عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 09:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية و العلوم السياسية
المقدمة
مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى ميادين القتال الحديثة، من الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل إلى أنظمة الاستهداف الذكية والعمليات السيبرانية الآلية، برز سؤال قانوني وجنائي شديد التعقيد (من يتحمل المسؤولية الجنائية الدولية عندما يرتكب نظام ذكاء اصطناعي جرائم حرب).
تجدر الإشارة،ان نظام روما الأساسي لعام 1998 الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية ودخل حيد التنفيذ في عام 2002، رغم كونه وثيقة قانونية متقدمة جداً عند كتابته، لم يكن يتخيل يوماً أن آلة غير بشرية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة قد تقتل وتجرح وتدمر دون أمر مباشر من إنسان. هذا الثغرة القانونية تجعل العالم اليوم أمام تحدٍ غير مسبوق،" كيف نطبق قواعد المسؤولية الجنائية التقليدية التي صُممت للبشر، على كيانات اصطناعية لا تملك النية أو الإرادة أو الوعي القانوني".
السؤال الإشكالي
كيف يمكن لنظام روما الأساسي، في نصه الحالي، أن يستوعب فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة؛ ومن يتحمل المسؤولية الجنائية الدولية عندما تنتهك أنظمة الذكاء الاصطناعي مبادئ القانون الدولي الإنساني مثل التمييز بين المدنيين والمقاتلين والتناسب والضرورة العسكرية؛ هل المسؤولية تقع على المبرمج، أم القائد العسكري الذي أمر باستخدام النظام، أم الدولة صاحبة النظام، أم على النظام نفسه ككيان مستقل؛ وأخيراً، هل نحتاج إلى تعديل نظام روما الأساسي وتوسيع تعريف الجرائم وسبل المساءلة ليشمل جرائم الذكاء الاصطناعي، أم يمكن حل هذه الإشكالية عبر التفسير التوسعي للنصوص الحالية.
أولاً: فجوة نظام روما الأساسي تجاه جرائم الذكاء الاصطناعي
يحدد نظام روما الأساسي المسؤولية الجنائية الفردية في مادته 25 بوضوح، حيث لا يحاكم ولا يعاقب إلا الأشخاص الطبيعيون، أي البشر الأحياء. لا توجد أي إشارة في النظام إلى إمكانية محاكمة كيان اصطناعي أو نظام آلي أو خوارزمية برمجية. هذا يعني أن أي جريمة حرب يرتكبها نظام ذكاء اصطناعي متطور، سواء أخطأ في تمييز هدف مدني من عسكري، أو استخدم قوة غير متناسبة، أو ارتكب أعمالاً وحشية بشكل آلي ومنتظم، فإن النظام الأساسي لا يمنح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصاً لمحاكمة النظام نفسه لعدم تمتعه بالشخصية القانونية الجنائية.
لكن الثغرة الأكبر تكمن في اشتراط النية الجنائية (العنصر المعنوي) كركيزة أساسية لأي جريمة دولية؛ فالقتل العمد والتدمير المتعمد والتعذيب المقصود كلها تحتاج إلى نية بشرية تسبق الفعل أو ترافقه، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، حتى اليوم، لا تمتلك نية ولا وعياً ولا تتعمد فعل أي شيء، بل تنفذ خوارزمياتها الرياضية الباردة. هذه الفجوة تجعل من الممكن لإنسان أن يرتكب جرائم كبرى عبر وسيط آلي دون أن يترك أثراً مباشراً يربطه بالجريمة، أو أن يفلت القادة العسكريون من العقاب بإلقاء اللوم على "خطأ في النظام" كما يحدث اليوم مع السيارات الكهربائية الذكية ذاتية القيادة،وكذلك الأسلحة المستقلة.
