عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 04:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
ظل مشروع تحويل جزيرة سازان (Sazan Island) الألبانية إلى منتجع سياحي أمريكي فاخر، بقيادة المستثمر الأمريكي جاريد كوشنر (Jared Kushner) وزوجته إيفانكا ترامب (Ivanka Trump)، حبيس العناوين الاقتصادية والبيئية. تم تقديمه للرأي العام ظاهرياً كفرصة تنموية واعدة، استثمار ضخم تبلغ قيمته 1.4 مليار يورو، وآلاف الغرف الفندقية، ووعود بتوفير فرص عمل وتحويل الساحل الألباني إلى "وجهة عالمية" تنافس دبي وجزر المالديف ولكنها في الباطن مخطط أمريكي للسيطرة على مضيق أوترانتو. في هذا السرد لكوشنير، كانت جزيرة سازان مجرد أرض بكر مهملة، يراد إحياؤها لتكون واحة للأثرياء في البحر الأدرياتيكي وهي خطة لاقناع الشعب الالباني انه مشروع اقتصادي متكامل سوف يستفيد منه سكان المنطقة.
لكن هذا السرد الوردي اصطدم بحقيقة جيوسياسية قاسية، كشفتها الكاتبة والباحثة الأيرلندية/ إيلي نيك آن تساوير، في تحليل (أثار ضجة إعلامية واسعة). تقول تساوير، بحسب ما نقلته وسائل إعلام متخصصة، إن تفسير صفقة كوشنر على أنها مجرد مشروع عقاري هو خطأ فادح، وتضيف؛ "من يسيطر على جزيرة سازان، يسيطر على مضيق أوترانتو، المنفذ البحري الوحيد بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأبيض المتوسط وهذا هو الهدف الامريكي من شراء الجزيرة ".
بعد كشف الباحثة الأيرلندية/ نيك تساوير، للمخطط الامريكي بالسيطرة على الجزيرة وثم السيطرة على مضيق اترانتو، فإن جزيرة سازان ليست مجرد بقعة جميلة في عرض البحر، بل هي "قلعة" تتحكم في واحد من أشهر الممرات المائية في العالم. ومضيق أوترانتو ليس مجرد مسطح مائي، بل هو (الحدود البحرية بين الشرق والغرب)، شريان حيوي تربط ميناء برينديزي الإيطالي بالساحل الألباني، ومعبر إلزامي لأساطيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوات الروسية وكل السفن المتجهة من المتوسط إلى البحر الأدرياتيكي.
السيطرة الأمريكية عليه تعني السيطرة على (ثالث أهم ممر مائي في أوروبا)؛ بعد جبل طارق والدردنيل؛ تفتح هذه المقولة باباً واسعاً من التأويلات، هل هذه الصفقة أداة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي الامريكي-الإسرائيلي في غرب البلقان؛ هل هو جزء من صراع خفي مع روسيا؛ أم أن كوشنر اليهودي الأمريكي، الذي عُرف بقربه من صناع القرار في واشنطن ودعمه المعلن لدولة الاحتلال الاسرائيلي، يخطط لتحويل الجزيرة إلى قاعدة دعم متقدمة لحلفائه. هذا المقال يحلل البعد الخفي لهذه الصفقة، محاولاً فك شيفرة الأهمية الاستراتيجية لجزيرة سازان، وربطها بالتحولات الكبرى في غرب البلقان.
-سؤال إشكالي:
هل يمكن قراءة صفقة تحويل جزيرة سازان الألبانية إلى منتجع فاخر كآلية للتسلل الجيوسياسي، تخفي وراء واجهة سياحية براقة هدفاً استراتيجياً يتعلق بالسيطرة على المضائق الحيوية وتوسيع النفوذ الإسرائيلي بغطاء امريكي في غرب البلقان؛ وإذا كان الموقع الجغرافي لجزيرة سازان يمنحها أهمية قصوى في السيطرة على مضيق أوترانتو، فلماذا لم تُثر هذه الصفقة قلق القوى الكبرى التقليدية (كإيطاليا واليونان وحلف الناتو)؛ وكيف تفسر الاحتجاجات الشعبية الألبانية الواسعة والتحقيقات الرسمية في توقيت متزامن مع صعود كوشنر في الساحة الألبانية؛ وإلى أي مدى يمكن للمشاريع الاستثمارية الكبرى أن تكون أداة للإمبريالية الجديدة في عصر التفوق المالي الخاص.
