أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - مليونان ونصف في سجن كبير بلا ماء ولا كهرباء… لماذا يصرخ أطفال غزة -لا نريد أن نعيش-















المزيد.....


مليونان ونصف في سجن كبير بلا ماء ولا كهرباء… لماذا يصرخ أطفال غزة -لا نريد أن نعيش-


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 14:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

المقدمة

عندما تخرج جموع الفلسطينيين في قطاع غزة إلى الشوارع في مشاهد احتجاجية تتكرر بين فترة وأخرى، يسارع الكثير من المحللين الغربيين والإعلاميين إلى تأطير هذه الاحتجاجات في سياق سياسي ضيق، وصفها بأنها "موجهة من حماس" أو "معادية لإسرائيل" بطبيعتها، متناسين أو متجاهلين عن قصد الحقائق المادية القاسية التي يعيشها سكان هذا القطاع الصغير المحاصر منذ عام 2007 والى يومنا هذا منتصف 2026.

هذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها، طالما أن لديه عيون يرى بها أو أذنان يسمع بهما، هي أن غزة تحولت تدريجياً وبشكل ممنهج إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، حيث تختلط ملوحة المياه بدماء المرضى، وتتداخل ساعات الظلام الطويلة بفعل انقطاع الكهرباء طوال اليوم،وتوفرها لمدة اربع ساعات في اليوم ، مع بكاء أطفال لا يعرفون طعم الحياة الطبيعية. إن الاحتجاجات الغزية ليست ظاهرة سياسية عابرة، بل هي نتاج حتمي لسياسات إقصاء وتجويع وإذلال متواصلة منذ ما يقارب العقدين تمارسها دولة الاحتلال الاسرائيلي ضدهم بشكل ممنهج، وهذه الاحتجاجات تصدر عن مجتمع فلسطيني يئس من الحلول السياسية الفاشلة،ومن عدم تدخل المجتمع الدولي،ومن عدم رحمة الاخوة العرب والأصدقاء في العالم،بعد أن خانته الأرض والماء والكهرباء.

السؤال الإشكالي

كيف يمكن تفسير الاحتجاجات الشعبية المتكررة في قطاع غزة في ضوء المؤشرات الكارثية التي تظهر استحالة الحياة الطبيعية فيه، والمتمثلة في تلوث 95% من المياه الجوفية لدرجة تجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وانحصار التيار الكهربائي في أربع ساعات يومياً فقط تعطل كافة مناحي الحياة، ووصول البطالة إلى 66% من إجمالي القوى العاملة مع تركيزها بين الشباب والخريجين، وإصابة 46% من أطفال القطاع بفقر الدم الحاد بسبب سوء التغذية المزمن، وتعبير نصف أطفال غزة عن فقدان الرغبة في الحياة بشكل علني وصريح بسبب التأثير النفسي السلبي بسبب حرب الابادة على مدار عامين متواصلين من اكتوبر2023 إلى امتوبر2025، وحرمان مليوني إنسان من حرية التنقل الأساسية بين مدن الضفة وغزة والخارج؛ وهل هذه الاحتجاجات تعبر عن حالة يأس جماعي حقيقي أم أنها تستغل سياسياً من قبل فصائل معينة، وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الدولي والعربي في معالجة جذور المشكلة بدلاً من التعامل مع أعراضها.

أولاً: أزمة المياه والكهرباء كسلاح إبادة بطيء وممنهج ضد الفلسطينيين في غزة

تمثل البنية التحتية الأساسية للمياه والكهرباء في غزة حالة فريدة من نوعها في العالم، ليس بسبب قدم المعدات أو النقص الفني فيها فقط، بل لأن (دولة الاحتلال الاسرائيلي) تتحكم فعلياً في كل قطرة ماء وكل أمبير كهرباء يدخل إلى القطاع، وتستخدم هذا التحكم كورقة ضغط سياسي وعقاب جماعي للمدنيين. فالمياه الجوفية الوحيدة التي يعتمد عليها القطاع منذ عقود أصبحت اليوم ملوثة بنسبة 95%، وذلك لأن إسرائيل منعت إدخال مواد حفر وتنقيب ومواسير وأنظمة تحلية متطورة، كما منعت إدخال مضخات قوية لمعالجة ملوحة البحر المتسربة إلى الخزان الجوفي الوحيد.

