عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 17:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
في قلب مدينة لاهاي الهولندية الهادئة، على بعد خطوات قليلة من الشاطئ الشمالي، يقف قصر السلام (Peace Palace) المهيب هناك في منظر جميل ورائع، وهو مبنى ضخم من الطوب الأحمر والقبة الرمادية، افتتح في عام 1913 بتمويل من رجل الأعمال الأمريكي أندرو كارنيجي، كرمز لطموح البشرية في تسوية النزاعات بالحوار بدلاً من الحرب. داخل هذا القصر تعمل (محكمة العالم) ،محكمة العدل الدولية (International Court of Justice, ICJ)، وهي أعلى هيئة قضائية في منظومة الأمم المتحدة، والمختصة بالفصل في النزاعات بين الدول (وليس بين الأفراد أو الشركات)، وإصدار الآراء الاستشارية لصالح الجمعية العامة ومجلس الأمن والوكالات المتخصصة.
لمدة 75 عاماً (منذ تأسيس المحكمة في عام 1945 مع الأمم المتحدة)، كانت محكمة العدل الدولية تنظر في قضايا "تقليدية"، نزاعات حدودية بين دول متجاورة (مثل النزاع بين نيكاراغوا وهندوراس حول جزر سان أندريس)، نزاعات حول الحقوق البحرية (مثل النزاع بين بيرو وتشيلي حول الحدود البحرية في المحيط الهادئ)، نزاعات حول انتهاك اتفاقيات التجارة والاستثمار، ونزاعات حول استخدام القوة والعدوان (مثل قضية أوكرانيا ضد روسيا 2022). قضايا مهمة، لكنها بعيدة عن حياة المواطن العادي، وعن القضايا "الكبرى" مثل حقوق الإنسان وتغير المناخ والفقر المدقع والتفاوت العالمي.
لكن في السنوات الأخيرة، تغير كل شيء. بدأت محكمة العدل الدولية تتعامل مع قضايا مصيرية للإنسانية جمعاء، قضايا تمس حياة المليارات ووجود دول بأكملها. وفي طليعة هذه القضايا الجديدة تأتي العدالة المناخية (Climate Justice) .
لأول مرة في التاريخ، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة (بأغلبية ساحقة) ، بتاريخ 29/مارس/2023، من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري حول التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ، والعواقب القانونية المترتبة على الدول التي تسببت بهذا الخلل، من خلال أفعالها أو إغفالاتها، أضراراً مناخية جسيمة لدول أخرى وشعوبها.
هذا الطلب (الذي تقدمت به جزيرة فانواتو الصغيرة نيابة عن مجموعة من الدول الجزرية والأقل نمواً) هو بمثابة "قنبلة قانونية" زرعت في قلب النظام القانوني الدولي. إذا قال القضاة في لاهاي ما ينتظره المليارات، فإن النظام الدولي برمته سيتغير. وإذا قالوا شيئاً آخر، فإن آمال الملايين في العدالة المناخية ستنهار.
هذا الموضوع يستعرض السؤال الإشكالي بالتفصيل،ما هي محكمة العدل الدولية وكيف تعمل؛ ما هو "الرأي الاستشاري" ولماذا هو مهم؛ ما هو طلب الجمعية العامة بشأن المناخ تحديداً؛ وما هي الآثار العملية والقانونية المتوقعة لهذا الرأي.
1-ما هي محكمة العدل الدولية، الاختصاص والآليات
محكمة العدل الدولية ليست محكمة جنائية (هذه هي المحكمة الجنائية الدولية، ICC، ومقرها أيضاً لاهاي)، ولا محكمة حقوق الإنسان (هذه هي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان في سان خوسيه، والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان في أروشا). محكمة العدل الدولية هي محكمة الدول (State-to-State court)،او كما يطلقون عليها (محكمة العالم).