أولاً: الحقيقة الصادمة لمخطط شراء جزيرة سازان الألبانية.
الكاتبة الأيرلندية إيلي نيك آن تساوير (Ellie Nic An Tsaoir) تحدثت تحديداً عن أهمية الموقع الجيوسياسي لجزيرة سازان؛ والسؤال الأهم عن مدى صحة الفكرة الواردة في نص التحليل الذي اشارت له الكاتبة؛ "من يسيطر على جزيرة سازان يسيطر على مضيق أوترانتو". هذه العبارة، بغض النظر عن قائلها، (تشكل حقيقة جغرافية واستراتيجية ثابتة لا تحتاج إلى توقيع باحث معين)؛ فمضيق أوترانتو ليس مجرد بوابة، بل هو عنق الزجاجة الهام لاروبا (choke point) والوحيد الذي يربط" البحر الأدرياتيكي بالبحر الأيوني"، وباقي البحر المتوسط. يضيق هذا المضيق بشدة عند مدخل خليج فلورا (Bay of Vlorë) مباشرة، حيث تبعد السواحل الإيطالية عن السواحل الألبانية حوالي 72 كيلومتراً فقط؛وفي هذا أضيق نقطة، تقع جزيرة سازان تماماً وكأنها سدادة زجاجة لهذه المنطقة الجغرافية.
لطالما وصفت الوثائق العسكرية السرية (وكذلك مصادر مفتوحة مثل الموسوعة الحرة ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية) جزيرة سازان بأنها "المفتاح" للسيطرة على مدخل فلورا، ويصفها ضباط سابقون من الحقبة الشيوعية بأنها كانت "حاملة الطائرات غير القابلة للغرق" التي تسيطر على الملاحة البحرية في المنطقة بأكملها.
إذاً، جوهر التصريح صحيح، بغض النظر عن من قاله، وهذا هو الأخطر. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ أن الكاتبة تساوير قالت ذلك فعلاً وكان تحليلها دقيقاً، مما يضيف مصداقية لتحليلها كباحثة أوروبية ترى من وراء الستار، أو أن كلامها، استخدم كورقة ضغط لفضح المخطط الاسرائيلي بغطاء امريكي، وهو أمر شائع جداً في دوائر الإعلام يسمى بالتسريب المقصود منه إرسال رسالة. في كلتا الحالتين، تظل الحقيقة واضحة، ان الجزيرة أداة هيمنة بحرية، وشراء اليهودي الأمريكي الاسرائيلي/كوشنر ،لجزيرة سازان، ليس مجرد "عقار ومنتجع سياحي بل هناك مخطط خطير ".
ثانياً: جزيرة سازان – القلعة المنشودة
لننتقل من الاسم إلى المادة الصلبة؛جزيرة سازان؛ كما توثق المصادر التاريخية والعسكرية، فإن هذه الجزيرة الصخرية غير المأهولة (مساحتها 5.7 كيلومتر مربع) كانت دوماً قبضة حديدية على طرق الملاحة. احتلها الإيطاليون في عشرينيات القرن العشرين، وطوروها كقاعدة عسكرية استراتيجية؛ ثم انتقلت إلى نظام أنور خوجة الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، الذي أعلنها "منطقة عسكرية مغلقة" وأقام عليها "3,600 ملجأ نووي" للحماية من غزو غربي محتمل، بل وهدم كل معالم الحياة المدنية لتحويلها إلى قلعة منيعة.
للإشارة،بعد الحرب العالمية الثانية، حوّل الزعيم الشيوعي الألباني أنور خوجة بلاده إلى دولة ستالينية منعزلة وشديدة الشك، واتخذ من جزيرة سازان الاستراتيجية (الواقعة على مضيق أوترانتو) منطقة عسكرية مغلقة تماماً، فأقام عليها نحو 3,600 ملجأ نووي وشبكة هائلة من التحصينات والأنفاق، وهدم فيها كل معالم الحياة المدنية (كالمنازل والمدارس والمستشفيات) لتحويلها إلى قلعة صخرية مكتفية ذاتياً، قادرة على الصمود أمام أي غزو غربي محتمل، وعاش عليها آلاف الجنود وعائلاتهم حتى انهار النظام عام 1985 وأصبحت الجزيرة مهجورة لاحقاً.
