عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة:
لاشك انه سؤال يبحث عن إجابة صادمة،في كل مرة تشن فيها إسرائيل حربًا على غزة أو لبنان أو دول اخرى، أو تواجه أزمة دبلوماسية في المحافل الدولية وتحديدا في مجلس الأمن الدولي، يتحرك الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا وتحديدا المانيا التي تعيش عقدة الهولوكوست للدفاع عن دولة الاحتلال الاسرائيلي بشكل شبه مطلق، دون شروط أو تردد. هذا الدعم الأعمى يطرح أسئلة ملحة؛ لماذا تتعطل ولا تنفذ أي قرارات أممية ضد إسرائيل؛ ولماذا يصورها الإعلام الغربي دائمًا كضحية حتى وهي تمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة الشرق الأوسط؛ بل وتمتلك أسلحة نووية ترفض الإعلان عنها.
الإجابة التقليدية التي قدمها الغرب لعقود تقول إن العلاقة مع إسرائيل مجرد تحالف سياسي استراتيجي كأي تحالف بين الدول؛ لكن الحقيقة، كما سنكتشف،هي أعمق وأكثر جذرية من ذلك بكثير، وهي حقيقة تكشف عن بُعد استعماري وحضاري لم يعد خافيًا على أحد؛ تمتد جذوره إلى أعماق التاريخ الأوروبي، بما فيه ألمانيا ودورها المحوري في هذه الجانب.
1-هرتزل والرؤية المؤسِّسة لإسرائيل كحصن أوروبي. منذ اللحظة الأولى التي طرح فيها ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية، فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، كانت رؤيته تتجاوز مجرد إقامة دولة. فقد صرح هرتزل بوضوح أن هذا الكيان يجب أن يكون "جزءًا من حصون أوروبا في الشرق الأوسط"، و"قاعدة متقدمة لحماية المصالح الغربية ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط".
هذه النظرة لم تكن مجرد طموح شخصي لهرتزل، بل مثّلت العقد غير المكتوب بين المشروع الصهيوني والفكر الاستعماري الغربي؛ تصبح إسرائيل، في هذا التصور، ليست دولة عادية تنشأ لشعب يبحث عن وطن بديل للهجرة من اروبا الى فلسطين، بل هي (اسرائيل)، مشروع استعماري استيطاني صُمم ليكون امتدادًا جيوسياسيًا وحضاريًا للغرب في قلب العالم العربي.
2-ألمانيا و"عقدة الهولوكوست"، من الذنب إلى التوظيف السياسي. بعد الحرب العالمية الثانية، حملت ألمانيا على كتفيها إرثًا ثقيلاً من الدم والعار بسبب المحرقة النازية (الهولوكوست). هذا الشعور بالذنب الجمعي تحول إلى ما يمكن تسميته بـ"عقدة الهولوكوست التاريخية"، وهي حالة نفسية وسياسية عميقة دفعت ألمانيا إلى تبني دعم غير مشروط لإسرائيل كوسيلة للتكفير عن جرائم الماضي؛ حيث صرحت المستشارة الألمانية السابقة ،أنجيلا ميركل، بأن "أمن إسرائيل هو جزء من أمن الدولة الألمانية" (Staatsräson) هذه العبارة لخّصت هذا المبدأ الذي صار عقيدة سياسية في الفكر الألماني والأوروبي والغربي بشكل عام.
لكن ما يُغفل عنه كثيرًا هو كيف تحول هذا الشعور بالذنب من مسألة أخلاقية داخلية إلى أداة جيوسياسية بيد الغرب كله. فأوروبا، التي عجزت عن حماية مواطنيها اليهود أو شاركت في إبادتهم، وجدت في دعم المشروع الصهيوني مخرجًا مزدوجًا لها؛ هو انها تحاول التكفير عن الذنب من جهة، وإبعاد اليهود الناجين من أراضيها إلى مكان بعيد من جهة أخرى. وهكذا، التقت "عقدة الذنب" الألمانية مع الرغبة الأوروبية القديمة في التخلص من "المسألة اليهودية"، فصار دفع اليهود نحو الهجرة إلى فلسطين ودعم احتلالها؛ حلاً مريحًا للضمير الأوروبي المعذّب والمصالح الاستعمارية معًا وهذا ما وفرته بريطانيا في وعد بلفور عام 1917 بتمكين اليهود والحركة الصهيونية من إقامة دولتهم عام 1948, فوق الأرض الفلسطينية التي كانت تحت سيطرة الانتداب البريطاني والذي انسحب من فلسطين عام 1947 وسلم السلطة والرعاية وبعض من أسلحة الجيش البريطاني إلى الحركات الصهيونية المسلحة التي ارتكبت مجازر ضد الفلسطينيين ومنها مذبحة دير ياسين.
