أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدالة منقسم















المزيد.....


مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدالة منقسم


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 17:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة

في عالم ما بعد الحرب الباردة، تربع مفهوم "الشرعية الدولية" على عرش الخطاب السياسي، لكن سرعان ما تبين أن هذا المفهوم يحمل وجهين، "شرعية غربية" تروج لها الدول الكبرى (الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون) تحت عناوين "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" و"مسؤولية الحماية"؛ وهناك "شرعية عالمية" تطالب بها دول جنوب-جنوب (بما في ذلك روسيا والصين والهند ودول عدم الانحياز) تحت عناوين "السيادة الوطنية" و"عدم التدخل في شؤون الدول" و"احترام التنوع الثقافي".

الفرق بين المفهومين (ليس أكاديمياً)، بل هو فرق في "الرؤية"، لمن يملك الحق في تقرير ما هو "شرعي" وما هو "غير شرعي". فالشرعية الغربية ترتكز على هيمنة مؤسسات أنشأها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية (كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الأمن بنظام الفيتو) وتفسير القانون الدولي وفقاً لمصالحها الجيوسياسية، بينما الشرعية العالمية تدعو إلى نظام متعدد الأقطاب تُتخذ فيه القرارات بتوافق أوسع؛ وتحترم فيه سيادة جميع الدول بغض النظر عن حجمها أو نظامها السياسي.

هذا المقال المتواضع يقارن بين المفهومين، ويحلل كيف تتعامل كل منهما مع قضايا كبرى مثل (الحرب في أوكرانيا، الإبادة في غزة، الانقلابات في أفريقيا، العقوبات الاقتصادية)، ويكشف عن التناقض الصارخ بين الخطاب الغربي الأخلاقي والممارسة الغربية الواقعية؛ والهدف ليس إدانة الغرب أو تبرئة الآخرين، بل تقديم قراءة نقدية لنظام عالمي يبيع "العدالة" كسلعة، ويجعل من "الشرعية" ساحة حرب باردة جديدة بعيدا عن قواعد القانون الدولي.

سؤال إشكالي

كيف يمكن تفسير أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يصفون تدخلهم العسكري في كوسوفو (1999) بأنه "شرعي" لأنه أوقف تطهيراً عرقياً، بينما يصفون التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا (2022) بأنه "غير شرعي" لأنه انتهك السيادة، رغم أن كليهما تدخل بدون قرار من مجلس الأمن؛ ولماذا تختلف معايير الشرعية بتغير هوية الفاعل، وأين تقف الدول غير الغربية من هذه الازدواجية؛ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن "شرعية عالمية" في ظل غياب أي سلطة دولية حقيقية، واستمرار هيكلة النظام الدولي لصالح الدول الغربية.

أولاً: جذور الاشتباك – كيف نشأ مفهوم "الشرعية الغربية" مقابل "الشرعية العالمية"

لفهم الصراع على معنى الشرعية، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي. بعد الحرب العالمية الثانية، سيطر الحلفاء الغربيون (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا) على صياغة النظام الدولي الجديد؛ ومنها ميثاق الأمم المتحدة (1945) الذي منح خمس دول حق النقض (الفيتو)، وإعلان حقوق الإنسان (1948) الذي صيغ وفقاً للرؤية الغربية الليبرالية للحقوق، ثم المحكمة الجنائية الدولية (1998) التي ركزت في البداية على جرائم الحرب في أفريقيا والبلقان. هذا النظام عكس القيم والقوى الغربية وافترض أنها "عالمية". فمثلاً، مفهوم "حقوق الإنسان" كما صيغ في الإعلان العالمي، يعطي أولوية للحقوق الفردية (كحرية التعبير والدين) على الحقوق الجماعية (كالتنمية ومقاومة الاحتلال).