والأهم من ذلك، لم يكن هذا القلق مبالغاً فيه؛ فموقعة البحرية في هذه المنطقة تعني إغلاق كامل لحركة الأساطيل التجارية والعسكرية. أي قوة تسيطر على سازان يمكنها فرض حصار بحري على موانئ كرواتيا والجبل الأسود وألبانيا نفسها، وتهديد خطوط الإمداد البحرية لأوكرانيا عبر نهر الدانوب، وصولاً إلى موانئ روسيا على البحر الأسود؛ ولذلك، عُرفت الجزيرة لدى خبراء الناتو بأنها "مفتاح الحصار" و"العقبة الأولى" أمام أي توسع روسي غربي.
اليوم، وبعد أن هجرتها القوات، تحولت الجزيرة إلى محمية ألبانية طبيعية ضمن "منتزه كارابورون-سازان البحري"، وهي موطن أسماك قاروص، وأسراب طيور الفلامينجو النادرة، ومواقع تعشيش فريدة. لكن هذه الصورة الجمالية لا تخفي حقيقة أن أنفاقها الحربية الممتدة لعدة كيلومترات لا تزال صالحة للاستخدام العسكري. السلطة التي تشغل تلك الأنفاق، وتسيّر الدوريات على رأس الجبل المطل على المضيق، ستكون فعلياً القابضة على زر الإغلاق البحري لأوروبا الشرقية.
ثالثاً: صفقة كوشنر – بين المنتجع السياحي والوكر الإسرائيلي الجديد
في عام 2024، كشف جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والشخصية المقربة من صناع القرار في واشنطن، عن خطته الطموحة. شركته الاستثمارية "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners)، بالتعاون مع مستثمرين قطريين (الإخوان رامز ومحمد الخياط) وإسرائيليين، قد حصلت على وضع "المستثمر الاستراتيجي" من الحكومة الألبانية؛ قيمة المشروع تُقدر بـ 1.4 مليار يورو (1.6 مليار دولار)، ويهدف لبناء "مدينة متكاملة" على الجزيرة التي وصفها كوشنر بأنها "من أجمل الأماكن التي لم تُكتشف بعد". في حديثه لإيفانكا ترامب لاحقاً، قال إنهم اكتشفوها "بالصدفة" أثناء رحلة بحرية في 2021؛ الخطة تشمل 10,000 غرفة فندقية، مارينا، مطاعم، منتجع صحي، وتطويرات واسعة على شبه جزيرة زفيرنيتش (Zvernec) المجاورة، التي تضم أراضٍ رطبة محمية وممرات طيور مهاجرة.
لكن السؤال، لماذا هذه الاهمية القصوى لشراء "جزيرة مهجورة" تحتاج إلى تنظيف من ألغام وذخائر غير منفجرة ومكان أسلحة نووية سابقا؛ كوشنر يتحدث عن " مخطط سياحي" و"خلق فرص العمل"، بينما الحكومة الألبانية بقيادة إيدي راما ترحب به كمنقذ للاقتصاد الألباني؛ لكن النقاد (والمواطنون) يرون غير ذلك.
فالتطورات على الأرض خلت من أي مناقصة شفافة، وتجلت بظهور أسوار خرسانية وأسلاك شائكة أقامتها شركات أمن خاصة في المنطقة المحمية في زفيرنيتش؛ هذا الأسلوب في "فرض الأمر الواقع" ليس أسلوب مستثمر عقاري عادي، بل هو أسلوب قوة احتلال ناعم؛ الجزيرة المليئة بالأنفاق والملاجئ النووية ليست مكاناً مناسباً لبناء منتجع سياحي بالمعنى التقليدي؛ تلك الأنفاق هي الأصول الحقيقية، وهي ما لا يمكن شراؤه بأي مبلغ والهدف من شراء الجزيرة السيطرة على مضيق أوترانتو عنق الزجاجة الاروبية المهم من الناحية الجيوسياسية.