3-العلاقة العضوية,إسرائيل كجزء من الغرب لا حليف له. برز بشكل واضح للعيان أن هناك فرق جوهري بين إسرائيل وأي حليف آخر للغرب في منطقة الشرق الأوسط،هو أن العلاقة هنا ليست مجرد علاقة بين طرفين مستقلين يمكن فصلهما أو إعادة النظر فيهما بل هما جزء لا يتجزء من الكتلة الاستعمارية. سيما وان أي تحالف طبيعي في العالم يمكن أن يهتز وينفصل إذا أصبح أحد الأطراف عبئًا سياسيًا أو أخلاقيًا، كما حدث في علاقات تاريخية كثيرة.
لكن مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، الوضع مختلف تمامًا؛ فالغرب لا يتعامل معها كطرف أو حليف خارجي، بل كامتداد طبيعي له، وكثابت أساسي في مشروعه ونفوذه بالمنطقة. وما يرسّخ هذه العلاقة أكثر هو ذلك المزيج الفريد من المصالح الاستعمارية وعقدة الذنب التاريخية؛ فألمانيا تدعم إسرائيل لأنها مدينة لها بالدم، وبريطانيا وفرنسا تدعمانها لأنها امتداد لمشروعهما الاستعماري القديم، وأمريكا ترعاها لأنها رأس حربة نفوذها في الشرق الأوسط؛ وبالتالي اجتمعت المصالح والذنوب معًا لتصنع هذه العلاقة الشاذة التي لا تشبه أي علاقة دولية طبيعية سوى أن تكون الحارس الأول للمصالح الغربية في المنطقة .
4-الإعلام الغربي و"واحة الحضارة"
انعكست هذه الرؤية بشكل واضح على التغطية الإعلامية الغربية للصراع السياسي في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، قدم الإعلام الغربي إسرائيل باعتبارها "واحة الحضارة والديمقراطية" وسط منطقة يصورها على أنها مليئة بالفوضى والصراعات والتخلف. وتم تصوير إسرائيل دائمًا "كضحية"،تحتاج إلى حماية ودعم، حتى وهي القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، وحتى وهي تمارس الاحتلال والقمع والقتل اليومي بحق الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس المحتلة.واللبنانيين في جنوب لبنان ومزارع شبعا المحتلة،والسورين في هضبة الجولان المحتلة.
في المقابل، يتحول الفلسطيني والعربي عمومًا في هذا الخطاب الإعلامي الغربي، إلى مجرد أرقام أو خسائر جانبية لا قيمة لهم، ثم تُسلب منه إنسانيته وقصته ومعاناته. ولا تُروى حكايته بنفس الطريقة التي تُروى بها حكاية الطرف الآخر الذي يعتبر جزءا من الغرب المتوحش.
5-لغة تكشف التحيز, حين تختلف الأفعال حسب نوع وجهة الفاعل،حتى اللغة المستخدمة تفضح هذا التحيز العميق. فعندما يُقتل إسرائيلي، تقول التقارير الإخبارية الغربية "قُتل على يد ارهابين وتذكر اسمائهم بالتفصيل..."، فتُنسب الفعل إلى فاعل واضح وتُثبت الجريمة. أما عندما يُقتل فلسطيني على يد جيش الاحتلال الاسرائيلي، فتتحول الصياغة إلى شخص "فقد حياته" أو "لقي مصرعه"، وكأن الجريمة حدثت من تلقاء نفسها، دون مسؤول واضح، ودون فاعل يُذكر ودون الإشارة إلى جرائم دولة الاحتلال الاسرائيلي.
