أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - خرافة رقم 6 والمهدي المنتظر بين التنجيم الشعبي والعقيدة الإسلامية الأصيلة















المزيد.....


خرافة رقم 6 والمهدي المنتظر بين التنجيم الشعبي والعقيدة الإسلامية الأصيلة


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 08:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


د. عبد الحكيم سليمان وادي
أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة

في زمن تتصارع فيه العقلانية مع الخرافة، وتتداخل فيه النصوص المقدسة مع التأويلات الشعبية، تطفو على سطح الوعي الجماعي ظواهر غريبة تجمع بين الإثارة الدينية والتنجيم الرقمي. من أبرز هذه الظواهر في السنوات الأخيرة، تلك "النبوءات" التي تحدد تواريخ محددة لظهور (المهدي المنتظر)، مستندة إلى حسابات عددية لا تمت إلى النصوص الشرعية بصلة،وتحديدا تربط ذلك برقم حسابي محدد.

آخر هذه "الطفرات" التنبؤية هو ما يتم تداوله في بعض الأوساط الشعبية – خاصة في بعض الدول العربية وبعض مواقع التواصل الاجتماعي؛ أن (المهدي)،سيظهر في تاريخ 6-6-2026، بحجة أن الرقم 6 مرتبط به ارتباطاً وثيقاً. البعض ذهب إلى أبعد من ذلك، فطلب تأجيل الظهور إلى تاريخ 6-6-2066، وكأن الموعد يمكن التفاوض عليه كموعد طبيب أسنان وليس خرافات وخزعبلات لا أساس لها من الصحة.

لكن السؤال الذي يفضح هذه الخرافة من جذورها هو سؤال بسيط ومباشر،لماذا لم يظهر المهدي في 6-6-2016 ،فإذا كان الرقم 6 هو المفتاح السحري لظهوره، فإن عام 2016 كان أولى وأحرى من عام 2026. بل ولماذا لم يظهر في 6-6-2006 أو 6-6-1996 أو 6-6-6 قبل الميلاد؛ العبقرية في هذا السؤال أنه يقلب الطاولة على أصحاب الخرافة؛ إذا كنتم تملكون "علم معرفة موعد ظهور المهدي"، فأخبرونا لماذا أخطأتم في الموعد السابق؛ وإذا كان المهدي لم يظهر في 2016 مع توفر الرقم نفسه، فما الذي تغير في 2026؛ وما الضمان أن يظهر في 2066 إذا أرجأنا الموعد.

هذه الأسئلة ليست للمزاح، بل هي جوهر النقد العلمي والعقلي للخرافات؛ أي نظرية تتنبأ بحدث ما، يجب أن تكون قابلة للاختبار؛ وعندما تفشل النظرية في الاختبار (أي لم يظهر المهدي في 2016)، فإنها تُسقط بالكامل؛ لا يحق لمن روج لخرافة 2016 أن يعيد الكرة مع 2026 كأن شيئاً لم يحدث؛ وهذا بالضبط ما تفعله (الجماعات الباطنية) و(الدجالون) عبر التاريخ؛ كلما انكشفت خرافتهم، أعادوا تدويرها بموعد أحدث. أمس كان الموعد 2000، واليوم 2026، وغداً سيكون 2066 أو 2090؛ الهدف ليس التنبؤ الحقيقي، بل إبقاء الأمل معلقاً وعيون الجمهور مثبتة عليهم.

هذا المقال المتواضع يسعى إلى تقديم قراءة نقدية راقية لهذه الظاهرة، تمييزاً بين ثلاث طبقات متداخلة هي؛ الخرافة الشعبية التي تصنع "مهدياً" حسب الأرقام والأحلام، والمعتقد الديني الأصيل في مصادر السنة النبوية، والتنظير الشيعي الإثني عشري للإمام الغائب الذي يختلف جذرياً عن المفهوم السني؛ الهدف ليس السخرية من المعتقدات الدينية، بل كشف زيف الادعاءات التي تحاول تسويق الخرافة باسم الدين، وتحرير العقل المسلم من أوهام التنجيم الرقمي.