تتألف المحكمة من 15 قاضياً ينتخبون لمدة 9 سنوات من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن (بأغلبية منفصلة في كل هيئة)، ويمثلون مختلف النظم القانونية والثقافات في العالم (عرفاً، الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن: أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، لكل منهم قاضٍ من جنسيته، أما القضاة العشرة الآخرون فيأتون من مناطق جغرافية مختلفة: أفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية، أوروبا الشرقية، أوروبا الغربية ودول أخرى).
2-تختص المحكمة بنوعين من القضايا:
النوع الأول: القضايا المتنازع عليها (Contentious cases) . هذه قضايا بين دولتين أو أكثر، تتنازع حول انتهاك التزام قانوني دولي. مثال: قضية أوكرانيا ضد روسيا (2022)، حيث تتهم أوكرانيا روسيا بارتكاب "جريمة العدوان" والإبادة الجماعية في أوكرانيا. مثال آخر,قضية غامبيا ضد ميانمار (2019)، حيث تتهم غامبيا (نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي) ميانمار بارتكاب إبادة جماعية ضد مسلمي الروهينغا. في هذا النوع، حكم المحكمة ملزم للدولتين، وهناك آليات (نظرية) لتنفيذه عبر مجلس الأمن (لكن في الواقع، الدول الكبرى غالباً ما تتجاهل الأحكام، كما حدث مع أمريكا في قضية نيكاراغوا 1986 عندما تجاهلت حكم المحكمة ورفضت دفع تعويضات إلى نيكاراغوا التي تنازلت عن حقها فيما بعد لعدم دخول في صراع مع واشنطن ).
النوع الثاني: الآراء الاستشارية (Advisory opinions) . هذه ليست قضايا بين دولتين، بل هي "أسئلة قانونية" توجهها إلى المحكمة هيئات أممية ،مثل الجمعية العامة، مجلس الأمن، الوكالات المتخصصة (مثل منظمة الصحة العالمية، منظمة العمل الدولية، منظمة الأغذية والزراعة). المحكمة تدرس السؤال، تسمع من الدول المعنية (أي دولة يمكنها تقديم مذكرات قانونية ومرافعات شفوية)، وبعد أشهر أو سنوات، تصدر "رأياً استشارياً" غير ملزم قانونياً (أي لا يوجد آلية لإجبار أي دولة على تنفيذه). لكنه ليس "عديم الفائدة" أبداً: الآراء الاستشارية تحدد القانون الدولي وتوضحه وتفسره، وهي سلطة قانونية (authority) وليست قوة إلزامية (binding force). وغالباً ما تؤدي إلى:
-تغيير سلوك الدول (التي لا تريد أن توصف بأنها "منتهكة للقانون الدولي" أمام العالم).
-تسوية نزاعات (الدول تستخدم الرأي كأساس للتفاوض).
-إلهام القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية الجديدة.
-استخدامها كأدلة وأسانيد في قضايا أخرى أمام محاكم وطنية وإقليمية.
3-أشهر نماذج الآراء الاستشارية في تاريخ محكمة العدل الدولية:
-الرأي بشأن "الأسلحة النووية" (1996)، قالت المحكمة إن استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية سيكون عموماً مخالفاً للقانون الدولي الإنساني، لكنها لم تقل بحظرها الكامل. هذا الرأي شكل أساساً لمعاهدة حظر الأسلحة النووية عام (2017).
-الرأي بشأن "جدار الفصل العنصري الاسرائيلي " في فلسطين (2004)، قالت المحكمة إن بناء الجدار الاسرائيلي في الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة) غير قانوني ويجب إزالته. إسرائيل تجاهلت الرأي بالكامل، لكنه يستخدم حتى اليوم كأساس قانوني لمقاطعة إسرائيل ولمقاضاة مسؤوليها.
- الرأي بشأن "كوسوفو" (2010)، قالت المحكمة إن إعلان استقلال كوسوفو لم يخالف القانون الدولي. هذا الرأي أضعف حجج صربيا لكنه لم يغير الواقع على الأرض.