النتيجة أن عائلة غزية مكونة من ستة أفراد تضطر لدفع ما يعادل ثلث دخلها الشهري لشراء مياه معبأة من شركات خاصة، أو أنها تشرب مياهاً مالحة ومصابة بالصرف الصحي فتصاب بأمراض الكلى المزمنة والتهابات الأمعاء وسوء الهضم، وقد رصدت منظمة الصحة العالمية ارتفاعاً مخيفاً في حالات الفشل الكلوي بين الأطفال الغزيين خلال العقد الماضي فقط.

أما بالنسبة للكهرباء، فالأمر ليس أقل سوءاً، حيث تعتمد غزة على ثلاثة مصادر رئيسية جميعها خارجة عن إرادة سكانها هي خطوط كهرباء إسرائيلية تغذي القطاع بخطين فقط توقفهما إسرائيل بين الحين والآخر متى تشاء كعقاب جماعي للفلسطينيين، ومحطة توليد تعمل بالوقود الذي تتحكم أيضا إسرائيل بإدخاله لغزة، وخطوط مصرية تم تدمير معظمها أو إهمالها. المحصلة النهائية أن الكهرباء لا تتوفر في بيوت الغزيين إلا لمعدل أربع ساعات يومياً، تتقطع خلالها الثلاجات فتفسد الأطعمة والأدوية، وتتوقف أجهزة التنفس الاصطناعي عن العمل في المستشفيات فيموت المرضى، وتتوقف مضخات المياه فتتعطل دورات المياه وتنتشر الأمراض، ويتوقف التعليم الإلكتروني والتواصل مع العالم الخارجي فيتراجع قطاع كامل إلى ما قبل العصر الحجري الحديث. عندما يعيش إنسان في بيئة لا ماء صالحاً للشرب فيها ولا كهرباء مستقرة تضيء له ظلام ليله، فإن خروجه إلى الشارع محتجاً ليس رفاهية ديمقراطية بل غريزة بقاء لا يمكن كبتها.

ثانياً: البطالة كآلة لسحق الكرامة وتحويل الشباب إلى قنابل موقوتة

لا يوجد مؤشر اقتصادي أخطر على أي مجتمع من ارتفاع نسبة البطالة، خصوصاً عندما تكون هذه النسبة متركزة بين الشباب حديثي التخرج والخريجين الجامعيين الذين قضوا سنوات عمرهم في التعليم أملاً في حياة أفضل. في غزة، وصلت نسبة البطالة إلى 66% من إجمالي القوى العاملة بشكل عام في غزة، وهو رقم مهول بكل المقاييس، ولكن الخطر الحقيقي يظهر عندما نتعمق في التفاصيل الدقيقة لهذه النسبة, فبين النساء تصل البطالة إلى أكثر من 70%، وبين خريجي الجامعات تتجاوز 65%، وبين الشباب من عمر 20 إلى 29 سنة تصل إلى حوالي 60%.

تخيل شاباً غزياً ينهي دراسته الثانوية بتفوق 98%، يلتحق بالجامعة ويدفع أقساطاً باهظة من جيب عائلته الفقيرة، يقضي أربع أو خمس سنوات يتعلم فيها ويحلم، ثم يتخرج بشهادة بكالوريوس في الهندسة أو الطب أو الحقوق أو تكنولوجيا المعلومات، ليجد نفسه بعد التخرج مضطراً للبحث عن عمل في سوق لا يوفر حتى فرص عمل للحمالين وعمال البناء.

هذا الشاب الجامعي الأكاديمي المميز، الذي كان يأمل أن يكون سنداً لأسرته الفقيرة ولنفسه، يتحول فجأة إلى عبء إضافي عليها، ويضطر للقبول بأي عمل مهما كان زهيد الأجر ومهما كان متدنياً في المكانة الاجتماعية، أو يظل عاطلاً عن العمل لسنوات طويلة يشاهد فيها رفاقه وأقرانه في الخارج يحققون أحلامهم بينما هو غارق في بحر من الإحباط والفقر والجوع في ظل حرب الإبادة ومابعدها.