ثانياً: المسؤولية الجنائية للمبرمجين والمطورين بين النظرية والتطبيق
أحد المسارات القانونية الممكنة لمحاكمة جرائم الذكاء الاصطناعي هو توجيه الاتهام إلى المبرمجين والمطورين الذين صمموا وبنوا واختبروا النظام الذي ارتكب الجريمة. فإذا استطاع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إثبات أن المبرمجين صمموا النظام عمداً بطريقة تتوقع وتسمح بانتهاك القانون الدولي الإنساني، مثل برمجة خوارزمية لاستهداف أي شخص فوق سن معينة دون تمييز بين مدني ومقاتل، أو تصميم نظام لا يمكنه إلغاء هجوم إذا تبين أن الهدف مدنياً، فإن هؤلاء المبرمجين قد يتحملون المسؤولية الجنائية كمساهمين أو محرضين أو شركاء في الجريمة. لكن المشكلة العملية تكمن في ثلاثة أمور هي:
أ-إثبات النية الجنائية عند المبرمجين شبه مستحيل لأنهم غالباً ما ينفذون أوامر وتصاميم من رؤسائهم ويبرمجون وفق معايير فنية لا سياسية ولا عسكرية.
ب-كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تعتمد على التعلم العميق والتعلم المعزز، حيث يتطور سلوك النظام ويتغير بعد تركه يتعلم من بيئته، مما يجعل سلوك الجريمة ناتجاً عن مسار تطوري لم يكتبه مبرمج واحد بل ألف خوارزمية تتفاعل مع بعضها.
ج-سلاسل الإمداد في صناعة الذكاء الاصطناعي العسكري تطول وتشمل عشرات الشركات والمؤسسات في دول متعددة، فمن المسؤول تحديداً؛ شركة صنعت الرقائق الإلكترونية، أم شركة كتبت نموذج التعلم الآلي، أم شركة دمجت النموذج في طائرة مسيرة، أم الضابط الذي ضغط على زر التشغيل.
ثالثاً: المسؤولية الجنائية للقادة العسكريين والمسؤولين السياسيين
نظام روما الأساسي في مادته 28 يقرر مسؤولية القائد العسكري أو الرئيس الهرمي عن الجرائم التي يرتكبها من تحت قيادته، سواء أمر بها أو علم بها أو كان ينبغي أن يعلم بها ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
هذا الباب قد يكون المخرج الأنسب لمعالجة جرائم الذكاء الاصطناعي؛ فإذا أمر قائد عسكري بنشر نظام ذكاء اصطناعي في ساحة المعركة، وتوقع أو كان من المفترض أن يتوقع أن هذا النظام قد يرتكب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني بسبب عدم دقته أو طريقة برمجته، فإنه يتحمل المسؤولية الجنائية عن كل جريمة يرتكبها النظام، حتى لو لم يصدر هو أمراً محدداً بتلك الجريمة بعينها.
الميزة في هذا المسار أنه يحول العبء القانوني من إثبات النية في أعماق خوارزمية سوداء لا يفهمها أحد، إلى إثبات أن القائد تصرف بإهمال جنائي عندما نشر نظاماً يعلم احتمالية فشله القاتلة؛ لكن العيب هو أن القادة العسكريين في الدول الكبرى سرعان ما سيتعلمون تبرير استخدامهم للذكاء الاصطناعي بأنظمة رقابة وإشراف بشري متعددة، وفي حال ارتكاب جريمة، سيلقون اللوم على الضابط الذي كان يشرف في تلك اللحظة، أو على التقني الذي أهمل تحديث النظام، مما يخلق سلاسل طويلة من الإفلات من العقاب.