أولاً: لماذا لم يظهر في 6-6-2016 – السؤال الذي يفضح الخرافة.

قبل أن نخوض في التفاصيل العقائدية، لا بد من توجيه الضربة القاضية الأولى لهذه الخرافة، إن من يزعم أن المهدي سيظهر في 6-6-2026، يفترض منطقياً أنه كان يجب أن يظهر في 6-6-2016 أيضاً، بل وفي كل عام ينتهي برقم 6. فإذا كان الرقم هو "المفتاح"، فلماذا اختاروا 2026 تحديداً.

سنحلل هذا السؤال في ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: تكرار الأنماط الرقمية؛ الرقم 6 يتكرر كل 10 سنوات؛ 1996، 2006، 2016، 2026، 2036، وهكذا. إذا كان أصحاب الخرافة يمتلكون "معادلة رياضية" تثبت أن المهدي سيظهر في عام 2026، فهذه المعادلة يجب أن تثبت أيضاً ظهوره في عام 2016؛ بما أنه لم يظهر، فإن المعادلة خاطئة. هذا هو المنطق الأساسي الذي يفهمه طالب في المدرسة الابتدائية المجتهد في الرياضيات وجدول الضرب.

الطبقة الثانية: الغش في الشهادات. أصحاب الخرافة يعرفون أن 2016 مضى ولم يحدث شيء، لكنهم يتجاهلون ذلك عمداً؛ لماذا يفعلون ذلك ؛ لأنهم يريدون بيع "موعد جديد" لمن فاتهم قطار التوقعات السابقة؛ هذه هي تقنية "نقل الأمل" المستمرة؛ يقول الدجال لأتباعه، "فاتنا موعد 2016 بسبب ذنوبكم، لكن الله رحمنا ومدد لنا إلى 2026"؛ وهذه الحجة واهية، لأن الله لا يمدد آجال ظهور المهدي حسب أهواء الدجالين وأصحاب الرقم 6.

الطبقة الثالثة: تجاهل التكذيب التاريخي. لو عاد بنا الزمن إلى عام 2015، لوجدنا نفس الدجالين يروجون لخرافة 6-6-2016. وعندما انكشفت الخرافة، اختفوا قليلاً، ثم عادوا بخرافة 2026 بعد أن نسى الناس الأولى؛ هذه هي دورة الخرافة الدائمة، تنبؤ، فشل، تغيير التاريخ، تنبؤ جديد، فشل جديد إلى ما لا نهاية؛ الفرق الوحيد أن الجمهور القصير الذاكرة يصدقهم كل مرة.

إذاً، الإجابة المختصرة على سؤال "لماذا لم يظهر في 2016" هي؛ لأن الخرافة كاذبة من الأساس، ومن يروجها يعرف ذلك لكنه يكسب قوته من بيع الأوهام؛ ولو انتظرنا حتى 2026، سنقول نفس الشيء؛ ولو انتظرنا حتى 2066، سنقول نفس الشيء، وهكذا دواليك.

ثانياً: الرقم 6 – من أين جاءت هذه الخرافة تحديداً.

بعد أن أثبتنا فشل النظرية الرقمية في التنبؤ بالماضي، ننتقل إلى مصدرها؛ من أين أتى الرقم 6 بالذات؛ الإجابة القاطعة، لا يوجد أي مرجع ديني – لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا في الأحاديث الشريفة عن المهدي، يذكر الرقم 6 بتاتاً كدليل أو علامة لظهوره. الأحاديث النبوية تتحدث عن علامات محددة أخرى، مثل خروج السفياني، ونداء من السماء باسم المهدي وأبيه، وخسف بالبيداء، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول سيدنا عيسى عليه السلام،أما الرقم 6، فهو من نسج الخيال الشعبي الخالص.

