل لعقود قادمة. فإعادة بناء ما دمر في غزة تحتاج إلى آليات تعمل على الأرض، وإلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى تمويل متاح وليس مجرد وعود كاذبة من الرئيس الامريكي ترمب؛ وبدون ذلك، تبقى كل التقديرات والتقارير والأرقام مجرد حبر على ورق، ويعيش الفلسطينيون في غزة تحت وطأة كارثة إنسانية وبيئية لا مثيل لها في التاريخ الحديث في ظل حرب الابادة وبسبب (كارثة غير طبيعية)، وغير تقليدية،بل بفعل اسرائيل المدعومة من واشنطن عسكريا وسياسيا واقتصاديا وماليا ودبلوماسيا .
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإباد
...
-
السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
-
القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و
...
-
تفكيك أسطورة حقوق الإنسان
-
تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في
...
-
عمليات الاغتيال جرائم حرب وإعدام خارج القانون
-
مبدأ -ما لا يأتي بالقوة ياتي بمزيد من القوة-
-
المحكمة الجنائية للأفارقة والبلطجية فقط
-
المحراث النووي من مشروع أمريكي مهجور إلى شبح يلوح في سماء ال
...
-
الأداة الرقمية كآلية لتحديث عمل المحكمة الجنائية الدولية- عص
...
-
مساحة -رد الفعل- بدل -الفعل- في النظام الدولي الحديث
-
التحولات الاستراتيجية في الفكر السياسي الفلسطيني بعد طوفان ا
...
-
القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب
-
التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع
-
جريمة العصر بنك الجلود الإسرائيلي من جثامين الشهداء الفلسطين
...
-
الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي
-
المنطقة الرمادية ذريعة سردية أكثر منها ظاهرة في القانون الدو
...
-
هل من مسار بديل لإصلاح الأمم المتحدة بعد 80 عام من التأسيس.
-
العملة الرقمية أداة تحكم سياسي وانهاء لعصر الكاش.
-
فشل السياسة العمومية الفلسطينية المتعاقبة؛ أزمة شرعية أم أزم
...
المزيد.....
-
زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت
...
-
وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
-
-بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي
...
-
-وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران
...
-
112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي
...
-
الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
-
رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
-
بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
-
تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|