عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
جرت التحقيقات الفنية الأخيرة مفاجأة سياسية وعسكرية مدوية من العيار الثقيل، بعدما كشفت الستار عن لغز الهجمات الغامضة بطائرات مسيرة والتي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأسابيع الماضية. فجأة، تحولت أصابع الاتهام من الخصوم التقليديين إلى حليف غير متوقع.
فقد أعلن مصدر عسكري إيراني رفيع المستوى لوكالة "تسنيم" أن الفحوصات التقنية الدقيقة أثبتت تورط إسرائيل المباشر في هندسة وتنفيذ تلك الهجمات الخطيرة. هذه ليست مجرد اتهامات سياسية، بل أدلة مادية وفنية تفيد بأن الطائرات المسيرة التي سقطت في أراضي الإمارات تحمل بصمات تقنية إسرائيلية واضحة.
هذا الكشف يضع المنطقة برمتها فوق صفيح ساخن، ويعيد ترتيب أوراق التحالفات والصراعات الإقليمية بشكل غير مسبوق، في ظل تصاعد حدة التوترات الحالية.
أولاً: خديعة العلم الزائف – الأداة الخفية للصراعات الحديثة
1-ما هو مفهوم "العلم الزائف"
"عمليات العلم الزائف" (False Flag Operations) هو مصطلح عسكري استخباراتي قديم لكنه متجدد، يشير إلى العمليات التي تنفذها دولة أو طرف سياسي بطريقة تجعلها تبدو وكأنها من تنفيذ طرف آخر، بهدف إلصاق التهمة بالغير، وتضليل الرأي العام، وخلق ذرائع للحرب.
الاسم مشتق من القرصنة البحرية القديمة، حيث كانت السفن ترفع أعلامًا زائفة لخداع السفن المعادية قبل الهجوم. اليوم، تستخدم الدول هذه الاستراتيجية في الحروب السيبرانية، والهجمات بالطائرات المسيرة، والعمليات الخاصة.
2-كيف طبقت إسرائيل "العلم الزائف" في الهجمات على الإمارات.
تشير الدلائل الفنية والتحليلات العسكرية المتقدمة إلى أن هذه الضربات لم تكن مجرد هجوم عابر، بل كانت تدار بدقة متناهية تحت هذه الاستراتيجية الخبيثة كما يلي:
-الهندسة التقنية المموهة: قامت إسرائيل بتصنيع أو تجهيز طائرات مسيرة تحمل مواصفات تقنية مشابهة لتلك المستخدمة من قبل أطراف أخرى في المنطقة (مثل الحوثيين أو الميليشيات الموالية لإيران)، بحيث يكون من الصعب تمييز مصدرها الفني بسهولة.
-مسار الرحلة المدروس: صُممت مسارات طيران هذه الطائرات لتبدأ من اتجاهات توحي بأن مصدرها اليمن أو العراق، وليس من القواعد الإسرائيلية أو سفن البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر.
-تضليل الخبراء التقنيين: تمت برمجة الشفرات الإلكترونية وأنظمة التحكم لتعطي انطباعًا خاطئًا للمحققين الفنيين، مما يدفعهم في البداية لاستبعاد إسرائيل كجهة منفذة.
3-النية المبيتة: لماذا إسرائيل تحديدًا وراء هذه الهجمات. سعت تل أبيب من خلال تحليق مسيراتها وضرب العمق الإماراتي إلى تحقيق عدة أهداف دفعة واحدة منها:
أ-التمويه والخداع الاستراتيجي: رفع راية غير رايتها، وإظهار المنطقة وكأنها تشتعل من تلقاء نفسها، بينما إسرائيل هي من تشعل النار خلف الكواليس.
ب-اختبار قدرات الدفاع الإماراتية: هذه الهجمات كانت بمثابة "استطلاع ناري" لمعرفة مدى جاهزية أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية، وكيفية رد فعلها، واستكشاف الثغرات لاستغلالها مستقبلًا ودفع الإمارات لشراء أسلحة من اسرائيل مثل الباتريوت لاعتراض الصواريخ.
3. زعزعة الثقة بين الحلفاء: ضرب الإمارات (الحليف الإسرائيلي الجديد) يزرع الشكوك ويخلق حالة من عدم الثقة، ليس فقط بين الإمارات وإسرائيل، بل بين جميع الدول العربية التي فكرت في التطبيع.