وخلال الحرب الباردة، كان المعسكر الغربي يروج لشرعيته باعتباره "العالم الحر" في مواجهة "الديكتاتورية الشيوعية"؛ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (1991)، وصلت الهيمنة الغربية إلى ذروتها، وأعلن فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" و"انتصار الليبرالية الغربية"؛ في هذه الفترة، ظهر مفهوم جديد أطلقت عليه الأكاديمية الأمريكية سوزان سترينج اسم "القوة الناعمة" (Soft Power)، وهو قدرة الغرب على فرض تعريفاته للشرعية دون حاجة إلى استخدام العنف، عبر الإعلام والمنظمات غير الحكومية والمحاكم الدولية والمؤسسات المالية.

لكن سرعان ما انكشفت الازدواجية، فمع أن الغرب كان يطبق معايير حقوق الإنسان على دول الجنوب بصرامة، كان يتغاضى عن انتهاكات إسرائيل في فلسطين ويلعب دور الاعمى، ويتغاضى أيضاً عن انتهاكات حلفائه في العالم العربي. هذا التناقض أدى إلى إحباط واسع في دول ما يسمى "الجنوب العالمي"، وظهرت دعوات متزايدة لـ "شرعية عالمية" بديلة تقوم على أسس أكثر عدلاً وتعددية. نظرياً، الشرعية العالمية ليست مفهوماً واحداً؛ فثمة تيار "تعددي" يدعو إلى توسيع عضوية مجلس الأمن وإصلاح المحكمة الجنائية.

أيضاً هناك تيار "سيادي" (تقوده روسيا والصين) يؤمن بأن السيادة الوطنية هي المرجع الوحيد للشرعية، وتيار "شعبي" ينادي بشرعية قادمة من حركات المقاومة والمواطنين وليس من الحكومات. اليوم، يتجلى هذا الصراع على "معنى الشرعية" في كل أزمة دولية كبرى، هل قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي سمح بالتدخل في ليبيا (2011) كان "شرعياً" لأنه حمى المدنيين، أم أنه كان "غير شرعي" لأنه تجاوز ولايته وأدى إلى تدمير دولة بأكملها؛ الجواب يعتمد على من الطرف الذي يتسأل؛وهذه المرونة في تعريف الشرعية هي جوهر الأزمة، (تعريف حسب المصالح،وليس وفق القانون الدولي).

ثانياً: غزو العراق (2003) – لحظة انكشاف الازدواجية الغربية

لا توجد حادثة كشفت التناقض بين الخطاب الغربي والممارسة الغربية مثل غزو العراق عام 2003. قبل الحرب، سعت إدارة بوش الابن إلى تفويض من مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد نظام صدام حسين، متهمة إياه بامتلاك أسلحة دمار شامل. لكن المجلس، بأغلبية أعضائه (بما في ذلك فرنسا وألمانيا وروسيا)، رفض منح التفويض لعدم كفاية الأدلة وضرورة استمرار التفتيش؛ رغم ذلك الرفض الدولي، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب بدونه، مبررتين إياها بـ"الدفاع الذاتي الوقائي" و"نشر الديمقراطية" و"تحرير الشعب العراقي".

طبعأ من وجهة نظر "الشرعية الغربية"، كان هناك انقسام حاد، مؤيدو الحرب (خاصة في أمريكا وبريطانيا) اعتبروا أن الشرعية الأخلاقية (إزاحة دكتاتور) تبرر مخالفة القانون الدولي، بينما معارضوها، قالوا إن الشرعية القانونية وحدها هي الضامن للاستقرار العالمي.