4-طلب الجمعية العامة بشأن تغير المناخ،ماذا يقول
بالعودة إلى موضوعنا الأساسي والجوهري (حول المناخ)،في 29 مارس 2024، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة (بمبادرة من جزيرة فانواتو، بدعم من 120 دولة أخرى) قراراً تاريخياً (برقم A/RES/77/276) يطلب من محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً حول سؤالين أساسيين:
-السؤال الأول: ما هي التزامات الدول بموجب القانون الدولي (بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان، ومبادئ قانون البيئة الدولي) لضمان حماية نظام المناخ من الانبعاثات الضارة لغازات الاحتباس الحراري، للأجيال الحالية والمستقبلية.
هذا السؤال يطلب من المحكمة "رسم خريطة" قانونية كاملة لالتزامات الدول المناخية. هل هي فقط ما وافقت عليه طواعية في اتفاق باريس (مساهمات محددة وطنياً، National Determined Contributions)؛ أم أن هناك التزامات أعمق وأوسع بموجب حقوق الإنسان والقانون الدولي العرفي ومبادئ القانون البيئي.
على سبيل المثال، هل هناك "التزام بحماية نظام المناخ" بموجب المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الحق في الحياة) والمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الحق المتأصل في الحياة) والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية)؛ إذا كان الجواب نعم، فهذا يعني أن أي دولة لا تخفض انبعاثاتها بالسرعة الكافية تنتهك حقوق الإنسان الأساسية لملايين البشر (وليس فقط "تخلف عن هدف طوعي").
-السؤال الثاني: ما هي العواقب القانونية (بما في ذلك المسؤولية عن الأضرار والتعويضات والمساعدة) التي تترتب على الدول التي تسبب، من خلال أفعالها أو إغفالاتها، أضراراً مناخية جسيمة لدول أخرى وشعوبها، وخاصة الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نمواً الأكثر تضرراً والهشة.
هذا السؤال هو الأكثر إشكالية والأكثر جرأة. يطلب من محكمة العدل أن تحدد مسؤولية الدول الملوثة (تلك التي ساهمت تاريخياً بأكثر من 80% من الانبعاثات الكربونية المتراكمة) تجاه الدول المتضررة (تلك التي تعاني من الجفاف والفيضانات وارتفاع منسوب البحار وغيرها).
-هل توجد "مسؤولية قانونية" (وليست مجرد "أخلاقية") عن الأضرار العابرة للحدود.
- هل توجد "مسؤولية تعويضية" (أي دفع تعويضات مالية للدول المتضررة عن الخسائر التي تكبدتها بالفعل).
-هل توجد "مسؤولية مساعدات" (أي توفير مساعدات تقنية ومالية للتكيف)؛ وإذا كان الجواب نعم، فكيف تحسب هذه التعويضات؛من يحدد المبالغ؛من ينفذ.
هذه الأسئلة كانت "محرمة" في مفاوضات المناخ الدولية منذ اتفاق الأمم المتحدة الإطارية عام (1992) حتى يومنا هذا. الدول الغنية (خاصة أمريكا وأوروبا) كانت ترفض بشدة أي نقاش حول "الخسائر والأضرار" (Loss and Damage) بتهمة أنه "سيفتح الباب لدعاوى تعويضات بمليارات الدولارات لا يمكنهم تحملها".
الدول الغنية وافقت أخيراً في مؤتمر المناخ COP28 (دبي 2023) على إنشاء "صندوق الخسائر والأضرار" (Loss and Damage Fund) لكن بأموال طوعية وقليلة جداً (حوالي 700 مليون دولار في أول سنتين، وهو أقل بكثير من احتياجات الدول الجزرية المتضررة التي تقدر بالمليارات). والآن، جاء طلب (فانواتو) ليضرب عرض الحائط ويطلب من أعلى سلطة قضائية في العالم أن تفتح هذا الملف الشائك من أوسع أبوابه.