-فمن أين أتى هذا الرقم إذاً:

أ-من الثقافات الوثنية والغربية، وليس من الإسلام. الرقم 6، وتحديداً الرقم 666، يحمل في الثقافة المسيحية الغربية دلالة "رقم الوحش" أو "رقم المسيح الدجال" كما ورد في سفر رؤيا يوحنا (الإصحاح 13). في بعض التفسيرات المسيحية، يحاولون ربط هذا الرقم بالإسلام عبر قراءات غامضة؛ وهذا مجرد تخمين وليس حقيقة؛ إذاً، الرقم 6 جاء من ثقافات غير إسلامية تماماً، ثم تسلّل إلى الخرافة الشعبية عبر قنوات مشبوهة.

ب-من طبيعة البشر العاشقين للأرقام المتكررة. الأرقام المكررة (6-6، 7-7، 11-11، 12-12) سهلة الحفظ، تبدو "مرعبة" أو "مميزة"، وتضفي هالة من السحر على أي تنبؤ؛ الدجالون ومروّجو الخرافات يعرفون هذه الحقيقة النفسية جيداً، لذلك يستخدمونها لخداع البسطاء؛ من يصدق أن المهدي سيظهر في 6-6-2026، هو نفسه من يصدق أن الساعة 11:11 تحقق الأمنيات.

ج-من محاولات إضفاء الشرعية على التنجيم. بعض "المحللين الرقميين" المزعومين يحاولون بناء حسابات معقدة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية للوصول إلى الرقم 6، وهذا ليس له أي أصل. العلماء المسلمون عبر التاريخ أكدوا بشكل قاطع أن تحديد زمان ظهور المهدي مستحيل، وأن الغياب التام لأي إشارة زمنية في النصوص الدينية هو دليل قاطع على فشل كل محاولات تحديد الموعد. والغياب المطلق عن أي إشارة زمنية في النصوص الدينية هو برهان إضافي على أن هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل.

إذاً، الخلاصة المرة، الرقم 6 خرافة مستوردة من ثقافات غير إسلامية، صُبّت في قالب ديني لتخدع البسطاء، لا علاقة له بالإسلام ولا بالمهدي ولا بأي نص ديني صحيح.

ثالثاً: ظاهرة تحديد تواريخ ظهور المخلص – جذور تاريخية ونفسية.

ليس تحديد موعد ظهور المخلص ظاهرة إسلامية خالصة، بل هي سمة بشرية عامة تعبر عن حاجة نفسية عميقة، في أوقات الاضطهاد والظلم واليأس، يتوق الإنسان إلى تدخل خارق يقلب موازين القوى ويعيد الأمور إلى نصابها؛ المهدي يصبح في هذه اللحظات ليس مجرد شخصية دينية، بل رمزاً للأمل والخلاص، وشخصية إسقاطية نحملها كل أمانينا التي فشلنا في تحقيقها.

هذه الظاهرة عابرة للثقافات والأديان. اليهود توقعوا مجيء المسيح (الماشيح) في أعوام محددة، والنصارى حددوا تواريخ لعودة السيد المسيح منذ القرن الأول الميلادي، وحتى يومنا هذا يعلن بعض القساوسة الأميركيين تواريخ محددة؛ في الإسلام، ظهرت عبر العصور فرق ومذاهب باطنية حددت تواريخ محددة، أشهرها فرق الإسماعيلية والقرامطة التي أعلنت قيام "دولة الحق" في أوقات محددة، ثم انهارت تلك الدول أو تحولت إلى هرطقات.

ولو رجعنا إلى تاريخ 6-6-2016، لوجدنا أن إحدى الجماعات الباطنية في العراق (من دعاة الخرافة) أعلنت أن المهدي سيظهر في ذلك اليوم؛ وعندما لم يظهر، قالوا إن "الظهور تأجل بسبب ذنوب الشيعة" أو "كان ظهوراً روحياً وليس جسدياً" ؛هذه هي بالضبط نفس الحجج التي سيستخدمونها بعد 6-6-2026. النص مكتوب مسبقاً، والتاريخ يتغير، لكن الحجج تبقى.