أما من وجهة نظر "الشرعية العالمية"، فقد كانت الحرب غير شرعية بكل المقاييس؛ لا تفويض من مجلس الأمن، ولا دليل على أسلحة دمار شامل، ولا تهديد وشيك لأمريكا. لكن الغريب أن المحكمة الجنائية الدولية لم تحقق أبداً في جرائم العدوان التي ارتكبتها واشنطن ولندن في العراق، رغم أن المادة 5 من نظام روما تعتبر "جريمة العدوان" ضمن اختصاصها. هذا الصمت أو العجز أظهر للعالم أن "الشرعية الغربية" ليست نظاماً قانونياً عادلاً، بل هي آلية تبرير للحروب التي تشنها القوى الكبرى وتجريم لحروب خصومها. في المقابل، عندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، تحرك العالم الغربي بسرعة فائقة؛ وفرض عقوبات شاملة، دعم عسكري لأوكرانيا، إحالة ملف بوتين إلى المحكمة الجنائية؛وثم قرار اعتقال الرئيس الروسي بوتين،والملاحقة القضائية له بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا.

الفرق بين الحالتين لا يمكن تفسيره قانونياً، بل سياسياً فقط، العراق كان يحتوي على نفط ولم يكن حليفاً لأوروبا؛ أوكرانيا كانت دولة روسية سابقا؛ثم شبه أوروبية ذات حدود مع حلف الناتو؛ هذا التحليل ليس تبريراً للغزو الروسي، بل كشف أن ما يسمى بالشرعية الدولية ليست سوى انعكاس لتوازن القوى. وبالتالي، دفع غزو العراق الملايين من الناس في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط إلى التساؤل؛ لماذا القانون الدولي صارم عندما يخص الضعفاء؛ ومرن عندما يخص الأقوياء من الدول الكبرى.

ثالثاً: فلسطين وأوكرانيا – اختبار حقيقي لمصداقية الشرعية الغربية

قضيتان احتلتا العناوين الرئيسية في السنوات الأخيرة وتكشفان، بشكل مذهل، كيف تتعامل "الشرعية الغربية" بازدواجية مع انتهاكات القانون الدولي وفقاً لهوية الفاعل وهوية الضحية وهي:

1-أوكرانيا: حين غزتها روسيا في فبراير 2022، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بأغلبية 141 دولة يدين الغزو، وفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، وفتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً فورياً، وأصدرت مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي/فلاديمير بوتين. العالم الغربي استخدم كل أدواته، (دبلوماسية، اقتصادية، عسكرية، وحتى قانونية)، وأظهر تضامناً غير مسبوق مع أوكرانيا. النبرة الإعلامية الغربية كانت واضحة؛ "هذا عدوان يجب وقفه، وهذا انتهاك للقانون الدولي لا يمكن التغاضي عنه".

2-فلسطين - غزة: منذ ثمانية عقود، إسرائيل تحتل الأراضي الفلسطينية، وتوسع الاستيطان، وتفرض الحصار على غزة منذ عام 2007 إلى تاريخ كتابة هذا المقال منتصف عام 2026، وتشن حروباً متكررة؛قتلت في غزة 72 ألف فلسطيني؛وأكثر من 173 ألف في حرب الإبادة خلال عامين 2023-2025 في غزة، وثق خبراء الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية جرائم حرب وإبادة جماعية محتملة. ماذا فعلت "الشرعية الغربية"؛ الولايات المتحدة استخدمت الفيتو أكثر من 5 مرات ضد غزة؛ لحماية إسرائيل من أي إدانة في مجلس الأمن؛ الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أشخاص من المستوطنين المتطرفين بشكل رمزي فقط ولم تفرض عقوبات على اسرائيل نفسها كما فعلوا مع روسيا بفرض عقوبات وصلت لأكثر من 11 الف عقوبة، بينما دول أوروبية استمرّت في تزويد دولة الاحتلال الاسرائيلي،بالأسلحة والذخائر والدعم السياسي. أيضا المحكمة الجنائية الدولية فتحت تحقيقاً حول جرائم حرب اسرائيلية في غزة، لكنها تلقت تهديدات تحت ضغط أمريكي وغربي هائل، وواجه المدعي العام عقوبات أمريكية فرضت عليه وباقي موظفي وقضاة المحكمة.

هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً، كيف يمكن للغرب أن يصف العدوان الروسي بأنه "غير شرعي" ويطالب بعقوبات فورية، بينما يصف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بأنه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" ويتغاضى عن انتهاكاتها وجرائمها ضد الأنسانية هناك؛ الإجابة تكمن في المصالح الجيوسياسية للدول الاستعمارية الكبرى، أوكرانيا دولة شبه أوروبية ذات حدود مع الناتو، وتهديدها يؤثر على الأمن الغربي المباشر.

أما دولة الاحتلال الاسرائيلي، يتعامل معها الغرب كـ"ديمقراطية" حليفة وحامية للمصالح الغربية في الشرق الأوسط. لكن هذه الازدواجية كشفت زيف "الشرعية الغربية" أمام الملايين في العالم العربي والإسلامي ودول الجنوب العالمي؛ حيث أصبحت عبارة "القانون الدولي" في نظر الكثيرين مرادفة لـ"القانون الأمريكي - الإسرائيلي" أو "قانون القوي ضد الضعيف".

هذا الأثر المدمر على مصداقية النظام الدولي سيدفع ثمناً باهظاً في المستقبل؛ القليل من المؤسسات الغربية تعترف بهذا التناقض، لكن الغالبية تفضل الصمت خوفاً من تهمة "معاداة السامية" أو "معاداة الغرب" ؛النتيجة أن "الشرعية العالمية" أصبحت تطالب بها حركات التحرر الشعبي في كل مكان، ليس لأنها مثالية، بل لأنها البديل الوحيد لنفاق كبير يحدث دائما في اروقة مصالح الدول الكبرى.

رابعاً: أفريقيا بين "مسؤولية الحماية" الغربية وعودة الانقلابات – من يملك الشرعية.

أفريقيا هي ساحة التجربة الأكثر وضوحاً لصراع الشرعيات. العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين شهدا تدخلات عسكرية غربية تحت راية "مسؤولية الحماية" (R2P). في ليبيا (2011)، حصل الغرب على تفويض من مجلس الأمن (القرار 1973) بحماية المدنيين، لكن سرعان ما تحول التفويض إلى حملة لتغيير النظام أدت إلى تدمير الدولة الليبية برمتها، وتحويلها إلى سوق مفتوح للسلاح والمرتزقة والاتجار بالبشر. في مالي (2013)، تدخلت فرنسا عسكرياً لمواجهة الجماعات المسلحة، لكن الوجود العسكري الفرنسي استمر لسنوات وارتبط بفساد واستغلال للموارد، مما أثار غضباً شعبياً. وفي ساحل العاج (2011) وأثيوبيا (2022)، استخدم الغرب العقوبات والتهديد بالتدخل لفرض "الحلول السياسية" التي تخدم مصالحه الاقتصادية.

ماذا عن "الشرعية العالمية" في أفريقيا؛ في السنوات الأخيرة، شهدت القارة عودة واضحة للانقلابات العسكرية، السودان، تشاد، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، والغابون. هذه الانقلابات دانها الاتحاد الأفريقي والغرب، وفرضت عليها عقوبات. لكن الكثير من الأفارقة يرون في هذه الانقلابات رد فعل على فشل "الشرعية الغربية" نفسها. فالدول التي شهدت تدخلاً غربياً (مثل مالي وبوركينا فاسو) تحولت إلى فوضى وفقر، ولم تقدم الديمقراطية التي وُعدوا بها.

لذلك الانقلابيون اليوم يستخدمون خطاباً شعبوياً معادياً للغرب، ويتجهون نحو روسيا والصين كحلفاء بديلين. هل هذا يعني أن الانقلابات "شرعية" ؛لا بالتأكيد؛ لكنه يكشف أن "الشرعية" مفهوم نسبي، النظام الذي يريده الغرب فرضه على أفريقيا يفتقر إلى الشرعية في نظر الأفارقة أنفسهم.