5-الآثار المتوقعة للرأي الاستشاري المرتقب
من المتوقع أن تصدر محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في أواخر عام 2026 أو أوائل عام 2027 (أي بعد حوالي 3 سنوات من تقديم الطلب). هذا الرأي، مهما كان نصه، سيكون له آثار هائلة على عدة مستويات منها:
أ-على المستوى القانوني الدولي:
إذا قالت محكمة العدل (وهو الأكثر ترجيحاً) إن الدول ملزمة بحماية نظام المناخ ليس فقط بموجب اتفاق باريس الطوعي، بل بموجب حقوق الإنسان والقانون الدولي العرفي، فإن هذا سيرفع سقف الطموح القانوني بشكل كبير.
بالتالي لن تكون الدول بعد الآن في وضع "نحن نقدم مساهماتنا الطوعية ونحن أحرار في تعديلها حسب مصلحتنا". بل ستكون ملزمة بـ"الواجب القانوني" (legal duty) لحماية المناخ وحقوق الإنسان. هذا يعني أن أي دولة تقصّر في خفض الانبعاثات (مثل السعودية، روسيا، أستراليا، كندا، أو حتى الولايات المتحدة وألمانيا إذا تراجعت) يمكن مقاضاتها أمام المحاكم الوطنية (بدعاوى حقوق الإنسان) وأمام المحاكم الإقليمية (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، ومحكمة العدل الأفريقية، ومحكمة دول شرق أفريقيا)، وحتى أمام محكمة العدل الدولية نفسها في قضايا متنازع عليها بين الدول المتضررة من تلوث المناخ.
كذلك، إذا قالت (محكمة العالم)، إن الدول التي تسبب أضراراً مناخية لدول أخرى تتحمل "مسؤولية قانونية" عن هذه الأضرار، فإن هذا سيفتح الباب أمام الآتي:
-دعاوى جماعية من الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نمواً ضد الدول الغنية الكبرى (مثل فانواتو وتوفالو وجزر سليمان ضد أمريكا والصين والهند واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا وروسيا) أمام محكمة العدل الدولية (قضايا متنازع عليها، وليس مجرد رأي استشاري). هذه القضايا ستستغرق سنوات، لكنها ستخلق ضغطاً سياسياً وإعلامياً هائلاً.
-دعاوى مماثلة من الدول المتضررة أمام المحاكم الوطنية في الدول الغنية (مثل مقاضاة فيتنام وباكستان ونيجيريا وبوليفيا وبيرو وإندونيسيا للشركات والحكومات الأوروبية والأمريكية في محاكم لندن ونيويورك ولاهاي وباريس)، بموجب قوانين "الأضرار عبر الحدود" (Transboundary harm) والولاية القضائية العالمية.
ب- على المستوى الوطني والقانون الداخلي:
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، رغم عدم إلزاميته قانونياً، سيخلق سابقة قضائية هائلة ستستخدمها المحاكم الوطنية في جميع أنحاء العالم كـ"دليل" و"سلطة" و"تفسير معتمد للقانون الدولي". هذا يعني أن القضاة في الهند وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا وكينيا وكولومبيا وبيرو، عند نظرهم لدعاوى مناخية محلية، سيعتمدون على رأي محكمة العدل الدولية ليقولوا: "لقد قالت أعلى محكمة في العالم إن تغير المناخ ينتهك حقوق الإنسان، وإن الدول مسؤولة عن تعويض الأضرار. نحن في هذه المحكمة الوطنية نتبنى هذا الرأي ونطبقه."
هذا سيؤدي إلى انفجار في عدد الدعاوى المناخية المحلية والناجحة. الدول التي كانت تتجاهل التزاماتها المناخية أو تؤجلها ستجد نفسها تحت ضغط قضائي هائل من مواطنيها ومجتمعها المدني ومؤسسات حقوق الإنسان الوطنية، بل ومن المدعين الأجانب الذين قد يستخدمون آليات الولاية القضائية العالمية.