4. خلق بيئة مواتية لضرب إيران: لو نجحت الخطة وألقي اللوم على إيران أو وكلائها، لكان ذلك ذريعة مثالية لتوجيه ضربة عسكرية أوسع ضد طهران بحجة "الرد على الاعتداء على حليف عربي".
ثانياً: فخ الاستفزاز – محاولات جر الخليج إلى الهاوية
أ-ما هو الهدف الحقيقي الكامن وراء الهجمات.
الهدف الحقيقي الكامن وراء هذه الهجمات الغادرة يتجاوز مجرد إحداث أضرار مادية. تكشف القراءة التحليلية للمشهد أن إسرائيل كانت تحاول جاهدة تحقيق الأهداف التالية:
1. استفزاز القيادة الإماراتية ودفعها نحو ردود أفعال عسكرية متسرعة. السيناريو الذي كانت ترسمه إسرائيل في مخابئها الاستخباراتية هو كالتالي:
-تنفيذ هجوم يجعل الإمارات تعتقد أنه من إيران أو الحوثيين.
-في حالة الغضب والاستفزاز، ترد الإمارات بعمل عسكري.
-هذا الرد يتحول إلى شرارة حرب إقليمية تشمل إيران وحلفاءها.
-إسرائيل تقف على الحياد الظاهر، لكنها تدير الحرب من الخلف لصالحها. لكن الإمارات، بحنكتها السياسية وضبط أعصابها، لم تقع في هذا الفخ. قادتها يدركون جيدًا أن الرد العاطفي المتسرع هو ما يريده العدو الحقيقي رغم أن هناك اتهامات لها بالمشاركة عسكريا في قصف ايران ولكنها تنفي هذه المزاعم.
2. جر دول الخليج العربي إلى مسار تصادمي مظلم مع ايران.
تلعب تل أبيب على حبلين متناقضين في آن واحد:
- الحبل العلني: بناء علاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية مع دول الخليج، وعقد صفقات تسليح وتبادل استخباراتي.
-الحبل السري: تنفيذ ضربات أمنية غادرة ومموهة لخلط الأوراق، وصناعة ذرائع الحرب، وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
هذا الأسلوب المزدوج ليس جديدًا في التاريخ الإسرائيلي. لطالما استخدمت "عمليات العلم الزائف" لجر جيرانها إلى حروب لا يريدونها.
3. ضرب الاستقرار الإقليمي لمصلحة إسرائيل وحدها.
هل الاستقرار في الخليج العربي هو حلم إسرائيلي ،بالطبع الجواب لا، بل العكس هو الصحيح .
إسرائيل تفضل منطقة مشتعلة بشكل مسيطر عليه؛ هي لا تريد حربًا شاملة تهدد وجودها، لكنها لا تريد سلامًا كاملًا يعيد ترتيب المنطقة دون دور مركزي لها.
كما ان الاستقرار الذي يجعل الدول العربية تتعاون اقتصاديًا وسياسيًا فيما بينها دون وساطة إسرائيلية هو أمر يقلق تل أبيب. لذلك، تحاول بين الحين والآخر إشعال بؤر توتر لتبقى هي "اللاعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه" في المعادلة الأمنية الإقليمية.
ثالثاً: من المستفيد-تحليل المصالح الإسرائيلية من الهجمات وخلق الفتنة.
إذا أردنا تطبيق القاعدة الذهبية في التحليل السياسي ("من المستفيد")، فإن الإجابة تشير بوضوح إلى ان المستفيد دولة الاحتلال الاسرائيلي.
إليك كيف تستفيد تل أبيب من هذه الهجمات ومن خلق الفتنة في المنطقة؛ عبر تثبيت نظرية "الخطر الإيراني" ،كلما زادت الهجمات في منطقة دول الخليج العربي، حتى لو كانت من تنفيذها (من طرف اسرائيل)، يتم تثبيت فكرة أن "الخطر الإيراني" هو التهديد الأكبر، مما يبرر التحالف مع إسرائيل.
ترويج مبيعات الأسلحة الإسرائيلية، للإمارات والخليج بعد هذه الهجمات سيزيدون من طلبهم على أنظمة دفاع جوي متطورة، وإسرائيل من أكبر مصدري هذه الأنظمة (القبة الحديدية، حارس الجدار، وغيرها).
إضعاف ثقة الخليج بقدراته الذاتية الهجمات التي تخترق الدفاعات الجوية الخليجية (حتى لو سمحت بها إسرائيل عمدًا) تظهر الخليج على أنه "غير آمن"، مما يجعله أكثر اعتمادًا على الضمانات الأمنية الخارجية (بما فيها الإسرائيلية).