مثال آخر هو ملف المحكمة الجنائية الدولية في أفريقيا. منذ إنشائها عام 1998 ودخول قانونها حيد التنفيذ عام 2002، وجهت المحكمة اتهاماتها حصرياً تقريباً لقادة أفارقة (أوغندا، كينيا، ساحل العاج، السودان، ليبيا)، بينما تغاضت عن جرائم الغرب في العراق وأفغانستان. هذا التمييز الجغرافي دفع الاتحاد الأفريقي إلى مطالبة دوله بالانسحاب الجماعي من المحكمة عام 2016، واتهامها بـ"العدالة العنصرية". هنا تتجسد أزمة الشرعية العالمية: يمكن أن تكون المحكمة "مشروعة" قانونياً لأنها تستند إلى نظام روما، لكنها "غير شرعية" أخلاقياً في نظر القارة التي تستهدفها جغرافيا وتنسى باقي دول العالم التي يرتكب فيها نفس الجرائم الخطيرة المنصوص عليها في المادة الخامسة من نظام روما الأساسي؛ هذا يعني أن الشرعية العالمية الحقيقية لا تُبنى فقط على نصوص قانونية، بل على عدالة التطبيق وتمثيل الشعوب بشكل عادل وليس تميزاً بينهم حسب نوع المصالح وحجم الضغوط السياسية.

خامساً: العقوبات الاقتصادية – سلاح الشرعية الغربية ذو الحدين

واحدة من أهم أدوات "الشرعية الغربية" هي العقوبات الاقتصادية. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفرضان عقوبات على دول تعتبرها "منتهكة للقانون الدولي" أو "مهددة للسلام"؛ لكن فعالية هذه العقوبات وشرعيتها مثار جدل واسع. فمن جهة، العقوبات على روسيا بعد غزو أوكرانيا قُدّمت كـ"عقاب جماعي للعدوان"، وبدا أنها تحظى بشرعية واسعة في الغرب.

لكن من جهة أخرى، العقوبات الأمريكية على إيران وسوريا وكوريا الشمالية قوبلت باتهامات بأنها "حرب اقتصادية" تقتل المواطنين الأبرياء بمنع وصول الأدوية والغذاء. في الواقع، أظهرت الدراسات أن العقوبات الاقتصادية تسبب ضرراً أكبر للمدنيين الفقراء مما تسبب للنخب الحاكمة. على سبيل المثال، عقوبات أمريكا على إيران منعت شراء الأدوية المنقذة للحياة، وساهمت في وفاة آلاف المرضى، بينما استمرت النخب الإيرانية في تحقيق أرباحها عبر التهريب والوساطة.

كما أن استخدام العقوبات انتقائي، فلماذا لا تفرض أمريكا عقوبات على (دولة الاحتلال الاسرائيلي)،لانتهاكها القانون الدولي في فلسطين وتحديدا الابادة الجماعية في غزة؛ الإجابة معروفة، لأن إسرائيل حليف قوي، ولدى اللوبي الإسرائيلي نفوذ هائلة في واشنطن. في المقابل، دول مثل سوريا وكوريا الشمالية ليس لها حلفاء أقوياء في الغرب، فهي هدف سهل.

هذا المبدأ يسمى "العقوبات كسلاح" وليس كـ"عدالة"ً ؛من المثير للسخرية أن أمريكا نفسها كانت تفرض عقوبات على دول تتعامل مع إيران، بينما كانت تستثني شركاتها وحلفاءها من نفس القيود. من جهة ثانية، ظهرت في السنوات الأخيرة دعوات متزايدة لـ"شرعية عالمية" في مجال العقوبات، تطالب بآليات تضمن شفافية القرارات، وإمكانية الطعن فيها أمام محكمة دولية، واستثناء السلع الإنسانية. بعض الدول بدأت بالفعل في إنشاء أنظمة مالية بديلة (نظام SPFS الروسي، وCIPS الصيني) لتجنب الهيمنة الغربية على نظام سويفت. هذا التحرك نحو نظام مالي متعدد الأقطاب قد يكون المقدمة لشرعية عالمية في الاقتصاد تقابل الشرعية الغربية الحالية. لكن الطريق طويل، وما زال الدولار واليورو يسيطران على النظام المالي العالمي.