ج-على المستوى الدبلوماسي والتفاوضي
الرأي الاستشاري سيعطي ورقة ضغط هائلة للدول المتضررة (الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نمواً ودول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) في مفاوضات تغير المناخ (COP29, COP30, COP31... إلخ). حالياً، الدول الفقيرة تتفاوض من موقع ضعف؛ "ساعدونا من فضلكم، نحن نغرق". بعد الرأي الاستشاري، ستتفاوض من موقع قانوني وقوي، "أنتم ملزمون قانونياً بمساعدتنا وتعويضنا. هذه ليست صدقة، هذه التزامات قانونية يمكن مقاضاتكم عليها إذا لم تلتزموا بها."
هذا سيغير موازين القوى في مفاوضات المناخ بشكل جذري، وقد يدفع الدول الغنية إلى تقديم تعهدات مالية وأهداف خفض انبعاثات أكثر طموحاً، خوفاً من المقاضاة والإحراج الدبلوماسي.
رابعاً: على المستوى الشعبي والثقافي
الرأي الاستشاري سيكون حدثاً إعلامياً عالمياً، وسينتشر خبره في كل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. سيدرك مئات الملايين من الناس حول العالم أن "العدالة المناخية ليست حلماً، بل هي قانون دولي يمكن تنفيذه". سيزداد الضغط الشعبي على الحكومات لاتخاذ إجراءات جذرية لمواجهة تغير المناخ، وسيزداد الدعم للحركات البيئية وللمنظمات غير الحكومية التي تقاضي الحكومات والشركات. سيزداد أيضاً الوعي بأن تغير المناخ ليس "كارثة طبيعية" بل هو "نتيجة أفعال بشرية يمكن محاسبة المسؤولين عنها".
أما حول لتحديات والانتقادات المحتملة،لا تخلو هذه القضية من تحديات وانتقادات كبيرة منها:
أ-الخوف من "فشل" الرأي الاستشاري.
ليس مضموناً أن تقول (محكمة العدل الدولية) ما يريده المدافعون عن المناخ. القضاة الـ15 (الذين ينتخبهم مجلس الأمن والجمعية العامة) هم من دول مختلفة، بعضها دول كبيرة ملوثة (مثل الصين، روسيا، الهند، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا). هؤلاء القضاة قد يخضعون لضغوط سياسية (مباشرة أو غير مباشرة) من حكوماتهم، أو قد يكونون متحفظين قانونياً وخائفين من إصدار رأي "جذري" قد يزعزع استقرار النظام القانوني الدولي. من الممكن أن تصدر المحكمة رأياً ضعيفاً ومحايداً يقول، "نعم، الدول ملزمة بحماية المناخ، لكن الالتزامات طوعية وليست ملزمة قانوناً، وتعويضات الخسائر والأضرار هي مسؤولية أخلاقية وليست قانونية." إذا حدث هذا، فسيكون بمثابة كارثة لحركة العدالة المناخية، وسيُستخدم كسلاح من قبل الدول الملوثة لتبرير تقاعسها.
ب-صعوبة التنفيذ. حتى لو صدر رأي قوي وجريء، لا توجد آلية دولية لإجبار الدول على تنفيذه.
محكمة العدل الدولية لا تملك شرطة، ولا جيش، ولا قوة مالية. تعتمد على "حسن نية الدول". الدول التي ستدينها المحكمة (أمريكا، الصين، روسيا، الهند، ألمانيا، اليابان، بريطانيا، فرنسا، كندا، أستراليا) هي أيضاً الدول صاحبة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن (أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا)، وهي الدول الكبرى اقتصادياً وعسكرياً. يمكنها ببساطة أن تتجاهل الرأي، مثلما تجاهلت إسرائيل الرأي بشأن جدار الفصل العنصري عام 2004 بدعم من واشنطن، ومثلما تجاهلت الولايات المتحدة الرأي بشأن نيكاراغوا. إذا حدث هذا، فإن الرأي سيكون "فضيحة قانونية" أخرى تظهر عجز النظام القانوني الدولي عن محاسبة الكبار.