هذا النمط من التبرير بعد الفشل يسمى في علم النفس المعرفي بـ"التحيز التأكيدي بعد الحدث" (Postdiction). أي أنهم بعد فشل التنبؤ، يغيرون شروط التنبؤ لتناسب الفشل. اليوم يقولون 2026، وبعد فشله سيقولون 2036 أو 2046 أو 2066. وهكذا إلى أن يموت الجميع وتأتي اجيال اخرى؛ الفارق الوحيد أن الدجالين سيكسبون المال من بيع الكتب والمحاضرات، والجمهور سيظل ينتظر.

رابعاً: المهدي في المصادر السنية الصحيحة – "رجل صالح" لا "منقذ خارق"

أ- الغياب عن القرآن الكريم

لعل أول مفاجأة للقارئ العادي أن لفظ "المهدي" أو أي إشارة صريحة إليه لا توجد في القرآن الكريم. نعم، هناك آيات تُفسَّر في سياق إشاري على أنه سيكون للمستضعفين دولة، مثل قوله تعالى: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" (القصص: 5) و"إِنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء: 105). لكن المفسرين خاصة في المنهج السني، لم يربطوا هذه الآيات حصراً بشخص المهدي، بل فسروها على أنها ستتحقق للمؤمنين الصالحين في نهاية المطاف، وليس بالضرورة عبر شخص واحد.

هذا الغياب القرآني جعل عدداً من كبار العلماء السابقين (مثل ابن خلدون) يشككون في صحة أحاديث المهدي أصلاً، ويعتبرونها من الإسرائيليات أو من وضع الغلاة لتبرير مطالباتهم السياسية؛ ابن خلدون قال في مقدمته الشهيرة إن "قليلاً من هذه الأحاديث لم يتعرض للنقد، بل الأقل منها" ؛أي أن الغالبية العظمى من أحاديث المهدي ضعيفة أو موضوعة.

ب- الأحاديث النبوية في مصادر السنة (الموجودة والمشكوك في صحتها)

على الرغم من غيابه عن القرآن، فإن أحاديث المهدي موجودة في بعض كتب السنة المعتمدة، وأشهرها سنن أبي داود وجامع الترمذي ومسند أحمد. الحديث الأشهر والمتداول على نطاق واسع هو:

"لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ، لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا" .

المهم في هذا الحديث وفي نظائره أنه يصف المهدي بأنه "رجل من أهل بيت النبي" (أي من نسل فاطمة رضي الله عنها)، وأنه ليس معصوماً ولا منزلاً عليه وحي، بل هو رجل صالح يصلحه الله في آخر الزمان ليحكم بالعدل لبضع سنين. الأحاديث تشير إلى أنه سيملك سبع سنين أو ثمان أو تسع بحسب الروايات المختلفة؛ أي أنه فترة محدودة، وليست دولة أبدية. كما تشير بعض الروايات إلى أنه سيكون مواطئاً للاسم (اسمه محمد واسم أبيه عبد الله)، مما يعني أن الاسم محدد في الثقافة الإسلامية التقليدية، وأن أي مدعي للمهدي لا يحمل هذا الاسم فهو مدعٍ كذاب.

ولاحظوا هنا لم تذكر أي رواية، صحيحة كانت أم ضعيفة، أن ظهور المهدي سيكون في عام 6-6-2026 أو 2066 أو أي تاريخ رقمي، هذا وحده كافٍ لفضح الخرافة.

ج- موقف كبار الأئمة السنة من عقيدة المهدي

من المهم أن نعرف أن كبار علماء السلفية المعاصرين (مثل ابن عثيمين وابن باز والألباني) آمنوا بوجود المهدي استناداً إلى الأحاديث التي صححها بعضهم. لكنهم جعلوا هذه القضية هامشية في عقيدة آخر الزمان؛ أي أنهم لم يجعلوها ركناً أساسياً في الإيمان، بل هي جزء من أشراط الساعة الصغرى التي قد تقع وقد لا تقع، والإيمان بها ليس شرطاً لصحة العقيدة؛من أنكر المهدي جاهلاً بالحديث أو شاكاً في صحته، لا يكفر بذلك.