كذلك خلق بيئة مواتية لضرب إيران لو نجحت عمليات "العلم الزائف" في إلقاء اللوم على إيران، لكانت إسرائيل قد حصلت على "ضوء أخضر" أمريكي وخليجي لضرب المنشآت النووية الإيرانية تحت ذريعة "الدفاع عن الحلفاء".
رابعاً: الرد الإماراتي الحكيم – درس في ضبط النفس الاستراتيجي
ما يستحق الإشادة والتوقف عنده هو الرد الإماراتي الرزين والحكيم على هذه الاستفزازات؛ بدلاً من الانجرار خلف الفخ، اتبعت أبوظبي استراتيجية متعددة المسارات منها:
1. مسار التحقيق الفني: لم تطلق اتهامات عشوائية، بل فتحت تحقيقًا فنيًا دقيقًا وشملت خبراء دوليين لمعرفة الحقيقة من المصادر التقنية وليس السياسية. هذا هو الطريق الصحيح لكشف خطة "العلم الزائف".
2. مسار التهدئة الدبلوماسية: بدلاً من التصعيد العسكري، كثفت الإمارات اتصالاتها الدبلوماسية مع جميع الأطراف (بما فيها إيران وإسرائيل) لاحتواء الموقف ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة مع ايران.
3. مسار تعزيز الدفاعات: أعلنت الإمارات عن صفقات تسليح ضخمة لتطوير أنظمتها الدفاعية (خاصة المضادة للطائرات والمسيرات)، مما يجعل أي هجوم مستقبلي (من أي مصدر كان) أقل احتمالية للنجاح.
4. مسار كشف الحقيقة للرأي العام: عبر تسريبات إعلامية ذكية ومعلومات استخباراتية، تم توجيه الرأي العام نحو معرفة المصدر الحقيقي للهجمات دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل تقطع جسور التعاون.
الخاتمة: دروس مستفادة من أزمة العلم الزائف
ما حدث في الإمارات ليس مجرد هجوم عابر، بل هو نموذج مصغر على طريقة عمل السياسة الإسرائيلية في المنطقة:
-لا يوجد حليف دائم: حتى مع من وقعت معه اتفاقيات تطبيع، إسرائيل تضع مصالحها الأمنية الضيقة فوق أي اعتبار. إن استقرار الإمارات أو أي دولة عربية ليس هدفًا في حد ذاته لإسرائيل، بل هو وسيلة لخدمة أهدافها.
-اللعب على الحبلين: الأسلوب الإسرائيلي يقوم على بناء الجسور والعلن وشق الطرقات في الخلف في الوقت نفسه. يجب على أي دولة عربية تتعامل مع إسرائيل أن تدرك أن لها "يدًا ظاهرة وأخرى خفية وكلتاهما خبيثة".
-أهمية التحقيقات الفنية المستقلة: في زمن الحروب السيبرانية والمسيرات، لا يمكن الاعتماد على الاتهامات السياسية وحدها؛ الفحوصات التقنية (تحليل الشفرات، المواصفات الفنية، نوعية المحركات، البصمات الإلكترونية) هي وحدها القادرة على كشف "عمليات العلم الزائف".
-قوة ضبط النفس: الرد الإماراتي الحكيم يؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على تحليل التهديدات بعقل بارد، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات التي تخطط لها أطراف خفية مثل اسرائيل.
في النهاية، المنطقة أمام حقيقة مرة، الحلفاء الجدد قد يكونون أشد خطرًا من الأعداء القدامى؛ والاستقرار الخليجي هو خط أحمر، وإسرائيل إذا لم تحترم هذا الخط، فإنها ستخسر كل ما بنته من علاقات دبلوماسية، وستجد نفسها معزولة أكثر من أي وقت مضى.
العبرة المستفادة، يجب على الدول العربية أن تتعامل مع إسرائيل بعين مفتوحة على مصراعيها، وأن لا تثق في أي تعاون أمني دون آليات رقابة ومتابعة؛ لأن من يدرب يدك على السلاح اليوم قد يكون هو من يوجه السلاح ضدك غدًا تحت راية زائفة والخلاصة ان اسرائيل لم تثق في الولايات المتحدة الأمريكية رغم كل الدعم العسكري الأميركي لها والاقتصادي والاستخباراتي والسياسي وقامت بتجنيد الجاسوس الامريكي من اصل اسرائيلي جوناثان بولارد وقامت بالتجسس على أهم حلفائها في العالم فكيف سوف تثق بدول الخليج العربي.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