هذه الفروق اللغوية والإعلامية ليست عشوائية، بل هي تعبير عن رؤية حضارية كاملة ترى في حياة الإسرائيلي قيمة تستحق السرد والتفصيل، وفي حياة الفلسطيني مجرد خبر عابر.
6-الرئيس الأميركي جو بايدن ،يكشف ما أخفاه مؤسس الحركة الصهيونية/هرتزل،ربما كانت الجملة الأكثر كشفًا ووضوحًا في هذا السياق هي ما قاله الرئيس الأمريكي جو بايدن، "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكنا مضطرين لاختراعها". هذه العبارة ليست مجرد تعاطف مع دولة حليفة، بل هي اعتراف صريح بأن وجود إسرائيل بالنسبة للغرب ليس مجرد مصلحة مؤقتة أو تحالف عابر، بل هو جزء لا يتجزأ من رؤيته للمنطقة وطريقة حفاظه على نفوذه فيها.
هذه الجملة كشفت ما حاول هرتزل وأتباعه إخفاءه لعقود، أن إسرائيل مشروع وظيفي غربي بالأساس، صُمم ليخدم المصالح الغربية في منطقة استراتيجية، وليكون رأس حربة للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط. ويمكن إضافة، أن اسرائيل هي مشروع صُمم ليحل مشكلة الضمير الأوروبي، ويبعد شبح الهولوكوست عن ذاكرة الجلادين بإسقاطه على ضحايا جدد في الوطن العربي هم الفلسطينيون.
7-تعطيل القانون الدولي، الفيتو يحمي التاريخ الاستعماري،عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، نجد أن القانون الدولي نفسه يتوقف في كثير من الأحيان. حيث استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن مرات متكررة لمنع أي قرارات ضد إسرائيل، أو لعرقلة أي محاسبة حقيقية لها.
السبب العميق وراء ذلك ليس فقط حماية إسرائيل، بل لأن الغرب يدرك أن أي محاسبة حقيقية لإسرائيل قد تفتح الباب لمحاسبة أوسع؛ محاسبة لتاريخ طويل من الاستعمار والسيطرة والنهب والنفوذ الغربي في العالم كله، ومحاسبة للجرائم التي ارتكبتها أوروبا في حق اليهود أنفسهم قبل أن تدفع بهم نحو فلسطين. فالمشروع الصهيوني هو الوجه الآخر للمشروع الاستعماري الغربي، وسقوط أحدهما أو محاسبته يزلزل الآخر؛وبالتالي هم وجهان لعملة واحدة .
ختاما، يمكن القول أن الحقيقة الصادمة التي لم يعد أحد يستطيع إنكارها هي أن دعم الغرب لإسرائيل يقوم على ركيزتين متشابكتين هما، المصالح الاستعمارية القديمة والمتجددة، و"عقدة الذنب" الأوروبية الموروثة عن الهولوكوست.
الأولى جعلت من إسرائيل قاعدة متقدمة للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط، والثانية جعلت من دعمها واجبًا أخلاقيًا لا يقبل المساءلة. وهكذا، اجتمع ما هو استعماري مع ما هو نفسي، وما هو استراتيجي مع ما هو أخلاقي مزعوم، ليصنع هذا التحالف الشاذ الذي يخرق كل قواعد القانون الدولي والمنطق الإنساني السليم.
النتيجة هي ان ألمانيا تدعم إسرائيل تكفيرًا عن ذنب لم يقترفه الفلسطينيون، وأوروبا تدعمها امتدادًا لتاريخ استعماري لم ينته، وأمريكا ترعاها حماية لمصالح لا تخفى على أحد أولها النفط والغاز العربي وقضايا أخرى،وعليه يعتبر فهم هذه الحقيقة،هو المفتاح لفهم لماذا يتحرك الغرب بهذه السرعة وبهذا الإصرار للدفاع عن إسرائيل في كل مرة، ولماذا يُخرس صوت الحق، ولماذا يُقتل الفلسطيني في فلسطين مرتين؛ مرة بالقنابل الاسرائيلية الامريكيه، ومرة ثانية باللغة التي تموّه الجريمة وتخفي الفاعل وتبرر فيها القتل وحرب الابادة في قطاع غزة وسرقة الأراضي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