سادساً: هل يمكن التوفيق بين الشرعيتين- رؤية متعددة الأقطاب.

السؤال الأهم, هل العالم مقبل على مواجهة مفتوحة بين "الشرعية الغربية" و"الشرعية العالمية"، أم يمكن التوفيق بينهما في إطار نظام متعدد الأقطاب؛ الواقع يشير إلى أن النظام الدولي يسير نحو المزيد من التعددية، حيث تتعدد مراكز القوة (أمريكا، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، تركيا، إيران، إلخ)، وتتعدد بالتالي تعريفات الشرعية.

فالصين تروج لمفهوم "مجتمع ذو مستقبل مشترك للبشرية"، وترفض التدخل في الشؤون الداخلية وتؤكد على "الطريق الصيني" كبديل للنموذج الغربي. روسيا تتبنى خطاباً محافظاً يدافع عن "القيم التقليدية" ضد "القيم الليبرالية الغربية"؛ دول الخليج العربية تستخدم ثرواتها النفطية لبناء تحالفات بديلة مع الصين وروسيا، متحدية بذلك الهيمنة الأمريكية؛ من جهتها، أوروبا تحاول إيجاد "استقلالية استراتيجية" عن أمريكا في بعض الملفات، لكنها تبقى مرتبطة بالناتو والنظام الغربي.

أمام هذا الواقع، أصبح مفهوم الشرعية العالمية أقرب إلى "الحد الأدنى المشترك" بين هذه التعددية، وليس إلى "النظام الأمثل" الذي يحلم به الليبراليون الغربيون؛ فالتعاون في مواجهة التغير المناخي، والأوبئة، والهجرة غير الشرعية، والإرهاب، يمكن أن يكون أرضية لبناء شرعية متفق عليها. لكن في ملفات الصراع الرئيسية (فلسطين، أوكرانيا، كوريا الشمالية)، يبدو أن الاختلافات عميقة.

يمكن القول إن الشرعية العالمية لن تتحقق إلا بإصلاح جذري لهيكل الأمم المتحدة؛ إلغاء حق النقض، توسيع العضوية الدائمة لمجلس الأمن، وجعل قرارات الجمعية العامة ملزمة في حالات انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. لكن هذه الإصلاحات تحتاج إلى إرادة سياسية لا تتوفر حالياً؛ ولذلك، سيظل العالم يعيش حالة من "الشرعيات المتنافسة" لفترة قادمة، وكل طرف سيدعي أنه صاحب الشرعية الحقيقية.

-اقتراحات للخروج من مأزق ازدواجية الشرعية؛قبل الخاتمة، نقدم اقتراحات واقعية متواضعة يمكن أن تساهم في تجاوز الفجوة بين الشرعية الغربية والشرعية العالمية هي:

1- إصلاح جذري لمجلس الأمن – إلغاء حق النقض (الفيتو) أو على الأقل تقييده بحالات محدودة كإجماع الدول الخمس الدائمة؛ إضافة دول دائمة جديدة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل والهند وألمانيا واليابان ونيجيريا وجنوب أفريقيا.

2-تفعيل آلية "مبدأ الاتحاد من أجل السلام" ؛ منح الجمعية العامة للأمم المتحدة صلاحية اتخاذ قرارات ملزمة في حال تعذر اتخاذ قرار في مجلس الأمن بسبب استخدام الفيتو، وذلك بموجب قرار الجمعية العامة 377 (A/RES/377).

3-إنشاء محكمة جرائم عدوان مستقلة؛ عبر تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في جريمة العدوان، وضمان استقلاليتها التامة عن ضغوط الدول الكبرى.