إن البطالة في غزة ليست مجرد رقم اقتصادي جاف، بل هي آلة متكاملة لسحق الكرامة الإنسانية وتحطيم الأحلام وتفريغ الطاقات، وتحويل الشباب من قوة دافعة للمجتمع الفلسطيني إلى قنابل موقوتة تنفجر بين الحين والآخر؛ إما في صورة احتجاجات شعبية؛ أو هجرة يائسة تحت الضغط بسبب الفقر او بهدف إكمال حلم التعليم العالي في اروبا، أو انضمام إلى جماعات متطرفة او الانتماء للمقاومة؛أضف إلى ذلك أن الحصار الاسرائيلي على غزة،يمنع هؤلاء الشباب من السفر للبحث عن عمل خارج غزة، ويحرمهم حتى من حقهم الطبيعي في تحسين اوضاعهم من واقعهم الكابوسي في غزة، فهم جميعا سجناء ،في سجن كبير ليس لهم منه مخرج إلا بموت أو يأس أعمى.

ثالثاً: انهيار الصحة العامة وتحول الأطفال إلى ضحايا صامتين للحصار الاسرائيلي

إذا كانت البنية التحتية المتهالكة والبطالة المرتفعة تمثلان كارثة للبالغين، فإن الأرقام المتعلقة بصحة الأطفال في غزة تمثل جريمة بحق الإنسانية جمعاء. إن إصابة 46% من أطفال غزة بفقر الدم الحاد، وهو المرض الناتج بشكل رئيسي عن نقص الحديد والفيتامينات في الطعام وتلوث المياه وانتشار الديدان المعوية، يعني أن قرابة نصف جيل كامل من الفلسطينيين ينشأ بعجز مزمن في الأكسجين الواصل إلى دماغه وأعضائه الحيوية. هذا العجز لا يؤثر فقط على قدرتهم على اللعب والجري والتركيز في المدرسة، بل يؤثر على نمو أدمغتهم بشكل دائم ومستديم، مما يعني أن هؤلاء الأطفال سيكبرون وهم يعانون من نقص في القدرات الإدراكية والتعلمية مقارنة بأقرانهم في أي مكان آخر في العالم. والأكثر إيلاماً وإخزاءً للضمير الإنساني من فقر الدم، هو ذلك الرقم الآخر الذي لا تستطيع أي جهة إنسانية تفسيره أو تبريره ،نسبة 50% من أطفال غزة يعبرون بشكل صريح وعلني عن فقدان الرغبة في الحياة ويتمنون الموت بسبب المرض والاكتئاب وحرب الإبادة وعدم توفر الأمان النفسي والاجتماعي والغذائي لهم في غزة.

كيف يمكن لطفل في العاشرة من عمره، كان المفترض أن يكون في مرحلة اللعب والمرح واكتشاف العالم، أن يقول بكل برود "لا أريد أن أعيش" أو "أتمنى أن أموت"؛ هذه العبارات ليست مجرد كلمات يرددها الأطفال تقليداً للكبار، بل هي تعبير حقيقي عن يأس عميق زرعته في قلوبهم سنوات الحصار الاسرائيلي ،والفقر والموت المحيط بهم من كل اتجاه، والقصف الاسرائيلي المستمر لجميع المدن في غزة ومشاهد القتل والموت المستمر ضد الأبرياء من المدنيين، والمشاهد كثيرة ومتنوعة مثل عندما يموت جار لهولاء الأطفال بقصف من طائرات الاحتلال، أوعندما لا يجدون دواء لوجع أسنانهم المتسوسة بسبب نقص السكر، وعندما يرون آباءهم عاجزين عن توفير الطعام أو حتى الماء النظيف لهم، أوعندما لا يعرفون معنى الإجازة الصيفية خارج القطاع أو السفر أو حتى رؤية البحر من بعيد، فإن روح الطفل الغزي تتحول إلى رماد قبل أن يبلغ سن الرشد. الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي يخرج فيها هؤلاء الأطفال وهم يرفعون لافتات كتبوا عليها بعفوية أنهم يريدون حياة كريمة، ليست احتجاجات سياسية بل صرخات استغاثة إنسانية يجب أن تسمعها الدنيا بأكملها وتتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منهم في غزة.

رابعاً: الحصار كسجن جماعي وحرمان من أبسط حقوق الإنسان

إن أكثر ما يميز معاناة غزة عن غيرها من مناطق النزاع في العالم هو هذا الحصار الاسرائيلي الخانق والمطبق الذي تحكم إسرائيل من خلاله بكل منفذ بري وبحري وجوي يربط القطاع بالعالم الخارجي. فغزة ليست جزيرة معزولة بسبب ظروف طبيعية، بل هي شريط ساحلي صغير جعلته إسرائيل سجناً مفتوحاً على الهواء الطلق، حيث لا يمكن لأي إنسان غزي أن يغادر القطاع إلا بعد الحصول على تصريح نادر من السلطات الإسرائيلية، وغالباً ما ترفض هذه التصاريح لأسباب غير منطقية مثل "عدم توفر الثقة" أو "اشتباه في نوايا الشخص المسافر حتى لو كان مبتور القدمين". مليوني إنسان محرومون من السفر للعلاج في الخارج، وهناك من يتوفى منهم على المعابر، بسبب انتظار التصاريح وموافقة الاحتلال على سفرهم للعلاج في الخارج.