بل هناك علماء سنة كبار أنكروا فكرة المهدي تماماً. الشيخ عبد الله بن زيد المحمود، رئيس المحاكم الشرعية في قطر سابقاً، كتب رسالة بعنوان "لا مهدي ينتظر بعد النبي خير البشر"، قال فيها إن الإيمان بالمهدي ليس جزءاً من العقيدة السنية، ولم يذكره الصحابة ولا التابعون؛ وأضاف أن الأحاديث في هذا الباب ضعيفة وتفتقر إلى مصادر موثوقة. حتى ابن تيمية، الذي اهتم بالتحليل العقائدي، لم يذكر المهدي في أي من كتبه. والشيخ علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، قال إن السنة يرفضون ما يسمى بـ"المهدي المنتظر" بهذا المعنى، مؤكداً أنها عقيدة شيعية لم يتبعها أهل السنة أبداً.

إذاً، داخل المذهب السني نفسه هناك تيارات متعددة؛ تيار يؤمن بالمهدي بناءً على أحاديث حسّنها، وتيار ينكر وجوده أصلاً لضعف الأحاديث، وهذا الاختلاف وحده دليل على أن القضية ليست من صميم العقيدة.

خامساً: المهدي في العقيدة الشيعية الإثني عشرية – "الإمام الغائب" المنتظر منذ 1200 عام

للفصل بين الخرافة الشعبية والعقيدة، لا بد من فهم ما يعتقده الشيعة الإثني عشرية (أتباع المذهب الرسمي في إيران والعراق ودول اخرى) حول المهدي، لأنه يختلف جذرياً عن المفهوم السني ولكل مذهب تفسيره الخاص به نحترمه.

الشيعة يؤمنون بأن محمد بن الحسن العسكري، المولود في سامراء عام 255 هجري (الموافق 869 ميلادي)، هو المهدي المنتظر. يعتقدون أنه دخل في "غيبته الصغرى" بعد وفاة والده عام 260 هجري (وهو في الخامسة من عمره)، ثم بدأت "غيبته الكبرى" عام 329 هجري (941 ميلادي)، ولا يزال حياً مختبئاً إلى اليوم، أي أنه يعيش منذ أكثر من 1150 عاماً. هذا الرقم وحده (1150 عاماً) يضعف أي تخريف رقمي حول "6-6-2026"، لأن المهدي الشيعي موجود أساساً ولكنه مختبئ.

الشيعة يطلقون على هذا المهدي ألقاباً كثيرة مثل "صاحب الزمان"، و"الحجة بن الحسن"، وعند ذكر اسمه يرددون "عجل الله فرجه" (أي أسرع بظهوره)؛ الشيعة لا يعتقدون أنه سيحكم لبضع سنين فقط كما في الروايات السنية، بل سيقيم دولة الحق التي ستمتد حتى قيام الساعة. كما يعتقدون أن عيسى عليه السلام سينزل ويصلي خلف المهدي، وليس العكس كما في بعض الروايات السنية مع احترامنا لجميع المذاهب.

المشكلة الكبرى هي أن بعض الفرق الشيعية المتطرفة استخدمت هذه العقيدة لأغراض سياسية. منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حوّل الخميني عقيدة "الانتظار" السلبية إلى عقيدة "الانتظار الإيجابي"، أي أنه يجب على المسلمين أن يسعوا لإعداد الأرضية لظهور المهدي عبر الحرب والتوسع الإقليمي وإقامة دولة يملأها العدل؛ قال الخميني؛ "إن جيش المهدي سيتكون فقط من الشيعة الذين يؤمنون به وينتظرونه ويجهزون كل الوسائل لتعجيل ظهوره عجل الله في فرجه".

هذه العقيدة استُخدمت كغطاء أيديولوجي للتدخلات الإيرانية في سوريا والعراق ولبنان واليمن؛ الحرس الثوري الإيراني يتبنى هذه العقيدة صراحة، ويرى أن الحرب ضد أميركا وإسرائيل هي "مقدمة ضرورية لظهور المهدي"؛ بعض الشيوخ المتطرفين زعموا أنهم (التقوا المهدي شخصياً)، أو أن المرشد خامنئي التقاه 13 مرة؛ بل إن أحمدي نجاد خصص كرسياً شاغراً في مجلس وزرائه للمهدي المنتظر، وكتب عليه "المنتظر المهدي".