4-مدونة سلوك دولية للعقوبات؛ من خلال وضع معايير واضحة لفرض العقوبات الاقتصادية، تشترط استنادها إلى أدلة دامغة، وتضمن مراجعة قضائية دولية، وتستثني السلع الإنسانية.

5-دعم الحوار بين الحضارات – إنشاء منتدى دائم للحوار بين ممثلين عن الحضارات المختلفة (الغربية، الإسلامية، الصينية، الهندوسية) لوضع فهم مشترك للقيم الأساسية وليس؛حوار الديانات الوهمي، بل الحضارات والدين عند الله هو الإسلام.

6-إنهاء الهيمنة الإعلامية الغربية – دعم وسائل إعلام مستقلة من الجنوب العالمي (دول جنوب-جنوب ) لتقديم روايات متعددة عن الأحداث، لا تكتفي بالرواية الغربية المهيمنة على الإعلام التابع إلى اللوبي الصهيوني العالمي.

7-تفعيل المساءلة عبر حركات المجتمع المدني الضغط على الحكومات الغربية لوقف ازدواجية المعايير عبر حملات شعبية دولية (مثل مقاطعة دولة الاحتلال الاسرائيلي،أو شركات السلاح)، لأن الشعوب غالباً ما تسبق الحكومات في الوعي بالعدالة.

خاتمة: نحو شرعية كونية أم فوضى الشرعيات.

في النهاية، تظل "الشرعية" مفهوماً نسبياً، لا مطلقاً؛ لم يعد مقبولاً أن تحتكر مجموعة من الدول الغربية تعريف ما هو شرعي وما هو غير شرعي، بينما تنتهك هي نفسها نفس المبادئ متى شاءت منها؛ غزو العراق دون تفويض، والتغطية على جرائم إسرائيل في فلسطين، والعقوبات التي تقتل المدنيين مثل منع حليب الأطفال والأدوية عن المرضى والنفط مقابل الغذاء والدواء، كلها أمثلة على انهيار المصداقية الغربية.

بالمقابل، دول الجنوب العالمي ليست بريئة تماماً؛ فروسيا تغزو أوكرانيا وتستخدم الفيتو لحماية مجرمي حرب، والصين تقمع شعبها وتحديداً الإيغور المسلمين؛وتدعم أنظمة مستبدة، ودول عربية وإسلامية تنتهك حقوق الإنسان وتختطف المعارضين وتعذبهم، بل وتعدمهم؛ لذا، لا يمكن القول إن "الشرعية العالمية" (بمعنى بديل عادل) موجودة بالفعل؛ كل ما هو موجود هو صراع على السلطة يرتدي ثوب القانون والأخلاق حسب المصالح.

الخلاص الحقيقي لن يأتي عبر التمسك بـ"شرعية غربية" منفردة، ولا عبر التمسك بـ"شرعية وطنية" متعصبة؛ بل الخلاص الوحيد هو الاعتراف بأن البشرية تشترك في قيم عليا معينة؛ (حرمة الحياة، وكرامة الإنسان، والعدالة، والحرية من الخوف والقهر). هذه القيم ليست حكراً على الغرب، بل هي أساس كل الرسالات السماوية والفلسفات الإنسانية.

اخيراً،كل نظام سياسي - شرقياً أو غربياً ؛يقيس مصداقيته بمدى احترامه لهذه القيم، وليس بحجم أسطوله البحري أو ناتجه المحلي هو النظام الصحيح الذي يحترم القيم الإنسانية؛ لكن اليوم، تواجه البشرية تحديات وجودية؛ منها المناخ، الحروب، الأوبئة، المجاعات؛ لذلك لا تستطيع أي "شرعية" منفردة مواجهتها. إما أن نبني معاً شرعية عالمية حقيقية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين كل الدول والشعوب، وإما أن ننزلق إلى فوضى لا شرعية فيها سوى قانون الغاب. وهذا الخيار، بكل أسف، يبدو الأقرب في الأفق المنظور في ظل فشل دور مجلس الأمن الدولي بسبب الفيتو.