مليوني إنسان محرومون من زيارة أقاربهم في الضفة الغربية أو الأردن أو مصر أو أي دولة عربية أخرى، فلا يرون أمهاتهم وآباءهم وإخوانهم لسنين طويلة وقد لا يرونهم أبداً.

هناك مليوني إنسان محرومون من إكمال دراستهم الجامعية في الخارج، فلا يستطيع طالب متفوق الحصول على منحة دراسية في أوروبا أو أمريكا لأن حكومته غير معترف بها أو لأن الاحتلال يمنعه من السفر.

هناك مليوني إنسان محرومون من حضور مؤتمر علمي أو ثقافي أو رياضي، ومن تقديم أوراق اعتمادهم في أي مكان في العالم، ومن حتى توديع موتاهم الذين يموتون خارج القطاع. إن أي إنسان في العالم، إذا ما وضع في مثل هذا السجن الكبير والممتد، لخرج إلى الشارع محتجاً بصوت عالٍ مهما كلفه الأمر، ولطالب العالم كله بوقف هذا العبث بحريته وكرامته.

لكن المشكلة الأكبر ،أن العالم ليس فقط متفرجاً على هذا السجن الجماعي، بل هو شريك فيه بشكل أو بآخر، من خلال صمته وتطبيعه مع إسرائيل وعدم مقاطعته لها، ومن خلال تمويله وكالات الإغاثة التي تدير عملية الإيهام بأن الحياة طبيعية في غزة بينما هي في الحقيقة مجرد إدارة للموت البطيء.

خامساً: غياب الأفق السياسي وانهيار الأمل في أي حل قريب

لو كانت هذه المعاناة اليومية مؤقتة أو محدودة بفترة زمنية معينة، لكان بمقدور الإنسان في قطاع غزة، أن يتحملها ويصبر عليها أملاً في غد أفضل. ولكن أخطر ما يعانيه سكان غزة هو الغياب التام لأي أفق سياسي يلوح في الأفق، وأي بارقة أمل تشير إلى أن حياتهم ومعاناتهم ستتحسن في المستقبل القريب.

فالحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ عام 2007، أي منذ ما يقارب 17 عاماً كاملة، لم يطرأ عليه أي تغيير جوهري يذكر على الرغم من كل الجهود الدبلوماسية والحروب المتعددة وسقوط آلاف الضحايا ما يقارب اكثر من 72 الف قتيل،وأكثر من 173 الف جريح سقطوا في حرب الإبادة خلال عامين من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025. المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل متوقفة بالكامل منذ سنوات طويلة مجمدة، ولا توجد أي مؤشرات جدية على استئنافها في المستقبل المنظور، خاصة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل.

أيضا الانقسام الفلسطيني الداخلي بين حركتي فتح وحماس في عام 2007، والذي عمره الآن أكثر من عقد ونصف، لا يزال عصياً على أي حل، فبدلاً من أن تتوحد الجهود الفلسطينية لمواجهة الاحتلال، ينشغل الفلسطينيون بخلافاتهم الداخلية التي تزيد الطين بلة وتعقد أي فرصة لحل سياسي. كذلك غياب دور المجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة والرباعية الدولية والولايات المتحدة، لم يقدم أي خطة سلام جادة أو مبادرة فعالة لحل الصراع منذ سنوات، بل اكتفى بإصدار بيانات استنكار وإدانة لا تغير من واقع الناس شيئاً. أما الدول العربية، فرغم تصريحاتها الداعمة للقضية الفلسطينية، فإن كثيراً منها اتجه نحو التطبيع مع إسرائيل وتطوير علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها، متجاهلة أن التطبيع يعني عملياً مكافأة إسرائيل على احتلالها وحصارها وانتهاكاتها. عندما يعيش إنسان في هذا الفراغ السياسي الرهيب، ولا يرى أي بصيص نور في نهاية النفق المظلم، فإنه من الطبيعي أن يصل إلى مرحلة من اليأس العميق تجعله غير مبال بأي شيء، أو تدفعه إلى الاحتجاج العنيف على واقعه، أو على الأقل إلى الصراخ عالياً لعله يوقظ ضمير عالم نائم.