رابعاً: مسؤولية الدول ومدى إمكانية تعويض الضحايا
بعيداً عن المسؤولية الجنائية الفردية التي تطارد الأفراد، يبقى باب المسؤولية الدولية للدول عن أفعال أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لها؛ نظام روما الأساسي لا يحاكم الدول مباشرة، بل هو محكمة جنائية تحاكم الأفراد، لكن هناك آليات أخرى مثل محكمة العدل الدولية واتفاقيات جنيف التي تجعل الدولة مسؤولة عن انتهاكات قواتها المسلحة، سواء كانت هذه القوات بشراً أم آلات تعمل بالذكاء الاصطناعي . إذا استخدمت دولة ما نظام ذكاء اصطناعي في نزاع مسلح وارتكب هذا النظام جرائم حرب، فإن الضحايا يمكنهم مقاضاة الدولة أمام المحاكم الوطنية أو الأوروبية أو حتى الدولية مطالبين بتعويضات مالية عادلة، كما يمكن لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يقررا عقوبات اقتصادية وسياسية على الدولة المخالفة.
المشكلة أن التعويض المالي مهما كان كبيراً لا يعوض عن روح إنسان قتلته خوارزمية باردة لا تعرف الرحمة ولا تستطيع أن تشعر بالندم أو تطلب الصفح، كما أن عقوبات الأمم المتحدة كثيراً ما تصطدم بحقوق النقض (الفيتو) للدول الكبرى التي تمتلك معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين؛ وبالتالي يبقى الضعفاء وحدهم من يواجهون العدالة، أما الأقوياء فيحمون أنظمتهم القاتلة بحصانة القوة لا بحصانة القانون.
خامساً: هل نحتاج إلى بروتوكول جديد يلحق بنظام روما الأساسي
أمام هذه الثغرات والإشكاليات المتشابكة، يطرح خبراء القانون الدولي فكرة إضافة بروتوكول اختياري جديد لنظام روما الأساسي يتناول بشكل محدد ومفصل مسؤولية استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة. هذا البروتوكول المقترح يمكن أن يتضمن عدة عناصر أساسية منها:
1-تعريف قانوني دقيق لأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية وتصنيفها حسب درجة استقلالية اتخاذ القرار (من الأنظمة البسيطة التي لا تتخذ قرارات إلى الأنظمة المستقلة بالكامل).
2-وضع قواعد واضحة للمساءلة الجنائية تميز بين المبرمجين والمشغلين والقادة العسكريين وتحدد شروط إثبات النية والإهمال الجنائي.
3-إنشاء (هيئة استشارية علمية دائمة)،داخل المحكمة الجنائية الدولية تضم خبراء في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأخلاقيات الرقمية لمساعدة القضاة والمدعين العامين في فهم سلوك الأنظمة المعقدة وتفسير أدلة التشغيل.
4-إدراج جريمة جديدة باسم "الجريمة بواسطة نظام ذكاء اصطناعي مستقل" لا تحتاج إلى إثبات النية البشرية المباشرة بل تكتفي بإثبات أن النظام صمم أو شغل بطريقة تشكل خطراً كبيراً على المدنيين.
5- وضع آليات إلزامية للدول لتسجيل ومراقبة وتدقيق كل استخدام لأنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، مع إلزامها بتقديم هذه السجلات للمحكمة الجنائية الدولية عند الطلب. لكن الواقع يقول إن إقرار مثل هذا البروتوكول يتطلب موافقة ثلثي الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي في (الجمعية العامة للمحكمة)، وهذه الدول تختلف بشكل كبير في قدراتها العسكرية والتقنية واهتماماتها الجيوسياسية، مما يجعل العملية طويلة وقد تستغرق عقداً أو أكثر، وفي هذه الأثناء تتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي أسرع بألف مرة من تطور القانون الدولي الجنائي ومن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
-الاقتراحات:
1. على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية أن تبدأ فوراً في مفاوضات تمهيدية لوضع مبادئ توجيهية غير ملزمة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، على أن تتطور هذه المبادئ لاحقاً إلى بروتوكول ملزم، بدلاً من الانتظار حتى تقع كارثة كبرى ثم التحرك بردود فعل متسرعة.
2. يجب على المحكمة الجنائية الدولية، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إنشاء قاعدة بيانات عالمية موثقة للحوادث التي ارتكبت فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي انتهاكات في النزاعات المسلحة، لتكون مرجعاً علمياً وقانونياً للمدعين العامين والقضاة وللباحثين.