-المراجع:

- ميثاق الأمم المتحدة (1945)، خاصة الفصل السابع والمادة 2(4).
- فرانسيس فوكوياما: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" (1992).
-صموئيل هنتنغتون: "صدام الحضارات" (1996).
- تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حول ازدواجية المعايير في أوكرانيا وفلسطين (2022-2026).
- قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة: قرار 377 (الاتحاد من أجل السلام).
-أبحاث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول إصلاح مجلس الأمن.
- كتاب مارتن جاك: "الصين تغير العالم" (الشرعية الصينية البديلة).
- أبحاث جامعة هارفارد حول "الشرعية في القانون الدولي" للبروفيسور ألين بوكانان.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جزيرة سازان هي عنق الزجاجة الأوروبي للسيطرة على مضيق أوترانت ...
- ألمانيا تفشل دبلوماسيا وتخسر مقعدها في مجلس الأمن بسبب سوء ت ...
- التجسس الإسرائيلي على البنتاغون تسبب بإعلان المستوى الحرج بي ...
- غزة تهزم ألمانيا دبلوماسيا وتحرمها عضوية مجلس الأمن في الأمم ...
- تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدو ...
- لماذا بقيت فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي بينما تحررت واستقل ...
- خرافة رقم 6 والمهدي المنتظر بين التنجيم الشعبي والعقيدة الإس ...
- فن الجدال بين الأوغاد-ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان بألفاظ ن ...
- العنصرية والفلسفة الأوروبية مهدت الطريق لإبادة غزة
- نزيف وجودي يقتل المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج للعلاج
- رئيس Google وأنا وصديقي الخوارزمي
- عمليات العلم الزائف تكشف المخطط الاسرائيلي في الخليج العربي
- كيف تحول -مجلس سلام غزة- إلى غطاء لاستكمال القتل التكتيكي ال ...
- أثر سياسة أفعى الكوبرا التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في ف ...
- حروب نتنياهو ترتد عليه وتحوّل -إسرائيل- إلى عبء معزول دولياً
- السعودية تَصفَع ضغوط ترمب الإلزامية وتتمسك بشرطها التاريخي ر ...
- القضاء الاستعجالي الجنائي في ضوء قواعد الإثبات والإجراءات في ...
- حرب الشرق الأوسط صنع تحالفات جديدة فكرت خارج الصندوق
- جرائم الحرب الخوارزمية-أين تقف المحكمة الجنائية الدولية من ذ ...
- مليونان ونصف في سجن كبير بلا ماء ولا كهرباء… لماذا يصرخ أطفا ...


المزيد.....




- مسؤول أمريكي لـCNN: واشنطن لم تشارك في اعتراض الصواريخ الإير ...
- -انتهت الحرب- تصريح متكرر وإطلاق النار مستمر.. ماذا يحدث بين ...
- وزارة الدفاع السعودية تنفي استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية ...
- السياحة في إسبانيا تسجل أرقاماً قياسية، ما هو دور اضطرابات ...
- عرض عسكري ضخم في الصين بحضور روسي وكوري شمالي يشعل غضب ترامب ...
- الصين وكوريا الشمالية تؤديان رقصة دبلوماسية
- زيارة نادرة وأجندة غامضة.. ماذا يُطبخ بين بكين وبيونغيانغ؟
- القيادي الحوثي البخيتي: نحن نتحرك من منطلق وحدة الساحات ولا ...
- سرقة الهوية في فرنسا.. كيف تتحول حياة الضحايا إلى كابوس لا ي ...
- رغم الخسارة أمام كولومبيا... مدرب منتخب الأردن يؤكد تحقيق ال ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدالة منقسم