اقتراحات

1. يجب على المجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة تحديداً ،وليس فقط في بيانات الشجب والاستنكار، أن يتحرك فوراً لفرض آلية مستقلة وملزمة لكسر الحصار عن غزة، تشمل فتح المعابر البرية والبحرية بشكل كامل ودائم مع ضمانات دولية للأمن وسيرورة العمل، وتوفير كافة الاحتياجات الأساسية للمواطنين دون استثناء أو شرط.

2. ينبغي على الدول العربية، وخاصة الدول الغنية منها، أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية تجاه الفلسطينيين، وأن تقدم دعماً مالياً مناسباً وعاجلاً لإعادة إعمار البنية التحتية في غزة، وخاصة محطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء ومصانع معالجة الصرف الصحي، وذلك تحت إشراف هيئات دولية محايدة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها مع توجيه الشكر والتقدير لكل من ساهم منهم في هذا الشأن سابقا أو مستقبلا.

3. من الضروري الضغط على إسرائيل من خلال آليات تتضمن عقوبات اقتصادية ودبلوماسية حقيقية وفعلية على ارض الواقع، وليس فقط من خلال تصريحات شجبية فارغة، لإجبارها على رفع الحصار بشكل كامل وفوري، وإلزامها بالتعويض عن الأضرار الهائلة التي ألحقتها بقطاع غزة والبنية التحتية الفلسطينية على مدار سنوات الحصار وحرب الإبادة على مدار عامين متكاملين من اكتوبر2023-إلى اكتوبر2025.

4. يجب العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي عبر حوار جاد وشامل بين كافة الفصائل الفلسطينية برعاية عربية أو إسلامية أو دولية، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية حرة ونزيهة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة، يكون نتيجتها حكومة وحدة وطنية قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية والتفاوض من موقع قوة وليس ضعف وانقسام.

5. ينبغي تنظيم حملات توعية إعلامية عالمية واسعة النطاق، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي ومنظمات المجتمع المدني، لنشر الحقيقة الكاملة حول معاناة الشعب الفلسطيني من سكان قطاع غزة بشكل يومي ومنتظم، وكسر الصورة النمطية الخاطئة التي يروجها الإعلام الصهيوني الغربي عن الفلسطينيين كـ "إرهابيين" أو "معادين للسامية"، وإظهارهم كبشر عاديين يعانون من الاحتلال الاسرائيلي،ويموتون ويصرخون من أجل الحياة مثل أي إنسان آخر في العالم.


ختاماً،إن الاحتجاجات الفلسطينية الشعبية المتكررة في قطاع غزة ليست كما يحاول البعض تصويرها على أنها مظاهر غضب سياسي موجهة،أو أنها مجرد أداة بيد فصيل معين لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، بل هي في حقيقتها وأعماقها تعبير حقيقي ومباشر وأليم عن يأس جماعي أصاب مليوني إنسان حوصروا من طرف جيش الاحتلال الاسرائيلي،وتم قتلهم بدم بارد، وجوعوا ومنعوا من أبسط حقوقهم لسنوات طويلة. فحين تكون 95% من مياه الشرب غير صالحة للاستهلاك الآدمي في القرن الحادي والعشرين، وحين لا تتجاوز ساعات الكهرباء أربع ساعات يومياً في عصر التكنولوجيا والطاقة، وحين يصل الشباب الفلسطيني إلى يأس يدفع نصف أطفال القطاع إلى التعبير العلني عن فقدان الرغبة في الحياة، فإن الشعب الفلسطيني في غزة،لن يكون هادئاً أبداً، ولن تنجح أي قوة في كبت صرخات هؤلاء الناس إلى الأبد.

اخيراً يمكن القول،ان القضية الفلسطينية ليست قضية دينية أو قومية أو أيديولوجية فقط، بل هي في المقام الأول قضية سياسية وليست إنسانية تبحث عن طعام وشراب ومساعدات غذائية،بل الشعب الفلسطيني يبحث عن حق تقرير مصيره وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة،والقضية الأساسية تتعلق بمليونين ونصف إنسان فلسطيني يصرون بإصرار مذهل على حقهم الأساسي والبسيط في العيش بكرامة، رغم كل الصعاب والتحديات والمؤامرات التي تحيط بهم من كل اتجاه.