3. من الضروري إلزام جميع الدول التي تطور أو تستخدم الذكاء الاصطناعي العسكري بأن تتضمن عقودها واتفاقياتها شرطاً صريحاً بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الذكاء الاصطناعي، حتى لو لم تكن هذه الدول موقعة على نظام روما الأساسي أصلاً.
4. ينبغي إنشاء صندوق دولي للتعويضات للضحايا الافتراضيين لجرائم الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، ممول من الدول المصنعة والمصدرة لهذه الأنظمة، بحيث لا يتحمل الضحايا الفقراء أو أقاربهم أعباء إثبات الجريمة في محاكم بعيدة ومعقدة.
5. على كليات الحقوق والجامعات حول العالم أن تدمج بشكل إلزامي مواد عن "القانون الجنائي الدولي والتكنولوجيا الناشئة" في مناهجها، لتأهيل جيل جديد من المحامين والقضاة والمدعين العامين قادر على فهم الخوارزميات كما يفهم نصوص القانون.
ختاما، يجب التأكيد على أن المسؤولية الجنائية الدولية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة ليست رفاهية أكاديمية أو موضوعاً نظرياً بعيداً، بل هي حاجة ملحة ومؤلمة لأن القنابل الذكية تسقط على رؤوس أبرياء اليوم وليس غداً. نظام روما الأساسي، بمادته 25 التي تقصر المسؤولية على البشر، ومادته 28 التي تلقي بالتبعة على القادة، ومادته 30 التي تشترط النية الجنائية، يقف اليوم عاجزاً جزئياً أمام تعقيدات أنظمة لا تنوي ولا تخطط ولا تندم.
لكن القانون الدولي ليس كتاباً مقدساً، بل هو كائن حي يتطور مع تطور البشرية ومخاطرها. الفجوة بين قواعد روما وبين سلوك الخوارزميات القاتلة يمكن سدها جزئياً بالتفسير التوسعي للنصوص الحالية خاصة فيما يتعلق بمسؤولية القادة، وكلياً بوضع بروتوكول جديد يواكب العصر أو بالعودة للمادة 21 من نظام روما. الأهم من كل ذلك أن تدرك الدول الكبرى، وخاصة الدائمة العضوية في مجلس الأمن، أن تأخر العدالة عن جرائم الذكاء الاصطناعي لن يحمي أنظمتها القاتلة إلى الأبد، بل سيخلق سابقة خطيرة تجعل الجميع في مرمى الخوارزميات الخارجة عن السيطرة؛ ربما يكون السؤال الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي على القانون الدولي الجنائي ليس "من قتل"؛ بل "من الذي يتحمل مسؤولية مستقبل لا أحد يتحكم فيه تماماً".
-المراجع:
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 1998، المواد 25 و28 و30.
-اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تقرير "الذكاء الاصطناعي والنزاعات المسلحة: تحديات قانونية وأخلاقية"، جنيف، 2024.
-مجموعة الأزمات الدولية، "الأسلحة المستقلة والمساءلة الجنائية"، بروكسل، 2025.
-مجلة القانون الجنائي الدولي، العدد الخاص "الذكاء الاصطناعي والمحكمة الجنائية الدولية"، المجلد 22، العدد 3، 2025.
-الأمم المتحدة، تقرير مجلس حقوق الإنسان، "تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية وأثرها على حقوق الإنسان"، وثيقة A/HRC/50/28، 2025.
-منظمة حظر الأسلحة الآلية المستقلة، "مسودة بروتوكول بشأن أنظمة الأسلحة المستقلة"، نيويورك، 2026.
-بحث منشور للدكتور أحمد الرفاعي، "المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب السيبرانية وآلية الذكاء الاصطناعي"، مجلة الحقوق الدولية، جامعة القاهرة، العدد 45، 2025.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