ومع كل هذا الغلو، لم يذكر أحد في المذهب الشيعي أن المهدي سيظهر في 6-6-2026 أو أي تاريخ رقمي آخر. فالعقيدة الشيعية تقول إن المهدي موجود ولكن غائب، ولا أحد يعلم متى سيظهر إلا الله عز وجل؛ إذاً، حتى الشيعة أنفسهم يرفضون هذه الخرافة الرقمية.

سادساً: الدروس المستفادة – كيف نواجه الخرافات الرقمية بعقلانية

ما الذي يمكن أن نستخلصه كدروس من هذه الظاهرة.

-الدرس الأول: اسأل عن الماضي قبل أن تصدق عن المستقبل؛ قبل أن يخبرك أي دجال بموعد ظهور المهدي في 2026، اسأله، "ولماذا لم يظهر في 2016". فإن تملص أو اختلق الأعذار، فاعلم أنه كذاب؛ وإن قال "لأن ذنوبنا حالت دون ظهوره"، فقل له، "وما الضمان أن ذنوبنا لن تحول دون ظهوره في 2026 أيضاً" ،المنطق البسيط يفضح كل الخرافات.

-الدرس الثاني: العودة إلى المصادر الصحيحة. القرآن والسنة هما المصدران الوحيدان المعصومان (بإجماع المسلمين) ؛ أي معلومة عن المهدي لا تستند إلى نص صريح وصحيح في هذين المصدرين، يجب التعامل معها بشك كبير؛ الأحاديث الضعيفة والموضوعة لا تُبنى عليها عقائد، ولا تُحدد بها مواعيد.

-الدرس الثالث: العلم بالله هو العلم بجهل الغيب. أعظم دروس الإيمان أن تعلم أنك لا تعلم؛ الله وحده يعلم الغيب، وأي شخص يدّعي معرفة الغيب (سواء كان موعداً للمهدي، أو مستقبلاً اقتصادياً، أو نتيجة مباراة) فهو مشرك بالله في صفته العلم؛ نعم، التنجيم شرك أكبر.

-الدرس الرابع: التفريق بين العقيدة والسياسة. كثير من الخرافات تروّجها أنظمة سياسية لتبرير فشلها، مثل فشل النظام في توفير حياة كريمة لشعبه يجعله "يبيع الوهم" لهم، "اصبروا فالمهدي قادم عام 2026"، وفشل الأنظمة العربية في مواجهة الاحتلال الصهيوني يدفع بعض الناس للبحث عن "منقذ غيبي"، لا تخلط بين دينك وسياسة فاشلين، الدين بريء من فشلك اي كان نوع النظام.

-الدرس الخامس: المهدي قادم... لكن في وقته الذي يحدده الله، وليس في تقويم الدجالين. الإيمان بظهور المهدي (عند من يؤمن به) لا يعني تحديد زمنه؛ الإيمان الصادق هو أن تعمل للعدل والخير في الأرض، بانتظار أن يكمله الله في وقته؛ الذي يقول، "سأنتظر حتى 6-6-2026 لأبدأ بفعل الخير" هو كمن يقول: "سأنتظر حتى ينزل المطر لأزرع"، المطر ينزل لمن يحرث ويزرع، والمهدي إن شاء الله يظهر للمستعدين والمجاهدين، لا للمنتظرين الخاملين الذين ينتظرون رقم 6 مكرر.

ختاما، نعود إلى السؤال الذي قلبه، لماذا لم يظهر المهدي في 6-6-2016، والإجابة القاطعة، لأن هذه الخرافة كاذبة من الأساس؛ الرقم 6 ليس له أي علاقة بالمهدي في أي مصدر إسلامي، (سنياً كان أم شيعياً)؛ ومن يزعم غير ذلك فإما جاهل، أو دجال، أو يبيع الأوهام.