كما هو موثق، بدأت احتجاجات شعبية ألبانية عارمة في أواخر مايو وبدايات يونيو 2026، تحت شعار "ألبانيا ليست للبيع" و"إيفانكا، ارجعي إلى بيتك"، بمشاركة آلاف المواطنين. هذه الاحتجاجات لم تكتف بمعارضة الجانب البيئي، بل طالت الفساد وغياب الشفافية، وتحولت في أحيان كثيرة إلى مظاهرات تطيح بالنظام السياسي القائم بأسره، وهتافات تطالب برئيس الوزراء إيدي راما والنائب سلي بيريشا "بالسجن". والمفارقة أن النيابة الخاصة لمكافحة الفساد (SPAK) فتحت تحقيقاً جنائياً في الصفقة نفسها، في خطوة تكشف أن الحكومة نفسها غير ملمة بمحتوياتها، أو أن هناك من يرغب في فضحها. لماذا كل هذه الضجة في بلد صغير لا يملك أسطولاً حربياً ولا يطمح لامتلاكه؛ الجواب هو جزيرة سازان ليست من أجل ألبانيا، بل من أجل من يسيطر عليها؛ وهي أداة في لعبة إقليمية كبرى.
رابعاً: مضيق أوترانتو – عنق الزجاجة الأوروبي والموقع الجغرافي المهم.
الآن نفهم قيمة "المنتجع" حقاً؛ مضيق أوترانتو ليس مجرد ممر مائي، بل هو الحدود المائية لمنطقة البلقان الغربية؛ سيطرته تعني القدرة على التالي:
1- توجيه ضربة استراتيجية لروسيا وحلفائها.
روسيا تحلم منذ القيصرية بامتلاك مياه دافئة في المتوسط. أسطول البحر الأسود الروسي، لبلوغ المتوسط، يجب أن يعبر أولاً مضيق البوسفور (الخاضع لمعاهدة مونترو وتحت السيطرة التركية)، ثم بحر إيجة؛ أما منافذ روسيا البديلة فهي معدومة، باستثناء نهر الدانوب؛ ومضيق أوترانتو هو آخر معبر إجباري لدخول الموانئ الأوكرانية والرومانية والبلغارية إلى المتوسط؛ أي قوة تسيطر على جزيرة سازان يمكنها، نظرياً وبمساعدة من حلفاء، قطع هذا الممر، مما يعزل السفن الروسية والمواد الغذائية الأوكرانية عن العالم.
2-الضغط على إيطاليا وحلف الناتو.
إيطاليا، أقرب دولة أوروبية لألبانيا، لديها قواعد بحرية استراتيجية في برينديزي وتارانتو؛ أي تهديد أو مراقبة لحركة الملاحة في المضيق تعرض للخطر أمن الجناح الجنوبي لحلف الناتو بأكمله. السيطرة الخاصة (غير الحكومية) على مثل هذا الموقع هي حلم أي جهة استخباراتية تريد مراقبة حركة غواصات الناتو.
3-التأثير على أمن الطاقة: خطوط أنابيب الغاز والنفط الجديدة التي تمر من أذربيجان عبر تركيا إلى أوروبا (مشروع الممر الجنوبي) تمر أيضاً عبر البحر الأدرياتيكي؛ السيطرة على المضيق يمكن أن تهدد إمدادات الطاقة الحيوية لأوروبا الشرقية والوسطى.
بعبارة أخرى، (من يملك سازان، يملك مفاتيح نصف أوروبا الشرقية)؛ هذا ليس مجرد منتجع.
خامساً: البعد الإسرائيلي – توسيع "المعسكر" بأدوات خاصة
إذا كان الموقع هو كل هذا القدر من الأهمية، فلماذا يبدو العالم غافلاً؛ الجواب، لأن اليد التي تتحرك هي يد خاصة، لا يد دولة؛ جاريد كوشنر ليس مجرد مستثمر. هو شخصية محورية في المشروع السياسي الإسرائيلي-بغطاء أمريكي؛ صهر ترامب، وكبير مهندسي "صفقة القرن" التي تهدف لترسيم الحدود بين إسرائيل والدول العربية وتطبيع العلاقات؛ وهو معروف بولائه المطلق لإسرائيل. في مقابلته الشهيرة مع صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2024، وصف كوشنر استراتيجيته، "أراهن على الدول التي تراهن على إسرائيل-الخليج ،وأوروبا الشرقية الآن جاهزون للانضمام إلى المسيرة".