ج-صعوبة تحديد "السببية" (Causation) وتقدير "الأضرار" (Damages) . حتى لو اعترف الرأي الاستشاري بمبدأ المسؤولية عن الأضرار عبر الحدود، فإن تحويل هذا المبدأ إلى تعويضات ملموسة ومحددة في قضايا متنازع عليها سيكون شبه مستحيل. كيف تثبت أن 10% من فيضانات باكستان ناجمة عن انبعاثات الصين، و5% عن انبعاثات أمريكا، و15% عن انبعاثات الاتحاد الأوروبي، و20% عن انبعاثات الهند، والباقي عن عوامل طبيعية وأسباب أخرى؟.
كيف تحول هذه النسب المئوية إلى مليارات الدولارات؛ كيف تقنع محكمة (أو هيئة تحكيم) برقم معين؛ هذا "كابوس قانوني" حقيقي، وقد استعصى على المحاكم الدولية لعقود. (هناك بعض النماذج الأولية مثل "نموذج إسناد الأحداث المناخية المتطرفة" - Climate Extreme Event Attribution - الذي يستخدم المحاكاة الحاسوبية والبيانات المناخية لتقدير تأثير تغير المناخ على أحداث معينة، لكنها لا تزال غير دقيقة بما يكفي للإثبات القانوني المطلوب في قضايا المسؤولية الصارمة).
خلاصة: انتظار قرار لاهاي(محكمة العالم ) بفارغ الصبر.
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول التزامات الدول المناخية هو الحدث القانوني الأكثر أهمية في تاريخ المناخ، بل ربما في تاريخ حقوق الإنسان منذ الإعلان العالمي (1948).
يمكن أن يكون لحظة تحولية تضع حداً لقرون من "الإفلات من العقاب" للدول الغنية الملوثة للمناخ، وتؤسس لعصر جديد من المسؤولية المناخية والعدالة البيئية. ويمكن أن يكون خيبة أمل كبرى تكشف مرة أخرى هشاشة النظام القانوني الدولي وعجزه عن حماية الضعفاء من أقوياء العالم.
كل الأنظار تتجه الآن إلى قصر السلام في لاهاي. القضاة الـ15 يدرسون الملفات ويستمعون إلى المرافعات (الدول الملوثة قدمت مذكرات قانونية ضخمة، والدول المتضررة قدمت مذكرات مضادة). العالم ينتظر. والأمل معقود. والتاريخ يراقب صدور قرار من محكمة العالم.
المراجع:
-ميثاق الأمم المتحدة. (1945). الفصل الرابع عشر: محكمة العدل الدولية.
-نظام محكمة العدل الدولية الأساسي. (1945). المواد 65-68 (الآراء الاستشارية).
-الجمعية العامة للأمم المتحدة. (2024). طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول المتعلقة بتغير المناخ. القرار A/RES/77/276.
- محكمة العدل الدولية. (1996). الرأي الاستشاري بشأن شرعية استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية. تقارير 1996، ص 226.
-محكمة العدل الدولية. (2004). الرأي الاستشاري بشأن الآثار القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة. تقارير 2004، ص 136.
- محكمة العدل الدولية. (2010). الرأي الاستشاري بشأن إعلان استقلال كوسوفو. تقارير 2010، ص 403.
-محكمة العدل الدولية. (1986). قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا ضد نيكاراغوا. تقارير 1986، ص 14.
-محكمة العدل الدولية. (2022). قضية أوكرانيا ضد روسيا (اتهامات الإبادة الجماعية). رقم القضية 2022/3.
-محكمة العدل الدولية. (2019). قضية غامبيا ضد ميانمار (اتهامات الإبادة الجماعية ضد الروهينغا). رقم القضية 2019/4.
- اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. (1992).
-اتفاق باريس. (2015). المواد 2-4 (المساهمات المحددة وطنياً).
- تقرير مؤتمر الأطراف COP28. (2023). قرار إنشاء صندوق الخسائر والأضرار. دبي.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