العالم أجمع، بمؤسساته وقادته وشعوبه، يقف اليوم أمام اختبار أخلاقي وتاريخي حقيقي وصعب، إما أن يتحرك فوراً وبشكل جاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المأساة الإنسانية المتصاعدة في غزة والضفة وكل فلسطين ،بسبب استمرار الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين، وإما أن يتحمل مسؤولية صمته ولامبالاته وتواطؤه الصامت على واحدة من أكبر جرائم الإبادة البطيئة التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني في عصرنا الحديث، أمام الكاميرات ،وأمام عيون العالم المذهولة من بطش الاحتلال الاسرائيلي وجرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية.

المراجع:

- تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للسنوات 2022-2024 حول الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.
-بيانات وإحصائيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بشأن الحصار والقيود على حركة الفلسطينيين.
- تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) التفصيلية عن صحة الأطفال وتغذيتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
-إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول البطالة والفقر والمؤشرات الاقتصادية في قطاع غزة.
-تقارير منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية حول انتهاكات حقوق الإنسان في غزة، بما في ذلك قيود الحركة والحصار.
-دراسات وأبحاث معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول أزمة المياه والكهرباء في قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية.
- تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حول العقاب الجماعي في غزة وحرمان المدنيين من الخدمات الأساسية.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شريحة إسرائيلية جديدة -آيفون 17e- جاسوس صامت على الفلسطينيين ...
- خارطة طريق خطيرة لمستقبل غزة بدون آليات تنفيذ
- الأمن السيبراني في فلسطين بين التحول الرقمي وإكراهات الاحتلا ...
- أعظم اختراق استخباراتي في تاريخ اسرائيل
- فشل الردع الإسرائيلي باعتماد المناطق الأمنية العازلة
- المسؤولية الاجتماعية كسلاح بيئي جديد- الشركات تحاكم نفسها
- فتح بعد المؤتمر الثامن- تجديد أشخاص أم تجديد سياسات.
- هل يمكن لصفقة نفط سعودية - إيرانية أن تهمش إسرائيل
- العدالة المناخية في لاهاي- كيف يمكن لمحكمة العالم أن تغير قو ...
- الواقع الفلسطيني الكارثي ومقترحات لعقد اجتماعي جديد
- وعد اليونسكو-الذكاء الاصطناعي بين الناعم والصلب
- ثلاث صفعات في أسبوع واحد- السعودية تحرك قطع الشطرنج العالمية
- لماذا يدعم الغرب إسرائيل
- نظام قانوني ملزم للأمن السيبراني من أجل مواجهة التهديدات الع ...
- طوفان الأقصى بين مشروعية المقاومة ورهانات المواجهة
- تدبير مخاطر الكوارث غير الطبيعية في فلسطين
- الكاميرا تحاكم ضمير العالم – من مجاعة السودان إلى حرب الإباد ...
- السياسة الخارجية الفلسطينية في زمن الإبادة
- القانون الدولي بين خطاب الهيمنة والواجب المعياري في فلسطين و ...
- تفكيك أسطورة حقوق الإنسان


المزيد.....




- أيقونتان في صناعة الساعات.. تعاون ثوري بين -سواتش- و-أوديمار ...
- ناشطون بأسطول غزة أطلق سراحهم يتهمون القوات الإسرائيلية بأعم ...
- عراقجي يبحث مع قائد الجيش الباكستاني إنهاء الحرب مع أمريكا.. ...
- -ساعات فاصلة-.. ترامب يبحث -الضربة الحاسمة- وطهران تهاجم -ال ...
- -اختناق ودخان كثيف- و90 قتيلاً على الأقل.. تفاصيل صادمة عن ك ...
- تقرير: رقم قياسي لعدد حالات التجنيس في ألمانيا عام 2025
- أوغندا تعلن اكتشاف ثلاث إصابات جديدة بفيروس إيبولا
- سبيس إكس تجرب مركبة فضاء من الجيل الجديد بنجاح
- قرب خط إيران.. صور فضائية لاحتشاد 240 سفينة قبالة هرمز
- ترمب يتخلص من خصمه الإعلامي الساخر بإلقائه في القمامة


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - مليونان ونصف في سجن كبير بلا ماء ولا كهرباء… لماذا يصرخ أطفال غزة -لا نريد أن نعيش-