ما علاقة ذلك بسازان؛ بالطبع ألبانيا دولة مسلمة ذات أغلبية سنية، لكنها كانت دوماً حليفاً قوياً للولايات المتحدة وإسرائيل؛ رئيس الوزراء الألباني/إيدي راما ،لديه علاقات وثيقة مع النخبة الإسرائيلية، وألبانيا استضافت مؤتمرات تطبيع مع إسرائيل. كما أن ألبانيا عضو في "الحلف الثلاثي" مع كرواتيا وإسرائيل (منذ 2019) لتبادل المعلومات الاستخباراتية؛ إذا قام "مستثمر إسرائيلي مثل اليهودي كوشنير" بامتلاك قلعة بحرية تطل على طريق الملاحة الحيوي، فإن إسرائيل تحصل على منفذ استخباراتي بعيد المدى وعين على أساطيل روسيا وإيران.
هذا يتفق مع العديد من التحليلات التي وصفت مشروع كوشنر بأنه ليس مجرد مشروع عقاري، بل هو جزء من "خطة أوسع" لتوسيع "النفوذ الصهيوني" في غرب البلقان. التحقيقات الجارية من هيئة مكافحة الفساد SPAK، وكذلك الاحتجاجات، تهدد هذه الخطة، مما يفسر لماذا يصر رئيس الحكومة الألباني على أن "لا شيء سيوقف الاستثمار طالما أنا هنا"؛ إنه يعلم أن من يقف وراءه هو الإدارة الأمريكية الحالية ومصالحها الإستراتيجية، ولكنه يعلم أن غضب الشعب الألباني والمظاهرات الشعبية لن تسمح له ببيع الجزيرة إلى اسرائيل أو غيرها.
سادساً: هل فشلت الإمبريالية العقارية بسبب الاحتجاجات الشعبية الألبانية والتصدع.
نحن في أوائل يونيو 2026، والوضع في ألبانيا متأزم؛ احتجاجات "الفلامينجو الوردي" (تيمناً بطيور الفلامينجو التي تهددها المشاريع) تتسع يوماً بعد يوم وتتحول إلى حركة جماهيرية عارمة لا تتعلق فقط بالبيئة، بل المطالبة باسقاط النظام السياسي الفاسد برمته، مظاهرات طلاب، مثقفون، عمال، ومزارعون يتحدون تحت شعار "أوقفوا المشروع"؛ هذا الصدام المباشر بين المصالح الشعبية والمصالح الجيوسياسية الكبرى نادر ما يحدث بهذا الوضوح.
في غضون ذلك، واجه كوشنر فشلاً مماثلاً في صربيا؛ كان قد خطط سابقاً لبناء فندق في موقع الأركان العسكرية الصربية في بلغراد، لكنه اضطر للانسحاب بعد احتجاجات شعبية ومقاضاة مسؤولين صرب بتهمة الفساد. الآن، يتجه كوشنر نحو الاستثمار في البحرين، ربما بحثاً عن بيئة أقل مقاومة؛ لكن ألبانيا ليست البحرين. ألبانيا دولة ديمقراطية (نسبياً) ذات حراك مجتمعي قوي، ولاتزال الذاكرة الجماعية حاضرة حول السيطرة الخارجية بعد عقود من العزلة الشيوعية والاستقلال عن يوغسلافيا.
ربما تكمن العقدة في أن كوشنر فشل في قراءة ألبانيا؛ فالمشروع الذي يُباع للغرب كـ"تنمية اقتصادية"، يُرى محلياً على أنه "نهب للسيادة"؛ والجزيرة، التي قدمها كوشنر كـ"اكتشاف شخصي"، هي عند الألبان ذاكرة بطولية لمقاومة الغزاة؛ والصفقة بهذا الشكل تعيد إنتاج علاقات استعمارية جديدة.