والسؤال الأهم، لماذا يقع الناس ضحايا هذه الخرافات؛ الجواب لأن اليأس والحاجة إلى الأمل تجعل الإنسان يصدق أي شيء، حتى لو كان سخيفاً؛ شخص عاش تحت الاحتلال والقهر والفقر، يتمنى أن يأتي "منقذ" بسيارة خارقة أو سيف مشع ليحرره؛ هذه الرغبة مفهومة إنسانياً، لكنها ليست ديناً ولا عقلاً؛ الدين يحررك من الداخل، ثم يحررك من الخارج؛ أما انتظار "منقذ" من السماء دون عمل، فهو إهانة للعقل وللدين معاً.

اخيراً،من يريد أن يصدق أن المهدي سيظهر في 6-6-2026، فليبادر ببيع بيته وترك عمله وانتظاره؛ وعندما لا يظهر، فليسأل نفسه؛ من خدعني؛ أما من يريد أن يعيش بعقل ودين، فليعمل للعدل والخير في كل يوم، وليعلم أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأما خيارهم فسيظلون يعملون لله وفي رضاه، سواء ظهر المهدي أم لم يظهر وسوف يوكلون آمرهم لله؛والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

-المراجع:

1. حديث نهر الفرات عن جبل من ذهب – صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة.
2. حديث المهدي – سنن أبي داود، كتاب المهدي.
3. "مقدمة ابن خلدون" – فصل في الكلام على المهدي.
‏4. "Mistakes of the Predictors Mahdi s Arrival" – أحمد أفندي حياتي، تحليل نقدي لمحاولات تحديد زمن ظهور المهدي.
‏5. "Mahdi in Islam" – إسلام ويب، فتوى رقم 82108.
‏6. "Al-Mahdi for Shiites, Sunnis, and the Khomeini Iran" – المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (Rasanah-IIIS).
‏7. "Chasing the apocalypse" – تقرير فوكس نيوز، تحقيقات حول انتشار العقائد الشيعية المتطرفة.
8. سفر رؤيا يوحنا – الإصحاح 13 (الرقم 666 في الثقافة المسيحية).



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فن الجدال بين الأوغاد-ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان بألفاظ ن ...
- العنصرية والفلسفة الأوروبية مهدت الطريق لإبادة غزة
- نزيف وجودي يقتل المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج للعلاج
- رئيس Google وأنا وصديقي الخوارزمي
- عمليات العلم الزائف تكشف المخطط الاسرائيلي في الخليج العربي
- كيف تحول -مجلس سلام غزة- إلى غطاء لاستكمال القتل التكتيكي ال ...
- أثر سياسة أفعى الكوبرا التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في ف ...
- حروب نتنياهو ترتد عليه وتحوّل -إسرائيل- إلى عبء معزول دولياً
- السعودية تَصفَع ضغوط ترمب الإلزامية وتتمسك بشرطها التاريخي ر ...
- القضاء الاستعجالي الجنائي في ضوء قواعد الإثبات والإجراءات في ...
- حرب الشرق الأوسط صنع تحالفات جديدة فكرت خارج الصندوق
- جرائم الحرب الخوارزمية-أين تقف المحكمة الجنائية الدولية من ذ ...
- مليونان ونصف في سجن كبير بلا ماء ولا كهرباء… لماذا يصرخ أطفا ...
- شريحة إسرائيلية جديدة -آيفون 17e- جاسوس صامت على الفلسطينيين ...
- خارطة طريق خطيرة لمستقبل غزة بدون آليات تنفيذ
- الأمن السيبراني في فلسطين بين التحول الرقمي وإكراهات الاحتلا ...
- أعظم اختراق استخباراتي في تاريخ اسرائيل
- فشل الردع الإسرائيلي باعتماد المناطق الأمنية العازلة
- المسؤولية الاجتماعية كسلاح بيئي جديد- الشركات تحاكم نفسها
- فتح بعد المؤتمر الثامن- تجديد أشخاص أم تجديد سياسات.


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - خرافة رقم 6 والمهدي المنتظر بين التنجيم الشعبي والعقيدة الإسلامية الأصيلة