-اقتراحات للخروج من شرك الأطماع الجيوسياسية:
قبل الخاتمة، نقدم سبعة إجراءات عاجلة يمكن اتخاذها لفضح شركات مثل كوشنر ومنع تكرار نموذج سازان في دول أخرى:
1-فضح صفقات الاستثمار العقاري عسكرياً.
يجب أن تخضع أي صفقة عقارية كبرى تتضمن أراضٍ كانت مناطق عسكرية أو تحتوي على بنية تحتية عسكرية لرقابة صارمة من وزارات الدفاع، ليس وزارات السياحة. ذلك لأن البنية التحتية العسكرية هي الأصول الحقيقية التي قد تُستخدم في النزاعات المستقبلية؛ ما يجري في جزيرة سازان يجب أن يُطرح على طاولة حلف الناتو فوراً وليس على طاولة مستثمرين خواص.
2-تفعيل "قاعدة الكشف عن المستفيد الحقيقي" (Beneficial Ownership): لا يمكن السماح بأن تكون شركات استثمارية في قطاع حساس مثل جزيرة سازان، تحجب هوية المساهمين الحقيقيين؛ الكشف عن كل من له مصلحة في المشروع (من الإسرائيليين والأمريكيين والقطريين) هو حق للمواطنين وللهيئات الرقابية المحلية.
3-قوانين تحظر بيع المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية للأجانب: يجب على الدول مثل ألبانيا والجبل الأسود وكرواتيا، التي تمتلك جزراً استراتيجية في البحر الأدرياتيكي، أن تُدرج جزرها المطلة على المضائق على قائمة "الممتلكات ذات السيادة" التي لا يمكن بيعها أو تأجيرها لغير الحكومة لأي غرض كان.
4-إعادة تعريف "الاستثمار الأجنبي الاستراتيجي" في غرب البلقان: المفوضية الأوروبية يجب أن تتدخل وتصدر معايير واضحة؛ الاستثمار الذي يشمل جزراً أو مضائق بحرية لا يمكن أن يُمنح وضع "استراتيجي" إلا بموافقة مسبقة من الاتحاد الأوروبي والناتو؛ خلاف ذلك، ستتحول المنطقة إلى ساحة لنفوذ القوى الخاصة غير الخاضعة للمساءلة.
5-دعم حركات المجتمع المدني والشفافية: الاحتجاجات الشعبية في ألبانيا هي خط الدفاع الأول؛ على المنظمات الحقوقية الدولية دعم مطالبهم في المحاكم المحلية والدولية، وتوفير الخبرات القانونية لرفع دعاوى قضائية تثبت أن الصفقة أضرت بالبيئة والاقتصاد الوطني؛ شركات مثل أفينيتي بارتنرز لا يمكنها مواجهة موجة مقاضاة دولية منظمة.
6-متابعة التحقيقات الجنائية (SPAK) حتى النهاية: هيئة مكافحة الفساد الخاصة في ألبانيا يجب أن تعلن نتائج تحقيقاتها وتفاصيل تغيير تصنيف الأراضي والملكيات. إذا ثبت أن المسؤولين الحكوميين تلاعبوا بقوانين حماية البيئة أو الملكية لتسهيل الصفقة، فيجب محاكمتهم علناً؛ ذلك من شأنه أن يخلق سابقة رادعة لكل من يفكر في تكرار النموذج.
7-إشراك خبراء عسكريين دوليين في تقييم الآثار: يجب على الأمم المتحدة أن ترسل فريقاً من الخبراء العسكريين والجيوسياسيين لتقييم مخاطر تحويل جزيرة مسيجة عسكرياً إلى "منتجع خاص"، وتقديم توصيات ملزمة للحكومة الألبانية؛ لا يمكن للسياحة أن تكون غطاءً لأغراض لا تقل خطورة عن تغيير موازين القوى الإقليمية.
ختاماً ،عندما يكون منتجع كوشنر سلاحاً حربياً
قد يظن البعض أن الحديث عن "السيطرة على مضيق أوترانتو" هو مبالغة تحليلية من طرف الدكتور عبدالحكيم وادي، خصوصاً أن القاعدة البحرية في جزيرة سازان قد هُجرت منذ زمن؛ لكن البنى التحتية لا تزال قائمة؛ الأنفاق لا تزال صامدة؛ والموقع الجغرافي لا يتغير. وفي عصر الصراعات الهجينة والحروب بالوكالة، من يمتلك هذه البنية يمكنه إعادة تشغيلها في غضون أيام وليس سنوات؛ كوشنر ليس رجل أعمال عادي، وشريكه المالي ليس مصرفاً عادياً. إنهم جزء من شبكة نفوذ مرتبطة بأجهزة استخبارات ومشاريع استيطانية وتوسع اسرائيلي؛ ما يحدث في ألبانيا يشبه ما حدث في غزة؛ تحويل أرض فلسطينيين إلى واجهات سياحية بمباركة قوى كبرى.
اخيراً،لعل المفارقة الأكثر حزناً أن الشعب الألباني يدفع الثمن مرتين، (مرة بخسارة سيادته على موقعه الجيوسيوي، ومرة بتشريد طيور الفلامينجو وتدمير نظام بيئي فريد لا يعوض)؛ اليوم، يخرج المتظاهرون الألبان بشعارات مضحكة تبكي، "ألبانيا ليست للبيع" و"إيفانكا، ارحلي"؛ لكن وراء هذه الهتافات الساخرة، هناك قلق حقيقي من تحول بلدهم إلى أداة طائشة في صراع إقليمي بين واشنطن وتل أبيب وموسكو بسبب أهمية مضيق أوترانتو.
عندما نفكك طلاسم صفقة كوشنر، نكتشف أن جزيرة سازان هي أكثر من مجرد جزيرة؛ هي اختبار حقيقي لإرادة الدولة الألبانية، وأوروبا، والقوى الغربية في مواجهة تسلط رأس المال الخاص على الأمن القومي. فإما أن تتحرك المؤسسات الرسمية لتجرد هذه الصفقة من غطائها السياحي، وتضعها تحت المجهر العسكري، وإلا فإن الألبان والأوروبيين سيستيقظون يوماً ليجدوا أن "منتجعاً" أصبح قاعدة استخباراتية أو عسكرية لا تخضع لأي سلطة، تهدد أمن البحر الأدرياتيكي بأسره؛ واللافت أن كل هذه التطورات تجري في صمت إعلامي غربي مطبق، وكأن أحداً لا يريد أن يرى الحقيقة أمام عينيه؛ لكن الحقيقة، كما تقول الكاتبة الأيرلندية /تساوير، تبقى صامدة رغم كل محاولات التغطية، من (يسيطر على سازان، يسيطر على المضيق؛ ومن يسيطر على المضيق، يسيطر على مستقبل المنطقة).
المراجع:
- التغطيات الميدانية لوكالات الأنباء: EFE, NBC News, PressTV, The Independent, The Real Deal, Arab News PK، حول احتجاجات وصفقة كوشنر في ألبانيا (مايو-يونيو 2026).
- Wikipedia: Sazan Island (history, area, strategic location, Karaburun-Sazan Marine Park).
-تقارير هيئة مكافحة الفساد الخاصة الألبانية (SPAK) حول فتح تحقيق في تغيير تصنيف الأراضي وملكية جزيرة سازان، كما وثقها موقع European Western Balkans (يونيو 2026).
- تحليلات جيوسياسية من منصة "Double Down" و"DD Geopolitics" و"Alistairr13" حول العلاقة بين مشاريع كوشنر وتوسيع النفوذ الإسرائيلي (نظريات مؤامرة مقروءة نقدياً).
-تقارير البي بي سي وبلومبرغ عن مشروع كوشنر الاستثماري في غرب البلقان وأسباب انسحابه من صربيا (2025-2026).
-أرشيف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) حول جزيرة سازان (وصف الموقع كموقع للسيطرة على مضيق أوترانتو).
-كتاب تاريخي: "القواعد السرية لخوجة: الهندسة العسكرية لألبانيا الشيوعية".
-مقابلة جاريد كوشنر مع صحيفة "نيويورك تايمز" عن استراتيجيته الاستثمارية العالمية (2024).
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